المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

القول الصحيح في قصة المسيح

غانم غالب غانم

صفحة ٢ من ١٢

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام ولادة مريم رضي الله عنها وكفالتها فقد ذكر الحق سبحانه أن امرأة عمران نذرت ما في بطنها لله تعالى محررا من أية عبودية لغير الله، فلا يخضع لطاغوت بشر، «ولا لقانون أرضي، إنما لله وحده (آل نَمذَمرْتُ لَمكَم مَما فِ بَمطْنِي مَُمرَّارًا فَمتَمقَمبَّالْ مِنِّي إِنَّاكَم أَمنتَم السَّامِيعُ الْعَملِيمُ عمران ولعل امرأة عمران كانت تأمل أن يكون ما في بطنها ذكرا ليقوم على خدمة دينه على أكمل وجه، وأن يحقق العبادة لربه ويدعو «إليه، وإلى ذلك أشارت الآيات القرآنية رَمبِّ إِنِّ وَمضَمعْتُهَما أُنثَمى وَماللَّاُ أَمعْلَممُ بِمَم وَمضَمعَمتْ وَملَميْسَم الذَّاكَمرُ كَمالُنثَمى (آل وَمإِنِّ سَممَّايْتُهَما مَمرْيَممَم وِإِنِّ أُعِيذُهَما بِكَم وَمذُرِّيَّاتَمهَما مِنَم الشَّايْطَمانِ الرَّاجِيمِ عمران فليس الذكر كالأنثى: في القيام بأعباء الدعوة وتحمل المسؤولية، وإلا فلا فرق بين الذكر والأنثى من ناحية التفضيل إلا بالتقوى، كما بين الحق سبحانه وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِندَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ . اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ (آل عمران«واختارت أمها لها اسم مر

عدد الصفحات ١٨

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام وطلبت من الله سبحانه أن يعيذها ويحميها وذريتها من الشيطان (آل عمران: «الرجيم 36 وقد أكرم الله سبحانه مريم بأن لم يذكر في القرآن اسم أنثى إ اسمها، ومن ذكرت في القرآن من النساء ذكرت بلقبها، أو كنيتها: « لقد استجاب الله دعاء أمها لها فحماها وذريتها من الشيطان الرجيم، فكل مولود يبكي حين ولادته إلا عيسى ابن مريم. والناس يظنون أن بكاء الصبي لدى الولادة ناتج عن ألمه من أوجاع الولادة، والحقيقة غيبية غير هذا الذي نظنه، فقد وضح النبي صلى الله عليه وسلم الأمر وجلاه كما في حديث أبي هريرة رضي الله عنه، قال:سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ يَقُولُ: مَا مِنْ بَنِي آدَمَ مَوْلُودٌ إِلاَّ يمََسُّهُ الشَّيْطَانُ حِينَ يُولَدُ فَيَسْتَهِلُّ صَارِخًا مِنْ مَسِّ الشَّيْطَانِ غَيْرَ مَرْيمََ وَابْنِهَا. ثُمَّ يَقُولُ أَبُو هُرَيْرَةَ . الرَّجِيمِ وفي رواية مسلم صَارِخًا مِنْ نَخْسَةِ الشَّيْطَانِ إِلاَّ ابْنَ مَرْيمََ وَأُمَّهُ

عدد الصفحات ١٩

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام فالشيطان يحاول أن يطعن في المولود لدى ولادته، إعلانا منه أنه سوف يسيطر ويقوى عليه، ولكنه ما استطاع أن يطعن عيسى عليه الصلاة والسلام. فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ: قَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عِيسَى ابْنِ مَرْيمََ ذَهَبَ يَطْعُنُ فَطَعَنَ فِي الحِْجَابِ وبعد ولادة مريم رضي الله عنها تنازع العابدون في شرف كفالتها، وهذا إن دل على شيء فإنما يدل على السمعة الطيبة التي كانت تتمتع بها هذه الأسرة الكريمة:(آل عمران)، فصاروا يلقون سهامهم قرعة فيما بينهم أيهم يكفل مريم. «قال سبحانه (آل إِذْ يُلْقُون أَمقْلاَممَمهُمْ أَميُّهُمْ يَمكْفُلُ مَمرْيَممَم وَممَما كُنتَم لَمدَميِْمْ إِذْ يَمْتَمصِمُون عمران وبعد القرعة خرج سهم زكريا عليه السلام ليكون كفيلا ، وهذا أمر سماوي اختاره الله (آل عمران«لمر لمريم. فزكريا عليه السلام أحق بها لأنه زوج أختها الكبيرة، ومعلوم أن الأخت إذا كفلت أختها فإنها ترعاها رعاية تامة تشبه رعاية الأم.

عدد الصفحات ٢٠

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام كرامات مريم في بيت زكريا عاشت مريم في بيت زكريا عليه الصلاة والسلام، وترعرعت في بيته، وقد أجرى الله عليها رزقا خاصا بها ليكون كرامة لها وتمهيدا لما هو أكبر من ذلك. «قال تعالى قَمالَم يَما مَمرْيَممُ أَمنَّاى لَمكِ هَمذَما قَمالَمتْ هُوَم مِنْ عِندِ اللَّاِ إنَّا اللَّاَم يَمرْزُقُ مَمن يَمشَماء (آل عمرانبِغَميرِْ حِسَمابٍ فيدخل عليها زكريا ليجد عندها رزقا لم يقدمه لها، ولم يأتها من بيت جيرانها ولا أقاربها، فيتعجب ويسأل وتجيب بكل ثقة: هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ. وكلمة: (كلما دخل)، تدل على الاستمرارية في جريان الرزق، فلم يدخل مرة واحدة، بل كثيرا. كما في كلمة: (رزقا)، والتي جاءت نكرة تدل على أن الرزق كثير ومن كل ما تحتاجه، من أكل وشرب وغير ذلك. ولما رأى زكريا عليه الصلاة والسلام تكريم الله لمريم، رغب أن يكون له كرامة من الله كما في قصته المشهورة: عندما دعا الله أن يجعل له ولدا.

عدد الصفحات ٢١

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام فضل مريم على نساء العالمين وتتوالى الكرامات تترى على مريم رضي الله عنها، فيرسل الله سبحانه لها الملائكة لتخبرها أن الله اصطفاها على نساء العالمين. «قال سبحانه (آل عمرانوَماصْطَمفَماكِ عَملَم نِسَماء الْعَمالَمِي فكان الاصطفاء الأول لها عاما عندما اصطفى عائلتها الكريمة آل «عمران، ثم جاء الاصطفاء مرتين في هذه الآية (آل عمرانوَماصْطَمفَماكِ ويرجح العلماء أن الاصطفاء الأول يختلف عن الثاني في هذه الآية: فالأول: أن الله سبحانه اجتباها لتكون محلا لتطبيق أمره العجيب(الحمل بعيسى عليه الصلاة والسلام)، فهذا وإن كان ابتلاء شاقا عليها، إلا أن فيه من الرفعة ما فيه لهذه المرأة الطاهرة. الثاني: بمعنى التفضيل فالله فضل مريم على نساء العالمين، وهذا التفضيل ثمرة للأول، فهو تابع له. وقد جاءت الأحاديث تباعا عن رسولنا صلى الله عليه وسلم في تفضيل مريم على نساء العالمين منها: حديث عَبْدَ اللَّهِ بْنَ جَعْفَرٍ قال: سَمِعْتُ عَلِيًّا بِالْكُوفَةِ يَقُولُ:

عدد الصفحات ٢٢

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام سَمِعْتُ رَسُولَ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم يَقُولُ بِنْتُ عِمْرَانَ، وَخَيْرُ نِسَائِهَا خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ ومسلم والمعنى: خير نساء أهل زمانها كما قال الحافظ ابن حجر. فتح الباري وقد يكون المقصود والله أعلم: أن مريم خير النساء في الأمم السابقة قبل بعثة محمد صلى الله عليه وسلم ، وخديجة خير نساء هذه الأمة. وعَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ قَالَ: خَطَّ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي الأَْرْضِ أَرْبَعَةَ خُطُوطٍ قَالَ: تَدْرُونَ مَا هَذَا؟ فَقَالُوا: اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَعْلَمُ. فَقَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: أَفْضَلُ نِسَاءِ أَهْلِ الَْنَّةِ: خَدِيجَةُ بِنْتُ خُوَيْلِدٍ، وَفَاطِمَةُ بِنْتُ مُحَمَّدٍ، وَآسِيَةُ بِنْتُ مُزَاحِمٍ امْرَأَةُ فِرْعَوْنَ، وَمَرْيمَُ ابْنَةُ عِمْرَانَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُنَّ أَجْمَعِينَ رواه أحمد الألباني في السلسلة الصحيحة وقد بلغت مريم رضي الله عنها مرتبة الكمال الإيماني، كأعلى

عدد الصفحات ٢٣

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام ما يصل إليه البشر في إيمانهم بشهادة النبي صلى الله عليه وسلم: فعَنْ أَبِى مُوسَى رضي الله عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم مَرْيمََ بِنْتِ عِمْرَانَ، وَآسِيَةَ امْرَأَةِ فِرْعَوْنَ، وَإِنَّ فَضْلَ عَائِشَةَ عَلَى النِّسَاءِ كَفَضْلِ الثَّرِيدِ عَلَى سَائِرِ الطَّعَامِ 6425 فبمجموع هذه الأحاديث يتبين أن مريم رضي الله عنها من خيرة نساء الدنيا. بل شهد لها النبي صلى الله عليه وسلم أنها خير نساء أهل النة: فعن أَبِي سَعِيدٍ قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: « رواه أحمد «وهذا من اصطفاء الله لها على نساء العا (آل »وَاصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاء الْعَالمَِ يَما مَمرْيَممُ إِنَّا اللَّاَم اصْطَمفَماكِ وَمطَمهَّارَمكِ عمران ولم تنل مريم هذه المنزلة الرفيعة إلا لأنها كانت قانتة زاهدة «عابدة لربها ، ممتثلة لأمره سبحانه وتعالى (آل عمرانوَماسْجُدِي وَمارْكَمعِي مَمعَم الرَّااكِعِي

عدد الصفحات ٢٤

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام وقد كان إخبار الله لمريم بالاصطفاء ، والزيارات المتكررة من الملائكة تمهيدا لها بسماع البشارة العظيمة التي تحمل في ثناياها واحدة من أعظم الابتلاءات التي مرت بها الإنسانية ، وفتنت بها البشرية ، وضل بها الضالون. جبريل يبشر مريم بعيسى ويعطيها أوصافه. لقد اعتزلت مريم الطاهرة قومها، ولكن لماذا؟ لم يبين القرآن ذلك. واتجهت إلى المكان الشرقي، ولا يعرف شرقي ماذا، وإن كان أكثر المفسرين يقولون: بأنه شرقي بيت المقدس إلا أنه لا دليل على ما قالوا. وفي هذا المكان الذي اعتزلت فيه مريم رضي الله عنها، جاءتها الملائكة بالبشارة من عند الله لها بعيسى عليه الصلاة والسلام. وقد بينت آيات سورة مريم أن المقصود بالملائكة هو جبريل وحده عليه الصلاة والسلام: . . (آل عمران« والروح: هو جبريل عليه الصلاة والسلام كما أشارت إلى ذلك «عدة آيات من كتاب الله تعالى، كقوله سبحانه

عدد الصفحات ٢٥

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام ( الشعراء نَمزَملَم بِهِ الرُّهوحُ الَممِيُ 192(الْعَمالَمِي «وقوله سبحانه (النبأمَمنْ أَمذِنَم لَمهُ الرحَْمنُ وَمقَمالَم صَموَمابًا وسمي جبريل روحا: لأنه يأتي بما فيه حياة القلوب، فكما أن الروح تحمل حياة الأبدان، فالوحي فيه حياة القلوب التي فيها سعادة البشرية. «جاءها الروح جبريل عليه الصلاة والسلام .(مرسَموِيًّا الطاهرة العفيفة التي لا تعرف الرجال ولا تخالطهم، وأخذت «تستجيش فيه تقواه بالله أن يبتعد عنها . (مرمِنكَم إِن كُنتَم تَمقِيًّا (مر«فأخبرها أنه رسول الله إليها فماذا يريد الرسول؟ وماذا يحمل معه؟ (مر« «إنها البشرى بكل وضوح بِكَملِمَمةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الَْمسِيحُ عِيسَمى ابْنُ مَمرْيَممَم وَمجِيهًا فِ الدُّهنْيَما وَمالآخِرَمةِ (آل عمرانوَممِنَم الُْقَمرَّابِي وقد وضح جبريل عليه السلام الأمر وجلاه حتى لا يلتبس الأمر

عدد الصفحات ٢٦

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام على مريم رضي الله عنها في مسألة خلق عيسى عليه السلام، فمن بداية البشارة نسبه إليها للإشارة أنه يولد دون أب. «والأمر ليس غريبا ولا عجيبا لأنه: كلمة من الله تعالى مَمرْيَممُ إِنَّا اللَّاَم يُبَمشُِّكِ بِكَملِمَمةٍ مِّنْهُ اسْمُهُ الَْمسِيحُ عِيسَمى ابْنُ مَمرْيَمم (آل عمران فعيسى كلمة من الله: وهي الكلمة الإلهية: (كن) التي يخلق الله بها الخلق. «وقد أزال القرآن استغراب البشر في خلق عيسى، فقال لهم مَمثَملَم عِيسَمى عِندَم اللَّاِ كَممَمثَملِ آدَممَم خَملَمقَمهُ مِن تُرَمابٍ ثِمَّا قَمالَم لَمهُ كُن فَميَمكُونُ (آل عمران فآدم خلق من تراب من غير أب أو أم، ثم قال الله له: كن فيكون. وقد بين جبريل عليه السلام لمريم رضي الله عنها أن عيسى بشر مميز على غيره من البشر بالنبوة والمعجزات، والخصال الحميدة التي لا يصل إليها اتقى الناس من غير الأنبياء والمرسلين، فعلمت مريم صفاته وشيئا من معجزاته قبل خلقه. «قال سبحانه اسْمُهُ الَْمسِيحُ عِيسَمى ابْنُ مَمرْيَممَم وَمجِيهًا فِ الدُّهنْيَما وَمالآخِرَمةِ وَممِنَم الُْقَمرَّابِيَم

عدد الصفحات ٢٧

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام (آل عمران45( فهو أولا الملقب بالمسيح ، ولماذا أطلق عليه لقب المسيح؟ لأن الله أجرى على يديه خوارق العادات وسائر المعجزات، ومن بينها أنه كان يمسح على الأعمى والأبرص فيشفى بإذن الله «تعالى، وهذا ما أشارت إليه آيات عدة من القرآن، في آل عمران . (آل عمرانوَمأُبْرِىءُ الكْمَمهَم والَمبْرَمصَم وَمأُحْيِي الَْموْتَمى (المائدة«والمائدة بينما أطلق على الدجال المسيح لأنه ممسوح العين. ومن صفاته الأخرى: وَجِيهًا فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ: فهو ذو وجه ومكانة رفيعة في الدنيا. وفي الآخرة في أعلى منازل النة مع النبيين والمرسلين. وَمِنَ المُْقَرَّبِينَ: الذين قربهم الله منه، وأعلى منازلهم عنده، وهم 87( «أرفع من أصحاب اليمين كما وضحت ذلك سورة الواقعة فَمأَممَّاا إِن كَمانَم مِنَم الُْقَمرَّابِي إِن كَمانَم مِنَم أَمصْحَمابِ الْيَممِيِ (الواقعة وَيُكَلِّمُ النَّاسَ فِي المَْهْدِ وَكَهْلاً: وهذا أول معجزاته أنه يكلم الناس فور ولادته، وذلك عندما يفاجأون بحمل مريم رضي الله

عدد الصفحات ٢٨

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام عنها. وسيكلم الناس وهو كهل(شيخ كبير): وهو إشارة إلى نزوله عليه الصلاة والسلام في آخر الزمان. وَمِنَ الصَّالحِِينَ: وسيكون معروفا بصلاحه وتقواه. ولقد عرف النجاشي عيسى عليه الصلاة والسلام من صفاته التي وصفها له الصحابة رضي الله عنهم في هجرتهم المشهورة إلى الحبشة كما روتها أُمِّ سَلَمَةَ زَوْجِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَتْ: لمََّا نَزَلْنَا أَرْضَ الحَْبَشَةِ جَاوَرْنَا بِهَا خَيْرَ جَارٍ: النَّجَاشِيَّ، أَمِنَّا عَلَى دِينِنَا، وَعَبَدْنَا اللَّهَ لاَ نُؤْذَى وَلاَ نَسْمَعُ شَيْئًا نَكْرَهُهُ. فَلَمَّا بَلَغَ ذَلِكَ قُرَيْشًا ائْتَمَرُوا أَنْ يَبْعَثُوا إِلَى النَّجَاشِيِّ فِينَا رَجُلَينِْ جَلْدَيْنِ، وَأَنْ يُهْدُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَا ممَِّا يُسْتَطْرَفُ مِنْ مَتَاعِ مَكَّةَ، وَكَانَ مِنْ أَعْجَبِ مَا يَأْتِيهِ مِنْهَا إِلَيْهِ الأَْدَمُ. فَجَمَعُوا لَهُ أَدَمًا كَثِيرًا، وَلَمْ يَتْرُكُوا مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقًا إِلاَّ أَهْدَوْا لَهُ هَدِيَّةً، ثُمَّ بَعَثُوا بِذَلِكَ مَعَ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ بْنِ المُْغِيرَةِ المَْخْزُومِيِّ، وَعَمْرِو بْنِ الْعَاصِ بْنِ وَائِلٍ السَّهْمِيِّ، وَأَمَرُوهُمَا أَمْرَهُمْ وَقَالُوا لَهُمَا: ادْفَعُوا إِلَى كُلِّ بِطْرِيقٍ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ تُكَلِّمُوا النَّجَاشِيَّ فِيهِمْ، ثُمَّ قَدِّمُوا لِلنَّجَاشِيِّ هَدَايَاهُ، ثُمَّ سَلُوهُ أَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْكُمْ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَهُمْ.

عدد الصفحات ٢٩

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام قَالَتْ: فَخَرَجَا فَقَدِمَا عَلَى النَّجَاشِيِّ، وَنَحْنُ عِنْدَهُ بِخَيْرِ دَارٍ، وَعِنْدَ خَيْرِ جَارٍ فَلَمْ يَبْقَ مِنْ بَطَارِقَتِهِ بِطْرِيقٌ إِلاَّ دَفَعَا إِلَيْهِ هَدِيَّتَهُ قَبْلَ أَنْ يُكَلِّمَا النَّجَاشِيَّ. ثُمَّ قَالاَ لِكُلِّ بِطْرِيقٍ مِنْهُمْ: إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِ المَْلِكِ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ، فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكُمْ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتُمْ، وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَى المَْلِكِ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ لِيَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَإِذَا كَلَّمْنَا المَْلِكَ فِيهِمْ فَتُشِيرُوا عَلَيْهِ بِأَنْ يُسْلِمَهُمْ إِلَيْنَا، وَلاَ يُكَلِّمَهُمْ فَإِنَّ قَوْمَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بمَِا عَابُوا عَلَيْهِمْ. فَقَالُوا لَهُمَا: نَعَمْ. ثُمَّ إِنَّهُمَا قَرَّبَا هَدَايَاهُمْ إِلَى النَّجَاشِيِّ فَقَبِلَهَا مِنْهُمَا، ثُمَّ كَلَّمَاهُ. فَقَالاَ لَهُ: أَيُّهَا المَْلِكُ إِنَّهُ قَدْ صَبَا إِلَى بَلَدِكَ مِنَّا غِلْمَانٌ سُفَهَاءُ فَارَقُوا دِينَ قَوْمِهِمْ، وَلَمْ يَدْخُلُوا فِي دِينِكَ، وَجَاءُوا بِدِينٍ مُبْتَدَعٍ لاَ نَعْرِفُهُ نَحْنُ وَلاَ أَنْتَ. وَقَدْ بَعَثَنَا إِلَيْكَ فِيهِمْ أَشْرَافُ قَوْمِهِمْ مِنْ آبَائِهِمْ وَأَعْمَامِهِمْ وَعَشَائِرِهِمْ لِتَرُدَّهُمْ إِلَيْهِمْ، فَهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بمَِا عَابُوا عَلَيْهِمْ، وَعَاتَبُوهُمْ فِيهِ. قَالَتْ: وَلَمْ يَكُنْ شَيْءٌ أَبْغَضَ إِلَى عَبْدِ اللَّهِ بْنِ أَبِي رَبِيعَةَ، وَعَمْرِو

عدد الصفحات ٣٠

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام بْنِ الْعَاصِ مِنْ أَنْ يَسْمَعَ النَّجَاشِيُّ كَلاَمَهُمْ. فَقَالَتْ بَطَارِقَتُهُ حَوْلَهُ: صَدَقُوا أَيُّهَا المَْلِكُ قَوْمُهُمْ أَعَلَى بِهِمْ عَيْنًا، وَأَعْلَمُ بمَِا عَابُوا عَلَيْهِمْ، فَأَسْلِمْهُمْ إِلَيْهِمَا، فَلْيَرُدَّاهُمْ إِلَى بِلاَدِهِمْ وَقَوْمِهِمْ. قَالَ: فَغَضِبَ النَّجَاشِيُّ، ثُمَّ قَالَ: لاَ هَا اللَّهِ(ومعناها: لا والله) أيمُْ اللَّهِ إِذَنْ لاَ أُسْلِمُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَلاَ أُكَادُ قَوْمًا جَاوَرُونِي وَنَزَلُوا بِلاَدِي وَاخْتَارُونِي عَلَى مَنْ سِوَايَ، حَتَّى أَدْعُوَهُمْ فَأَسْأَلَهُمْ مَاذَا يَقُولُ هَذَانِ فِي أَمْرِهِمْ؟ فَإِنْ كَانُوا كَمَا يَقُولاَنِ أَسْلَمْتُهُمْ إِلَيْهِمَا، وَرَدَدْتُهُمْ إِلَى قَوْمِهِمْ، وَإِنْ كَانُوا عَلَى غَيْرِ ذَلِكَ مَنَعْتُهُمْ مِنْهُمَا، وَأَحْسَنْتُ جِوَارَهُمْ مَا جَاوَرُونِي. قَالَتْ: ثُمَّ أَرْسَلَ إِلَى أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَدَعَاهُمْ، فَلَمَّا جَاءَهُمْ رَسُولُهُ اجْتَمَعُوا. ثُمَّ قَالَ بَعْضُهُمْ لِبَعْضٍ: مَا تَقُولُونَ لِلرَّجُلِ إِذَا جِئْتُمُوهُ؟ قَالُوا نَقُولُ وَاللَّهِ مَا عَلَّمَنَا وَمَا أَمَرَنَا بِهِ نَبِيُّنَا صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ كَائِنٌ فِي ذَلِكَ مَا هُوَ كَائِنٌ. فَلَمَّا جَاءُوهُ وَقَدْ دَعَا النَّجَاشِيُّ أَسَاقِفَتَهُ فَنَشَرُوا مَصَاحِفَهُمْ حَوْلَهُ سَأَلَهُمْ:

عدد الصفحات ٣١

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام فَقَالَ: مَا هَذَا الدِّينُ الَّذِي فَارَقْتُمْ فِيهِ قَوْمَكُمْ وَلَمْ تَدْخُلُوا فِي دِينِي، وَلاَ فِي دِينِ أَحَدٍ مِنْ هَذِهِ الأُْممَِ. قَالَتْ: فَكَانَ الَّذِي كَلَّمَهُ جَعْفَرُ بْنُ أَبِي طَالِبٍ. فَقَالَ لَهُ: أَيُّهَا المَْلِكُ كُنَّا قَوْمًا أَهْلَ جَاهِلِيَّةٍ نَعْبُدُ الأَْصْنَامَ، وَنَأْكُلُ المَْيْتَةَ، وَنَأْتِي الْفَوَاحِشَ، وَنَقْطَعُ الأَْرْحَامَ، وَنُسِيءُ الِْوَارَ، يَأْكُلُ الْقَوِيُّ مِنَّا الضَّعِيفَ. فَكُنَّا عَلَى ذَلِكَ حَتَّى بَعَثَ اللَّهُ إِلَيْنَا رَسُولاً مِنَّا نَعْرِفُ نَسَبَهُ، وَصِدْقَهُ، وَأَمَانَتَهُ، وَعَفَافَهُ، فَدَعَانَا إِلَى اللَّهِ لِنُوَحِّدَهُ، وَنَعْبُدَهُ، وَنَخْلَعَ مَا كُنَّا نَعْبُدُ نَحْنُ وَآبَاؤُنَا مِنْ دُونِهِ مِنْ الحِْجَارَةِ وَالأَْوْثَانِ، وَأَمَرَنَا بِصِدْقِ الحَْدِيثِ، وَأَدَاءِ الأَْمَانَةِ، وَصِلَةِ الرَّحِمِ، وَحُسْنِ الِْوَارِ، وَالْكَفِّ عَنْ المحََْارِمِ وَالدِّمَاءِ. وَنَهَانَا عَنْ الْفَوَاحِشِ، وَقَوْلِ الزُّورِ، وَأَكْلِ مَالَ الْيَتِيمِ، وَقَذْفِ المحُْْصَنَةِ، وَأَمَرَنَا أَنْ نَعْبُدَ اللَّهَ وَحْدَهُ لاَ نُشْرِكُ بِهِ شَيْئًا، وَأَمَرَنَا بِالصَّلاَةِ وَالزَّكَاةِ وَالصِّيَامِ. قَالَ فَعَدَّدَ عَلَيْهِ أُمُورَ الإِْسْلاَمِ فَصَدَّقْنَاهُ، وَآمَنَّا بِهِ وَاتَّبَعْنَاهُ عَلَى مَا جَاءَ بِهِ، فَعَبَدْنَا اللَّهَ وَحْدَهُ فَلَمْ نُشْرِكْ بِهِ شَيْئًا، وَحَرَّمْنَا مَا حَرَّمَ عَلَيْنَا، وَأَحْلَلْنَا مَا أَحَلَّ لَنَا. فَعَدَا عَلَيْنَا قَوْمُنَا فَعَذَّبُونَا وَفَتَنُونَا عَنْ دِينِنَا لِيَرُدُّونَا إِلَى عِبَادَةِ

عدد الصفحات ٣٢

القول الصحيح في قصة المسيح عليه السلام الأَْوْثَانِ مِنْ عِبَادَةِ اللَّهِ، وَأَنْ نَسْتَحِلَّ مَا كُنَّا نَسْتَحِلُّ مِنْ الخَْبَائِثِ، فَلَمَّا قَهَرُونَا وَظَلَمُونَا، وَشَقُّوا عَلَيْنَا، وَحَالُوا بَيْنَنَا وَبَينَْ دِينِنَا، خَرَجْنَا إِلَى بَلَدِكَ ، وَاخْتَرْنَاكَ عَلَى مَنْ سِوَاكَ ، وَرَغِبْنَا فِي جِوَارِكَ وَرَجَوْنَا أَنْ لاَ نُظْلَمَ عِنْدَكَ أَيُّهَا المَْلِكُ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: هَلْ مَعَكَ ممَِّا جَاءَ بِهِ عَنْ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ؟ قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ جَعْفَرٌ: نَعَمْ. فَقَالَ لَهُ النَّجَاشِيُّ: فَاقْرَأْهُ عَلَيَّ؟ فَقَرَأَ عَلَيْهِ صَدْرًا مِنْ كهيعص. قَالَتْ: فَبَكَى وَاللَّهِ النَّجَاشِيُّ حَتَّى أَخْضَلَ لحِْيَتَهُ، وَبَكَتْ أَسَاقِفَتُهُ حَتَّى أَخْضَلُوا مَصَاحِفَهُمْ حِينَ سَمِعُوا مَا تَلاَ عَلَيْهِمْ. ثُمَّ قَالَ النَّجَاشِيُّ: إِنَّ هَذَا وَاللَّهِ وَالَّذِي جَاءَ بِهِ مُوسَى لَيَخْرُجُ مِنْ مِشْكَاةٍ وَاحِدَةٍ، انْطَلِقَا فَوَاللَّهِ لاَ أُسْلِمُهُمْ إِلَيْكُمْ أَبَدًا وَلاَ أُكَادُ. قَالَتْ أُمُّ سَلَمَةَ: فَلَمَّا خَرَجَا مِنْ عِنْدِهِ، قَالَ عَمْرُو بْنُ الْعَاصِ: وَاللَّهِ لأَُنَبِّئَنَّهُمْ غَدًا عَيْبَهُمْ عِنْدَهُمْ ثُمَّ أَسْتَأْصِلُ بِهِ خَضْرَاءَهُمْ. قَالَتْ: فَقَالَ لَهُ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ أَبِي رَبِيعَةَ وَكَانَ أَتْقَى الرَّجُلَينِْ فِينَا: لاَ تَفْعَلْ فَإِنَّ لَهُمْ أَرْحَامًا، وَإِنْ كَانُوا قَدْ خَالَفُونَا. قَالَ: وَاللَّهِ لأَُخْبِرَنَّهُ أَنَّهُمْ يَزْعُمُونَ أَنَّ عِيسَى ابْنَ مَرْيمََ عَبْدٌ. قَالَتْ: ثُمَّ غَدَا عَلَيْهِ الْغَدَ.

عدد الصفحات ٣٣