المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الحرية مفهومها , ضوابطها , آثارها

ناصر بن سعيد بن سيف السيف

صفحة ١ من ٢

الحرية مفهومها , ضوابطها , آثارها إعداد ناصر بن سعيد بن سيف السيف غفر الله له ولوالديه وجميع المسلمين

عدد الصفحات ١

2 بسم الله الرحمن الرحيم إن الحمد لله نحمده ، ونستعينه ، ونستهديه ، ونعوذ به من شرور أنفسنا ، ومن سيئات أعمالنا ، من يهده الله فلا مضل له ، ومن يضلل فلا هادي له ، وأشهد أن لا إله الله وحده لاشريك له ، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله ، أما بعد فإن الإسلام جعل الحرية حقاً من الحقوق الطبيعية للإنسان، فلا قيمة لحياة الإنسان بدون الحرية، وحين يفقد المرء حريته، يموت داخلياً، وإن كان في الظاهر يعيش ويأكل ويشرب، ويعمل ويسعى في الأرض، ولقد بلغ من تعظيم الإسلام لشأن الحرية أن جعل السبيل إلى إدراك وجود الله تعالى هو العقل الحر، الذي لا ينتظر الإيمان بوجوده بتأثير قوى خارجية، كالخوارق والمعجزات ونحوها. ومن هذه المنطلقات الرئيسة سيكون هذا البحث عن الح رية ببيان مفهومها وضوابطها وآثارها، وقد قسمت البحث إلى خمسة مباحث ، هي : المبحث الأول: تعريف الحرية . المبحث الثاني: مفهوم الحرية عند الغرب والمسلمين. المبحث الثالث: تحديد ضوابط الحرية في الإسلام. المبحث الرابع: ضبط الحرية ببيان أنواعها. المبحث الخامس: آثار مفهوم الحرية وفق الرؤية الغربية والإسلامية. نسأل الله العلي القدير التوفيق والسداد ، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.

عدد الصفحات ٢

3 المبحث الأول تعريف الحرية لغة و اصطلاحا تعريف الحرية لغة : الحر بالضم: نقيض العبد، والحرة : نقيض الأمة والجمع حرائر، والحر من الناس: أخيارهم وأفضالهم، وحرية العرب : أشرافهم ، والحرة : الكريمة من النساء . (1) تعريف الحرية اصطلاحا : تعددت المذاهب في تعريف الحرية، واختلفت الآراء وتباينت تبايناً شديداً في تحديد مصطلح منضبط للحرية . فقد ورد في إعلان حقوق الإنسان الصادر عام 1789م: "الحرية هي حق الفرد في أن يفعل ما لا يضر بالآخرين". و تعريف الحرية في الفقه الإسلامي يمكن الوقوف على تعريف الدريني (2) الذي يقول فيه: "الحرية هي المكنة العامة التي قررها الشارع للأفراد على السواء، تمكيناً لهم من التصرف على خيرة من أمرهم دون الإضرار بالغير ". مستنداً على تعريف الفقهاء لمعنى الإباحة التي تقوم في أصل تشريعها على التخيير بين الفعل والترك. وقد ذهب الفاسي (3) إلى محاولة التفريق بين نظرة الإس لام إلى الحرية ومفهومها عن كل النظريات الأخرى الفلسفية والا شتراكية والمادية الغربية بأن يقول : "الحرية جعل قانوني وليس حقاً طبيعياً، فما كان للإنسان ليصل إلى حريته لولا نزول الوحي، وأن الإنسان لم يخلق حراً، وإنما ليكون حرّاً ". (1) انظر: لسان العرب ، ابن منظور ، 4/ 181. (2) الدكتور فتحي بن عبدالقادر الدريني تميز في أصول الفقه والفكر ، ولد في مدينة الناصرة بفلسطين عام 1923م، وتوفي في الأردن عام 1/6/2013م (3) علال بن عبدالواحد الفاسي تميز في الفكر والأدب والسياسة ، ولد في مدينةفاس بالمغرب عام 1910م ،وتوفي في عام 13/5/1974م

عدد الصفحات ٣

4 وعرفها الدكتور رحيل محمد غرايبة (1) : "الحرية أصلاً مركوزاً في فطرة الإنسان، وجعلها مناط الابتلاء، كم ا جعل العقل مناط التكليف، فالله عز وجل الذي خلق الإنسان وكونه أراده عاقلاً حراً، ثم أناط به الخلافة في الأرض وإعمارها وفق منهج تشريعي عبادي متسق م ع نواميس الكون وح ركة الموجودات". والملاحظ أن مرجع جميع هذه التعاريف – وغيرها - إلى جامع واحد و حقيقة مشتركة واحدة - هي القدرة على الفعل والاختيار - دلت عليها ألفاظ متعددة، وبصور مختلفة ، ولذا لم يتحصل لدى الانتقال من تعريف لآخر أمر اً يضيف على التعر يف الأول شيئاً يذكر سوى التبسيط والتوضيح فقط. (2) (1) محمد حمد محمود الرحيل الغرايبة ، رئيس المكتب السياسي وعضو المكتب التنفيذي ماعة الإخوان المسلمين في الأردن ، تميز في السياسة وحقوق الإنسان ، ولد في الأردن عام 1950م (2) انظر: ثقافة حقوق الإنسان ، عبد الحسين شعبان، ص 44.

عدد الصفحات ٤

5 المبحث الثا مفهوم الحرية عند الغرب والمسلمين مفهوم الحرية عند الغرب : استخدم مصطلح الحرية في العالم الغربي للدلالة على رفض الأنظم ة العبودية والإقطاعية في العصور الوسطى، وترسخ بعد انتصار الثورات التي ألغت الإقطاع و أقامت الأنظمة الجمهورية، واستمر حتى صار يحمل دلالة تعادل صيغة تقرير المصير الفردي والجماعي، وفي درجة الاستقلال الذاتي الذي تشجع عليه وتبيحه (الديمقراطية)، وفي طبيعة العملية الديمقراطية وفي مجال أوسع للحريات الأخرى الأكثر خصوصية والتي هي من صلب طبيعة العمل ية الديمقراطية، أو أ نها من المتطلبات الضرورية لوجودها . (1) فعرّفها الغرببأنها الانطلاق بلا قيد ، والتحرر من كل ضابط ، والتخلص من كل رقابة ، حتى ولو كانت تلك الرقابة نابعة من ذاته هو ، من ضميره ، فلتحطم وليحطم معها الضمير إن احتاج الأمر ، حتى لا يقف شيء في وجه استمتاعه بالحياة ، وحتى لا تفسد عليه نشوة اللذة ، ومعنى هذا ترك الإنسان وشأنه يفعل ما يشاء ويترك ما يشاء ، وهكذا بدون قيود ولا ضوابط ، ولا رقابة ، وعلى المجتمع أن يسّلم بذلك الحق ، وعلى الحكومة أن تحافظ على تلك الحرية وتحميها ، فلا دين يحكم النفوس ، ويكبح جماحها ، ولا أخلاق تهذب طباعها ، وتوقظ مشاعرها ، وتثير فيها روح النخوة والغيرة والإباء ، ولا مثل ، ولا فضائل ، تقاس على أساسها الأعمال خيرها وشرها ، ولا حياء يمنع ا رتكاب الشطط ، والمجاهرة بالمنكر. (2) فالأمريكان يزعمون أنهم أصحاب حقوق الإنسان و أن الفرنسيين ليسوا سوى مقلدين لهم، وحجتهم أن وثيقة (إ علان الاستقلال) تحمل تاريخ 1776مفهي أسبق من الثورة (1) انظر: روبرت دال ، ترجمة نمير عباس مظفر، ص 517. (2) انظر: مفهوم الحري ة ، علي فقيهي ، ص5-6.

عدد الصفحات ٥

6 الفرنسية ، وقد جاء في مقدمة الوثيقة التي وضعها ممثلو الولايات المتحدة الأمريكية: (إننا نعد الحقائق التالية من البديهيات: خلق الناس جميعا متساوين، وقد منحهم الخالق حقوقا خاصة لا تنزع منهم: (الحياة ،الحرية ، السعي وراء السعادة). (1) ويزعم البريطانيون أنهم الأسبق في ميثاق الشرف الأعظم "الماجنا كارتا" لقد تمت صياغ ة هذا الميثاق في 12 حزيران 1215م، وهو نص عام مكون من ثلاث وستون مادة وجهه الملك إلى العامة والخاصة في البلاد تنص المادة الأولى على أن ا لحرية ممارسة كل الحقوق والحريات ، وحرية الانتخاب لكنيسة إنكلترا وكذلك منح حقوقاً عديدة لكل الأشخاص الأحرار المقيمين في المملكة ، وهي تقيد حق التصرف الملكي بالأموال العامة ، ويعطي الميثاق في المادة (13) كل الحريات والتقاليد الحرة القديمة في البر والبحر لكل المدن والقرى في البلاد ، كما أعطت الوثيقة ضمانات للمحاكمة والإدانة وحظرت الاعتقال والسجن ونزع الملكية والنفي، أو إعلان شخص حر خارجا عن القانون خارج محاكمة عادلة. (2) ويرى بعض المفكرين أن العرب سبقوا الغرب إقرار حقوق الإنسان وذلك في حلف الفضول ،ذلك أن مكة المكرمة أضحت في الفترة التي سبقت الإسلام مركزاً تجارياً هاماً ، وازدهرت إثر هزيمة الحبشة برئاسة أبرهة، واحتدام الصراع بين الإمبراطوريتين الساسانية والبيزنطية ،وأثرى أهل مكة وتشابكت المصالح فنشأت معها أحلاف ع ديدة منها حلف الفضول. (3) مفهوم الحرية عند المسلم : خص الله تعالى الإنسان بالعقل والإدراك والتمييز ، وأمر بحفظ حقه في حرية التفكير والتعبير مادام ذلك في حدود الشرع ومصلحة الجماعة ، لا يقهر على أمر ، ولا يقصر على رأي ، ولا (1) المرجع السابق ، ص7. (2) انظر: مفهوم الحرية ، علي فقيهي ، ص11. (3) المرجع السابق ، ص12.

عدد الصفحات ٦

7 يمنع من إبداء الرأي والاجتهاد فيه ، لأن هذا قوام "نموه العقلي" واتساع مداركه وشحذ تفكيره ، ومبادئه الإيجابية في بناء حياته الخاصة وفلسفته ونظرته للحياة ، وتحقيق طموحاته المستقلة ، ومساهمته الفعالة في بناء حياة الجماعة وتطوير نظمها وتراثها الفكري واعلمي والحضاري ،وتمكينها من بلو غ أه دافها المرجوة لخير جميع أفرادها ، ومفهوم الحرية من المنظو ر الإسلامي يتحقق من خلال الحقوق والواجبات باعتبارهما وجهين لعملة واحدة لان الحقوق من دون أن تقيد بالواجبات سيصبح الفرد غير مرتبط بالآخرين وقد يعرف حقوقه ولا يعرف حقوق الآخرين عليه وبذلك يصبح انفرا دياً في تعامله قاصراً عن أداء واجباته. (1) فالحرية في الإسلام لا تعني الفوضى وارتكاب الموبقات والمنكرات باسم الحرية واستباحة محارم الله تعالى والانغماس في الشهوات المحرمة فالحرية التي تبيح هذه المحظورات هي فوضى، وتصور خاطئ للحرية، وقد صحح الإسلام هذا التصور الخاطئ وقرر حرية الناس منذ ولادتهم ، و أنه لا يجوز استعبادهم كما لا يجوز تقييد حرياتهم، و كل حق لهم، يقابله واجب عليهم ليكون هناك توازن في الحياة والتعايش مع الآخرين ، ولذلك قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - : ((مثل القائم على حدود الله والو اقع فيها, كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وأصاب بعضهم أسلفها , فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فآذوهم فقالوا: لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا , فإن تركوهم هلكوا وهلك الناس جميعهم وإن منعوهم نجو ونجى الناس جميعا ))(2)،وقد عزز رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في سنته المطهرة وسيرته العطرة ، مبدأ "الحرية" سواء في التفكير أم في التعبير أم في إعمال الرأي والاجته اد في أمور الدين والدنيا ، حرصاً منه على تكوين الشخصية المست قلة المتماسكة القوية لدى المسلم. (3) (1) انظر: فلسفة التربية الإسلامية في القرآن والسنة ، عبدالحميد الزنتالي، ص 196. (2) رواه البخاري ، باب : هل يقرع في القسمة والاستهام فيه ، 8/399. (3) انظر: فلسفة التربية الإسلامية في القرآن والسنة ، عبدالحميد الزنتالي ، ص 819.

عدد الصفحات ٧

8 المبحث الثالث تحديد ضوابط الحرية في الإسلام الحرية في الإسلام ليست سائبة، ولا مطلقة حتى تهوي بصاحبها إلى قاع الضلا ل الروحي ودرك الانحطاط الأخلاقي ، بل هي حرية واعية منضبطة، فإذا خرج بها الإنسان عن أحكام الدين ونطاق العقل وحدود الأخلاق ومصلحة الجماعة ، تمت مساءلته ومحاسبته وإيقافه عند حده ورده عن غيه ، منعاً لضرر الفرد والجماعة، وفساد الدين والدنيا .(1) ومن يضع الحدود والقيود على الحريات عليه أن يكون له ا لعلم الكامل بالإنسان و حاجاته وميوله وتركيبته وما يصلحه وما يفسده في الماضي والحاضر و المستقبل ؟ و هل هناك أحد يعلم الصنعة إلا صانعها ؟ وهل يعلم ما يصلح الإنسان و ما يفسده إلا الله ؟ يقول الله تعالى:  أَ ي َعْلَم مَنْ خَلَقَ وَه وَ اللَّطِيف الَْْبِي  (2)،فما من مسلم يؤمن بوجود الله إلا ويؤمن بأن الله هو أولى و أحق من يشرع المنهج السليم الذي يصلح الإنسان، يقول تعالى :  وَمَاكَانَ لِم ؤْمِن وَلاَ م ؤْمِنَة إِذَا قَضَى اللَّّ وَرَس ول ه أَمْر ا أَنْ يَك ونَ لََ م الِْْي َرَة مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ ي َعْصِ اللََّّ وَرَس ولَه ف َقَدْ ضَلَّ ضَ لاَلا م بِين ا(3) ،و لا يعني بطبيعة الحال إقرار الإسلام لل حرية أنه أطلقها من كل قيد وضابط، لأن الحرية بهذا الشكل أقرب ما تكون إلى الفوضى، التي يثيرها الهوى والشهوة ، ومن المعلوم أن الهوى يدمر الإنسان أكثر مما يبنيه ، ولذلك منع من اتباعه، والإسلام ينظر إلى الإنسان على أنه مدني بطبعه، يعيش بين كثير من بني جنسه، فلم يقر لأحد بحرية دون آخر، ولكنه أعطى كل واحد منهم حريته كيفما كان، سواء كان فرداً أو جماعة، ولذلك وضع قيوداً ضرورية، تضمن حرية الجميع ، وتتمثل الضوابط التي وضعها الإسلام في الآتي : 1. ألا تؤدي حرية الفرد أو الجماعة إلى تهديد سلامة النظام العام وتقويض أركانه 2. ألا تفوت حقوقاً أعظم منها، وذلك بالنظر إلى قيمتها في ذاتها ورتبتها ونتائجها . (1) المرجع السابق ، ص 459. (2) سورة الملك ، آية 14. (3) سورة الأحزاب ، آية 36.

عدد الصفحات ٨

9 3. ألا تؤدي حريته إلى الإضرار بحرية الآخرين وبهذه القيود والضوابط ندرك أن الإسلام لم يقر الحرية لفرد على حساب الجماعة ،كما لم يثبتها للجماعة على حساب الفرد ، ولكنه وازن بينهما ، فأعطى كلاً منهما حقه. (1) (1) انظر: مفهوم الحرية ، علي فقيهي ، ص14.

عدد الصفحات ٩

10 المبحث الرابع ضبط الحرية ببيان أنواعها بعد ذكر تحديد ضوابط الحرية في الإسلام فمن المناسب توضيح الضوابط بذكر أنواع الحرية ، وهي : (الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية ، الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية). النوع الأول : الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المادية : هذا النوع يشمل الآتي: 1. الحرية الشخصية والمقصود بها أن يكون الإنسان قادراً على التصرف في شئون نفسه، وفي كل ما يتعلق بذاته، آمناً من الاعتداء عليه، في نفسه وعرضه وماله، على ألا يكون في تصرفه عدوان على غيره. والحرية الشخصية تتضمن شيئين : - حرمة الذات : وقد عنى الإسلام بتقرير كرامة الإنسان ، وعلو منزلته. فأوصى باحترامه وعدم امتهانه واحتقاره ، قال تعالى: وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِِ آدَمَ وَحمََلْنَاه مْ فيِ الْب َر ِ وَالْبَحْرِ وَرَزَق ْنَاه مْ مِنَ الطَّي ِبَاتِ وَفَضَّلْنَاه مْ عَلَى كَثِي مََِّّنْ خَلَقْنَا ت َفْضِيلا  (1) ، وميزه بالعقل والتفكير تكريماً له وتعظيماً لشأنه، وتفضيلاً له على سائر مخلوقاته. - تأمين الذات: بضمان سلامة الفرد وأمنة في نفسه وعرضه وماله . فلا يجوز التعرض له بقتل أو جرح، أو أي شكل من أشكال الاعتداء، سواء كان على البدن كالضرب و السجن و نحوه، أو على النفس و الضمير كالسب أو الشتم والازدراء والانتقاص وسوء الظن ونحوه، ولهذا قرر الإسلام زواجر و عقوبات، تكفل حماية الإنسان و وقايته من كل ضرر أو اعتداء يقع عليه، ليتسنى له ممارسة حقه في الحرية الشخصية. وكلما كان الاعتداء قوي اً كان الزجر أشد، ففي الاعتداء على النفس بالقتل و جب القصاص، كما قال تعالى : يََ أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَن وا ك تِبَ عَلَيْك م الْقِصَاص فيِ الْقَت ْلَى الحْ رُّ بِِلحْ ر ِ وَالْعَبْد بِِلْعَبْدِ وَالأْ ن ْثَى بِِلأْ ن ْثَى فَمَنْ ع فِيَ لَه مِنْ أَخِيهِ شَ يْءٌ فَات ِبَاعٌ بِِلْمَعْر وفِ وَأَدَاءٌ إِلَيْهِ بِِِحْسَان ذَلِكَ تََْفِيفٌ مِنْ رَب ِك مْ وَرَحمَْةٌ فَمَنِ اعْتَدَى ب َعْدَ ذَلِكَ ف َلَه عَذَابٌ أَلِيمٌ .(2) (1) سورة الأحزاب ، آية 70. (2) سورة البقرة ، آية 178.

عدد الصفحات ١٠

11 2. حرية التنقل: المقصود بها أن يكون الإنسان حراً في السفر والتنقل داخل بلده وخارجه دون عوائق تمنعه. والتنقل بالغدو والرواح حق إنساني طبيعي ، تقتضيه ظروف الحياة البشرية من الكسب والعمل وطلب الرزق والعلم ونحوه ،ذلك أن الحركة شأن الأحياء كلها ،بل تعتبر قوام الحياة وضرورتها وقد جاء تقرير حرية التنقل بالكتاب والسنة والإجماع ، قال تعالى : ه وَ الَّذِي جَ عَلَ لَك م الأَْرْضَ ذَل ولا فَامْش وا فيِ مَنَاكِبِهَا وَك ل وا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّش ور  (1) ،و لا يمنع الإنسان من التنقل إلا لمصلحة راجحة ،كما فعل عمر بن الخطاب رضي الله عنه في طاعون عمواس، حين منع الناس من السفر إلى بلاد الشام الذي كان به هذا الوباء، و لم يفعل ذلك إلا تطبيقاً لقول رسول الله - صلى الله عليه و سلم -: ((إذا سمعتم به بأرض فلا تقدموا عليه , وإذا وقع بأرض و أنتم بها فلا تَرجوا فرار ا منه)) (2) ، و لأجل تمكين الناس من التمتع بحرية التنقل حرم الإسلام الاعتداء على المسافرين، والتربص لهم في الطرقات، و نزل عقوبة شديدة على الذين يقطع ون الطرق ويروعون الناس بالقتل والنهب و السرقة، قال تعالى : إِنَََّّا جَزَاء الَّذِينَ يُ َارِب ونَ اللََّّ وَ رَس ولَه وَيَسْعَوْنَ فيِ الأَْرْضِ فَسَادا أَنْ ي قَت َّل وا أَوْ ي صَلَّب وا أَوْ ت قَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْج ل ه مْ مِنْ خِلاف أَوْ ي ن ْفَوْا مِنَ الأَْرْضِ ذَلِكَ لََ مْ خِزْيٌ فيِ الدُّن ْيَا وَلََ مْ فيِ الآْخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ  . (3) 3. حرية اأوى و المسكن: فمتى قدر الإنسان على اقتناء مسكنه، فله حرية ذلك، كما أن العاجز عن ذلك ينبغي على الدولة أن توفر له السكن المناسب، حتى تضمن له أدنى مستوى لمعيشته، و أغنياء المسلمين مطالبون بالقيام على حاجة فقرائهم إذا عجزت أموال الزكاة والفيء عن القيام بحاجة الجميع من الطعام والشراب واللباس والمأوى الذي يقيهم حر الصيف وبرد الشتاء وعيون المارة، والدولة هي التي تجمع هذه الأموال وتوزعها على المحتاجين ولا فرق في هذا بين المسلمين وغيرهم لأن هذا الحق يشترك فيه جميع الناس كاشتراكهم في الماء والنار فيضمن ذلك لكل فرد من أ فراد الدولة بغض النظر عن دينه. فإذا ما ملك الإنسان مأوى و مسكن ،فلا يجوز لأحد ، أن يقتحم (1) سورة الملك ، آية 15. (2) رواه أبي داود، رقم الحديث: (31) ، وصححه الألبا (3) سورة المائدة ، آية 3.

عدد الصفحات ١١

12 مأواه ،أو يدخل منزله إلا بإذنه، حتى لو كان الداخل خل يفة، أو حاكماً ما لم تدع إليه ضرورة قصوى أو مصلحة بالغة، لأن الله سبحانه و تعالى يقول : يََ أَي ُّهَا الَّذِينَ آمَن وا لا تَدْخ ل وا ب ي وتا غَي ْرَ ب ي وتِك مْ حَتََّّ تَسْتَأْنِس وا وَت سَل ِم وا عَلَى أَهْلِهَا ذَلِك مْ خَي ْرٌ لَك مْ لَعَلَّك مْ تَذَكَّر ونَ  . (1) ،و إذا نهى عن دخول البيوت بغير إذن أصحابها، فالاستيلاء عليها أو هدمها أو إحراقها من باب أولى، إلا إذا ك ان ذلك لمصلحة الجماعة، بعد ضمان البيت ضماناً عادلاً، و هذه المصلحة قد تكون بتوسعة مسجد، أو بناء شارع، أو إقامة مستشفى، أو نح و ذلك. 4. حرية التملك يقصد بالتملك حيازة الإنسان للشيء و امتلاكه له، و قدرته على التصرف فيه، و انتفاعه به عند انتفاء الموانع الشرعية، وقد أعطى الإسلام للفرد حق التملك، و جعله قاعدة أساسية للاقتصاد الإسلامي. 5. حرية العمل العمل قوام الحياة ولذلك فإن الإسلام أقر بحق الإنسان فيه في أي ميدان يشاؤه ولم يقيده إلا في نطاق تضاربه مع أهدافه أو تعارضه مع مصلحة الجماعة. و نجد كثيراً من نصوص الكتاب والسنة تتحدث عن العمل و تحث عليه وتنو ه بأعمال متنوعة كصناعة الحديد و نجارة السفن ،و فلاحة الأرض ،و نحو ذلك ،لأن العمل في ذاته وسيلة للبقاء، و البقاء – من حيث هو – هدف مرحلي للغ اية الكبرى، و هي عبادة الله تعالى، و ابتغاء رضوانه ، وبقدر عظم الغاية تكون منزلة الوسيلة، فأعظم الغايات هو رضوان الله تعالى ، و بالتالي فإن أعظم وسيلة إليها هي العمل و التضحية، و إنما نوه القرآن بالعمل والكسب للتنبيه على عظم فائدته و أهميته للوجود الإنساني، وأنه أكبر نعم الله على الإنسان. النوع الثاني :الحرية المتعلقة بحقوق الفرد المعنوية : هذا النوع يشمل الآتي: 1. حرية الاعتقادويقصد بها اختيار الإنسان لدين يريده بيقين، و عقيدة يرتضيها عن قناعة، دون أن يكرهه شخص آخر على ذلك .فإن الإكراه يفسد اختيار الإنسان، و يجعل المكره مسلوب (1) سورة النور ، آية 27.

عدد الصفحات ١٢

13 الإرادة ،فينتفي بذلك رضاه و اقتناعه و إذا تأملنا قول الله تعا  لاإِكْرَاهَ فيِ الد ِينِ قَدْ ت َب َينََّ الرُّشْد مِنَ الْغَي ِ  . (1) نجد أن الإسلام رفع الإكراه عن ا رء في عقيدته، و أقر أن الفكر و الاعتقاد لا بد أن يتسم بالحرية، وأن أي إجبار للإنسان، أو تخويفه، أو تهديده على اعتناق دين أو مذهب أو فكره باطل و مرفوض، لأنه لا يرسخ عقيدة في القلب، و لا يثبتها في الضمير ، لذلك قال تعالى : وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآَمَنَ مَنْ فيِ الأَْرْضِ ك لُّه مْ جمَِيعا أَفَأَنْتَ ت كْرِه النَّاسَ حَتََّّ يَك ون وا م ؤْمِنِينَ  . (2) 2. حرية الرأي و هي حرية التفكير و التعبير، واجاز الإسلام للإنسان أن يقلب نظره في صفحات الكون المليئة بالحقائق المتنوعة، و الظواهر المختلفة، و يحاول تجربتها بعقله، و استخدامها لمصلحته مع بني جنسه، لأن كل ما في الكون مسخر للإنسان، يستطيع أن يستخدمه عن طريق معرفة طبيعته ومدى قابليته للتفاعل و التأثير ، ولا يتأتى ذلك إلا بالنظر و طول التفكير. 3. حرية التعلم: طلب العلم و المعرفة حق كفله الإسلام للفرد، و منحه حرية السعي في تحصيله، و لم يقيد شيئاً منه، مما تعلقت به مصلحة المسلمين ديناً و دنيا، بل انتدبهم لتحصيل ذلك كله، و سلوك السبيل الموصل إليه، أما ما كان من العلوم بحيث لا يترتب على تحصيله مصلحة، وإنما تتحقق به مضرة ومفسدة، فهذا منهي عنه، و محرم على المسلم طلبه، مثل : علم السحر والكهانة ، ونحو ذلك. 4. الحرية السياسية يقصد بها حق الإنسان في اختيار سلطة الحكم، وانتخابها ، ومراقبة أدائها، و محاسبتها، و نقدها، و عزلها إذا انحرفت عن منهج الله وشرعه ، و حولت ظهر ها عن جادة الحق والصلاح. (1) سورة البقرة ، آية 256. (2) سورة يونس ، آية 99.

عدد الصفحات ١٣

14 المبحث الْامس آثار مفهوم الحرية وفق الرؤية الغربية والإسلامية آثار مفهوم الحرية وفق الرؤية الغربية : أ- الآثار الفكرية : 1- ظهور تيار المفكرين والعلماء والسياسين نادوا بالعلمانية وفصل الدين عن الحياة أو قصر الدين ع لى الشعائر التعبدية وأما شوؤن الحياة الأخرى من سياسة واقتصاد واجتماع فلا علاقة للدين. 2- الحرية الغربية ، والمرجعية الفكرية التي تؤطرها وتوجهها اليوم ، بل لاتكاد تلتفت الى هذا الانسان ، ولا ترى في الانسان وحقوقه وحرياته سوى مجموعة من الطلبات والرغبات والتطلعات التي تحقق للإنسان احتياجاته المادية والجسدية ومحسناته السياسية والقانونية. 3- الدعوة لحرية العقيدة ، أي عقيدة ، ولو تجسدت في حركة عبادة الشيطان أو الشعوذة والخرافة. 4- التركيز على حرية الانسان الفردية التي يتحرر فيها من كل قيود الأخلاق والدين والأعراف المر عية ، والوصول به الى مرحلة العدمية. 5- بناء على مفهوم "الحق الطبيعي" تم إعادة صياغة منظومة قيمية جديدة ، كالفردية ، والاستقلالية ، والحرية الجنسية ، وحرية تكوين الاختيار الجنسي (الشذوذ) وأن المرأة مالكة لجسدها ولها حرية التصرف فيه ، والدولة هنا هي ضامن قانوني لحماية هذه الحقوق . 6- ظهور الليبرالية الثقافية ،والتي تدعم الحرية الفردية ضد القوانين والعادات والتقاليد التي تقيد الحرية الشخصية ، فالليبرالية الثقافية تدعم العديد من المجالات والحريات منها : (الآداب ، الفنون ، المقامرة ، الجنس ، البغاء ، الإجهاض ، تنظيم أولاد). 7- نشر الثقافة والفكر الغربي عبر الوسائل المتعددة والمتنوعة بحجة حرية التعبير عن الرأي وحرية النشر والاعلام وعبر وسا ئل الاعلام المختلفة من صحافة وإذاعة وتلفاز.

عدد الصفحات ١٤

15 ب- الآثار الاجتماعية : 1- التأثير في البنية الاجتماعية وتركيب الأسرة والعلاقة الى تحرير الم رأة . 2- تشويه مكانة المرأة في الإسلام ونشر المزاعم عن اضطهاد الإسلام للمرأة . 3- الدعوة الى تفويض وضع المرأة في الأسرة بالتمرد على النظام والخروج باسم الحرية . 4- انتشار الجمعيات الأهلية المدعومة غربياً ، والتي تقوم بمحارب ة الهوية الثقافية الإسلامية، وإثارة الشبه والشكوك حول النظم والتشريعات الإسلامية ، وخاصة فيما يتعلق بالعلاقة بين المرأة والرجل وقضايا المرأة المسلمة ، وتطالب بعضها جهاراً نهاراً الحكومات والمجالس البرلمانية اصدار القوانين وفق مواثيق الأمم المتحدة المتعلقة بحقوق الانسان بعيداً عن النظم والتشريعات ا لإسلامية. 5- إشاعة الجنس وثقافة العنف التي من شأنها تنشئة أجيال تؤمن بالعنف كأسلوب للحياة وكظاهرة عادية وطبيعية ، وما يترتب على ذ لك من انتشار الرذيلة والجريمة والعنف في المجتمعات الإسلامية وقتل أوقات الشباب بتضييعها بما يعود عليه الضرر البالغ في دينه وأخلاقه و سلوكه وحركته في الحياة وتسهم في هذا الجانب شبكات الاتصال الحديثة والقنوات الفضائية وبرامج الإعلانات والدعايات للسلع الغربية وهي مصحوبة بالثقافة الجنسية الغربية التي تخدش الح ياء والمروءة والكرامة الإنسانية . 6- تعميق مفهوم الحرية الشخصية في العلاقة الاجتماعية و في علاقة الرجل بالمرأة وهذا بدوره يؤدي الى التساهل مع الميول والرغبات الجنسية وتمرد الانسان ع لى النظم والقوانين التي تنظم وتضبط علاقة الرجل بالمرأة وهذا يؤدي الى انتشار الإباحية والرذائل والتحلل الخلقي وخدش الح ياء والكرامة والفطرة الإنسانية . 7- صدور النداءاتوالتوصيات للاعتراف بحق الشذوذ الجنسي وبحق الزواج المثلى وبشرعية الأسرة الناشئة عنه وبالحق في اجهاض الجنة ولو كانت في شهرها التاسع وبدون أي ضرورة وبالحق في تغيير ا لجنس من ذكر لأنثى ومن أنثى لذكر . 8- الدعوة لتعليم الطفل الثقافة الجنسية والحق في الممارسة الجنسية والدعوة لجعلها مادة دراسية ا لزامية التي لها حصصها التطبيقية .

عدد الصفحات ١٥

16 9- هدم العلاقة الإنسانية الطبيعية والفطرية بين الرجل والمرأة لتحويلها الى علاقة تنافس وصراع وخصام بعد أن كانت على مر العصور وعند جميع الأمم والش عوب علاقة حب وتعلق وتكامل ووئام. ج- الآثار السياسية : ظهور الليبرالية السياسية وهي مذهب سياسي يرى أن من المستحسن أن تزاد الى أبعد حد ممكن استقلالية السلطة التشريعية والسلطة القضائية بالنسبة الى السلطة الإجرائية التنفيذية وان يعطى للمواطنين أكبر قدر م ن الضمانات في مواجهة تعسف الحكم، وتعتبر الديمقراطية من الن ظم الليبرالية التي تسعى لإعطاء الفرد حقوقه وعي نوع من التطبيق العمل للفكر. د- الآثار الاقتصادية : ظهور الليبرالية الاقتصادية وهي مذهب اقتصادي يرى أن الدولة لاينبغي لها أن تتولى وظائف صناعية ولا وظائف تجارية وأنها لايحق لها التدخل في العلاقات الاقتصادية التي تقوم بين الأفراد والطبقات أو الأمم بهذا المعنى يقال غالبا ليبرالية اقتصادية، وتعتبر الليبرالية الاقتصادية وثيقة الصلة بالليبرالية السياسية ويعتقد الليبراليون أن الحكومة التي تحكم بالحد الأدنى يكون حكمها هو الأفضل وير ون أن الاقتصاد ينظم نفسه بنفسه إذا ماترك يعمل بمفرده حرًا ويرون أن تنظيمات الحكومة ليست ضرورية وأبرز النظم الاقتصادية الليبرالية هو نظام الرأسمالية ، والذي يحكم قواعد اللعبة الاقتصادية وقيمتها هو سوق العرض والطلب دون أي تقييد حكومي أو نقابة عمالية فلعامل الحرية في العمل أو الترك كما لصاحب رأس المال الحرية المطلقة في توظيف العدد الذي يريد بالأجر ة التي يريد. (1) آثارمفهوم الحرية وفق الرؤية الإسلامية : 1- إدراك الانسان هدف حياته وهو العبودية لله عز وجل وتوثيق الصلة به سبحانه والتوكل والاعتماد عليه والثقة به مع بذل الأسباب والوسائل المعينة له على عمارة الأرض. 2- التحرر من رق العبودية لغير ا تعالى والوحدا نية لله تصورًا ومنهجًا وعبادةً وسلوكًا. 3- سلامة الانسان من الصراع والقلق وا كتئاب والحيرة والاضطراب النفسي . (1) انظر: مفهوم الحرية، علي فقيهي، ص75-84.

عدد الصفحات ١٦