(الدرس السابع) شرح التذكرة في علوم الحديث للشارح الدكتور عمر المقبل حفظه الله
عدد الصفحات ١بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا وإمامنا وسيدنا محمد بن عبد الله وعلى آلة وصحبه ومن والاه أما بعد: فنستكمل ما ابتدأناه بالتعليق على تذكرة ابن الملقن في علوم الحديث- رحمة الله عليه-وكنا بالأمس انتهينا من الكلام على جملة من الأنواع التي صد ر بها المصنف-رحمه الله-هذه الرسالة الطيبة، ومن باب استذكار بعض المعلومات الأساسية نسأل بعض الأسئلة اليسيرة في الدقائق الأولى حتى نربطها بما سنبتدأ به-إن شاء الله تعالى-في هذه الأنواع التالية مر بنا بالأمس تعريف الحديث الصحيح، فما هو؟ ما رواه عدل تام الضبط بسند متصل من غير شذوذ ولا علة ما الفرق بينه وبين نوع الحسن؟ يختلف الحسن عن الصحيح بشرط واحد وهو خفة الضبط يسأل سائل: الحديث الضعيف ما هو بعد هذين التعريفين، ما هو الحديث الضعيف بعد ذلك؟ هو ما ليس بصحيح ولا حسن، فأي حديث لا يجمع شروط الحديث الصحيح ولا الحسن فهو ضعيف أيًا كان سبب ضعفه بانقطاع أو بتهمة راوٍ أو غير ذلك من الشروط الأخرى التي تُفقد سؤال يتعلق بالموقوف والمرفوع، مر بنا هذان المصطلحان فما الفرق بينهما؟ المرفوع ما رُفع أو نُسب إ لى النبي-صلى الله عليه وسلم- والموقوف ما وُقف على الصحابي -رضي الله عنه- بقي نوع ثالث بعد المرفوع والموقوف فما هو؟ المقطوع
عدد الصفحات ٢ما الفرق بين المقطوع والمنقطع؟ المنقطع هو ما حصل فيه الانقطاع في إسناده في أي موضع من السند بينما المقطوع هو ما رُوي عن التابعي أي تابعي من التابعين مرّ معنا أيضاً تعريف المرسل، فما هو المرسل بناءً على تعريف المصنف؟ هو ما رواه التابعي عن النبي-صلى الله عليه وسلم- المصنف أشار إلى الخلاف في تعريفه للمرسل، فما هو الخلاف الذي أشار إليه؟ حينما قال: ولو لم يكن كبيرًا، هو ما رواه التابعي ولو لم يكن كبيرًا مر معنا الكلام على التدليس، فما هو التدليس؟ في اللغة معروف مأخوذ من الخفاء لكن ما المقصود به عند المحدثين؟ هو أن يروي عمن سمع منه في الجملة ما لم يسمعه منه بصيغة تحتمل السماع نختم بسؤال أو سؤالين حول نوعي المنكر والشاذ وننبه من خلالهما على شيء فهمه بعض الإخوة في درس الأمس لابد أن أذك ر به، مر معنا تعريف الشاذ ومر معنا تعريف المنكر، فما هو تعريف الشاذ على كلام المصنف-رحمه الله-؟ هو ما رواه الثقة مخالفًا لغيره، انفرد به الثقة مخالفًا لغيره، اشترط كم شرط؟ شرطين: أن يكون ثقة وأن يخالف ومر معنا أن الشذوذ في لسانه أو في كلام الأئمة يطلق على هذا ويطلق أيضاً على مطلق التفرد ، طيب المنكر ؟ مخالف، إذن اشترك الشاذ والمنكر في قيد المخالفة في كلام المؤلف، ولكن الشاذ هو خطأ الثقة، والمنكر خطأ الضعيف، وقلنا إن أئمة الحديث-رحمة الله عليهم- يطلقون النكارة والشذوذ على هذا وعلى هذا لأن المقصود في النهاية هو الرد والإعلان بأن هذا الخطأ شديد وليس خطأ ضعيفًا
عدد الصفحات ٣وقلنا عبارة الإمام أحمد: "المنكر أبدًا منكر"، فمن يفسر هذه؟ أن المنكر خطأ، يعني إسناد لا وجود له، فلا يحتمل ماذا؟ الجبر وليس داخلاً في حيز الاعتبار عند المحدثين بالأمس لما انتهى الدرس بعض الإخوة ظن أن كل تفرد يقع من ثقة فهو خطأ مردود، ولا أدري كيف فهم هذا! إنما قلنا إن تفرد الثقة المردود هو الذي لاح وتبين وظهر للعلماء أنه خطأ، وليس مجرد ماذا؟ التفرد، وإلا لرددنا أول حديث في الصحيح وهو حديث النية، فإن التفرد وقع فيه في أربع طبقات، فالحديث مشهور عن يحيى بن سعيد الأنصاري شيخ الإمام مالك، عن محمد بن إبراهيم التيمي عن علقمة بن وقاص الليثي عن عمر بن الخطاب-رضي الله عنه- فالتفرد وقع فيه في أربع طبقات ومع هذا هو من أصح الأحاديث على وجه الأرض وهو من أعظم الأحاديث في الإسلام، فإذن نقول حينما يتحدث العلماء عن الشذوذ والنكارة ونحو ذلك فإنما يتحدثون ويريدون شيئًا معينًا، وهو الحديث الذي لاح وظهر لهم أنه أخطأ فيه، وإلا فأكثر الأحاديث لا تسلم من وجود تفردات في أحد الطبقات، وأكثر الأحاديث الصحاح هي من باب ماذا؟ أحاديث تفردات الثقات، لكنها التفردات التي أصابوا فيها ولم يلح للأئمة أنهم أخطئوا فيها، فيُنتبه لذلك، ولو كان الأمر كما فهمه الأخ لم يكن لإفراد الشاذ قيمة، لقالوا لنا: كل حديث ينفرد به الثقة فهو مردود وينتهي! لا هم يقصدون بذلك قطعًا، الحديث الذي تبين أن هذا الراوي أخطأ فيه، واضح؟ هذا المقصود، وقلنا إن العلماء-رحمة الله عليهم- يعب رون عن هذا وذاك كثيرًا بمصطلح ماذا؟ المنكر ، أكثر من تعبيرهم عنه بكلمة شاذ، وقلنا أيضاً إن لهم عبارات يعبرون بها عن الشذوذ مثل ماذا؟ لا يتابع عليه، تفرد به، غير محفوظ، أحسنت، غير محفوظ حفظك الله ومن يسمع، إذن هذه جملة الأنواع التي مرت بنا في درس الأمس.
عدد الصفحات ٤-اليوم -بإذن الله تعالى- لا زالت السلسلة متصلة بما سبق خصوصًا في موضوع الشاذ والمنكر في نوعين أرجو أن ننتبه لهما أيضًا لصلتهما بموضوع التفرد والغرابة ونحو ذلك ] بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على المبعوث رحمة للعالمين وعلى آلة وصحبه أجمعين [ قال المصنف-رحمه الله تعالى-: ] والفرد: وهو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة، أو جهة خاصة كقولهم: "تفرد به أهل مكة" ونحوه، والغريب: و هو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبه ه ممن يُجمع حديثه، فإن انفرد به اثنان أو ثلاثة، سُمي عزيزاً [ هذان النوعان الفرد والغريب بينهما علاقة، وهذه العلاقة تظهر بأن نذكر صورة الفرد وصورة الغريب الذي عاناه المصنف بهذا التعريف فالفرد يقول فيه المصنف-رحمه الله-: ] هو ما تفرد به واحد عن جميع الرواة [ فهذا المصطلح أو هذا المعنى يعبر عنه المتأخرون بتعبير خاص كما قلنا في درس الأمس إن المتأخرين حرصوا على عملية الفرز التي تساعد الطالب على حسن التصور، فسموا هذا النوع من الحديث الغريب المطلق، وإن شئت فقل الذي ليس له متابع بينما النوع الثاني الذي ذكره المصنف بعد ذلك وهو قوله: ] الغريب هو ما تفرد به واحد عن الزهري وشبه ه ممن يُجمع حديثه [ هذا الذي يُعرف عند العلماء بالغريب ماذا؟ النسبي، وسيأتي تفصيله-إن شاء الله- في درس النخبة في اللقاء القادم، ليس غدًا يعني عند شرح النخبة في الشهر القادم-إن شاء الله- ولكن نحن الآن نعلق على كلام الشيخ ابن الملقن-رحمه الله- فيقول: إن من صور إطلاق الفردية على ما يرويه الرواة أن ينفرد أحد الرواة بإسناد ما، فيقال: هذا فرد، هذا حديث فرد، وهذا النوع ليس مختصًا بما
عدد الصفحات ٥ينفرد به الأشخاص، بل يطلقون عليه أحيانًا بل يطلقون هذا الوصف أو الاصطلاح على ما ينفرد به بعض أهل البلدان، والعلماء هنا يسمون هذا ما انفرد به أهل الأمصار وقد صن ف فيه أبو داود وابن حبان-رحمة الله عليهما- فمثلاً روى أبو داود في سننه حديثًا وهو أن النجاشي -رحمه الله ورضي عنه- أهدى إلى النبي- صلى الله عليه وسلم- خفين أسودين.. الحديث قال أبو داوود: هذا مما تفرد به أهل البصرة، فلاحظوا نص الإمام أبي داود حينما قال تفرد والثاني نص على البلد، فالتفرد حينئذ يُطلق على ماذا؟ على ما ينفرد به راو واحد أو ما ينفرد به أهل البلد، فإن قلت: ما فائدة هذا النوع أو التنصيص عليه؟ الجواب: يظهر هذا بما سبق، واربطوه بموضوع ماذا؟ الشذوذ والنكارة. فإن درس العلماء هذا الإسناد والمتن وتبين لهم أن الراوي أصاب فيكون هذا من التفردات المقبولة وإلا حكموا عليه بما يليق به من الشذوذ أو النكارة، هذه جهة، الجهة الثانية المتعلقة بفائدة معرفة تفردات البلدان أن هذا له أثر في تعليل الأخبار بشكل عام، فمثلاً تجد من أساليب الأئمة في التعليل أنهم يقولون عن حديث يرويه رجل من أهل العراق في حفظه شيمة من أهل الكوفة أو البصرة أو الشام، والحديث كله خرج من أهل المدينة، لم يمر بأهل البصرة فيستدلون بهذا على ماذا؟ على وهم ذلك الراوي الذي روى من مصر من بلد أخرى، والحديث كله كما يقولون مخرجه من المدينة أو مخرجه من مكة فما شأن هذا الكوفي أو البصري؟! أو العكس قد يكون الحديث بصريًا فيأتي أحد الرواة الذين في حفظهم شيء من أهل مكة أو المدينة مثلاً أو مصر فتجده يروي هذا الإسناد في ه م فيه، فمن خلال تتبع الأئمة وجدوا أن هذا الحديث بصري أو كوفي أو مدني أو مكي فيستدلون برواية هذا المكي أو المدني على وهمه لأن الحديث مخرجه ماذا؟ عراقي أو مخرجه شامي فاختلافه
عدد الصفحات ٦وهذا طبعًا ليس دائمًا انتبهوا أيها الإخوة نحن الآن نوضح توضيحات عامة، أما عند التطبيق فكل حديث يُدرس لوحده، كل حديث يعتبر حالة مستقلة، تمامًا يا إخوة مثلما يدرس طالب علم الطب الطب، فهو في دراسته في الكلية والمختبرات يُعطى أيش؟ معلومات عامة ويُقال له: إذا رأيت المريض ارتفعت درجة الحرارة عنده فهذه قد تكون مؤشر على ماذا؟ مؤشر على كذا وكذا وكذا فيُسأل، لكن ليس بالضرورة أن كل مريض ارتفعت درجة حرارته لا يمكن أن يخرج عن هذه الحيثيات الثلاث، لا، ولذلك تحتاج أنك تدرس ماذا؟ هذه الحالة، أحيانًا صار حادث سيارة وحصل كسر في القدم فهذا يحتاج إلى علاج غير الآخر لأن هذا مثلاً عنده سكر والثاني عنده ضغط والرابع عنده هشاشة في العظام فلو جاء طبيب وأراد أن يُعالج هؤلاء بعلاج واحد فطرد من عند الطب وأصبح أيش؟ لا يصلح لهذه المهنة، في علم الحديث حينما تُذكر هذه القواعد لا يصلح أبدًا أن يأتي الطالب و يبدأ ويظن أن المسألة عملية حسابية واحد زائد واحد يساوي اثنين، وأن هذا ختم يُختم به فهذا تفرد ضعيف هذا تفرد شاذ، منكر لا، كل حديث يُدرس لوحده لكن في مدارس أو في مجالس العلم مجالس علوم الحديث كمجالس العلوم الأخرى التطبيقية يُعطى الإنسان قواعد نظرية عامة ويُعطى أيضًا بعض الاحترازات التي يستفيد منها في الطريق، ولكن لا تكون التطبيقات حرفية بل كل حديث حالة مستقلة، مثل ما يقع لبعض من يشتغلون في علم التخريج فتجده يفهم مثلاً أن الراوي الذي يوصف بأنه صدوق فهو ما بين الثقة والضعيف، أن الأصل في حديث هذا الحُ سن، وهذا صحيح، هذا الأصل فيه لأنه خف ضبطه لكن من الخطأ البين أن يحكم على كل إسناد يمر في هذا الراوي دومًا بهذا الحكم؛ لأنه قد تكون هناك علل أخرى غير مسألة كون هذا الراوي صدوق أو ليس بصدوق، قد يوجد شذوذ، قد يوجد أيش؟ انقطاع، قد يوجد وقد يوجد، قد يوجد تفرد لا يحتمل لمثل هذا الراوي فيأتي عندنا
عدد الصفحات ٧مبحث الشذوذ والنكارة الذي قلنا إنه من أصعب الموضوعات لتعلقه بعلم العلل، هذه نقطة مهمة يجب أن يُنتبه إليها الفرد أيها الإخوة هذا يُطلق كما قلنا على ماذا؟ على الغريب أو هناك مصطلح آخر يُطلق على هذا النوع وهو الغريب المطلق، فمثلاً يقولون إن حديث النية حديث عمر بن الخطاب أول حديث في الصحيح أو حتى حديث أبي هريرة في آخر الصحيح الذي رواه أو تفرد به محمد بن فضيل عن عمر بن قعقاع عن أبي زرعة بن عمر بن جرير عن أبي هريرة-رضي الله عنه-أن النبي-صلى الله عليه وسلم-قال: "كلمتان خفيفتان على اللسان ثقيلتان في الميزان...."هذا الحديث لا يصح في الدنيا إلا من طريق محمد بن فضيل إلى آخر الإسناد الذي ذكرناه فيسمونه غريبًا، فإذا قالوا غريب وجدت كلمة غريب هكذا بدون تقييد فيريدون بها الفردية هذه يريدون به ماذا؟ الحديث الفرد، فتجد الترمذي يقول هذا حديث حسن غريب هذا حديث صحيح غريب، فإذا سكت فالأصل أنه يريد الفرد مثل حديث النية، مثل حديث كلمتان خفيفتان وأمثالهما إذا أرادوا أن يعب روا عن الحديث بالغرابة النسبية فإنهم يعبرون به كما أشار المصنف-رحمه الله-أو عنون له بقوله: ] والغريب [ والواقع أن الغريب هذا الذي ذكره ابن الملقن-رحمه الله-ينبغي أن يُقيد، بمعنى أن الصورة التي ذكرها الشيخ-رحمه الله- بقوله: ] بما تفرد به واحد عن الزهري وشبهه ممن يُجمع حديثه [ هذا يُنبغي أن يُقال إنه غريب نسبي يعني نسبة إلى راوٍ معين، وهذا يشير لطالب العلم طالب علم الحديث أن هذا الحديث مروي ماذا؟ من طرق أخرى غير هذا الطريق؛ لأن العالم كونه يقول لك بعد تخريج الحديث الذي رواه بإسناده: هذا غريب من حديث الزهري معناه أنه معروف من حديث ماذا؟ غيره، أو معروف من حديث تلاميذ أخر للزهري لكن بغير هذا الإسناد
عدد الصفحات ٨وقوله هنا: ] الزهري وشبهه ممن يُجمع حديثه [ يشير بذلك إلى أن هذا يكثر في الأئمة الكبار الذين تدور عليهم الأسانيد أو الذين حرص العلماء على جمع حديثهم؛ لكثرة ما رووه-رحمة الله عليهم- كالأعمش، سليمان بن مهران، الكوفي، وقتادة بن دعامة السدوسي البصري، والأوزاعي عبد الرحمن بن عمرو الشاء الأوزاعي إمام أهل الشام في زمانه، وأبي إسحاق الس بيعي، وغيرهم من الحفاظ الكبار، فهؤلاء مثلاً وكذلك سفيان الثوري، وابن عيينة وشعبة، هؤلاء تجد لهم طلاب كثيرون يروون أحاديثهم ولكثرتهم تجد العلماء يقسمون طلابهم إلى طبقات، وسيأتي-إن شاء الله تعالى- هذا في موضعه، لكن مقصدي من التعريف بكلمة "ممن يُجمع حديثه" أي ممن يجتهد العلماء في تتبع أحاديثهم لكثرة ما رووا من سنة النبي-صلى الله عليه وسلم- فيميز بين المعروف منها وبين غير المعروف، فغير المعروف هو الذي يُستغرب خذوا مثلاً: روى الترمذي في سننه من طريق محمد بن فُضيل عن الأعمش عن علي بن مدرك عن هلال بن يسار عن عمران بن حصين- رضي الله عنه- قال: سمعت النبي-صلى الله عليه وسلم-يقول: ... الحديث، الترمذي علق على هذا الحديث بقوله: "هذا حديث غريب من حديث الأعمش" الآن قُيد بمن؟ بإمام يُجمع حديثه مثل الأعمش، لماذا يقول "غريب من حديث الأعمش"؟ إذن لاحظوا تفسيره الآخر قال: "غريب من حديث الأعمش عن علي بن مدرك" ثم قال: "وأصحاب الأعمش" يعني تلاميذه وطلابه رووه عن الأعمش عن هلال بن يسار عن عمران بن حصين يعني من دون أن يذكروا علي بن المدرك إذن صار الحديث عندنا له وجهان: وجه معروف وهو الذي رووه أصحاب الأعمش عنه عن هلال بن يسار عن عمران، والوجه الغريب هو الذي تفرد به محمد بن فضيل، بحيث جعل بين هلال بن يسار وبين الأعمش علي بن المدرك، فهذا الوجه يقولون إنه غريب من حديث
عدد الصفحات ٩الأعمش، كيفاستغربوه أو بأي حجة استغربه الترمذي؟ لأنه لما جمع الطرق وجد أن تلاميذ الأعمش الآخرين وهم أحفظ من محمد بن فضيل إنما رووه على هذا الوجه، فيقولون إن هذا الوجه الذي تفرد به أحد الرواة يُسمى غريبًا من حديث فلان، وهو هنا من؟ الأعمش إذن خلاصة القول في هذين النوعين أنه يمر بطالب علم الحديث كلمة الغريب في سياقين، السياق الأول: أن يُ ذكر الغريب بدون أن يقيد، فهذا هو الحديث الفرد، وقد يقولون غريب، وقد يقولون تفرد به فلان، ويقولون غريب من حديث فلان السياق الثاني أو الصورة الثانية: أن تقيد هذه الغرابة فيقال: غريب من حديث فلان وهذا يقل أن يُطلق عليه لفظ التفرد، لماذا؟ لأن غرابته مقيدة ونسبية هنا سؤال سأله أحد الإخوة أظن أمس أو اليوم والله ما أدري، لكن هذا موضوع جوابه، يمر بك في كلام الأئمة أحيانًا: هذا غريب، هذا حديث غريب من حديث أبي موسى، هذا غريب حديث من حديث ابن عباس، فهل الصحابة الآن أخطئوا أو تفردوا؟ الجواب لا، إنما يذكر العلماء هذا وهم يقصدون تعليله بمن دونه مثال: روى أبو أسامة حماد بن أسامة أحد شيوخ الأئمة عن بريد بن عبد الله بن أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عن جده عن أبي موسى-رضي الله عنه- حديثاً ، هذا الحديث: "المؤمن يأكل في معي واحد والكافر يأكل في سبعة أمعاء" يُسأل البخاري عنه فيقول تفرد به أبو أسامة، فلما أخرجه الترمذي في جامع ه قال: هذا حديث غريب من حديث أبي موسى، وفي الباب عن أبي هريرة وجابر وذكر جماعة من الصحابة - رضوان الله عليهم-ليبين لك أن الغرابة هنا وقعت بسبب ماذا؟ و ه م أحد الرواة في الإسناد وليس الصحابي لا، والحديث ثابت في الصحيحين من
عدد الصفحات ١٠حديث جابر ومن حديث أبي هريرة- وغيرهم من الصحابة الكرام- رضي الله عنهم- فإذن الغرابة التي تقرأها في تخريجات الأئمة أو كلامهم أو حكمهم على الأحاديث يقصدون به ذلك الراوي الذي و ه م فرقع الحديث ونسبه إلى صحابي من الصحابة، فيُنتبه لهذا -قال-رحمه الله تعالى-: ] فإن انفرد به اثنان أو ثلاثة سُمي عزيزًا ، فإن رواه جماعة سمي مشهورًا ، ومنه المتواتر: وهو خبر جماعة يفيد بنفسه العلم بصدقه، والمستفيض: وهو ما زاد رواته في كل مرتبة على ثلاثة [ هذه الأنواع التي أشارلها المصنف-رحمه الله- هي من الأوصاف المعنوية التي توصف بها الأحاديث ولا علاقة لها بالتصحيح والتضعيف أصالةً ، لكنها قرائن ما عدا المتواتر سيأتي فالمؤلف-رحمه الله- يقول: ] إن انفرد به [ أي بالإسناد أو بالحديث ] اثنان أو ثلاثة سُمي عزيزًا [ والعزيز في اللغة يُطلق على معنيين القوة والندرة، وأيهما ألصق بمبحثنا هذا؟ القوة ولا الندرة؟ الندرة وسبحان الله له من اسمه نصيب فهو استعمال نادر جدًا في كلام الأئمة، وأول من أطلقه فيما أعلم أول من أطلق هذا المصطلح هو الإمام الحافظ أبو عبد الله بن مندب صاحب التصانيف المشهور الإيمان والتوحيد وشروط الأئمة وغيرهم والمتوفى سنة خمس وتسعين وثلاث مئة والمصنف هنا أشار إلى صفة هذا الحديث فإذا رُوى من طريقين أو ثلاثة في جميع الطبقات فإنه يُسمى عزيزًا، اثنين أو ثلاثة، فإذا وُجد هذا في إسناد من الأسانيد سُمي عزيزًا، و هذا الذي ذهب إليه هو مذهب أكثر المحدثين من أن العزيز يُطلق على ما رواه اثنان أو ثلاثة، بينما اختار الحافظ بن حجر في نخبته الحصر باثنين وقول المصنف هنا أرجح من أن العزيز يُطلق ويراد به ما رواه اثنان أو ثلاثة،
عدد الصفحات ١١هل يضر أن يوجد في إحدى الطبقات أكثر من ثلاثة أو أكثر من أثنين؟ الجواب لا، الجواب: لا؛ لأن هناك قاعدة في هذا الفن وهي أن الأقل يقضي على الأكثر، كيف الأقل يقضي على الأكثر؟ يعني لو فرضنا أن عندنا طبقة من طبقات الإسناد فيها مئة، مئتين راو كما يُ ذك ر في حديث النية الذي انتشر عن يحيى بن سعيد الأنصاري، فهل ينفع هذا أو هل هذا ينجيه من وصف الغريب الذي وُجد في الطبقات الأخرى؟ الجواب : لا؛ لأن الأقل يقضي على الأكثر، الحكم هنا في هذه الأسانيد للأقل، فلو وجد في أحد الأسانيد طبقة وفيها راويان فحسب سميناه عزيزًا أو ثلاثة، ولو وُجد في بعض الطبقات ماذا؟ عشرة ، عشرين ثلاثين، لا يضر، لكن لو وجد في طبقة أعلى أو أدنى لو وجد راوٍ واحد فقط ينزل إلى الغريب، ولا يسمى بعزيز في هذه الحالة إذن نقول إن مصطلح العزيز هذا نادر الاستعمال وأيضًا على المعنى الذي ذكره الشيخ ابن الملقن-رحمه الله- أندر من النادر، ولهذا لا يوجد فيما وقفت عليه من كتب المصطلح لا يجدون أو لا يذكرون غير مثال واحد وهو أن هذا الحديث وهو حديث: "لا يؤمن أحدكم حتى أكون أحب إليه من والده" أو "حتى يحب لأخيه ما يحب لنفسه" يمثلون به لنوع العزيز، وبالتتبع وجدت أن كلمة عزيز في كلام المتقدمين تُستعمل في وصف الراوي المقل من الرواية أكثر من استعمالها بالمعنى الاصطلاحي، إذن استعمال الأئمة للفظة عزيز على نوعين: النوع الأول: وهو الأشهر وصفهم للراوي بقلة الحديث يقال فلان عزيز حديث يعني قليل الحديث ليس له إلا حديث أو حديثان أو ثلاثة أو نحو ذلك، والاستعمال الثاني: وهو الأقل، يعني ربما كان في استعمال المتأخرين أكثر منه في المتقدمين وهو ما وجد في أحد طبقات إسناده مرويًا من اثنين أو ثلاثة
عدد الصفحات ١٢هذا خلاصة البحث في نوع العزيز، يقول الشيخ المؤلف -رحمه الله-: ] فإن رواه جماعة سُمي مشهورًا [ الجماعة الذين يقصدهم الشيخ هنا هم أكثر من ثلاثة لابد، لابد أن يكونوا أكثر من ثلاثة لأنهم إن كانوا ثلاثة لصار أيش؟ صار عزيزًا، وهنا لابد أن يقيد بقيد آخر من جهة الزيادة وهو: ألا يصل إلى حد المتواتر، ألا يبلغ حد المتواتر، متى يبلغ الخبر حد التواتر؟ هذا بحث اختلف فيه العلماء وهو بحث أصولي وليس له علاقة بعلم الحديث لكن العلماء يذكرونه من باب تكميل القسمة، لماذا ليس من مباحث علوم الحديث؟ لأن الغرض من دراسة علم الحديث هو دراسة أسانيد الرواة للتأكد من ثبوت الخبر سواء كان حديثًا مرفوعًا إلى النبي-صلى الله عليه وسلم- أو إلى الصحابي أو إلى من دونه أما المتواتر فقد جاز القنطرة لأن المتواتر ثمرته هو العلم اليقيني أي أنك لا تستطيع أن تدفع هذا الخبر فما يحتاج تبحث عن أسانيد، فمثلاً لو قلت لكم إن هناك مدينة في العالم اسمها سدني، ربما لا يوجد أحد تحت هذا السقف زار هذه المدينة، ربما، ولكن لا يمكن لأحد منكم أن ينكر مدينة اسمها سدني، لماذا؟ لتواتر الأخبار التي يقطع الإنسان معها بوجود هذه المدينة، مدينة اسمها طوكيو، ما في ولا واحد زار طوكيو، ولو حتى جاء واحد يبقى لا أثر له لماذا؟ لأنه من المقطوع به أن هناك مدينة على وجه الأرض اسمها طوكيو ولو لم نزرها أو ندخلها والسبب هو التواتر القطعي الذي لا يمكن دفعه، وخذوا مثالاً واقعيًا لو فرضنا مثلاً أن خطيب الجمعة في مسجد يصلي فيه ألفان أو ثلاثة آلاف من الناس سقط أثناء الخطبة بسبب الإغماء أو بسبب من الأسباب ثم لم تغرب الشمس إلا وخبر هذا الخطيب قد انتشر في المدينة، تسأل مواطن يقول لك سقط الخطيب أثناء الخطبة، تسأل واحد مثلاً من إخواننا من الوافدين الأعزاء على قلوبنا مثلاً تسأل أخ من مصر: نعم سقط الخطيب، أخ من الهند: سقط الخطيب، من السودان: سقط الخطيب، من اليمن: سقط الخطيب، من الشام: سقط الخطيب، كلهم وهذا لا يعرف هذا، هنا الآن تواتر
عدد الصفحات ١٣الأخبار على مسمعك هنا أفادتك ماذا؟علمًا ضرورياً بأن هذه القصة قد وقعت، لا يمكن أن يتفق هؤلاء بأن الخطيب سقط ولم يقع ذلك منه مع تفاوت مشاربهم وتفاوت مجالسهم وعدم معرفة بعضهم لبعض إذن نحن نقول إن المشهور، إن هذا المشهور يُسمى مشهورًا، وهو يقوم بين مرتبة العزيز وبين مرتبة المتواتر، فإذا وصل إلى اثنين أو ثلاثة سُمي ماذا؟ عزيزًا، وصل إلى مرحلة التواتر يخرج عن حد المشهور وإذا كان بينهما بقي بحد الشهرة، لكن السؤال مرة أخرى: متى يبلغ الحديث حد التواتر؟ الأصوليون مختلفون في ذكر العدد، والراجح عند المحققين أن هذا لا يرتبط بعدد معين، لماذا؟ لأن الأخبار في قوتها وشدتها ليست سواء، ثمة خبر تحتاج فيه إلى ثلاثين أو أربعين رجل حتى يبلغ حد التواتر، وثمة خبر لا يحتاج إلى هذا العدد، وثمة مخبرين لك بهذا الخبر يكفي منهم أربعة أو خمسة حتى يبلغ عندك مرحلة اليقين، فخذوا مثلاً في عصرنا لو أخبرك مثلاً من العلماء ابن باز ، والألباني، وابن عثيمين، وابن جبرين، وعالم آخر من العلماء المعروفين، هؤلاء لا يكفون عندك فيه التأكد من صحة الخبر الذي حد ثوك به؟ بلى؛ لجلالتهم في نفسك ولعلمك بتثبتهم وأنهم لا يروون من الأخبار شيء، لكن هذا الخبر نفسه لو رواه أو ذكره لك شباب صغار في المرحلة الثانوية أو المتوسطة تحتاج إلى أضعاف هذا العدد حتى تصل إلى مرحلة ماذا؟ اليقين فإذن الأمور المعنوية التي تؤثر في قبول أو في وصول الخبر إلى مرحلة التواتر تتأثر بطبيعة من أخبرك به، وتتأثر بماذا؟ العدد وبالمخبر به أيضًا، نفس الخبر، طبيعته ما هو؟ ثمة خبر تتوافر الهمم على نقله، أليس كذلك؟ يعني مثلاً موت رجل مشهور في الناس، مع كثرة الإشاعات تحتاج إلى ماذا؟ إلى مصادر وإلى أسانيد قوية وحتى يتواتر عندك الخبر وتصدق به، لكن واحد مات في طرف من أطراف القرية
عدد الصفحات ١٤رجل مغمور يكفيك فيه أسناد غريب عن رجل ثقة، أليس كذلك؟ فالأخبار ومحتواها ومضمونها ومن يخبر بها كلها تؤثر في ماذا؟ في الوصول إلى مرحلة التواتر، لكن كما قلت إن العلماء أعني المحد ثين هنا تحديدًا يذكرون المتواتر فقط من باب إكمال القسمة ولذا لا ينبغي لطالب علم الحديث أن يتوسع كثيرًا في دراسة مبحث التواتر هنا في علم المصطلح، بل يدرسه بتوسع إن أحب في علوم أو في علم أصول الفقه؛ لأن له صلة هناك ببعض المسائل الشرعية. قام على التفريغ: الطالبة/ ندى محمد قام على التعديل: الطالبة/ رحاب أحمد الصفيان وتم التفريغ بإشراف مركز العروة الوثقى للعلوم الشرعية aslam4aa
عدد الصفحات ١٥