1 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر
عدد الصفحات ١2 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر
عدد الصفحات ٢3 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر ْ ح ُ تــْ فـْ ُ ةْْ ٱلشــْ ِّ ي ِّ امْ فِيْْ ةِْ اء قِرْنِْ ابْامِر ْ عْْ ِّ ي ِّ ام الشْ ق َد َم ََل َـه ََ ف ضِيلةَالشيخَالمقرئ َ موفقْمحمودْعيون ن ظْم َالفقيرَإلىَ اللهَتعالىَ يس ّ حمنْعليْالر ّ عبدْالرْ ْ
عدد الصفحات ٣4 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر الإهداء ْ إلى والديّ: سبب وجودي في الدنيا إلى أساتذتي ومشايخي القراء: الذين وصلوني بالحضرة النبوية الشريفة في سندٍ ذهبي. إلى زوجتي الغالية: التي كانت عوناً وسنداً لإنجاز هذه التحفة, مع إكرامها المتواصل لأهل القرآن. إلى أولادي: علا ومحمد وإلياس إلى إخواني الأحباب من أهل القرآن إلى كل من أحبني في الله وأحببته
عدد الصفحات ٤5 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر تقريظ فضيلة المقرئ الشيخ موفق محمود عيون حفظه الله تعالى بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله الذي أنزل كتابه العزيز على سبعةِ أحرفٍ تسهيلاً علينا وتيسيراً, وفهَّمنا وجوه قراءاته فَهِمْنا (1) في طرق رواياته مُنْتـَشِقينَ من نشِْْها الأريجِ عبيراً أحمده على أنْ منَّ في قراءتهِ بالاهتداء لِـحُسْنِ الأداء. وأشهدُ أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له, قال سبحانه وتعالى: ﴾ [فاطر32]. وأشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسولُه الـمخصوص بالقرآن الـمبينِ , والكتاب الـمُستبين, الجديدِ على تقادم الأعصار , واللذيذ على توالي التكرار, صلىى الله وسلَّمَ عليه, وعلى آله وأصحابه الذين تلقَّوءهُ من فِيهِ الكريم غضىاً وواظبوا عليه تلاوةً وعرْضاً, وضبطوا برسمه في الـمصاحف لُغتَه الفصيحة, وبلوا لله ولكتابه ورسوله النصيحة, صلاةً وسلاماً دائِمَينِْ وبعد: فإنَّ القرآن العظيم يَنبوعُ العلوم ومنشؤها, ومَعْدِنُ الـمعارفِ ومبدؤها, ومَبْنى قواعدِ الشْع وأساسه, ورأس كل علم ورأسه, والاستشْاف على معانيه لا يتحقَّقُ إ لا بفهم رصفه ومبانيه, ولا يُطْمعُ في حقائقها التي لا مُنتهى لغرائبها ودقائقها إلا بعد العلم بوجوه قراءاته, واختلاف رواياته, ومِنْ ثَمَّ صار عِلْمُ القراءات من أجلِّ العلوم النافعات. (1) هامَ في الأمر: إذا ّهب فيه كلَّ مذهب, وتناول كلَّ نوعٍ من أنواعه
عدد الصفحات ٥6 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر وإذا كان كلُّ علمٍ يشُْفُ بِشْف مُتعلَّقِه, فلا جَركَ خُصَّ أهلُه الذين هم أهل الله وخاصته بأنَّـهُمُ الـمُصْطَفَوْنَ من بَرِيَّته, والـمُجْتَبَوْنَ مِن خليقته, وناهيك بـهذا الشْف الباذخ(1 )والـمجدِ الراسخ, معَ ما لـهُم من الفضائل اللاحقة والـمنازل السابقة فَمناقِبُهم أبداً تُتْلى, ومحاسنهم على طول الأمدِ تُُلىَ, وكيفَ لا, وقد رفعَ قدرَهُم الرفيعَ رفيعُ الدرجات, فقال في محُْكَمِ الآيات البينات: ﴾ [فاطر32-35]. وإنَّ اللهَ سبحانه وتعالى قد خصَّ الأمةَ الـمُحمدية الـمرحومة بما لم يُُصَّ الأمم السابقة قبلها إذ أَنزلَ على نبيهم الكريم عليه أفضل الصلاة و أتم التسليم, أنزلَ عليه القرآن العظيم على سبعة أحرفٍ, مُيسِِّّاً لـهم فإنَّ فيهم العجوز والشيخ الكبيرَ والغلام والجارية, فعن أُبََِّ بنِ كعبٍ قال: لقي رسول اﷺ جبريلَ فقال: «َيا جبريلُ إني بُعِثْتُ إلى أُمَّة أُمِّيِّين فيهم العجوز والشيخ الكبير والغلام والجارية والرجل الذي لـم يقرأ كتاباً قط, قال: يا محمد إنَّ هذا القرآن أنزل على سبعة أحرفٍ َ» [رواه الترمذي وقال: حسنٌ صحيح ]َ(2). وأوردَ الإمامُ القرطبيُّ الـمُفسُِِّّ كلامَ الطَّحاوي: « قال الطحاوي: إنمـا كانت السَّعةُ للناس في الحروف لعجزِهم عن أخْذِ القرآن ع غير لغاتـهم لأنهم كانوا أميين لا يكتب إلا القليل منهم, فلما كان يشق على كل ذي لغة أن يتحول إلى غيرها من اللغات ولو رام ذلك لم يتهيأ له إلا بمشقة عظيمة , فوسَّ عَ لهم في اختلاف الألفاظ إذ كان المعنى متفقاً »(3). 1) )الباذِخ: العا (2) انظر الوافي في شرح الشاطبية, عبد الفتاح القاضي, طبعة دار السلام, ص. 5. 3)) تفسير القرط1/47.
عدد الصفحات ٦7 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر وقد ظنَّ كثيرٌ من الناس أنَّ الأحرف السبعة الـمذكورة في الحديث هي القراءات السبع الـمشهورة, وقد ردَّ هذا الظن العلماء الـمحققون, وذكروا أن القراءات هي حرفٌ من الأحرف السبعة الـمذكورة في الحديث. قال ابن كثير الدمشقي الـمفسِّ في كتابه فضائل القرآن:« قال القرطبي: قال كثيرٌ من علمائنا كالداودي وابن أبَ صفرة وغيرهما: هذه القراءات السبع ليست هي الأحرف السبعة التي اتسعت الصحابة في القراءة بـها, وإنما هي راجعةٌ إلى حرف واحد من السبعة, وهو الذي جمع عليه عثمان الـمصحف» , ذكره ابن النحاس وغيره(1). هذا, وقد بذ ل العلماء قصارى جهدهم في علم القراءات نظماً وتأليفاً ونثراً وتحريرا للقراءات كلها من طرق الشاطبية والدرة والطيبة عملاً بحديث النبي ﷺ « يحمل هذا العلم من من كل خَلَفٍ عُدولُه ». وكان مِنْ أبرز َن قام بخدمة القرآن الكريم من حيث أوجه القراءات الإمام وليُّ ا أبو القاسم الشاطبي -رحمه الله - حيث نظمَ قصيدته الشاطبية الـمعروفة بـ « حرز الأما ووجه التهاني », وقد لاقت القبول من قِبَلِ أهل العلم الـمشتغلين بعلوم القرآن القرآنية, وما ذاك إلا لإخلاص مؤلفها وصدْقِهِ, معَ أنَّ غيره من العلماء قد نظم في القراءات فلم يلْقَ نظمه ما لاقته الشاطبية من القَبول, حتى قال عنها العلامة اببن الجزري-رحمه الله-: «ومن وقف على قصيدته - يعني الشاطبي- علم مقدار ما آتاه الله في ذلك, خصوصاً اللامية التي عجز البلغاء من بعده عن معارضتها, فإنه لا يعرف مقدارها إلا من نظم على منوالها, أو قابل بينها وبين ما نظم على طريقتها, ولقد رُزق هذا الكتاب من الشهرة والقبول ما لا أعلمه لكتاب غيره في هذا الفن, بل قد أقول: ولا في غير هذا الفن, فإنني لا أحسب أن بلداً من بلاد الإسلام يُلو منه, بل لا أظن أن بيت طالب علم يُلو من نسخة به. 1) )فضائل القرآن, ابن كثير الدمشقي ص 58.
عدد الصفحات ٧8 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر ولقد تنافس الناس فيها ورغبوا من اقتناء النسخ الصحاح بها إلى غاية حتى أنه كانت عندي نسخة باللامية والرائية بخط الحجيج صاحب السخاوي مجلدة فأعطيت بوزنها فضة فلم أقبل, ولقد بالغ الناس في التغالي فيها وأخذ أقوالها مسلمة واعتبار ألفاظها منطوقاً ومفهوماً حتى خرجوا بذلك عن حد أن تكون لغير معصوم وتُاوز بعض الحد فزعم أن ما فيها هو القراءات السبع وأن ما عدا ذلك شاذ لا تُوز القراءة به, ومن أعجب ما اتفق للشاطبية في عصرنا هذا أن به من بينه وبين الشاطبي باتصال التلاوة والقراءة رجلين مع أن للشاطبي يوم تبييض هذه الترجمة مائتي سنة وهذا لا أعلم أنه اتفق في عصر من الأعصار للقراءات السبع وإن كان اتفق في بعض القراءات وقتاً ما وما ذلك إلا لشدة اعتناء الناس بها ومن الجائز أن تبقى الشاطبية باتصال السماع بهذا السند إلى رأس الثمانمائة فإن من أصحاب القاضي بدر الدين بن جماعة اليوم جماعة ولا أعلم كتاباً حفظ وعرض في مجلس واحد وتسلسل بالعرض إلى مصنفه كذلك إلا هو». ويقول الإمام الذهبي فى كتابه (معرفة القراء الكبار): «وقد سارت الركبان بقصيدتيه (حرز الأماني) و(عقيلة أتراب القصائد) اللتين في القراءات والرسم, وحفظهما خلق لا يحصون, وخضع لها فحول الشعراء وكبار البلغاء وحذاق القراء, فلقد أبلغ وأوجز وسهَّل الصعب»(1). ولله در القائل وقد قال الشاطبيُّ نفسه عن قصيدته: 1) )مقدمة التصحيح, متن الشاطبية, تحقيق وضبط الشيخ محمد تميم الزع جلا الرعيني علينا ضحى عروسه البكر ويا ما جلا لو رامها مبتكرٌ غيره قالت قوافيها له الكل: لا
عدد الصفحات ٨9 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر «لا يقرأ أحدٌ قصيدتي هذه إلا ونفعه الله عز وجل بها, لأني نظمتها لله تعالى»(1) . ا.هـ ولسنا في معرِض ترجمة هذا الإمام الرباني, فإن ذلك يؤخذ من مظانِّه (2), لكن أحببت أن أشير إشارةً يسيرة إلى بعض فضائله, فإن له أحوالاً عجيبةً وكرامات عظيمةً تدل على أنه من الربانيين والراسخين في العلم, وأكبر دليل على ذلك أنه كان إذا قرئ عليه البخاري ومسلم والموطأ تصحح النسخ من حفظه, وذلك فضل الله يؤته من يشاء. وقد سمَّى الشاطبي «رحمه ا » القراء السبعة بدورا زاهرةً , وحُقَّ لهم أن يُسموا بهذا الاسم, فهم بدورٌ زاهرةٌ منيرةٌ وقفوا حياتهم الكريمة خدمةً للقرآن الكريم في ضبط قراءاته وتحريرها وتدوينها حتى وصلت إلينا بالسند الـمتصل إلى نبينا محمدﷺ. والإمام الذي أُ قدِّ مُ له هو الرابع حسبما رتبهم الشاطبيُّ رحمه الله إذ يقول: ولا بد لنا أن نعلم شيئا عن هؤلاء الأعلام والسُُِّّج الـمنيرة الذين أفاضوا علينا من علمهم الـمبارك الذي اتصل سنده إلى النبي ﷺ,َوإنَكانَهذاَالموضعَليسَمعدوداًَ للترجمة,َلكنَقدَيفوتَالقارئ. ترجمة ابن عامر: هو البدر الرابع من البدور السبعة, وهو الإمام والتابعي الجليل عبد الله بن عامر بن 1)) انظر: إنباه الرواة4/161, ترجمة الإمام الشاط (2) انظرترجمة الإمام الشاطبي في معرفة القراء الكبار للذهبي 2/573, غاية النهاية في طبقات القراء لابن الجزري, الـمواهب اللدنية للقسطلاني, إنباه الرواة على أنباه النحاة للقفطي 4/160, نكت الـهِميان في نكت العميان للصفدي. وأمَّا دِمشق الشام دار ابنِ عامرٍ فَتلك بعبد الله طابت محُللا هشامٌ وعبد الله وهْو انتسابه لذكوان بالإسناد عنه تنقَّلا
عدد الصفحات ٩10 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر يزيد بن تميم بن ربيعة بن عامر بن عبد الله بن عمران اليحصبي, بضم الصاد وكسِّها, قُبضَ رسول الله ﷺَولهَسنتان,َث م َانتقلَإلىَدمشق وله تسع سنين, أسنُّ القراء وأعلاهم سنداً , وه و الرابع في ترتيب القراء السبعة, إمام أهل الشام في القراءة, ولد سنة إحدى وعشْين من الـهجرة, وقيل سنة ثمان منها, وسمع الحديث عن جماعة من الصحابة والتابعين , انتهت إليه مشيخة الإقراء بعد وفاة الصحابَ الجليل أ الدرداء, أمَّ المسلمين بالجامع الأموي سنين كثير ة في عهد اخلليفة اخلامس عمر بن عبد العزيز وقبله وبعده, فكان عمر يأتمُّ به وهو أمير المؤمنين, ولجلالته في العلم ولإتقانه جمع له اخلليفة بين القضاء والإمامة ومشيخة الإقراء بدمشق, وهي حينئذٍ دار اخللافة. وهو من خيار التابعين وأجلَّة الراوين, لا يُتَّهمُ في د ينه ولا يشك في يقينه, ولا يُرتاب في أمانته, ولا يُطعَنُ عليه في روايته, صحيحٌ نقلُه, فصيحٌ قولُه, عالٍ في قدره, مُصيبٌ في أمره, مشهورٌ في علمه. توفي في دمشق يوم عاشوراء سنة ثمان عشْة ومائة(1). وللإمام ابن عامرٍ راويان: الأول هشامٌ والثاني ابن ذكوان ترجمة الإمام هشام: هشام بن عمار بن نصير بن ميسِّة, أبو الوليد السلمي, إمام هل دمشق وخطيبهم ومقرئهم ومحدثهم ومفتيهم. قال أبو زرعة: «من فاته هشام بن عمار يحتاج أن ينزل في عشْة آلاف حديث». وقال هشام بن عمار سألت الله عز وجل سبع حوائج فقضى ستا والواحدة ما أدري ما صنع فيها, سألته أن يغفر لي ولوالدي وهي التي لا أدري, وسألته أن يرزقني الحج (1) انظر: معرفة القراء الكبار 1/67, غايةالنهاية 1/425, عن حاشية شرح تنقيح فتح الكر لفضيلة الإمام المحقق عبد العزيز الزيات ت 1424هـ, ط.قطاع المساجد, الكويت
عدد الصفحات ١٠11 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر ففعل, وسألته أن يعمرني مائة سنة ففعل, وسألته أن يجعلني مصدِّقا على رسول الله^ ففعل, وسألته أن يجعل الناس يغدون إليى في طلب العلم ففعل, وسألته أن أخطب على منبر دمشق ففعل, وسألته أن يرزقني ألف دينار حلالاً ففعل, مات سنة خمس وأربعين ومائتين وقيل: سنة أربع وأربعين(1). ترجمة الإمام ابن ذكوان هو عبد الله بن أحمد بن بشْ ـ ويقال بشير ـ ابن ذكوان بن عمرو ابن حسان بن داود بن حسنون بن سعد بن غالب ابن فهر بن مالك ابن النضر , وكنيته أبو محمد وقيل أبو عمرو القرشي الفهري الدمشقي, الإمام الأستاذ الشهير الراوي الثقة الضابط المقري شيخ الإقراء بالشام وإمام جامع دمشق انتهت إليه مشيخة الإقراء بعد أيوب بن تميم. ولد يوم عاشوراء سنة ثلاث وسبعين ومائة. أخذ القراءة عرضاً عن أيوب بن تميم , وهو الذي خلفه في القيام بالقراءة , قال أبو عمرو الحافظ وقرأ على الكسائي حين قدم الشام . قال النقاش: قال ابن ذكوان : أقمت عند الكسائي سبعة أشهر وقرأت عليه القرآن غير مرة. وهو إمام شهير ثقة شيخ الإقراء بالشام وإمام جامع دمشق , انتهت إليه مشيخة الإقراء بدمشق بعد هشام. قال أبو زرعة الدمشقي : لم يكن بالعراق ولا بالشام ولا بالحجاز ولا بمصر ولا بخرسان في زمن ابن ذكوان أقرأ عندي منه وألف كتاب « أقسام القرآن وجوابها», وكتاب «ما يجب على قارئ القرآن عند حركة لسانه ». 1) )المصدر السابق ص50, وانظر: غاية النهاية2/254.
عدد الصفحات ١١12 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر وقال الوليد بن عتبة الدمشقي: ما بالعراق أقرأ من ابن ذكوان. توفي يوم الاثنين لليلتين بقيتا من شوال, وقيل لسبع خلوْن منه سنة اثنتين وأربعين ومائتين رحمه الله وأثابه [غاية النهاية (1/404 )الإعلام (4/188.]) هذه كلمات يسيرة عن ترجمة التابعي الجليل والبدر الرابع عبد الله بن عامر اليحصبي إمام الجامع الأموي وقاضي دمشق, مع ترجمة راوييْه, ومن أراد المزيد فليرجع إلى كتب التراجم يجد مطلوبه. ولعلَّ قائلاً يقول: بما أن الإمام والمقرئ ابن عامر الشامي كانت قراءته هي المنتشْة والـمشهورة في دمشق, فلماذا يقرأ الناس اليوم برواية حفصٍ عن عاصم؟ وقد أجاب الإمام ابن الجزري عن جزء من ذلك فقال رحمه الله:« ولا زال أهل الشام قاطبةً على قراءة ابن عامر تلاوةً وصلاةً وتلقيناً إلى قريب اخلمسمائة ». ا.هـ [غاية النهاية (1/592), الناشر: مكتبة اخلانجي بالقاهرة] وقال ابن كثير الدمشقي صاحب التفاسير الـمشهورة « وأما الـمصاحف العثمانية الأئمة فأشهرها اليوم الذي في الشام بجامع دمشق عند الركن شرق المقصورة والمعمورة بذكر الله, وقد كان قديما بمدينة طبرية ثم نقل منها إلى دمشق في حدود ثماني عشْة وخمسمائة وقد رأيته كتابا عزيزا جليلا عظيما ضخما بخط حسن مبين قوي محكم في رقى أظنه من جلود الإبل والله أعلم... زاده الله تشْيفا وتعظيما وتكريما»(1) ا.هـ إذاً بقيت قراءة ابن عامر رحمه الله, يُقرأُ بها في الديار الشامية إلى قريب اخلمسمائة على ما ذكره الإمام ابن الجزري رحه الله, فلما كان الحكم للعثمانيين بعد القرن اخلامس الهجري (1)نقلاً عن كتاب المتحف في رسم المصحف ص85, صالح بن محمد الرشيد, مكتبة دار الـمنهاج
عدد الصفحات ١٢13 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر في بلاد الشام ألزموا الناس برواية حفص عن عاصم, وبقيت منشْة إلى وقتنا الحالي. وكان كل حاكمٍ يُلزِم الناس برواية من الروايات القرآنية في سائر الأمصار الإسلامية. ورواية حفصٍ منتشْة الآن في معظم العالم الإسلامي. وقد ذكر العلامة الشيخ محمد الطاهر بن عاشور في مقدمة تفسيره التحرير والتنوير ما نصه: « والقراءات التي يقرأ بها اليوم في بلاد الإسلام من هذه القراءات العشْ هي: 1 . قراءة نافع برواية قالون في بعض القطر التونسي وبعض القطر المصري , وفي ليبيا وبرواية ورش في بعض القطر التونسي وبعض القطر المصري وفي جميع القطر الجزائري وجميع المغرب الأقصى , وما يتبعه من البلاد , والسودان . 2 .قراءة عاصم برواية حفص عنه في جميع الشْق من العراق والشام وغالب البلاد المصرية والهند وباكستان وتركية والأفغان . 3 .قراءة أبَ عمرو البصري فيما بلغني يقرأ بها في السودان المجاور لمصر1. [نقلاً عن كتاب حجة القراءات بتحقيق الأستاذ سعيدالأفغاني ص66-67. طبعة مؤسسة الرسالة]. والجدير بالذكر أنه لم يذكُرْ قراءة ابن عامر, ولعلها لم تكن مشهورة في قطر من الأقطار الإسلامية . يقول الأستاذ سعيد الأفغاني: « كانت قراءة أبَ عمرو البصري غالبة على الأمصار الإسلامية, قال ابن الجزري في أهل المائة التاسعة: القراءة التي عليها الناس اليوم 1) )انظر: مقدمة التحرير والتنوير1/57, طبعة سنة1964.
عدد الصفحات ١٣14 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر بالشام والحجاز واليمن ومصر هي قراءة أبَ عمرو, فلا تكاد تُدُ أحداً يُلقَّنُ القرآن إلا على حرفه خاصة في الفرشَ» والظاهرَأنَتقلبَال قراءاتَعلىَمصرٍَماَيتبع قراءة القارئ المقتدى به عند أهل المصر, فقد ذكر الإمام ان الجزري أن الشام كانت تقرأ بحرف ابن عامر إلى حدود اخلمسمائة, فتركوا ذلك لأن شخصاً قدم من أهل العراق, وكان يلقن الناس بالجامع الأموي على قراءة أبَ عمرو, فاجتمع عليه خلقٌ واشتهرت هذه القراءة عنه, وأقام سنين كذا بلغني, وإلا فما أعلم السبب في إعراض أهل الشام عن قراءة ابن عامر وأخذهم بقراءة أبَ عمرو, وأنا أعدُّ ذلك من كرامات شعبة. وكان الإمام ابن الجزري نقلَ قول شعبة إذ قال: « انظر ما يقرأُ أبو عمرو فإنه سيص للناس إسناداً ». وقال ا لأفغاني(1) :«هذا وعلمتُ من فاضلٍ سوداني أن قراءة أبَ عمرو يُقرأ بها السودان اليوم من اخلرطوم إلى كسلا إلى شمال أرتيريا, وفي شرقي تشاد, وحدَّثني آخر من أهل المدينة أنه اقتدى بتاجر بُخاري صلى في الحرم المدني, فقرأ قراءة ابن كثير برواية الدوري[والظاهر من العبارة التعارض], فلما سألوه قال إنها قراءة أهل بلاده» . ونرى من قول المفسِّ الطاهر ابن عاشور ومِنْ قبله الإمام ابن الجزري رحمهما الله تعا أنهما لم يذْكرا انتشار قراءة ابن عامر الشامي بعد القرن اخلامس الهجري إلى الآن في بلاد الشام, ولا حتى في قطر من الأقطار الإسلامية, فأرجو الله تعالى أن تعود هذه القراءة إلى بلاد الشام كما كانت من قبل, وإن كانت البركة في القراءات كلها أينما انتشْت. (1) حجة القراءات لأبي زرعة, تحقيق سعيد الأفغاني ص 66-67, طبعة مؤسسة الرسالة
عدد الصفحات ١٤15 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر هذا وممن أضاءت شمسه وسطع نوره في هذا العصر الشيخ الفاضل عبد الرحمن الريس, حيث نظمَ منظومته المباركة في قراءة ابن عامر الشامي ا لتابعي الجليل رحمه الله تعالى, وقد جاءت هذه المنظومة لاميةً مهذبةً, وقد أتى حفظه الله برموزها كرموز الشاطبية ليسهل على الطالب الذي يحفظ الشاطبية حفظها, كما قال ابن الجزري عن طيبته رحمه الله: وإن الشيخ عبد الرحمن -حفظه الله ونفع بعلومه المسلمين- نظَمَ قبلها نظْم الهداية في القراءات الثلاث المتممة للعشْة, قراءة أبَ جعفر ويعقوب وخلف العاشر, فأثرى بذلك مكتبة القراءات القرآنية ثراءً مُباركاً. ولا أظن ذلك إلا اصطفاءً من الله تعالى وعناية ربانيةً ب الشيخ الفاضل عبد الرحمن - حفظه الله-. ومن المعلوم أن العلوم تُضبط ضبطاً متيناً بهذه المتون, ولولا ذلك لعسَُِّ على الطالبِ حفْظها ووقع في أخطاءَ جسيمة, خصوصاً أن هذه المتون تتعلق بالقرآن الكريم. وإنَّ هذه المنظومة لَتعيدُ إلى الشام الحبيبة قراءتها التي ورثتها عن الإمام ابن عامر رحمه الله, تلك البلاد التي أُمِرت الملائكة أن تضع عمود الكتاب فيها. فَعن عبد الله بن حوالة عن النبي^ قال«رأيت ليلةَ أُسريَ بَ عموداً أبيضَ كأنه لؤلؤة تحمله الملائكة, قلت: ما تحملون؟ قالوا: عمود الكتاب أثمرْنا أن نضعه بالشام, وبينا أنا نائم رأيت عمود الكتاب اختلس من تحت رأسي, فظننت أن الله تعالى قد تخلى عن أهل الأرض فأتبعته بصري فإذا هو نور ساطع بين يدي حتى وضع بالشام», فقال ابن حوالة: يا رسول الله خِرْ لي, فقال: «عليك بالشام» [رواه الطبراني, ورجاله ثقات]. وكل ذا اتىبعْتُ فيه الشاطبي لِيسْهُلَ استحضارُ كلِّ طالبِ
عدد الصفحات ١٥16 تحفة الشامي في قراءة ابن عامر وإن الملائكة لتضعُ أجنحتها على الشام لأنها صفوة الله. وقد قال النبي ^ في حديثه الصحيح «طوبى للشام, لأن ملائكة الرحمن باسطة أجنحتها عليه». فعسى أن تنتشْ قراءة ابن عامر في الديار الشامية بعد أن غابت عنها قرون عديدة وذلك بفضل العلماء والقراء الذين اصطفاهم الله سبحانه وتعالى لكتابه الكريم, إضافةً إلى رواية حفصٍ عن عاصم الذي فُضِّل بالإتقان والضبط حيث قال الشاطبي رحمه الله: وإننا اليوم- بفضل الله تعالى- نشهد نهضة عظيمة للقرآن الكريم في بلاد الشام وغيرها مصداقاً لقول الله تعالى: ﴿ ﴾ [الحجر9]. فمن عوامل حفظ هذا الذكر الحكيم حفْظه في صدور رجال اصطفاهم الله سبحانه لذلك وخصَّهم به, وهي خصوصية لهذه الأمة لم تكن من قبل, كما قال الإمام ابن الجزري– رحمه الله-: «الاعتماد في نقل القرآن على حفظ القلوبوالصدور, لا على خط المصاحف والكتب, أشرف خصيصة من الله تعالى لهذه الأمة». فرحم الله الإمام الجليل ابن عامر الشامي إمام القراء في دمشق الشام, فإن له فضيلة على غيره من القراء السبعة بتقدم زمانه, لأنه ولد في حياة رسول الله^, ولقي جماعة من الصحابة إذ قال: قرأت القرآن مرارا بدمشق على معاوية بن أبَ سفيان , وأخ «أي ابن عامر» أنه قرأ على واثل بن الأسقع, وأن واثلة قرأ على النبي^. فلله درُّه من قارئ, ويكفيه فضلاً أنه من التابعين, وإن اخلليفة اخلامس عمر بن عبد العزيز –كما مر سابقاً - كان يصلي خلفه وعينه قاضيا على دم شق لفضله ومنزلته, وقراءتُه حجةٌ على أرباب النحو الذين يغمِزون من قراءته, وينسبونه إلى اخلطأ, وهذا وحفصٌ وبالإتقان كان مُفضَّلا
عدد الصفحات ١٦