المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف دراسة في تفسير الميزان

إياد محمد علي الأرناؤوطي

صفحة ١ من ٢

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 327 دلالة السّياق المّغويّ في سورة يوسف دراسة في تفسير الميزان د. إياد محمّد عميّ الأرناؤوطيّ كمّيّة التّربية ابن رشد/ جامعة بغداد Eyad_1961@yahoo.com الخلاصة العربيّة يرتبط محتوى ىذه السّورة بعضو ببعض، لذا كان لمسّياق دور كبير في تفسيرىا، فاخترتيا موضوعًا لبحثي ىذا. يؤلّفف الرفر ن الكفريم منظومفة متينفة الأسفس، محكمفة البنففاع، يعضفد بعضفيا بعضًفا، ولا يخالففو، و يصفدق عميفو مففن دلالة السّياق ما يصدق عمى غيره من الكلام، إلاّ أنّ تركيبو، يجعل لو خصوصيات يختصّ بيا من سواه. يتألّف الرر ن الكريم من قطع مسترمّة، يُسمَّى كلّ منيا (سورة). وتتفألف السّفورة مفن وحفدات أصفغر، يُسفمّى كفلّ منيفا يففة، ويمكننففا ترسففيم السّففياق المّغففويّ الرر نففيّ عمففى عففدّة مففن سففياقات، ىففيغ أوّلاًففف السّففياق الأصففغرغ أيّ سففياق الجممففة، بالمصطمح النّحويّ ، ثانيًاف سياق الآية، ثالثًاف سياق المرطع الرر نيّ، رابعًاف سياق السّورة، خامسًا ف سياق الموضوع الواحفد، سادسًاف سياق المكّيّ والمدنيّ، سابعًاف السّياق الأكبر، أي سياق الرر ن كمّو. سعيت إلى دراسة أغمب دلالات السّياق المّغويّ التفي أففاد منيفا العلاّمفة الطّباطبفاييّ ففي تفسفيره السّفورة الشّفريفة، وقفد وجدت أغمبيا تنتمي إلى السّياقات الثّاني، والثّالث، والرّابع، والسِّياق الأخير. Abstract Linguistic Method Evidence in Yousif soura Study of Al-Mizan Explanation Dr. Eyad Mohammad Ali Al-Arnao'uti Baghdad University – College of Education – Ibn Rushod Every content in this soura connect each other , so the method has great importance and role in explanation. where I select to my subject in the research . The holly Quran has complicated and miscellaneous built foundation, each enforced other, and never diverse than that, truth of so called method evidence , also truth on each other. Unless in composition . that make it so personnel and specialized by anything else, The Holly Quran include from separated parts, each one called soura , and the soura include from smaller parts , each one called aya , We are able to divide the linguistic method of Quran in to many sub-methods like : First of all minimal method , that mean the statement method, by the literal idioms, secondly: aya method, thirdly: Quran sentence method, fourthly: soura method, fifthly , one content or subject method, sixthly, civil and macci method ,finally the greatest method , That all of Quran methods , studied in most method evidences, in which benefit from the great scientist Tabataba'i in his explanation for the sharief soura . where found most of it belong to the first three methods and the last one . مردّمة

عدد الصفحات ١

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 328 تبيّف سورة يوسؼ ولاية الله لعبده الذي أخمص إيمانو لو، وامتلؤ بمحبتو تعالى، لا يبتغى لو بدلا، ولـ يمو إلى غيره تعالى مف شيء، فيتولّى الله تعالى أمره، فيخمصو لنفسو، ويحييو حياة إلييّة، وا ف أجمعت الأسباب الظاىرة عمى ىلبكو (1). ولـ يرد في سور القرآف الكريـ تفصيؿ قصّة مف القصص باستقصائيا مف أوّليا إلى آخرىا غير قصّتو ( عميو السّلبـ )، لذا كاف لمسّياؽ دو ر كبير في تفسيرىا، فاخترتيا موضوعًا لبحثي ىذا. (الدّلالة السّياقيّة) لغة قاؿ الجوىري: "دلّو عمى الطّريؽ، يدلّو دَلالة ودِلالة ودلولة، والفتح أعمى.... قاؿ أبو عبيد: الدّاؿ قريب المعنى مف اليدى "(ٕ)، وقاؿ الزّبيديّ: " الدّليؿ: ما يستدؿّ بو، وأيضا: الدّاؿ، وقيؿ: ىو المرشد، وما بو الإرشاد" (3) ،و"الدّلالة ىي المعنى"(4). أمّا السّياؽ فقد قاؿ فيو الزّبيديّ: "وساؽ الماشية سوقًا وسِياقةً بالكسر ومساقًا وسياقًا كسحاب، واستاقيا وأساقيا فانساقت فيو سائؽ وسوّاؽ... وأصؿ السّياؽ: سِواؽ، قمبت الواو ياء لكسرة السّيف."(5). "وسياؽ الكلبـ: تتابعو، وأسموبو الذي يجري عميو (6). وعميو فالدّلالة السّياقيّة لمكلبـ لغةً: ىي المعنى المفاد مف تتابع الكلبـ (الدّلالة السّياقيّة) اصطلاحًا تنظر نظريّة السّياؽ إلى المّغة بوصفيا نشاطًا اجتماعيًّا متّسقًا، فإذا عزلت الكممة عف سياؽ ىذا النّشاط الّذي يكتنفيا، أو عف الموقؼ المّغويّ، أصبحت وعاءً فارغًا مف المعنى. فالسّياؽ ىو الّذي يحدّد مدلوؿ الكممة المفردة، ويفرض ليا قيمة حضوريّة معيّنة(7). ويقسـ السّياؽ عمى قسميف،ىما الأوّلغ السّياق المّغويّغ يُحدّد فيو المعنى بالاستناد إل ى عناصر لغويّة، نحو: كممة (زوج) الّتي تدؿّ معجميًّا عمى المذكّر، والمؤنّث، لكنّيا تتحدّد بالمؤنّث في قولو تعالى: وَا ِنْ أَرَدْتُمُ اسْتِبْدَالَ زَوْجٍ مَكَانَ زَوْجٍ (ٛ) بدلالة ميـ خطاب المذكّر في: أَرَدْتُمُ(9)ىذا السّياؽ يفسّرهاستيفن أولمان) بػ: النّ ظـ المّفظيّ لمكلبـ، وموقع الكممة في ذلؾ النّظـ، فلب يشمؿ، الكممات، والجمؿ السّابقة، واللبّحقة حسب، بؿ القطعة كمّيا، والكتاب كمّو(11). الثانيغ السّياق غير المّغويّغأيّ الظّروؼ الخارجيّة الّتي تحيط بالحدث المّغويّ. إفّ المعنى الواقعيّ لمكممات لا يتحدّد إلاّ مف خلبؿ السّياؽ الّذي ترد فيو، لأفّ دلالة الكممة تتألّؼ مف تركيبيا الصّوتيّ، وصيغتيا، ووظيفتيا النّحويّة، ولأفّ المعنى المعجميّ لمكممة غالبًا ما يتعدّد، ولأفّ المقاـ (السّياؽ الاجتماعيّ) ىو الّذي يعطي الكممة مدلوليا النّيائيّ (11). فحيف ترد المف ردة في جممة أو عبارة،

عدد الصفحات ٢

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 329 فيي في سياؽ لغويّ، وحيف تقاؿ ىذه الجممة أو العبارة في موقؼ معيّف فيي في سياؽ اجتماعيّ، ولكؿّ مف السّياقيف إسيامو في تحديد دلالة المفردة(12). وفي تعريفو السّياؽ أشار السّيّد محمّد باقر الصّدر إلى السّياؽ المّغويّ بػ (الدّواؿ المفظيّة)، وا لى السّياؽ غير المّغويّ بػ (الدّواؿ الحاليّة)، إذ عرّفو بأنّو: " كؿّ ما يكتنؼ المّفظ الّذي نريد فيمو مف دواؿ أخرى، سواء أكانت لفظيّة، كالكممات التي تشكّؿ مع المّفظ الّذي نريد فيمو كلبمًا واحدًا مترابطًا، أـ حاليّة، كالظّروؼ والملببسات الّتي تحيط بالكلبـ، وتكوف ذات دلالة في الموضوع" (13). أمّا السّيّد محمّد الصّدر فقد قسّـ السّياؽ عمى قسميف الأوّلغ معنويّ: يتمثّؿ في الاتّصاؿ بيف مقاصد المتكمّـ والمعاني التي يريد بيانيا والإعراب عنيا، ويستعمؿ عادة في الاستدلاؿ الفقييّ والأصوليّ. الثانيغ لفظيّ: يتمثّؿ في تناسؽ الألفاظ عرفيًا في الذوؽ والمّغة، ويختؿّ في حاؿ الزّيادة أو النّقصاف(14). ويختمؼ أثر السّياؽ المّغويّ في تحديد معنى الكممة المفردة، إذ "ىناؾ نوعاف مف التّأثيرات السّياقيّة تمؾ الّتي تؤثّر في كؿّ الكممات، وتمؾ الّتي تؤثّر في بعضيا أكثر مف غيرىا" (15). السّياق المّغويّ الرر نيّ يؤلؼ القرآف الكريـ منظومة متينة الأسس، محكمة البناء، يعضد بعضيا بعضًا، ولا يخالفو، قاؿ سبحانو: (أَفَلاَ يَتَدَبَّرُونَ الْرُرْ نَ وَلَوْ كَانَ مِنْ عِندِ غَيْرِ المّوِ لَوَجَدُواْ فِيوِ اخْتِلاَفاً كَثِيراً) (ٙٔ). وفي أىمية السّياؽ القرآنيّ يؤكد السيد محمد تقي المدرسي أفّ الآيات القرآنيّة ترتبط بإحدى علبقتيف: علاقة عمميّةغ فيقرّر القرآف واقع ارتباط حقيقة بأخرى، فيذكرىما معًا، يقوؿ الله سبحانو: "فَاعْمَمْ أَنَّوُ لاَ إِلَوَ إِلاَّ المَّوُ وَاسْتَغْفِرْ لِذَنبِكَ وَلِمْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَالمَّوُ يَعْمَمُ مُتَرَمَّبَكُمْ وَمَثْوَاكُمْ" (ٚٔ) ، إفّ علبقة الاستغفار مف الذّنب بتوحيد الله علبقة واقعيّة تفرضيا حقيقة الرّبّانيّة مف جية، والعبوديّة مف جية ثانية. إذ إفّ العقيدة بأحديّة الله توجب العقيدة بعبوديّة الفرد، فعمى العبد أف يخضع لله. أو علاقة تربويّة: فالقرآف الكريـ كتاب تربية، يلبحؽ النّفس البشريّة في شتّى شؤونيا، فيعالجيا - إف طغت - إفراطًا، أو تفريطًا(18) . يبدو أفّ السّيّد المدرسيّ أراد بػ (العلبقة التّربويّة) سياؽ الموضوع في القرآف كمّو إفّ الق رآف الكريـ كلبـ، يصدؽ عميو مف دلالة السّياؽ ما يصدؽ عمى غيره، إلاّ أفّ تركيبو، يجعؿ لو خصوصيات يختصّ بيا مف سواه. يتألّؼ القرآف الكريـ مف قطع مستقمّة، يُسمَّى كؿّ منيا (سورة). وتتآلؼ ىذه السّور فيما بينيا لتكوّف الوحي الإلييّ الّذي ((لاَ يَأْتِيوِ الْ بَاطِلُ مِن بَيْنِ يَدَيْوِ وَلاَ مِنْ خَمْفِوِ تَنزِيلٌ مِّنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ ))(ٜٔ).

عدد الصفحات ٣

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 331 تتألؼ السّورة مف وحدات أصغر، يُسمّى كؿّ منيا آية، وىي الأصغر في بنية النّصّ القرآنيّ، وقد عرّفيا العلبّمة الطّباطبائيّ بأنّيا: "قطعة مف الكلبـ مف حقّيا أف تعتمد عم ييا التّلبوة بفصميا عمّا قبميا، وعمّا بعدىا "(21). ولا خلبؼ في كوف الآية قطعة مف السّورة تمتمؾ نوعًا مف الاستقلبؿ في بنية النّصّ القرآنيّ عميو يمكننا ترسيم السّياق المّغويّ الرر نيّ عمى عدّة من سياقات، ىيغ أولاف السّياق الأصغرغ أيّ سياؽ الجممة، بالمصطمح النّحويّ . ثانياف سياق الآية، وىي غالبًا أكثر مف جممة ثالثاف سياق المرطع الرر نيّ، وىو غالبًا أكثر مف آية، وسأبيّنو لاحقًا. رابعاف سياق السّورة خامسا ف سياق الموضوع الواحد ، وغالبًا ما يكوف متفرقًا في القرآف الكريـ. سادساف سياق المكّيّ والمدنيّ . سابعاف السّياق الأكبر، أي سياؽ القرآف كمّو. يمحظ أنّو في ىذه السّورة الشّريفة يكاد يتطابؽ سياقا الموضوع والسّورة، فمـ تتضمّف السّورة سوى موضوع واحد، ىو قصة يوسؼ( عميو السّلبـ)، ولـ يتعرّض القرآف الكريـ لمقصّة في غير ىذه السّورة. سأسعى إلى دراسة أغمب دلالا ت السّياؽ الّمغويّ التي أفاد منيا العلبّمة الطّباطبائيّ في تفسيره السّورة الشّريفة(21) ، وقد وجدت أغمبيا تنتمي إلى أربعة سياقات، ىي الأوّلغ سياق الآية وجدت ذلؾ في خمسة مواضع مف تفسيره السّورة، إذ أفاد السّياؽ المّغويّ للآية: ٔف استمرار النّعمة الإلييّ ة موروثة في بيت إبراىيم (عميو السّلام)، ففي تفسير الآية السّادسة: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَمِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَوُ عَمَيْكَ وَعَمَى لِ يَعْرُوبَ كَمَا أَتَمَّ يَا عَمَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْ حَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَمِيمٌ حَكِيمٌ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "و إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْحَاقَ بدؿ، أو عطؼ بياف لقولو: أَبَوَيْكَ ، وفائدة ىذا السّياؽ الإشعار بكوف النّعمة مستمرّة موروثة في بيت إبراىيـ مف طريؽ إسحاؽ، حيث(22) أتمّيا الله عمى إبراىيـ، وا سحاؽ، ويعقوب، ويوسؼ ( ع )، وسائر آؿ يعقوب"(23). لـ يصرّح بذلؾ الطّبرسيّ، ولا الزّمخشريّ، ولا الرّازيّ، ولا الآلوسيّ(24) ، وا ف كانوا جميعا قد أشاروا إلى ما يقارب ذلؾ في تفسير الآية. ٕف صرف دلالة الجممة الخبريّة إلى الإنشاع، ففي تفسير الآية السّابعة والأربعيف: (قَالَ تَزْرَعُونَ سَبْعَ سِنِينَ دَأَباً فَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُمِوِ إِلاَّ قَمِيلاً مِّمَّا تَأْكُمُونَ) ، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "ذكروا أفّ تَزْرَعُونَ خبر في معنى الإنشاء، وكثيرًا ما يؤتى بالأمر في صورة الخبر مبالغة في وجوب الامتثاؿ، كأنّو واقع يخبر عنو، كقولو تعالى: (تُؤْمِنُونَ بِالمَّوِ وَرَسُولِوِ وَتُجَاىِدُونَ فِي سَبِيلِ المَّوِ) (ٕ٘)، والدّليؿ عميو قولو

عدد الصفحات ٤

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 331 بعدفَمَا حَصَدتُّمْ فَذَرُوهُ فِي سُنبُمِوِ ... والمعنى: ازرعوا سبع سنيف متواليات، فما حصدتـ فذروه في سنبمو لئلبّ ييمؾ، واحفظوه كذلؾ، إلاّ قميلب، وىو: ما تأكموف في ىذه السنيف" (26). وقد أجمع عمى ذلؾ المفسّروف: الطّبرسيّ، والزّمخشريّ، والرّازيّ، والآلوسيّ(27). ٖف تحديد دلالة الفعل (يُغَاثُ )، ففي تفسير الآية التّاسعة والأربعيف: (ثُمَّ يَأْتِي مِن بَعْدِ ذَلِكَ عَامٌ فِيوِ يُغَاثُ النَّاسُ وَفِيوِ يَعْصِرُونَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "يقاؿ: غاثو الله وأغاثو، أي: نصره ... وىو مف الغوث بمعنى النّصرة، وغاثيـ الله يغيثيـ مف الغيث وىو المطر، فقولو: فِيوِ يُغَاثُ النَّاسُ، إف كاف مف الغوث كاف معناه: ينصروف فيو مف قبؿ(28) الله سبحانوبكشؼ الكربة، ورفع الجدب والمجاعة، وا نزاؿ النّعمة والبركة، وا ف كاف مف الغيث كاف معناه: يمطروف، فيرتفع الجدب مف بينيـ. وىذا المعنى الثّاني أنسب بالنّظر إلى قولو بعده: وَفِيوِ يَعْصِرُونَ، ... عمى أف مف الجائز أف يكوف يُغَاثُ مأخوذا مف الغيث، بمعنى: النبات، قاؿ في لساف العرب: والغيث: الكلؤ ينبت مف ماء السّماء(29) ، انتيى. وىذا أنسب مف المعنييف السّابقيف بالنّظر إلى قولو: وَفِيوِ يَعْصِرُونَ "(31). فالأرجح عند العلبّمة الطّباطبائيّ ىو أف يكوف يُغَاثُ مأخوذا مف الغيث، بمعنى: النبات، لا المطر. قاؿ الطّبرسيّ: "معناه: ثـ يأتي مف بعد ىذه السّنيف الشّداد، عاـ فيو يمطر النّاس مف الغيث. وقيؿ: يغاثوف مف الغوث، والغياث، أي: ينقذوف وينجوف مف القحط"(31). وبذلؾ قاؿ الزّمخشريّ والرّازيّ والآلوسيّ(32). وبذلؾ يتّضح أفّ العلبّمة الطّباطبائيّ قد انفرد مف بينيـ بما قاؿ، لكنّو استند إلى (لساف العرب)، ولا يبدو الاختلبؼ كبيرًا بيف الأقواؿ المتعدّدة، بسبب العلبقة السببيّة بيف الغيث والنّبات. ٗف تخصيص دلالة مفردة (العمم) في الآية الثامنة والستيف: (وَلَمَّا دَخَمُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَىُمْ أَبُوىُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْيُم مِّ نَ المّوِ مِن شَيْعٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْرُوبَ قَضَاىَا وَا ِنَّوُ لَذُو عِمْمٍ لِّمَا عَمَّمْنَاهُ وَلَفكِنَّ أَكْثَ رَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ) ، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ:" وقولو: وَا ِنَّوُ لَذُو عِمْمٍ لِّمَا عَمَّمْنَاهُ ، الضّمير ليعقوب، أي أفّ يعقوب لذو عمـ بسبب ما عمّمناه مف العمـ، أو بسبب تعميمنا إياه، وظاىر نسبة التّعميم إليو تعالى أنّو عمم موىبيّ غير اكتسابيّ ، وقد تقدّـ أفّ إخلبص التّوحيد يؤدّي إلى مثؿ ىذه العناية الإلييّة، ويؤيّد ذلؾ أيضًا قولو تعالى بعده: وَلَفكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ إذ لو كاف مف العمـ الاكتسابيّ الذي يحكـ بالأسباب الظّاىريّة، ويتوصّؿ إليو مف الطّرؽ العاديّة المألوفة، لعممو النّاس واىتدوا إليو"(33). قاؿ الطّبرسيّوَا ِنَّوُ لَذُو عِمْمٍ ) أي: ذو يقيف ومعرفة بالله ( لِّمَا عَمَّمْنَاهُ ) أي: لأجؿ تعميمنا إياه... والمعنى: إنّو حصؿ لو العمـ بتعميمنا إيّاه. وقيؿ: وَا ِنَّوُ لَذُو عِمْمٍ لِّمَا عَمَّمْنَاهُ ، أيّ: يعمـ ما عممنّاه فيعمؿ بو، لأفّ مف عمـ شيئًا ولا يعمؿ بو كاف كمف لا يعمـ. فعمى ىذا يكوف الّلبـ في قولو: (لِّمَا عَمَّمْنَاهُ ) كالّلبـ في قولو: ( لمرؤ يا تعبرون ). (وَلَفكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ ) مرتبة يعقوب في العمـ... وقيؿ: لا يعمـ

عدد الصفحات ٥

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 332 المشركوف ما أليـ الله أولياءه (34) ، وما ذكره العلبّمة الطّباطبائيّ قريب مما قالو الطّبرسيّ: وقيؿ: لا يعمـ المشركوف ما أليـ الله أولياءه. لـ يشر الزّمخشريّ إلى ذلؾ(35). وقاؿ الرّازيّوَلَفكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ )، وفيو وجياف: الأولغ ولكف أكثر النّاس لا يعمموف مثؿ ما عمـ يعقوب. والثانيغ لا يعمموف أفّ يعقوب بيذه الصفة والعمـ، والمراد بأكثر النّاس المشركوف، فإنّيـ لا يعمموف بأفّ الله كيؼ أرشد أولياءه إلى العموـ الّتي تنفعيـ في الدّنيا والآخرة"(36). وقاؿ الآلوسيّوَا ِنَّوُ لَذُو عِمْمٍ ): جميؿ (لِّمَا عَمَّمْنَاهُ )، أي: لتعميمنا إيّاه بالوحي، ونصب الأدلّة، حيث لـ يعتقد أفّ الحذر يدفع القدر حتّى يتبيّف الخمؿ في رأيو عند تخمّؼ الأثر، أو حيث بتّ القوؿ بأنّو لا يغني عنيـ مف الله تعالى شيئًا، فكانت الحاؿ كما قاؿ... وقيؿ: المعنى إنّو لذو عمـ لفوائد الّذي عممنّاه وحسف آثاره، وىو إشارة إلى كونو (عميو السّلبـ) عاملبً بما عمّمو، وما أشير إليو أوّلاً ىو الأولى... ( وَلَفكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ ) شرّ القدر، ويزعموف أنّو يغني عنو الحذر، وقيؿ: المراد: لاَ يَعْمَمُونَ إيجاب الحذر مع أنّو لا يغني شيئًا مف القدر... وقيؿ: المراد (لاَ يَعْمَمُونَ ) أفّ يعقوب (عميو السّلبـ) بيذه المثابة مف العمـ، ويراد - بأكثر الناس – حينئذ: المشركوف، فإنّيـ لا يعمموف أفّ الله تعالى كيؼ أرشد أولياءه إلى العموـ التي تنفعيـ في الدّنيا والآخرة، وفيو أنّو بمعزل عمّا نحن فيو"(37). يرجّح الباحث ما ذىب إليو العلبّمة الطّباطبائيّ، ومف وافقو، إذ لامسوّغ لتخصيص دلالة لفظ النَّاسِ ) في الآية بػ (المشركيف)، إذا أريد بو الشّرؾ الجميّ الذي يقوؿ بتعدّد الآلية، وىو المتبادر مف معنى المفردة، فميس ىؤلاء بأكثر النّاس، أما إذا أريد بو الشّرؾ الخفيّ، فالتّقارب ظاىر بيف أقواليـ، إلاّ ما قالو الآلوسيّ: وفيو أنّو بمعزؿ عمّا نحف فيو. ٘ف الدلالة عمى الظّروف المحيطة بالكلام، كوجود ساي مين عن قصّة يوسف(عميو السّلام)، وخروج يوسف(عميو السّلام) لاستربال أبويو، وشرط حصول الإذن من الممك لدخول مصر. في تفسير الآية السّابعة، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "فى قولو تعالى بعد ذكر رؤيا يوسؼ، وتعبير أبيو (ع) ليا: (لَّرَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَا ِخْوَتِ وِ يَاتٌ لِّمسَّايِمِينَ)، إشعار بأنّو كاف ىناؾ قوـ سألوا النّبيّ (صمّى الله عميو وآلو وسمّـ) عمّا يرجع إلى ىذه القصّة، وىو يؤيّد ما ورد أفّ قومًا مف الييود بعثوا مشركي مكّة أف يسألوا النّبيّ (صمّى الله عميو وآلو وسمّـ) عف سبب انتقاؿ بني إسرائيؿ إلى مصر وقد كاف يعقوب ( ع ) ساكنًا في أرض الشّاـ، فنزلت السّورة"(38). قاؿ الطّبرسيّ: "ومعناه: لقد كاف في حديث يوسؼ وا خوتو عبر لمسائميف عنيـ، وأعاجيب(39)، يمحظ أنّو لـ يحدّد بدقّة المراد مف السائميف في الآية.

عدد الصفحات ٦

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 333 وقاؿ الزّمخشريّ: "أي: في قصّتيـ وحديثيـ، يَاتٌ ): علبمات ودلائؿ عمى قدرة الله وحكمتو في كؿّ شيء، (لِّمسَّايِمِينَ ): لمف سأؿ عف قصّتيـ وعرفيا. وقيؿ: آيات عمى نبوّة محمّد (صمّى الله عميو وسمّـ) لمّذيف سألوه مف الييود عنيا فأخبرىـ بالصحّة مف غير سماع مف أحد، ولا قراءة كتاب"(41). وردّ الرّازيّ القوؿ الثاني معملب: "وىذا الوجو عندي بعيد، لأفّ المفيوـ مف الآية أفّ في واقعة يوسؼ آيات لمسّائميف، وعمى ىذا الوجو الذي نقمناه ما كانت الآيات في قصّة يوسؼ، بؿ كانت الآيات في إخبار محمد (صمّى الله عميو وسمّـ) عنيا مف غير سبؽ تعمّـ ولا مطالعة، وبيف الكلبميف فرؽ ظاىر"(41)، وىذا كلبـ فيو نظر، فما المانع مف اجتماع الآيات في القصّة، وفي إخبار النّبيّ بيا مف غير سبؽ تعمـ؟. وجوّز الآلوسيّ الوجييف(42). يرى الباحث أفّ انعداـ متعمّؽ اسـ الفاعؿ اِلسَّايِمِينَ يمنحو دلالة العموـ، فيصدؽ عمى وجود سائميف عف القصّة، كما روي، وكما قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ، ويصدؽ عمى كؿّ مف يطمب اليداية لما فييا مف العبر، وا ف كاف الأوّؿ أقرب إلى ذىف المتمقّي. وفي تفسير الآية التّاسعة والتّسعيف: (فَمَمَّا دَخَمُواْ عَمَى يُوسُفَ وَى إِلَيْوِ أَبَوَيْوِ وَقَالَ ادْخُمُواْ مِصْرَ إِن شَاع المّوُ مِنِينَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "وقولو: وَقَالَ ادْخُمُواْ مِصْرَ الخ ظاىر في أفّ يوسؼ خرج مف مصر لاستقباليما وضمّيما إليو ىناؾ، ثـ عرض ليما دخوؿ مصر إكرامًا وتأدّبًا، وقد أبدع ( ع ) في قولو: إِن شَاع المّوُ مِنِينَ ، حيث(43) أعطاىـ الأمف، وأصدر ليـ حكمو عمى سنة المموؾ، وقيّد ذلؾ بمشيئة الله سبحانو، لمدّلالة عمى أفّ المشيئة الإنسانيّة لا تؤثّر أثرىا كسائر الأسباب إلا إذا وافقت المشيئة الإليية عمى ما ىو مقتضى التوحيد الخالص، وظاىر ىذا السّياؽ انو لـ يكف ليـ الدخوؿ والاستقرار في مصر الا بجواز مف ناحية الممؾ، ولذا أعطاىـ الأمف في مبتدأ الأمر"(44). وقد أشار إلى ذلؾ الطّبرسيّ، فقاؿ: "(وَقَالَ ) ليـ قبؿ دخوليـ مصر (ادْخُمُواْ مِصْرَ إِن شَاع المّوُ مِنِينَ ) والاستثناء يعود إلى الأمف. وا نما قاؿ ( مِنِينَ ) لأنيـ كانوا فيما خلب يخافوف مموؾ مصر، ولا يدخمونيا إلا بجوازىـ" (45). قاؿ الزّمخشريّ: "فإف قمت: ما معنى دخوليـ عميو قبؿ دخوليـ مصر؟ قمت: كأنّو حيف استقبميـ نزؿ ليـ في مضرب أو بيت ...، فدخموا عميو، وضـّ إليو أبويو"(46). وصرّح بو الرّازيّ، فقاؿ: "قاؿ السّدّيّ إنو قاؿ ىذا القوؿ قبؿ دخوليـ مصر؛ لأنّو كاف قد استقبميـ، وىذا ىو الّذي قرّرناه"(47). وأورد الآلوسيّ رواية تؤيد ذلؾ(48) . وعميو فلب خلبؼ في ذلؾ

عدد الصفحات ٧

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 334 الثّانيغ سياق المرطع دأب العلبّمة الطّباطبائيّ في تقسيـ السّور القرآنيّة عمى مقاطع يفسّرىا، قد تطوؿ ىذه المقاطع فتجاوز الثّلبثيف آية(49)، أو تبمغ عشر آيات(51)، أو أكثر مف ذلؾ(51)، وقد تكوف بيف الآية والعشر(52)، وقد تقصر فلب تتجاوز الآيّة الواحدة(53)، يؤلّؼ كؿّ مقطع وحدة موضوعيّة ليا سياقيا الخاصّ بيا. فيما يأتي الدّلالات التي أفادىا ىذا السّياؽ: ٔف تبيان سرّ التّعبير، ففي تفسير الآية الرابعة: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيوِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْرَمَرَ رَأَيْتُيُمْ لِي سَاجِدِينَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "لـ يذكر يعقوب ( ع ) باسمو، بؿ كنّى عنو بالأب، لمدّلالة عمى ما بينيما مف صفة الرّحمة، والرّأفة، والشّفقة، كما يدؿّ عميو ما في الآية التّالية: قَالَ يَا بُنَيَّ لاَ تَرْصُصْ " (ٗ٘). لـ يشر إلى ذلؾ الطّبرسيّ، ولا الزّمخشريّ، ولا الرّازيّ، ولا الآلوسيّ (55). ٕف تردير ما لم يذكر في المرطع، كالمقطع الذي تضمّف الآيات مف السّابعة حتى الحادية والعشريف، ففي تفسير الآية العاشرة: (قَالَ قَآيِلٌ مَّنْيُمْ لاَ تَرْتُمُواْ يُوسُفَ وَأَلْرُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ يَمْتَرِطْوُ بَعْضُ السَّيَّارَةِ إِن كُنتُمْ فَاعِمِينَ) ، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "وقد اختار ىذا القائؿ الرّأي الثّاني المذكور في الآية السّابقة الذي يشير إليو قولو: أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً ، إلا إنّو قيّده بما يؤمف معو القتؿ، أو أمر آخر يؤدّي إلى ىلبكو... والسّياق يشيد بأنّيم ارتضوا ىذا الرّأي، إذ لم يُذكَر ردٌ منيم بالنّسبة إليو، وقد جرى عمميم عميو، كما ىو مذكور في الآيات التّالية"(ٙ٘). لـ يصرّح بذلؾ الطّبرسيّ، ولا الزّمخشريّ، ولا الرّازيّ (57). أمّا الآلوسيّ فقاؿ مشيرًا إلى ذلؾ "لمّا كاف ىذا مظنّة لسؤاؿ سائؿ يقوؿ: فما فعموا بعد ذلؾ، ىؿ قبموا(58) رأيو أـ لا ؟ فأجيب عمى سبيؿ الاستئناؼ عمى وجو أدرج في تضاعيفو قبوليـ لو بما سيجيئ إف شاء الله تعالى مف قولو سبحانو: (وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَمُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ "(59). وعميو فلب خلبؼ في ذلؾ وا ف لـ يصرّح بو المفسّروف ٖف تبيان سرّ عدم الذكر في الرصّة، أو ما يصطمح عميو بف (الحذف). ولمّا كاف القاصّ ىو الله تعالى فقد استعمؿ أداة التّ شبيو (كأفّ) تنزييا لمذّات الإلييّة المقدّسة مف الأعراض الطّارئة، والانفعالات العابرة، ففي تفسير الآية الخامسة عشرة: (فَمَمَّا ذَىَبُواْ بِوِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَمُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْوِ لَتُنَبِّيَنَّيُم بِأَمْرِىِمْ ىَفذَا وَىُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "وجواب (لمّا) محذوؼ لمدّلالة عمى فجاعة الأمر وفظاعتو، وىى صنعة شائعة في الكلبـ، ترى المتكمّـ يصؼ أمرًا فظيعًا، كقتؿ فجيع يحترؽ بو القمب، ولا يطيقو السّمع، فيشرع في بياف أسبابو، والأحواؿ التي تؤدّي إليو، فيجري في وصفو حتّى إذا بمغ نفس الحادثة(61) سكت سكوتًا عميقًا، ثـّ وصؼ ما بعد القتؿ مف الحوادث، فيدؿّ بذلؾ عمى أفّ صفة القتؿ بمغت مف الفجاعة مبمغًا لا يسع المتكمّـ أف يصرّح بو، ولا يطيؽ السّامع أف يسمعو. فكأنّ الّذي

عدد الصفحات ٨

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 335 يصؼ القصّة عزّ اسمو لمّا قاؿ فَمَمَّا ذَ ىَبُواْ بِوِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَمُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ ، سكت مميًا وأمسؾ عف ذكر ما فعموا بو، أسًى، وأسفًا لأفّ السّمع لا يطيؽ وعي ما فعموا بيذا الطّفؿ المعصوـ المظموـ "(61). اتّفقت كممة المفسّريف الأربعة عمى حذؼ جواب (لمّا)، لكنّيـ اختمفوا في تقدير الجواب، والوقوؼ عمى سرّ الحذؼ، فقاؿ الطّبرسيّ: " وتقديره: عظمت فتنتيـ، أو كبر ما قصدوا لو" (62). وقاؿ الزّمخشريّ "وجواب (لمّا) محذوؼ، ومعناه: فعموا بو ما فعموا مف الأذى"(63). وقاؿ الرّازيّ: " وتقديره: فجعموه فييا(64) . وقاؿ الآلوسيّ: "جواب- لمّا - محذوؼ إيذانًا بظيوره، وا شعارًا بأفّ تفصيمو ممّا لا يحويو فمؾ العبارة، ومجممو: فعموا ما فعموا، وقدّره بعضيـ: عظمت فتنتيـ، وىو أولى مف تقدير: وضعوه فييا، وقيلغ لا حذف والجوابغ أوحينا، والواو زايدة، وليس بشيع "(65). التّقارب واضح بيف الآلوسيّ والعلبّمة ال طّباطبائيّ، وفيو تشخيص دقيؽ لسرّ الاستغناء في النّصّ القرآنيّ، أو ما شاع وصفو بالحذؼ. ٗف تحديد عود الضمير، رادا بذلك عمى روايات، وعمى معظم المفسّرين، ففي تفسير الآية العشريف: (وَشَرَوْهُ بِثَمَنٍ بَخْسٍ دَرَاىِمَ مَعْدُودَةٍ وَكَانُواْ فِيوِ مِنَ الزَّاىِدِ ينَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: " والظّاىر من السّياق أفّ ضميري الجمع في قولو: وَشَرَوْهُ وَكَانُواْ لمسّيّارة،... ومعظـ المفسّريف عمى أفّ الضّميريف لأخوة يوسؼ... أو أفّ أوّؿ الضّميريف للؤخوة، والثّاني لمسّيّارة... وسياق الآيات لا يساعد عمى شيع من الوجيين، فضماير الجمع في الآية السّابرة لمسّيّارة، ولم يرع للأخوة بعد ذلك ذكر صريح حتى يعود ضميرغ وَشَرَوْهُ، وَكَانُواْ، أو أحدىما إلييم ، عمى أفّ ظاىر قولو في الآية التالية: وَقَالَ الَّذِي اشْتَرَاهُ مِن مِّصْرَ ، أنّو اشتراه، متحقّؽ بيذا الشّراء. وأمّا ما ورد في الرّوايات أنّ أخوة يوسف حضروا ىناك، وأخذوا يوسف منيم، بدعوى أنّو عبدىم سرط في البير، ثمّ باعوه منيم بثمن بخس، فلا يدفع ظاىر السّياق في الآيات، ولا أنّو يدفع الرّوايات. وربما قيؿ: إفّ الشّراء في الآية بمعنى: الاشتراء، وىو مسموع، وىو نظير الاحتماليف السّابقيف مدفوع بالسّياق"(66). رجّح الطّبرسيّ عود الضّمير فيوَشَرَوْهُ عمى أخوة يوسؼ، وأورد اختلبؼ الأقواؿ في عود الضّمير في وَكَانُواْ، وقاؿ: " ولا تنافي بيف ىذه الأقواؿ، فيجوز حمؿ الآية عمى جميعيا" (67). أمّا الزّمخشريّ ففسّر وَشَرَوْهُ أوّلاً بعود ال ضّمير عمى السّيّارة، بما يفيـ منو ترجيح ذلؾ، وأردؼ قولو برواية ابف عباس في عود الضّمير عمى أخوة يوسؼ(68). أمّا الرّازيّ والآلوسيّ فأوردوا الأختلبؼ بلب ترجيح(69). يبدو لمباحث رجحاف ما ذىب إليو العلبّمة الطّباطبائيّ استنادا إلى السّياؽ الّمغويّ، ف مسوّغ لتمزيؽ الجممتيف المتعاطفتيف باختلبؼ عود الضّمير، ولا مسوّغ لتوجيو عود الضّمير عمى غير المتحدّث عنيـ. ٘ف صرف بنية المفردة عن معناىا الشّايع، وتبيان معنى التّركيب، ففي معنى اسـ التّفضيؿ (حَبُّ )، ودلالة الجممة: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ، في تفسير الآية الثّالثة والثّلبثيف: (قَالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا

عدد الصفحات ٩

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 336 يَدْعُونَنِي إِلَيْوِ وَا ِلاَّ تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَىُنَّ أَصْبُ إِلَيْيِنَّ وَأَكُن مِّنَ الْجَاىِمِينَ ، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "وقد ظير مف الآية بمعونة السّياؽ أوّلاً: أفّ قول و: رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ الخ ليس دعاء مف يوسؼ ( ع ) عمى نفسو بالسّجف، بؿ بياف حاؿ منو لربو بالإعراض عنيف، والرّجوع إليو ومعنى: أَحَبُّ إِلَيَّ أنّي أختاره عمى ما يدعونني إليو لو خيرت، وليس فيو دلالة عمى كوف ما يدعونو إليو محبوبًا عنده بوجو إلاّ ب مقدار ما تدعو إليو داعية الطّبع الإنسانيّ، والنّفس الأمّارة"(71). قاؿ الطّبرسيّ: "ويُسأؿ، فيقاؿ: كيؼ قاؿ يوسؼالسِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْو)، ولا يجوز أف يراد السّجف الذي ىو المكاف؟، وا ف عني بو السّجف الذي ىو المصدر فإفّ السّج ف معصية، كما أفّ ما دعونو إليو معصية، فلب يجوز أف يريده ؟ فالجوابغ إنّو لم يرد المحبّة الّتي ىي الإرادة، وا نما أراد أنّ ذلك أخفّ عميّ، وأسيل . ووجو آخر: إفّ المعنى لو كاف ممّا أريده لكاف إرادتي لو أشدّ. وقيؿ: إفّ معناه توطيني النّفس عمى السّجف، أحبّ إلي مف توطيني النّفس عمى الزّنا"(71). وقاؿ الزّمخشريّ: "إف قمت: نزوؿ السّجف مشقّة عمى النّفس شديدة، وما دعونو إليو لذّة عظيمة، فكيؼ كانت المشقّة أحبّ إليو مف الّمذة ؟ قمت: كانت إليو، وآثر عنده نظرًا في حسف الصّبر عمى احتماليا لوجو الله، وفى قبح المعصية، وفى عاقبة كؿّ واحدة منيما، لا نظرًا في مشتيى النّفس ومكروىيا"(72). ولـ يزد الرّازيّ عمى ما قالو الطّبرسيّ، والزّمخشريّ(73). وأبدع الآلوسيّ في الوقوؼ عمى سرّ التّعبير بػ أَحَبُّ إِلَيَّ فقاؿ: "وصيغة التّفضيؿ ليست عمى بابيا، إذ ليس لو (عميو السّلبـ) شائبة محبّة لما يدعونو إليو، وا نّما ىو والسّجف شرّاف أىونيما وأقربيما إلى الإيثار السّجف، والتّعبير عف الإيثار بالمحبّة لحسـ مادة طمعيا عف المساعدة ليا عمى مطموبيا خوفًا مف الحبس"(74). ٙف تحديد دلالة جممةغ وَلَمَّا دَخَمُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَىُمْ أَبُوىُم ، ففي تفسير الآية الثّامنة والسّتيف: (وَلَمَّا دَخَمُواْ مِنْ حَيْثُ أَمَرَىُمْ أَبُوىُم مَّا كَانَ يُغْنِي عَنْيُم مِّنَ المّوِ مِن شَيْعٍ إِلاَّ حَاجَةً فِي نَفْسِ يَعْرُوبَ قَضَاىَ ا وَا ِنَّوُ لَذُو عِمْمٍ لِّمَا عَمَّمْنَاهُ وَلَفكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: " الذي يعطيو سياؽ الآيات السّابقة، والّلبحقة والتّدبّر فييا، والله أعمـ، أف يكوف المراد بدخوليـ مف حيث أمرىـ أبوىـ: أنّيـ دخموا مصر، أو دار العزيز فييا، مف أبواب متفرّقة، كما أمرىـ أبوىـ حينما ودّعوه لمرّحيؿ"(٘ٚ). قاؿ الطّبرسيّ: " (مِنْ حَيْثُ أَمَرَىُمْ أَبُوىُم )، أيّ: مف أبواب متفرّقة، كما أمرىـ يعقوب. وقيؿ: كاف لمصر أربعة أبواب، فدخموىا مف أبوابيا الأربعة، متفرّقيف"(76). ولـ يزد الزّمخشريّ عمى قولو: "أي متفرّقيف(77). ولـ يشر الرّازيّ إلى ذلؾ(78). ولـ يزد الآلوسيّ عمى ما قالو الطّبرسيّ(79). يمحظ أفّ ما امتاز بو العلبّمة الطّباطبائيّ ىو التّصريح بإفادة السّياؽ الّمغويّ ذلؾ

عدد الصفحات ١٠

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 337 ٚ ف تخصيص دلالة مفردة (الغيب)، ففي تفسير الآية الحادية والثّمانيف: (ارْجِعُواْ إِلَى أَبِيكُمْ فَرُولُواْ يَا أَبَانَا إِنَّ ابْنَكَ سَرَقَ وَمَا شَيِدْنَا إِلاَّ بِمَا عَمِمْنَا وَمَا كُنَّا لِمْغَيْبِ حَافِظِينَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "وقولو: وَمَا كُنَّا لِمْغَيْبِ حَافِظِينَ قيؿ: أي: لـ نكف نعمـ أفّ ابنؾ سيسرؽ فيؤخذ ويسترؽّ، وا نّما كنّا نعتمد عمى ظاىر الحاؿ، ولو كنّا نعمـ ذلؾ لما بادرنا إلى تسفيره معنا، ولا أقدمنا عمى الميثاؽ. والحقّ أنّ المراد بالغيبغ كونو سارقًا مع جيميم بيا، ومعنى الآية: أفّ ابنؾ سرؽ، وما شيدنا في جزاء السّرقة إلاّ بما عممنا، وما كنّا نعمـ أنّو سرؽ السّقاية، وأنّو سيؤخذ بيا حتّى نكؼّ عف تمؾ الشّ يادة، فما كنّا نظفّ بو ذلؾ"(81). قاؿ الطّبرسيّوَمَا كُنَّا لِمْغَيْبِ حَافِظِينَ) ، أي: إنّا لـ نعمـ الغيب حيف سألناؾ أف تبعث بنياميف معنا، ولـ ندر أفّ أمره يؤوؿ إلى ىذا. وا نّما قصدنا بو الخير... وقاؿ عمي بف عيسى: عمـ الغيب ىو عمـ مف لو شاىد الشّيء لشاىده بنفسو، لا بأمر يستفيده. والعالـ بيذا المعنى ىو الله وحده، جؿّ اسمو. وقيؿ: معناه: ما كنّا لسرّ ىذا الأمر حافظيف، وبو عالميف، فلب ندري أنّو سرؽ، أـ كذبوا عميو، وا نّما أخبرناؾ بما شاىدنا، عف عكرمة. وقيؿ: معناه ما كنّا لغيب ابنؾ حافظيف، أي: إنّا كنّا نحفظو في محضره، وا ذا غاب عنّا ذىب عف حفظنا، يعنوف أنّو سرؽ ليلبً وىـ نياـ. والغيب: ىو الّميؿ بمغة حمير، عف ابف عباس، قاؿ: أي: إنّا لـ نعمـ ما كاف يصنع في ليمو ونياره، ومجيئو وذىابو"(81). وفسّر الزّمخشريّلِمْغَيْبِ بػػ : "للؤمر الخفيّ، أسرؽ بالصحّة أـ دسّ الصّاع في رحمو، ولـ يشعر؟" (82). أّما الرّازيّ فقاؿ: "وأمّا قولو وَمَا كُنَّا لِمْغَيْبِ حَافِظِينَ ، ففيو وجوه: الأوّلغ أنّا قد رأينا أنّيـ أخرجوا الصّواع مف رحمو، وأمّا حقيقة الحاؿ فغير معمومة لنا فإفّ الغيب لا يعممو إلا الله. والثّانيغ... لعؿّ الصّ واع دسّ في متاعو بالميؿ، فإفّ الغيب اسـ لمّيؿ عمى بعض الّمغات. والثّالثغ... وما كنّا نعمـ أفّ ابنؾ يسرؽ، ولو عممنا ذلؾ ما ذىبنا بو إلى الممؾ، وما أعطيناؾ موثقًا مف الله في ردّه إليؾ. والرّابعغ نُقؿ أفّ يعقوب (عميو السّلبـ) قاؿ ليـ: فيب أنّو سرؽ ولكف كيؼ عر ؼ الممؾ أفّ شرع بني إسرائيؿ أفّ مف سرؽ يُسترؽّ، بؿ أنتـ ذكرتموه لو لغرض لكـ، فقالوا عند ىذا الكلبـ: إنّا قد ذكرنا لو ىذا الحكـ قبؿ وقوعنا في ىذه الواقعة، وما كنّا نعمـ أفّ ىذه الواقعة نقع فييا"(83). وفسّرىا الآلوسيّ: "وما عممنا أنّو سيسرؽ حيف أعطيناؾالميثاؽ، أو ما عممنا أنّؾ ستُصاب بو كما أصبت بيوسؼ ... ومف غريب التّفسير أفّ معنى قوليـ: ( لِمْغَيْبِ ): لميؿ، وىو بيذا المعنى في لغة حمير"(84). يمحظ أفّ أغمب الأقواؿ اتّفقت عمى تخصيص دلالة مفردة (الغيب)، وا ف اختمفت في تشخيص ذلؾ التّخصيص، وكمّيا مفادة مف السّياؽ، وا ف لـ يصرّح أصحابيا بذلؾ. الثّانيغ سياق السّورة قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ عف (السّورة) في القرآف الكريـ: " أفّ لكؿّ طائفة مف ىذه الطّوائؼ مف كلبمو الّتي فصّميا قطعًا قطعًا، وسمّى كؿّ قطعة سورة، نوعًا مف وحدة التّأليؼ والتّماـ، لا يوجد بيف أبعاض مف

عدد الصفحات ١١

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 338 سورة، ولا بيف سورة وسورة، ومف ىنا نعمـ: أفّ الأغراض والمقاصد المحصّمة مف السّور مختمفة، وأفّ كؿّ واحدة منيا مسوقة لبياف معنى خاصّ، ولغرض محصّؿ، لا تتـّ السّورة إلاّ بتمامو" (85)،ىذا يعني أنّيا تؤلّؼ سياقًا مستقلبً استقلبلاً لا ينافي انتماءه إلى السّي اؽ القرآنيّ الأكبر، وا لاّ لـ يكف لتقسيـ القرآف الكريـ عمى سور معنى. فيما يأتي الدّلالات التي أفادىا ىذا السّياؽ: ٔف مكيّةالسّورة بكامميا، إذ قاؿ االعلبّمة الطّباطبائيّ : "والسّورة مكيّة عمى ما يدؿّ عميو سياؽ آياتيا، وما ورد في بعض الرّوايات عف ابف عباس: إفّ أربعًا مف آياتيا مدنيّة، وىى الآيات الثّلبث الّتي في أوّليا، وقولو: لَّرَدْ كَانَ فِي يُوسُفَ وَا ِخْوَتِوِ يَاتٌ لِّمسَّايِمِينَ مدفوع بما تشتمؿ عميو مف السّياؽ الواحد"(86). لـ يشر الطّبرسيّ إلى ذلؾ(87). وقطع الزّمخشريّ بمكيّة السّورة مف دوف ذكر لرواية ابف عباس(88). وقاؿ الرّازيّ: "مكية، إلا الآيات1 و2 و3 و7، فمدنيّة(89). وقاؿ الآلوسيّ: "مكيّة كمّيا عمى المعتمد، وروي عف ابف عباس وقتادة أنّيما قالا: إلاّ ثلبث آيات مف أوّليا، واستثنى بعضيـ رابعة، وىي قولو سبحانو: (لَّرَدْ كَانَ فِي يُ وسُفَ وَا ِخْوَتِوِ يَاتٌ لِّمسَّايِمِينَ)... وكلّ ذلك واه جدًا لا يمتفت إليو، وما اعتمدناه كغيرنا ىو الثّابت عن الحبر"(91). يمحظ أفّ العلبّمة الطّباطبائيّ قد انفرد مف بينيـ بالاستدلاؿ بوحدة السّياؽ عمى مكيّة السّورة بكامميا ٕف تبيان سرّ اختلاف التّعب ير الرر نيّ بين سورة وسورة، ففي تفسير الآية الأولى: (الر تِمْكَ يَاتُ الْكِتَابِ الْمُبِينِ) ، قاؿ االعلبّمة الطّباطبائيّ :" وقد وصؼ الكتاب في الآية بػ الْمُبِينِ ، لا كما في قولو في أوّؿ سورة يونس: (الر تِمْكَ يَاتُ الْكِتَابِ الْحَكِيمِ)، لكوف ىذه السّورة نازلة في شأف قصة آؿ يعقوب وبيانيا، ومف المحتمؿ أف يكوف المراد بػ الْكِتَابِ الْمُبِينِ الموح المحفوظ" (91). لـ يشر أي مف الطّبرسيّ، والزّمخشريّ، والرّازيّ، والآلوسيّ(92) إلى سرّ اختلبؼ التّعبير بيف السّورتيف، وبذلؾ فقد انفرد العلبّمة الطّباطبائيّ مف بي نيـ بيذه الالتفاتة. ٖف تخصيص دلالة المفردة، كتخصيص الفعل (رأى) بالرؤية المناميّة، ففي تفسير الآية الرّابعة: (إِذْ قَالَ يُوسُفُ لأَِبِيوِ يَا أَبتِ إِنِّي رَأَيْتُ أَحَدَ عَشَرَ كَوْكَباً وَالشَّمْسَ وَالْرَمَرَ رَأَيْتُيُمْ لِي سَاجِدِينَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ :" وقولو: رَأَيْتُ و رَأَيْتُيُمْ مف الرّؤيا، وىي: ما يشاىده النّائـ في نومتو، أو الّذي خمدت حواسو الظّاىرة بإغماء، أو ما يشابيو، ويشيد بو قولو في الآية التّالية: لاَ تَرْصُصْ رُؤْيَاكَ عَمَى إِخْوَتِكَ ، وقولو في آخر القصة: يَا أَبَتِ ىَفذَا تَأْ وِيلُ رُؤْيَايَ"(ٖٜ). أجمع الطّبرسيّ، والزّمخشريّ، والرّازيّ، والآلوسيّ، عمى دلالة رَأَيْتُيُمْ عمى الرّؤية المناميّة، إلاّ أنّيـ لـ يشيروا إلى دلالة سياؽ السّورة عمى ذلؾ(94)، كما أشار العلبّمة الطّباطبائيّ

عدد الصفحات ١٢

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 339 ومثمو تخصيص دلالتي مفردتي حُكْماً وَعِ مْماً )، ففي تفسير الآية الثّانية والعشريف: (وَلَمَّا بَمَغَ أَشُدَّهُ تَيْنَاهُ حُكْماً وَعِمْماً وَكَذَلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ :" الحكـ ىو: القوؿ الفصؿ، وا زالة الشّؾّ والرّيب، مف الأمور القابمة للبختلبؼ عمى ما يتحصّؿ مف ال مغة... وبالنّظر إلى قولو ( ع ) لصاحبيو في السجف: إِنِ الْحُكْمُ إِلاَّ لِمّوِ الآية: 41 مف السّورة، وقولو بعدقُضِيَ الأَمْرُ الَّذِي فِيوِ تَسْتَفْتِيَانِ الآية: 41 مف السّورة، يعمـ أفّ ىذا الحكـ الذي أوتيو كاف ىو حكـ الله، .. وقولو: وَعِمْماً وىذا العمـ المذكور المنسوب إلى ايتائو تعالى كيفما كاف، وأيّ مقدار كاف، عمـ لا يخالطو جيؿ، كما أفّ الحكـ المذكور معو حكـ لا يخالطو ىوى نفسانيّ، ولا تسويؿ شيطانيّ، كيؼ والذي آتاىما ىو الله سبحانو؟ وقد قاؿ تعالى: وَالمّوُ غَالِبٌ عَمَى أَمْرِهِ الآية 21 مف السّورة،وىذا العمـ المذكور في الآية يتضمّف ما وعد الله سبحانو تعميمو ليوسؼ مف تأويؿ الأحاديث، فإنّو واقع بيف قولو تعالى في الآيات السّابقة: وَلِنُعَمِّمَوُ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ، وقولو حكاية عف يوسؼ في قولو لصاحبيو في السجف: ذَلِكُمَا مِمَّا عَمَّمَنِي رَبِّ ي، فافيـ ذلؾ"(ٜ٘). قاؿ الطّبرسيّ: "( تَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِمْمًا) أي: أعطيناه القوؿ الفصؿ الذي يدعو إلى الحكمة، (وَعِمْمًا): وىو تبييف الشّيء عمى ما ىو بو، بما يحؿّ في القمب... وقيؿ: الحكـ: النّبوة، والعمـ: الشّريعة... وقيؿ: الحكـ: الدعاء إلى ديف الله، والعمـ: عمـ الشّرع. وقيؿ: أراد الحكـ بيف الناس، والعمـ بوجوه المصالح... وقيؿ: ىو العمـ، والعمؿ بو"(96). وقاؿ الزّمخشريّحُكْمًا): حكمة وىو العمـ بالعمؿ واجتناب ما يجيؿ فيو. وقيؿ حُكْمًا بيف النّاس وفقيا"(97). وقاؿ الرّازيّ: "وفيو أقواؿالرول الأول: إفّ الحكـ والحكمة أصميما حبس النّفس عف ىواىا، ومنعيا ممّا يشينيا، فالمراد مف الحكـ: الحكمة العمميّة، والمراد مف العمـ: الحكمة النّظريّة.... الرول الثّانيغ الحكـ ىو النّبوّة، لأفّ النّبيّ يكوف حاكمًا عمى الخمؽ، والعمـ: عمـ الديف. والرول الثّالث: يحتمؿ أف يكوف المراد مف الحكـ صيرورة نفسو المطمئنة حاكمة عمى نفسو الأمّارة بالسّوء، مستعمية عمييا، قاىرة ليا... فقولو: وَلَمَّا بَمَغَ أَشُدَّهُ إشارة إلى اعتداؿ الآلات البدنيّة، وقولو: تَيْنَاهُ حُكْمًا وَعِمْمًا إشارة إلى استكماؿ النّفس في قوّتيا العمميّة، و النّظريّة، والله أعمـ"(98). ولـ يزد الآلوسيّ عمى إيراد ما أورده سابقوه مف روايات التّفسير(99) . ولا يبدو الاختلبؼ كبيرًا بيف المفسّريف، وما انفرد بو العلبّمة الطّباطبائيّ ىو دقّة العرض والتّشخيص ٗف عموم دلالة مفردة (الأَحَادِيثِ)، ففي تفسير الآية السادسة: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَمِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَوُ عَمَيْكَ وَعَمَى لِ يَعْرُوبَ كَمَا أَتَمَّيَا عَمَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاىِيمَ وَ ا ِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَمِيمٌ حَكِيمٌ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائ يّ : "لكفّ الظّاىر المتحصّؿ مف قصّتو ( ع ) المسرودة في ىذه السّورة أفّ الأحاديث التي عمّمو الله تعالى تأويميا أعـّ مف أحاديث الرّؤيا وا نّما ىي الأحاديث، أعني الحوادث

عدد الصفحات ١٣

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 341 والوقائع التي تتصوّر للئنساف أعـّ مف أف تتصوّر لو في يقظة أو مناـ... ويؤيّده فيما يرجع إلىالمناـ ما حكاه الله تعالى مف بياف يعقوب تأويؿ رؤيا يوسؼ ( ع )، وتأويؿ يوسؼ لرؤيا نفسو، ورؤيا صاحبيو في السجف، ورؤيا عزيز مصر، وفيما يرجع إلى اليقظة: ما حكاه عف يوسؼ في السجف بقولو: قَالَ لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِوِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِ يمِوِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَا مِمَّا عَمَّمَنِي رَبِّي الآية 37 مف السّورة، وكذا قولو فَمَمَّا ذَىَبُواْ بِوِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَمُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْوِ لَتُنَبِّيَنَّيُم بِأَمْرِ ىِمْ ىَفذَا وَىُمْ لاَ يَشْعُرُو نَ ، الآية 15 مف السّورة(111). وكاف الطّبرسيّ قد أورد في تفسير وَيُعَمِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ ثلبثة أوجو، فقاؿ: " قيؿ: معناه: ويعممؾ مف تعبير الرّؤيا، لأفّ فيو أحاديث النّاس عف رؤياىـ... وقيؿ: معناه: ويعممّؾ عواقب الأمور بالنّبوّة والوحي إليؾ، فتعمـ الأشياء قبؿ كونيا، معجزة لؾ، لأنّو أضاؼ التّعميـ إلى الله، وذلؾ لا يكوف إلاّ بالوحي... وقيؿ: تأويؿ أحاديث الأنبياء والأمـ، يعني كتب الله ودلائمو عمى توحيده، والمشروع مف شرائعو، وأمور دينو" (111). وأورد الزّمخشريّ المعنى الأوّؿ مجوّزا المعنى الثّالث، فقاؿ: "والأحاديث: الرّؤيا، لأفّ الرّؤيا إمّا حديث نفس، أو ممؾ، أو شيطاف، وتأويميا: عبارتيا وتفسيرىا، وكاف يوسؼ (عميو السّلبـ) أعبر النّاس لمرّؤيا، وأصحّيـ عبارة ليا. ويجوز أف يراد بتأويؿ الأحاديث معالي كتب الله وسنف الأنبياء، وما غمض واشتبو عمى النّاس مف أغراضيا ومقاصدىا، يفسّرىا ليـ، ويشرحيا، ويدلّيـ عمى مودعات حكميا، وسميت أحاديث لأنّو يحدث بيا عف الله ورسمو، فيقاؿ: قاؿ الله، وقاؿ الرّسوؿ: كذا وكذا"(112). أمّا الرّازيّ فجزـ قائلب: "والمراد مف تأويؿ الأحاديث: كيفيّة الاستدلاؿ بأصناؼ المخموقات الرّوحانيّة، والجسمانيّة عمى قدرة الله تعالى، وحكمتو، وجلبلتو"(113). ووصؼ الآلوسيّ ذلؾ بأنّو خلبؼ الظّاىر(114). يرى الباحث رجحاف ما ذىب إليو العلبّمة الطّباطبائيّ ومف وافقيـ مف سابقيو، لاستناده إلى نصوص مف السّورة، فضلب عف أفّ حصر معنى تأويؿ الأحاديث بالرؤيا المناميّة تخصيص بلب مخصّص. ٘ف أصالة يوسف (عميو السّلام) في إتمام الله نعمتو عمى ل يعروب( عمييم السّلام)، ففي تفسير الآية السّادسة: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَمِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَوُ عَمَيْكَ وَعَمَى لِ يَ عْرُوبَ كَمَا أَتَمَّيَا عَمَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَمِيمٌ حَكِيمٌ) قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ :" إفّ يوسؼ كاف ىو الوسيمة في إتماـ الله سبحانو نعمتو عمى آؿ يعقوب، ولذلؾ جعمو يعقوب أصلب في الحديث، وعطؼ عميو غيره، حتّى ميّزه مف بيف آلو، وأفرده بالذّكر حيث قاؿ: وَيُتِمُّ نِعْمَتَوُ عَمَيْكَ وَعَمَى لِ يَعْرُوبَ . ولذلؾ أيضًا نسب ىذه العناية والرّحمة إلى ربّو، حيث(115) قاؿ مرّة بعد مرّةربك، ولـ يقؿ: " يجتبيؾ الله " ولا " إفّ الله عميـ حكيـ "، فيذا كمّو يشيد بأنّو ىو الأصؿ في إتماـ النّعمة عمى آؿ يعقوب، وأمّا أبواه: إبراىيـ،

عدد الصفحات ١٤

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 341 وا سحاؽ، فإفّ التّعبير بما يشعر بالتّنظير كَمَا أَتَمَّيَا عَمَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْحَاقَ يخرجيما مف تحت أصالة يوسؼ، فافيـ ذلؾ"(116). لـ يشر إلى ىذه الأصالة الطّبرسيّ، ولا الزّمخشريّ، ولا الرّازيّ، ولا الآلوسيّ (117)، وىي مف الالتفاتات البارعة لمعلبّمة الطّباطبائيّ. ٙف تبيان سرّ اختلاف التعبير في موضعين من السّورة، ففي تفسير الآية التّاسعة: (اقْتُمُواْ يُوسُفَ أَوِ اطْرَحُوهُ أَرْضاً يَخْلُ لَكُمْ وَجْوُ أَبِيكُمْ وَتَكُونُواْ مِن بَعْدِهِ قَوْماً صَالِحِينَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ :" وفي ذكرىـ يوسؼ وحده، وقد ذكروا في مفتتح كلبميـ في المؤامرة يوسؼ وأخاه معًا: لَيُوسُفُ وَأَخُوهُ أَحَبُّ إِلَى أَبِينَا مِنَّا دليؿ عمى أنّو كاف مخصوصًا بمزيد حبّ يعقوب، وبموغ عنايتو واىتمامو، وا ف كاف أخوه أيضًا محبوّا بالحبّ، والإكراـ مف بينيـ"(118). ٚف تفسير جمل بجمل من خلال التّناظر في سياق السّورة، ففي تفسير الآية الخامسة عشرة: (فَمَمَّا ذَىَبُواْ بِوِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَمُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْوِ لَتُنَبِّيَنَّيُ م بِأَمْرِىِمْ ىَفذَا وَىُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ :" والمعنى، والله أعمـ،: وأوحينا إلى يوسؼ أقسـ لتخبرنّيـ بحقيقة أمرىـ ىذا، وتأويؿ ما فعموا بؾ، فإنّيـ يرونو نفيًا لشخصؾ، وا نساء لاسمؾ، وا طفاء لنورؾ، وتذليلبً لؾ، وحطًّا لقدرؾ، وىو في ا لحقيقة تقريب لؾ إلى أريكة العزّة، وعرش المممكة، وا حياء لذكرؾ، وا تماـ لنورؾ، ورفع لقدرؾ، وَىُمْ لاَ يَشْعُرُونَ بيذه الحقيقة، وستنبّؤىـ بذلؾ، وىو قولو ليـ وقد اتّكى عمى أريكة العزّة، وىـ قياـ أمامو يسترحمونو بقوليـ: يَا أَيُّيَا الْعَزِيزُ مَسَّنَا وَأَىْمَ نَا الضُّرُّ وَجِيْنَا بِبِضَاعَةٍ مُّزْجَاةٍ فَأَوْفِ لَنَا الْكَيْلَ وَتَصَدَّقْ عَمَيْنَا إِنَّ المّوَ يَجْزِي الْمُتَصَدِّقِينَ ، إذ قاؿ: ىَلْ عَمِمْتُم مَّا فَعَمْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيوِ إِذْ أَنتُمْ جَاىِمُونَ، إلى أف قاؿ: أَنَاْ يُوسُفُ وَىَفذَا أَخِ ي قَدْ مَنَّ المّوُ عَمَيْنَا الخ. انظر إلى موضع قولو: ىَلْ عَمِمْتُم فإنّو إشارة إلى أفّ ىذا الذي تشاىدونو اليوـ مف الحاؿ ىو حقيقة ما فعمتـ بيوسؼ وقولو: إِذْ أَنتُمْ جَاىِمُونَ فإنّو يحاذي مف ىذه الآية التي نحف فييا قولو: وَىُمْ لاَ يَشْعُرُونَ "(119). قاؿ الطّبرسيّوَأَوْحَيْنَا إِلَيْوِ ) يعني إلى يوسؼ (عميو السّلبـ)،... (لَتُنَبِّيَنَّيُم بِأَمْرِىِمْ ىَفذَا ) أيّ: لتخبرنّيـ بقبيح فعميـ بعد ىذا الوقت، يريد ما ذكره سبحانو في آخر السّورة مف قولو: (ىَلْ عَمِمْتُم مَّا فَعَمْتُم بِيُوسُفَ وَأَخِيوِ) . (وَىُمْ لاَ يَشْعُرُونَ) أنّؾ يوسؼ.... وقيؿ: يريد: وىـ لا يشعروف بأنّو أوحي إليو"(111). والتّقارب كبير بيف ما قالو العلبّمة الطّباطبائيّ وما ذكره الطّبرسيّ مف قبؿ وأورد الزّمخشريّ والرّازيّ والآلوسيّ القوليف مف دوف الإشارة إلى دلالة سياؽ السّورة(111). الرابعغ السّياقالأكبر أعني بو سياؽ القرآف الكريـ كمّو، وما قرأناه ونقر ؤ ه مف تفسير القرآف بالقرآف، وردّ متشابيو إلى محكمو، مف ثمار ىذا السّياؽ، وقد قاؿ أمير المؤمنيف عميّ (عميو السّلبـ): "كتاب الله تبصرون بو،

عدد الصفحات ١٥

استاذ- العدد (202) لسنة3311 هجرية– 2032 ميلادية .... دلالة السياق اللغوي في سورة يوسف 342 وتنطرون بو، وتسمعون بو، وينطق بعضو ببعض، ويشيد بعضو عمى بعض. لا يختمف في الله، ولا يخالف بصاحبو عن الله"(ٕٔٔ). وقد أفاد السّياق الأكبر ما يأتيغ ٔف العمم بتأويل الأحاديث من فروع الإخلاص لله سبحانو ، ففي تفسير الآية السادسة: (وَكَذَلِكَ يَجْتَبِيكَ رَبُّكَ وَيُعَمِّمُكَ مِن تَأْوِيلِ الأَحَادِيثِ وَيُتِمُّ نِعْمَتَوُ عَمَيْكَ وَعَمَى لِ يَعْرُوبَ كَمَا أَتَمَّيَا عَمَى أَبَوَيْكَ مِن قَبْلُ إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْحَاقَ إِنَّ رَبَّكَ عَمِيمٌ حَكِيمٌ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "إفّ يعقوب أيضًا كاف مف المخمصيف، وقد عمّمو الله مف تأويؿ الأحاديث، فإنّو ( ع ) أخبر كما في ىذه الآية بتأويؿ رؤيا يوسؼ، وما كاف ليخبر عف خرص وتخميف، دوف أف يعممو الله ذلؾ. عمى أفّ الله بعد ما حكى عنو لبنيو " وَقَالَ يَا بَنِيَّ لاَ تَدْخُمُواْ مِن بَابٍ وَاحِدٍ وَادْخُمُواْ مِنْ أَبْوَابٍ مُّتَفَرِّقَةٍ الخ قاؿ في حقّو: وَا ِنَّوُ لَذُو عِمْمٍ لِّمَا عَمَّمْنَاهُ وَلَفكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لاَ يَعْمَمُونَ . عمى أنّو بعد ما حكى عف يوسؼ في السّجف فيما يحاور صاحبيو أنّو قاؿ: " لاَ يَأْتِيكُمَا طَعَامٌ تُرْزَقَانِوِ إِلاَّ نَبَّأْتُكُمَا بِتَأْوِيمِوِ قَبْلَ أَن يَأْتِيكُمَا ذَلِكُمَ ا مِمَّا عَمَّمَنِي رَبِّي إنّو مف تأويؿ الحديث، وقد عمّمو ذلؾ ربّو، ثـّ عمّؿ التّعميـ بقولو: إِنِّي تَرَكْتُ مِمَّةَ قَوْمٍ لاَّ يُؤْمِنُونَ بِالمّوِ وَىُم بِالآخِرَةِ ىُمْ كَافِرُونَ * وَاتَّبَعْتُ مِمَّةَ بَآيِفي إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْحَاقَ وَيَعْرُوبَ مَ ا كَانَ لَنَا أَن نُّشْرِكَ بِالمّوِ مِن شَيْعٍ الخ، فأخبر أنّو مخمَص - بفتح اللبـ- لله كآبائو: إبراىيـ، وا سحاؽ، ويعقوب، نقيّ الوجود، سميـ القمب، مف الشّرؾ مطمقًا، ولذلؾ عمّمو ربّو فيما عمّمو تأويؿ الأحاديث، والاشتراؾ في العمّة، كما ترى، يعطي أفّ آباءه الك راـ: إبراىيـ، وا سحاؽ، ويعقوب، كيو(113)، مخمصوف لله، معمّموف مف تأويؿ الأحاديث. ويؤيّده قولو تعالى في موضع آخر: (وَاذْكُرْ عِبَادَنَا إبْرَاىِيمَ وَا ِسْحَاقَ وَيَعْرُوبَ أُوْلِي الأَْيْدِي وَالأَْبْصَارِ* إِنَّا أَخْمَصْنَاىُم بِخَالِصَةٍ ذِكْرَى الدَّارِ) (صفغ ٘ٗفٙٗ )، ويعطي أفّ العمـ بتأويؿ الأحاديث مف فروع الإخلبص لله سبحانو"(114). يمحظ المتتبع لتفسير السّورة في التّفاسير الأربعة التي اعتمدتيا في ىذا البحث (115) أفّ ما ذكره العلبّمة الطّباطبائيّ لـ يكف غائبًا عمّا سبقوه، إلاّ أنّيـ لـ يفيدوا ذلؾ مف السّ ياؽ الّمغويّ بالطّريقة التي أفاد منيا. ٕف تبيان معنى الفعل (نبّأ) في الرر ن الكريم، ففي تفسير الآية الخامسة عشرة: (فَمَمَّا ذَىَبُواْ بِوِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَمُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْوِ لَتُنَبِّيَنَّيُم بِأَمْرِىِمْ ىَفذَا وَ ىُمْ لاَ يَشْعُرُونَ)، قاؿ العلبّمة الطّباطبائيّ: "وقد كثر ورود ىذه الّمفظة في كلبمو تعالى في معنى بياف حقيقة العمؿ، كقولو تعالى: (إِلَى المّوِ مَرْجِعُكُمْ جَمِيعاً فَيُنَبِّيُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَمُونَ) (المايدةغ ٘ٓٔ )، وقولو: (وَسَوْفَ يُنَبِّيُيُمُ المّوُ بِمَا كَانُواْ يَصْنَعُونَ) (المايدةغ ٗٔ )، وقولو: (يَوْمَ يَبْعَثُيُمُ المَّوُ جَمِيعاً فَيُنَبِّيُيُم بِمَا عَمِمُوا) (المجادلةغ ٙ )، إلى غير ذلؾ مف الآيات وىى كثيرة. قاؿ الطّبرسيّ: " أيّ: لتخبرنّيـ بقبيح فعميـ بعد ىذا الوقت"(116). ولـ يشر إلى خصوصيّة دلالة الفعؿ في القرآف الكريـ الزّمخشريّ، ولا الرّازيّ، ولا الآلوسيّ (117) .

عدد الصفحات ١٦