المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

البنية المقطعية وأثرها الدلالي في القراءات القرآنية

محمد إسماعيل محمد

صفحة ٢ من ٢

آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 183 لم تكن ىناك عمة نحوية تدعو إلى التسكين، بل التسكين مخالف لمقاعدة النحوية لخمو الفعل من عوامل الجزم، ولذلك ذىب أىل المغة إلى أن الغاية من التسكين ىو التخفيف، كقول امرئ القيس (1): فاليـومَ أشْرَبْ غـير مستحقـب إثمـاً من الله ولا واغـلِ وقول العرب : (أراك مُنْتَفْخاً ) بسكون الفاء(2) . لكننا عند تحميل قراءة أبي عمرو ليذه المواضع تحميلاً مقطعياً نجد أن ىناك دمجاً بين مقطعين قصيرين وجعميما مقطعاً متوسطاً مقفلاً، فمفظة (نطعمُكم) عمى قراءة الجميور تتكون من أربعة مقاطع (نُطْ /ـعـِ /ـمـُ /ـكُمْ )، وفي قراءة أبي عمرو يندمج المقطعان الوسطيان القصيران في مقطع متوسط مقفل (نُطْ /ـعِمـْ /ـكُمْ ) لتدل عمى التأكيد والاىتمام فالمقاطع القصيرة المفتوحة في وسط الكممة تعطييا انسيابية في النطق، أما المقطع المتوسط المقفل في وسط الكممة فيعطييا نبراً وقوةً تشد الأسماع وتثير الأذىان. 2 .تحوول الدؼطع الؼصير إلى مؼطع متوسط مػتوح ودل عؾى اتساع الدعـى قال الله تعالى: ﭽﭰ ﭱ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺ ﭻﭼ [البقرة :ٔ٘] قرأ أبو عمرو (وَعَدْنا) بدون ألف، وقرأىا الباقون (واعَدْنا) بالألف(3) . قراءة أبي عمرو تدل عمى أن الوعد كان من الله عز وجل لموسى ()، فيو من جية واحدة، أما قراءة الجميور فتدل عمى المشاركة، إذ المواعدة تكون بين (1 )ديوان امرئ القيس /258 . (2 )ينظر: الحجة لمقراء السبعة، أبو عمي النحوي : 4/88، تحقيق: كامل مصطفى الينداوي، دار الكتب العممية، بيروت، ط1،2001م، والكشف عن وجوه القراءات السبع وعمميا وحججيا، مكي بن أبي طالب: 1/241، تحقيق: د. محيي الدين رمضان، مجمع المغة العربية، دمشق، ط 1،1974م، والموضح: 1/276-277 . (3 )التيسير في القراءات السبع، أبو عمرو الداني /63، تحقيق: أوتويرتزل، دار الكتب العممية، بيروت، ط1،1996م.

عدد الصفحات ١٧

البـقة الدؼطعقة وأثرها الدلالي في الؼراءات الؼرآنقة م.د. محؿد إسماعقل محؿد 184 اثنين، فيناك وعد من الله تبارك وتعالى لموسى () بإعطائو التوراة، ووعد من موسى بالتنفيذ والالتزام والحضور؛ لأن الطاعة في القبول بمنزلة المواعدة (1) . وفي الانتقال من قراءة أبي عمرو إلى قراءة الجميور انتقال بالمقطع الأول لمكممة من مقطع قصير إلى مقطع متوسط مفتوح، فالتقسيم المقطعي لقراءة أبي عمرو ىو (وَ /عَدْ /نا)، والتقسيم المقطعي لقراءة الجميور ىو (وا/عَدْ /نا)، وفي ىذا الانتقال اتساع في الدلالة، فإذا كان الوعد في قراءة أبي عمرو يدل عمى إكرام الله لموسى () وتكميفو بالرسالة، فإنو في قراءة الجميور اتسع باتساع مقطعو الأول ليدل عمى ما كان يطمح إليو كميم الله تبارك وتعالى من فرحة المقاء ونور المؤانسة التي ذاق حلاوتيا من قبل وىو عائد من مدين حينما خوطب ﭽﯫ ﯬ ﯭ ﯮ ﯯﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴﭼ [طو:ٕٔ]، وحين سئل: ﭽ ﭹ ﭺ ﭻ ﭼﭼ [طو:ٚٔ]، فأطال القول: ﭽﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾﭼ [طو:ٛٔ] 3 .فتح الدؼطع الدتوسط ودل عؾى الإبعاد قال الله تعالى: ﭽ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﭼ [البقرة :ٖٙ] قرأ حمزة (فأزاليما ) بألف مخففاً، والباقون (فأزلثَّيما) من غير ألف مشدداً (2) . (أَزَلثَّيُما) مأخوذة من (الزثَّلَل)، يقال: زَلثَّ فلانٌ وأزْلَمْتو، "والزَلثَّةُ الخطأ؛ لأن المخطئ زَلثَّ عن نيج الصواب"(3)، فمعنى: ﭽ ﯨ ﯩﭼ: أكسبيما الزلة والخطيئة (4)، عن طريق التزيين ليم . أما (أَز اليُما) فمأخوذة من الفعل (زال ) يقال: زال فلان وأَزالَو فلان(5)، فمعنى (أزاليما ): نحّاىما وأبعدىما. (1 )معاني القرآن وا عرابو، الزجاج: 1/121، تحقيق: د. عبد الجميل عبده شمبي، دار الحديث، القاىرة، ط1،2004م. (2 )التيسير/63 . (3) مقاييس المغة، ابن فارس /431 (زلّ)، تحقيق: محمد عوض مرعب وفاطمة محمد أصلان، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1،2001م. (4) ينظر: معاني القرآن وا عرابو: 1/107، ومعاني القراءات ، الأزىري /48، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العممية، بيروت، ط 1،1999م. (5) ينظر: معاني القرآن، الأخفش الأوسط/58،تحقيق: إبراىيم شمس الدين، دار الكتب العممية، بيروت،

عدد الصفحات ١٨

آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 185 ومن خلال الموازنة بين القراءتين مقطعياً نرى أنّ قراءة حمزة قمبت المقطع الثالث من مقطع متوسط مقفل إلى مقطع متوسط مفتوح، فبعد أن كانت البنية المقطعية لمكممة عمى قراءة الجميور (فَـ/ـأَ /زَلْـ/لَـ/ـيُـ/ما) أصبحت عمى قراءة حمزة (فَـ/ـأَ /زا/لَـ/ـيُـ/ما) وفي ىذا الانفتاح والإطلاق دلالة عمى الإبعاد والتنحية. 4 .تؼؾقل الدؼاطع ودل عؾى سرعة الحدث وتؽثيرها ودل عؾى تؽثيره وتؽراره قال الله تعالى: ﭽﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱ ﭺ ﭻ ﭼ ﭽ ﭶ ﭷﭼ [آل عمران :ٕٗٔ] قرأ ابن عامر (مُنَزثَّلين) بالتشديد، وقرأ الباقون (مُنْزَلين) بالتخفيف(1) . (مُنْزَل) بالتخفيف من الفعل (أنْزَل)، و(مُنَزثَّل) بالتشديد من الفعل (نَزثَّلَ )، وذىب الأزىري إلى أنيما لغتان بمعنى واحد (2)، ويرى ابن خالويو أن في التشديد معنى التكرير والمداومة عمى الشيء (3)، وا ذا قطثَّعنا القراءتين مقطعياً نجد قراءة الجميور تتكون من أربعة مقاطع (مُنْـ/ـزَ /ليـ/ـنَ )، وقراءة ابن عامر تتكون من خمسة مقاطع (مُـ/ـنَزْ /زَ /ليـ/ـنَ )، وىذا التباين في عدد المقاطع بين القراءتين يتناسب في دلالتو مع الدلالة الصرفية لمصيغتين، فقمة المقاطع تدل عمى السرعة في الإنزال وىو ما دلت عميو قراءة التخفيف، وكثرة المقاطع تدل عمى التكرار والكثرة وىذا ما دلت عميو قراءة التشديد . ط1،2002م،وا عراب القرآن، ابن النحاس: 1/46، تحقيق: عبد المنعم خميل إبراىيم، دار الكتب العممية، بيروت، 2004م. (1 )التيسير/75 . (2 )ينظر: معاني القراءات /109 . (3 )ينظر: الحجة في القراءات السبع، ابن خالويو /55، تحقيق: أحمد فريد المزيدي، دار الكتب العممية، بيروت، ط1،1999م.

عدد الصفحات ١٩

البـقة الدؼطعقة وأثرها الدلالي في الؼراءات الؼرآنقة م.د. محؿد إسماعقل محؿد 186 5 .فتح الدؼطع ودل عؾى الدسارعة وإقػاله ودل عؾى التثبقط قال الله تعالى: ﭽﭿ ﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈﭼ [الحج:ٔ٘] وقال تعالى: ﭽﮧ ﮨ ﮩ ٌ ً ٌ ٍ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﭼ [سبأ:٘] وقال تعالى: ﭽﯦ ﯧ ﯨ ﯩ ﯪ ﯫ ﯬ ﯭ ﯮﭼ [سبأ:ٖٛ] قرأ ابن كثير وأبو عمرو (مُعَجِّزينَ ) في المواضع الثلاثة بتشديد الجيم من غير ألف، وقرأ الباقون (مُعاجِزين) بالألف وتخفيف الجيم(1) . (مُعَجِّزينَ): مثبطين عن الإيمان بيا، من العجز، وىو نقيض الحَزْم، أما (مُعاجِزين) فمعناىا: معاندين مسابقين(2)، قال القرطبي : "معاجزين : مسابقين يحسبون أنيم يفوتوننا، وأن الله لا يقدر عمى بعثيم في الآخرة، وظنوا أنا نيمميم، فيؤلاء ﭽٍ ﮮ ﮯ ﮰ ﮱﭼ يقال: عاجزه وأعجزه إذا غالبو وسبقو"(3)، وقال الآلوسي: "معاجزين : أي مسابقين لممؤمنين، والمراد بمسابقتيم مشاقتيم ليم ومعارضتيم فكمما طمبوا إظيار الحق طمب ىؤلاء إبطالو، وأصمو من عاجزه فأعجزه وعجزه إذا سابقو فسبقو، فإن كلا من المتسابقين يريد إعجاز الآخر عن المحاق"(4)، فصيغة المفاعمة تدل عمى ظنيم النجاة والانفلات من تعذيب الله إياىم بإنكارىم البعث والرسالة بحال من يسابق غيره ويعاجزه ، أي يحاول معاجزته عن لحاقو. واختلاف المقاطع بين القراءتين جاء مؤيداً ليذا المعنى، فقراءة (مُعَجِّزينَ ) أقفمت مقطعيا الثاني (مُـ/ـعَجـْ /ـجِـ/ـزين )، وقراءة (مُعاجِزين) فتحت مقطعيا الثاني (مُـ/ـعا/جِـ/ـزين )، وا قفال المقطع يدل عمى التثبيط، وفتحو يدل عمى المسابقة والمسارعة . (1 )التيسير/128 . (2 )تيذيب المغة: 3/2337(عجز). (3 )الجامع لأحكام القرآن، القرطبي : 24/261، تحقيق: أحمد عبد العميم البردوني، دار الشعب، القاىرة، ط 2،1952م. (4 )روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني، الآلوسي : 17/172، دار إحياء التراث العربي، بيروت، ط 1 .

عدد الصفحات ٢٠

آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 187 الخاتمـــة تبين لنا في المبحث الأول أن القراءات القرآنية تشتمل عمى ستة مقاطع، الثلاثة الأول أكثرىا شيوعاً في القراءات القرآنية، إذ لا توجد أية قيود عمى توزيعيا، فيي تقع في أول الكممة أو وسطيا أو آخرىا كما مثمنا، وفضلاً عن ذلك فيي توجد بحرية في جميع الكممات بصرف النظر عن أحجاميا، وليذا تعد المقاطع الأساسية في القراءات القرآنية، أما المقطع الرابع فغالباً ما يأتي في الوقف عمى الكممات التي تنتيي بمقطعين؛ أوليما متوسط مفتوح (ص ح ح)، وثانييما قصير (ص ح)، ويأتي قميلاً في درج الكلام، لكن يشترط فيو أن يتموه مقطع آخر صامتو الأول مماثل لمصامت الذي يقفل بو ىذا المقطع، أما المقطع الخامس فغالباً ما يقع في الوقف عمى الكممات، وىو شائع في الوصل عند البزي وأبي عمرو وقرأ بو نافع وحمزة وأبو عمرو وابن كثير وبعض من قراء المدينة، وأما المقطع السادس فقد اختصت بو القراءات القرآنية إذ يختص بالوقف عمى الكممات التي تشتمل عمى مقطع طويل مقفل بصامت (ص ح ح ص) يتموه مقطع قصير (ص ح) تنتيي بو الكممة، الصامت فيو مماثل لمصامت الذي قُفِلَ بو المقطع الطويل ومدغم فيو، أما في كلام الناس وتخاطبيم وشعرىم فلا وجود ليذا المقطع لأنيم يميمون إلى الخفة، إذ لا فرق بين وقوفيم عمى الحرف المشدد أو المخفف. وفي المبحث الثاني تبين لنا أن التغاير في القراءات القرآنية ذو أثر واضح في تشكيل البنية المقطعية، وىذا إن دل عمى شيء فإنما يدل عمى غنى الإمكانات في بناء الكممة العربية، تمك الإمكانات التي قد لا نجد ليا نظائر في لغات أخرى، فضلاً عن أن مثل ىذا التغيير يؤدي إلى إحداث صور شتى من الارتقاء الصوتي، فإيقاع الكممة مع الياء مثلاً مختمف عنو عند حذفيا وىمم جرا. وفي المبحث الثالث تبين لنا أن الدمج بين مقطعين قصيرين وجعميما مقطعاً متوسطاً مقفلاً يدل عمى التأكيد والاىتمام، وأن تحويل المقطع القصير إلى مقطع متوسط مفتوح يدل عمى اتساع المعنى، وأن فتح المقطع المتوسط يدل عمى

عدد الصفحات ٢١

البـقة الدؼطعقة وأثرها الدلالي في الؼراءات الؼرآنقة م.د. محؿد إسماعقل محؿد 188 الإبعاد، وأن تقميل المقاطع يدل عمى سرعة الحدث، وتكثير المقاطع يدل عمى تكثير الحدث وتكراره، وأن فتح المقطع يدل عمى المسارعة وا قفالو يدل عمى التثبيط.

عدد الصفحات ٢٢

آداب الرافدون– العدد (54 ) 1430هـ/2009م 189 Segmental Order and Its Semantic Effect in the Qur’anic Recitation Dr. Muhammed Ismaeel Muhammed Abstract This study aims at describing the segmental order in the Quranic recitations especially it is considered as the original phonetic source that protect on the phonetic performance as received from the Prophet (peace and blessing be upon him ). The study fall s into three sections . In the first section , the study examined the segmental shapes which can be happened in the Quranic recitation and clarified what is predominant and rare . It also studies the segmental order of the Quranic recitation and have no existence in Arab's talk (prose and poetry). It renamed these segmental to match with the number of sounds in each segmental . In the second section , the study studies the impression of the Quranic recitations in the segmental order because of its trace in forming it . In the third section, the study delves into the indication impression of the segmental order in the Quranic recitation throughout the emphasis, centers and so on.  Dept. of Islamic Education/ College of Education for Girls/ University of Mosul.

عدد الصفحات ٢٣