القرآن وشهر الصيام بقلم محمد مهدي نذير قشلان
عدد الصفحات ١2 2 إن الحمد لله، نحمده ونستعين به ونسترشده، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، م ن يهده اللهه فهو المهتد، ومن يضلل فلن تجد له ولياً مرشداً ... وأشهد أن لا إله إلا الله: إذا وقف العباده في ساحة العرضِ على الله ونهصبت الموازيين، وقد أهذهلت كلُّ مرضعةٍ عما أرضعت ووضعت كهلُّ ذ اتِ حَ ْلٍ حَ ْل ه ا، و ت ر ى الن اس سهك ار ى و م ا ههمْ بِسهك ار ى و ل كِن ع ذ اب اللهِ ش دِيدٌ،كان للعبد محاميان يدافعان عنه أمام الواحد الد يان : الصيام والقرآن؛ ((يقول الصيامه : أي ربِّ م ن عْتهه ال طعام والش هْو ة فشفِّعْنِي فيه؛ويقوله القرآن :ه منعتهه النوم بالليلِ فش فِّعْنِي فيهِ، فيقول الله لهما : قد شفعتكما فيه(1))) يارب: لك الحمد على أن بلغتنا شهر رمضان، اللهم تقبل
عدد الصفحات ٢3 3 منا الصيام والقيام، واجعل هذا الشهر الكريم شاهداً لنا لا علينا، اللهم اجعلنا فيه من عتقائك من النيران، واجعلنا فيه من المقبولين الفائزين بالرضوان. أيا معشر الصوّام وافتكم البشرى وقد نشر الباري بمدحكمو ذكرا خصصتم بشهرفيه عتقٌ ورحَ ـــــــةٌ وقد أجزل الرحَن للصائم الأجرا مساجده مأنوسةٌ بتلاوةٍ وذكرٍ وك ــــــــانــت قبـله تشتكي الهجـــــــــــرا وأشهد أن سيدنا ونبينا وعظيمنا وقائدنا وقرة أعيننا محمداً رسول الله: يقول مبشراً أولئك الذين جعلوا للقرآن نصيباً في حياتهم: (( يهق اله لِص احِبِ الْقهرْآنِ ي وْم الْقِي ام ةِ : اقْر أْ و ارْق ، ف إِن م نْزِل ت ك عِنْد آخِرِ آي ةٍ ت قْر ؤهه ا (2))). سيدي أبا القاسم يا رسول ا: يا سيد العقلاء يا خير الورى ... يا من اتيت الى الحياة مبشرا وبعثت بالقران فينا هادياً ... وطلعت في الأكوان بدراً نيرا والله ما خلق الإله ولا برى ..بشراً يرى كمحمد بين الورى
عدد الصفحات ٣4 4 أما بعد فيا أحباب رسول ا : وهكذا يمرُّ موكب الأيام وكأنه لم يكن بين الرمضانين إلا عشية أوضحاها، ها هو شهر رمضان قد أقبل وقد مض منه ستة أيام فمرحباً بمطهرنا. ولا شك أن بلوغ شهر رمضان وصيامه نعمة عظيمة لا تدانيها نعمة . فاللهم سلمنا لرمضان، وتسلمه مني متقبلاً . ولاشك أن رمضان شهر الطاعات والقربات، وشهر الخيرات والبركات، فيه تضاعف الحسنات وتغفر السيئات والزلات؛ ولأجل ذلك ينبغي على المسلم التشمير عن ساعد الجد والطاقة من صيام وصلاة وقيام وصدقة وغير ذلك من أنواع البر. فقد قال التابعي الجلي ل ف قِيْهه العِر اقِ وحافظها إِبْر اهِيْمه الن خ عِيُّ : " صوم يوم من رمضان أفضل من ألف يوم، وتسبيحة في رمضان أفضل من ألف تسبيحة، وركعة في رمضان أفضل من ألف ركعة(3)"
عدد الصفحات ٤5 5 معاشر الأحبة: اسمحوا لي أن أواصل الحديث عن برنامج العبادة في شهر رمضان حتى نغتنم كل يوم من رمضان حقًا كما ينبغي. وقلنا إنه برنامج اقتصادي ليس فيه مبالغة في العبادة بحيث تنقطع بعد أيام ...ولا شك أن العباد في ذلك متفاوتون لكن ((أ ح بُّ الأعمال إِلى اللّ ِ أ دْو مهه ا و إِنْ ق ل )) فالقليل مع الدوام خير من الكثير مع الانقطاع..وقد تحدثنا عن فضل صلاة التهجد ولو ركعتين ليلاً بشرط أن تواظب على ذلك طوال رمضان. وقد قال فيهما رسول الله: ((م نْ اسْت يْق ظ مِنْ الل يْلِ و أ يْق ظ امْر أ ت هه ف ص ل ي ا ر كْع ت ينِْ جَ ِيعًا كهتِب ا مِنْ الذ اكِرِين اللّ ك ثِيرًا و الذ اكِر اتِ (4))) وقد رأينا المصطفى لا ينظر إلى الكم والعدد في العبادة بقدر ما يؤكد على الحضور والتركيز أثناءها. ولذا قال حبر الأمة عبد الله ابن عباس التلميذ
عدد الصفحات ٥6 6 الحكيم الذي تخرج من المدرسة المحمدية: "ركعتان مقتصدتان في تفكر،خير من قيام ليلة والقلب ساهٍ (5)" معا السادة: ثم ماذا بعد صلاة الركعتين في جوف الليل قبيل الفجر؟! المحافظة على قراءة القرآن في كل يوم من أيام رمضان . فهناك ارتباط وثيق بين رمضان والقرآن. قال جل من قائل : { ش هْره ر م ض ان ال ذِي أهنْزِل فِيهِ الْقهرْآنه ههدًى لِلن اسِ و ب يِّن اتٍ مِن الهْهد ى و الْفهرْق انِ } [الب ق ر ة : 185] فأخ-سبحانه- بخصوصية شهر الصيام من بين سائر الشهور بأن اختاره من بينهن لإنزال القرآن العظيم فيه . بل لقد ورد في الحديث بأنه الشهر الذي كانت الكتب الإلهية تتنزّل فيه على الأنبياء، كما في مسند أحَد و الطبراني في معجمه الكبير (6).بل كان جبريل عليه السلام يلتقي بالحبيب كل يوم في رمضان
عدد الصفحات ٦7 7 فيدارسه القرآن(7). فحقيقبنا معاشر السادة زيادة الاهتمام والاعتناء بقراءة القرآن في شهر الصيام .قال صلى الله عليه وسلم: (( إِنيِّ ت ارِكٌ فِيكهمْ كِت اب اللّ ِ، ههو ح بْله اللّ ِ، م نِ ات ب ع هه ك ان ع لى الهْهد ى، و م نْ ت ر ك هه ك ان ع لى الض لا ل ةِ (8))).وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على من يقرأه ويتدبره فقال جل شأنه : {إِن ال ذِين ي تْلهون كِت اب اللّ ِ و أ ق امهوا الص لاة و أ نْف قهوا مِِ ا ر ز قْن اههمْ سِِّاً و ع لانِي ةً ي رْجهون تجِ ار ةً ل نْ ت بهور (22) لِيهو فِّي ههمْ أهجهور ههمْ و ي زِيد ههمْ مِنْ ف ضْلِهِ إِن هه غ فهورٌ ش كهورٌ (33) }[ف اطِر: 33_22] وقال ص لى اللّ ه ع ل يْهِ و س ل م : ((اقْر ؤهوا الْقهرْآن ، ف إِن هه ي أْتِِ ي وْم الْقِي ام ةِ شفيعاً لأصحابه(2) )وفي رواية: (اقْر ؤهوا الْقهرْآن ، ف إِن هه ي أْتِِ ي وْم الْقِي ام ةِ يهد افِعه لأ صْح ابِهِ (13))) ولقد كان سلف نا الصالح _رحَهم الله ورضي عنهم _تزيد عنايتهم بتلاوة
عدد الصفحات ٧8 8 القرآن في شهر رمضانبالذات. فقد روي" أن الإمام مالك فقهيه المدينة وأحد المذاهب الأربعة المتبعة كان إذا دخل رمضان يفرُّ من قراءة الحديث، ومجالسة أهل العلم ، ويهقبل على تلاوة القرآن من المصحف.وكان سفيان الثوري كذلك إذا دخل رمضان، ترك النوافل، وأقبل على قراءة القرآن . وكان الإمام الزُّهري التابعي الجليل -رحَه الله - إذا دخل رمضان، قال لإخوانه:"إنه شهر تلاوة القرآن وإطعام الطعام(11) . " لكن السؤال الهام هنا أيها الأحبة: كم نقرأ كل يوم؟! إن أدنى ما يجب علينا قراءته كل يوم عشر آيات. ينبغي أن لا ينقص عن ذلك. أما ما جزاء من حافظ كل يوم على قرائتهن .؟! فاسمع معي قول عبد الله بْنِ عهم ر الذي يهعد من فقهاء الصحابة وقد قالت ع ائِش ة في
عدد الصفحات ٨9 9 حقه:"م ا ر أ يْته أ ح داً أ لْز م لِلأ مْرِ الأ و لِ -أي اتباع كاملاً لرسول الله- مِنِ ابْنِ عهم ر (12)" .ماذا قال هذا الصحابي الجليل؟؟: "م نْ ق ر أ فيِ ل يْل ةٍ بِع شرِْ آي اتٍ لم ْ يهكْت بْ مِنْ الْغ افِلِين (13)". وقد يقول قائلٌ : إنني لأستطيع أكثر من ذلك بكثير فهل هناك ما يمنع أن أختم في كل يوم جزءً أو جزئين؟؟ أقول لا... لا مانع من ذلك بل في ذلك فضل وأجر كبير..لكن لا يجوز ولا يحل لك أن تقرأ كتاب الله وكأنك تقرأ جريدة يوميه ..كما يفعل بعض الناس يقول: لقد خصصت لنفسي أن أقرأ كل يوم جزءً أو جزئين فيضيق به الوقت....فتراه يقرأ القرآن هذرمة. والهذرمة:سِعة الكلام والقراءة مع ذهاب بعض مخارج الحروف. وقد عدها العلماء من المنكرات في القراءة.. قال عبد الله ابن مسعود رضي الله
عدد الصفحات ٩01 01 عنه:"لا تهذُّوا القرآن هذّ الشّعر، ولا تنثروه نثر الدّقل، وقِفوا عند عجائبِه،وحرّكوا به القلوب ،ولا يكن همُّ أحدِكم آخر السورة(14)" ف يكون هدف الإنسان وهمّه هو تكثير الصفحات التي يقرأها، أو زيادة الختمات التي يختمها، بقدر ما يكون له همّ في تدبر ما يقرأ ويتلوا ..قال تعالى لنبيه: {كِت ابٌ أ نز لْن اهه إِل يْك مهب ار كٌ لِّي د ب رهوا آي اتِهِ }أي: ليتفكروا فيما اشتملت عليه آياته من أحكام حكيمة، وآداب قويمة، وتوجيهات جامعة لما يسعدهم في دنياهم وآخرتهم {و لِي ت ذ ك ر أهولهوا الأْ لْبابِ } أي: وليتعظ أصحاب العقول السليمة بما جاء فيه من قصص وعبر ودروس.و قد سهئِل مجه اهِدٌ -رحَه الله-ع نْ ر جهل ينِْ ق ر أ أ ح د همه ا الْب ق ر ة ، و الْْخ ره الْب ق ر ة و آل عِمْر ان فيِ الص لا ةِ و رهكهوعهههما و سهجهوده همه ا و احِدٌ، ف ق ال :"ال ذِي ق ر أ الْب ق ر ة و حْد ه ا أ فْض له (15)."وقال ابن عباس
عدد الصفحات ١٠00 00 ر الله عنهما:" لأن أقرأ البقرة أرتلها وأتدبرها أحب إلى من أن أقرأ القرآن كله هذرمة(16)"و لِذ لِك ك ان ك ثِيرٌ مِن الس ل فِ يهر دِّده الْْي ة الْو احِد ة إِلى الص ب احِ ..قال محه م دِ بْنِ ك عْبٍ الْقهر ظِيِّ -ر حَْ ةه اللّ ِ ع ل يْهِ -التابعي الجليل صاحب المكانة السامية في تأويل كتاب الله، حتى قال ع وْن بن ع بْدِ اللهِ :"م ا ر أ يْته أ ح داً أ عْل م بِت أْوِيْلِ القهرْآنِ مِن القهر ظِيِّ " قال ر حَْ ه اللّ ِ :" لأ نْ أ قْر أ فيِ ل يْل تِي ح ت ى أهصْبِح (إِذ ا زهلْزِل تِ الأْ رْضه، و الْق ارِع ةه ) لا أ زِيده ع ل يْهِما و أ ت ر د ده فِيهِما و أ ت ف ك ره أ ح بُّ إِلي مِنْ أ نْ أ ههذ الْقهرْآن ه ذًّا، أ وْ ق ال : أ نْثهرههه ن ثْرًا (17)" أيها الأحبة: إذن نضع كتاب الله بين أيدينا والتفسير عن يميننا حتى نرضي ربنا ..، ولا أريد أن أطيل عليكم .. فالوقت قد مر سِيعاً، والحر شديد ..نسأل الله تعالى أن يجعل القر آ ن
عدد الصفحات ١١02 02 العظيم ربيع قلوبنا، ونور صدورنا، وجلاء همومنا وغمومنا وأحزاننا، اللهم ذكرنا منه ما ن سينا وعلمنا منه ما جهلنا، وارزقنا تلاوته آناء الليل وأطراف النهار، اللهم نور بكتابك أبصارنا واشرح به صدورنا، وأطلق به ألسنتنا، واستعمل به أجسادنا، اللهم اجعل القران لنا في الدنيا قرينا، وفي القبر مؤنساً، وعلى الصراط نوراً، ويوم القيامة شفيعاً، وإلى الجنة دليلاً ، ومن النار ستراً (18). بقلم محمد مهدي نذير قشلان _رجاء دعوة صالحة_
عدد الصفحات ١٢03 03 تخريج وضبط لخطبة: القرآن وشهر الصيام (1) ر و اهه أ حَْ ده والطبراني والحاكم . قال الحافظ الهيثمي : ورجال الطبراني رجال الصحيح .. مجمع الزوائد ومنبع الفوائد 3/ 181 (2) بهذا اللفظ رواه البيهقي في الشعب3 /372 ، وهو عند الترمذي وأحَد بلفظ قريب (3) الدر المنثور 1/454 .جلال الدين السيوطي(المتوفى: 211هـ) (4) سنن أبي داود 2/ 582 .وإسناده صحيح. (5) مخت[قيام الليل وقيام رمضان وكتاب الوتر ]المؤلف: أبو عبد الله محمد بن نصر بن الحجاج الم رْو زِي (المتوفى:
عدد الصفحات ١٣04 04 224هـ)اختصرها: العلامة أحَد بن علي المقريزي .الناشر: حديث أكادمي، فيصل اباد – باكستان. الطبعة: الأولى. (6) عنواثلة بن الأسقع أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: (( أهنزلت صحف إبراهيم في أول ليلة من رمضان، وأنزلت التوراة لستٍ مضين من رمضان، وأنزل الإنجيل لثلاث عشرة خلت من رمضان، وأنزل الزّبور لثمان عشرة خلت من رمضان، وأهنزل القرآن لأربع وعشرين خلت من رمضان))قال الحافظ الهيثمي:رواه أحَد والطبرا ني في الكبير والأوسط، وفيه عمران بن داود القطان، ضعفه يحيى، ووثقه ابن حبان، وقال أحَد: أرجو أن يكون صالح الحديث. وبقية رجاله ثقات. (7) صحيح البخاري 1/6 .برقم(6)
عدد الصفحات ١٤05 05 (8) صحيح ابن حبان 1/333 .برقم(123.) (9 )صحيح مسلم 1/535. (10 )الطبراالمعجم الكبير 8/18 (11 )انظر هذه الأخبار وغيرهالطائف المعارف فيما لمواسم العام من الوظائف ص:(171 )لابن رجب الحنب. (12 )البيهقيفي المدخل إلى السنن الكبرى ص:(153 ) (13 )مسند الدارمي المعروف بـ (سنن الدارمي ) 4/ 2162 . وقد روي مرفوعاً : «م نْ ق ام بِع شرِْ آي اتٍ لم ْ يهكْت بْ مِن الْغ افِلِين ، و م نْ ق ام بِماِئ ةِ آي ةٍ كهتِب مِن الْق انِتِين ، و م ن ق ر أ بِأ لْفِ آي ةٍ كهتِب مِن المْهق نْطِرِين »صحيح ابن خزيمة 2/ 181. (14 )المهص ن ف لابن أبي شيبة 6/ 53.وقد ذكره البيهقي الشعب 3/ 436
عدد الصفحات ١٥06 06 (15 )التبيان في آداب حَلة القرآن ص:82 . الإمام أبي زكريا بن شرف النووي رحَه الله تعالى المتوفى سنة 676 هـ (16 )إحياء علوم الدين للإمام الغزالي (المتوفى: 535هـ) 1/277.بلفظ: " لأ نْ أ قْر أ الْب ق ر ة و آل عِمْر ان أهر تِّلهههما و أ ت د ب رههمه ا أحب " (17 )الجواهر الحسان في تفسير القرآن 1/ 133 .المؤلف: أبو زيد عبد الرحَن بن محمد بن مخلوف الثعالبي المالكي (المتوفى: 875هـ). (18) ألقيت هذه الخطبة في أحد مسجد عما ن عام 1438 هـــ ـــ2317 م. كما ألقيت في بعض المراكز الإسلامية الدعوية .
عدد الصفحات ١٦