المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

دين الموتى عبدالله بن صالح.1

غير معروف

صفحة ٨ من ١٣

122 إنــه تنبيــه علــى كمــال القــدرة الربانيــة وأمثــال ذلــك ممــا أصــل لــه إلا التحكــم المحــض. ومــا حملهــم علــى ذلــك إلا اعتقادهــم أن فــي ذلــك تنزيهًــا للصحابــة عــن توهــم النقــص فــي قلــة إجــادة الخــط. وحســبوا أن الخــط كمــال فنزهوهــم عــن نقصــه ونســبوا إليهــم الكمــال بإجادتــه وطلبــوا تعليــل مــا خالــف الإجــادة مــن رســمه وذلــك ليــس بصحيــح. واعلــم أن الخــط ليــس بكمــال فــي حقهــم إذ الخــط مــن جملــة الصنائــع المدنيــة المعاشــية كمــا رأيتــه فيمــا مــر. والكمــال فــي الصنائع إضافــي وليــس بكمــال مطلــق إذ لا يعــود نقصــه علــى الــذات فــي الديــن ولا فــي الخــلال وإنمــا يعــود علــى أســباب المعــاش وبحســب العمــران والتعــاون عليــه لأجــل دلالتــه علــى مــا انظــر كتــاب تاريــخ ابــن خلــدون، الجــزء (فــي النفــوس". ).419صالأول،

عدد الصفحات ١٢٢

123 ونجد الذي ينتقده ابن خلدون عند مؤلفين معاصرين م.) يقــول فــي كتابــه1948فهــذا الزرقانــي (ت العرفــان فــي علــوم القــرآن "وكمــا أن نظــم القــرآن معجــز فرســمه أيضًــا معجــز. وكيــف تهتــدي العقــول إلــى ســر زيــادة الألــف فــي مائــة دون مئــة. وإلــى ســر زيــادة الألــف في ســعوا بالحج ونقصانها من ســعوا بســبأ وإلــى ســر زيادتهــا فــي عتــوًا حيــث كان نقصانهــا مــن عتــو فــي الفرقــان وإلــى ســر زيادتهــا فــي آمنــوا وإســقاطها مــن بــاؤ و جــاؤ تبــوؤ فــاؤ بالبقــرة وإلــى ســر زيادتهــا فــي يعفــوا ونقصانهــا مــن يعفــو عنهــم فــي النســاء أم كيــف تبلــغ العقــول إلــى وجــه حــذف بعــض أحــرف مــن كلمات متشــابهة دون بعــض كحــذف الألــف مــن قرءانــا بيوســف والزخــرف وإثباتهــا فــي ســائر المواضــع وإثبــات الألــف بعــد واو ســموات فــي فصلــت وحذفهــا مــن غيرهــا. وإثبــات الألــف فــي الميعــاد مطلقًــا وحذفهــا مــن الموضــع الــذي فــي الأنفــال وإثبــات الألــف فــي ســراجًا حيثمــا وقــع وحذفــه مــن موضــع الفرقــان وكيــف تتوصــل إلــى فتــح بعــض التــاءات وربطهــا فــي بعــض فــكل ذلــك لأســرار إلهيــة وأغــراض نبويــة. وإنمــا خفيــت علــى النــاس لأنهــا أســرار باطنيــة لا تــدرك إلا بالفتــح الزرقانــي: مناهــل العرفــان فــي علــوم القــرآن، (الرباني." .)314صالجــزء الأول،

عدد الصفحات ١٢٣

124 إشكالات (خطأ النساخ في النحو إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّٰبِـُٔونَ وَٱلنَّصَٰرَىٰ مَنۡ ءَامَنَ ﴿ بِٱللَِّ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ وَعَمِلَ صَٰلِحٗا فَلَا خَوۡفٌ عَلَيۡهِمۡ وَلَا هُمۡ ﴾يَحۡزَنُونَ 69سُورَةُ المَائـِدَةِ للنحــاة والمفســرين فــي هــذه الآيــة عــدة آراء، ســنعرضها كمــا يلــي: الأول: مــا قالــه جمهــور نحــاة البصــرة، الخليــل وســيبويه وأتباعهمــا، قالــوا: إنّ " الصابئــون " مرفــوع علــى أنــه "مبتــدأ" وخبــره محــذوف يــدلّ عليــه خبــر مــا قبلــه "إنّ الذيــن آمنــوا" قالــوا: والنيــة فيــه التأخيــر، أي تأخيــر "والصابئــون" إلــى مــا بعــد "والنصــارى". وتقديــر النظــم والمعنــى عندهــم: "إن الذيــن آمنــوا والذيــن هــادوا والنصــارى مــن آمــن منهــم باللــه واليــوم الآخــر فــلا خــوف عليهــم ولا هــم يحزنــون والصابئــون كذلــك". ومن شواهد هذا الحذف عند العرب قول الشاعر: نحن بما عندنا وأنت بما...عندك راض والرأي مختلف

عدد الصفحات ١٢٤

125 فقــد حــذف الخبــر مــن المبتــدأ الأول، وتقديــره "راضــون لدلالــة الثانــي عليــه "راض". والمعنــى: نحــن بمــا عندنــا راضــون، وأنــت بمــا عنــدك راض. وقول الآخر: ومن يك أمسى بالمدينة رحله... فإني وقيَّار بها لغريب والتقدير: فإني لغريب وقيار كذلك. وقول الشاعر: وإلا فاعلموا أنَّا وأنتم.....بغاة ما بقينا في شقاق الشــاعر يصــف الفريقيــن أنهــم "بغــاة " إنْ اســتمرّوا فــي الشــقاق، والتقديــر: اعلموا أنّا بغاة وأنتم كذلك. وهكــذا ورد فــي الاســتعمال اللغــوي عنــد العــرب، أنّ الجملــة الاســمية المؤكــدة بـــ "إنّ" يجــوز أن يذكــر فيهــا مبتــدأ آخــر غيــر اســم "إنّ" وأنْ يذكــر خبــر واحــد يكــون لاســم "إنّ" ويحــذف خبــر المبتــدأ الثانــي لدلالــة خبــر اســم "إنّ" عليــه، أو يحــذف خبــر اســم "إنّ" ويكــون الخبــر المذكــور للمبتــدأ

عدد الصفحات ١٢٥

126 الثانــي دليــلاً علــى خبــر اســم "إنّ" المحــذوف ونظــم الآيــة التــي كانــت منشــأ الشــبهة عندهــم لا يخــرج عــن هــذه الأســاليب الفصيحــة، التــي عرفناهــا فــي الأبيــات الشــعرية الثلاثــة، وهــي لشــعراء فصحــاء يستشــهد بكلامهــم. الثانــي: أنّ "إنّ" فــي قولــه تعالــى: "إنّ الذيــن آمنــوا" ليســت هــي "إنَّ" الناســخة، التــي تنصــب المبتــدأ وترفــع الخبــر، بــل هــي بمعنــى: نعــم، يعنــي حــرف جــواب، فــلا تعمــل فــي الجملــة الاســمية لا نصبًــا، ولا رفعًــا، وعلــى هــذا فالــذي بعدهــا مرفــوع المحــل، لأنّ "الذيــن" اســم موصــول، وهــو مبنــي فــي محــل رفــع، وكذلــك "الصابئــون" فإنــه مرفــوع لفظًــا، وعلامــة رفعــه "الــواو" لأنــه جمــع مذكــر ســالم، مفــرده "صابــئ " وقد استعملها العرب كذلك. قال قيس بن الرقيات: برز الغواني من الشباب... يلمنني، وألومهنَّهْ ويقلن شيبٌ قد علاك... وقد كبرتَ، فقلت إنَّهْ أي فقلت: نعم. وعلــى هــذا فإن كلاّ من "الذين" و "الصابئون" و"النصارى"، أســماء مرفوعــة إمــا محــلاً، وهمــا: "الذيــن" فهــي مبنيــة فــي محــل رفــع، والنصــارى مرفوعــة بضمــة مقــدرة لأنهــا اســم

عدد الصفحات ١٢٦

127 مقصــور لا تظهــر علــى آخــره حــركات الإعــراب، وإمــا لفظًــا مثــل: "الصابئــون" فهــي مرفوعــة لفظًــا بــواو الجماعة. وعليــه كمــا كان فــي المذهــب الأول فــلا خطــأ فــي الآيــة كمــا زعــم خصــوم القــرآن. أمــا المفســرون فقــد اختــار الزمخشــري منهــم المذهــب الأول المعــزو إلــى جمهــور علمــاء البصــرة، ومــن شــيوخهم الخليل وســيبويه، فقال: " والصابئــون" رفــع علــى الابتــداء، وخبــره محــذوف والنيــة بــه التأخيــر عمــا فــي حيــز إن مــن اســمها وخبرهــا كأنــه قيــل: " إن الذيــن آمنــوا والذيــن هــادوا والنصــارى حكمهــم كــذا، والصابئــون كذلــك" وقال الإمام الشوكاني: " والصابئــون" مرتفــع علــى الابتــداء، وخبــره محــذوف والتقديــر: إنّ الذيــن آمنــوا والذيــن هــادوا مــن آمــن منهــم باللــه واليــوم الآخــر وعمــل صالحًــا فــلا خــوف عليهــم ولا هــم يحزنــون والصابئــون والنصــارى كذلــك.

عدد الصفحات ١٢٧

128 وقــد ألمــح الإمــام الشــوكاني إلــى إضافــة جديــدة خالــف بهــا كلاً مــن الخليــل وســيبويه والزمخشــري، لأن هــؤلاء جعلــوا "الصابئــون" مقدمًــا مــن تأخيــر كمــا تقــدم، أمــا هــو فجعلــه قــارًّا فــي موضعــه غيــر مقــدم مــن تأخيــر بدليــل قولــه: " والصابئــون والنصــارى كذلــك" وهــذه إضافــة حســنة ومقبولــة. وعليــه يمكــن جَعْــل "النصــارى" مرفوعــة عطفــاً علــى "الصابئــون" ولا حاجــة إلــى جعلهــا منصوبــة عطفًــا علــى "إن الذيــن آمنــوا"، والواقــع أن هــذا المذهــب علــى جملتــه الــذي ذهــب إليــه جمهــور علمــاء البصــرة، وتابعهــم فيــه الإمــام الشــوكاني هــو أقــوى مــا أورده النحــاة فــي توجيــه رفــع "الصابئــون" فــي هــذه الآيــة الكريمــة. أمــا بقيــة الآراء، فهــي دون ذلــك بكثيــر. هــذا هــو توجيــه رفــع "الصابئــون" عنــد جمهــور النحــاة والمفســرين، أمــا توجيهــه بلاغــة فهــو مــا يأتــي: إن مخالفــة إعــراب "الصابئــون" عمّــا قبلهــا ســواء كانــت مقدمــة مــن تأخيــر علــى رأي الجمهــور أو غيــر مقدمــة علــى رأي الإمــام الشــوكاني وآخريــن. وعمــا بعدهــا إن قدرنــا "والنصــارى" معطوفًــا علــى "إنّ الذيــن آمنــوا والذيــن هــادوا، بــأنّ هــذه المخالفــة لمحــة بلاغيــة رائعــة، تشــير إلــى وجــود فــرق كبيــر بيــن هــذه الطوائــف

عدد الصفحات ١٢٨

129 الأربــع الذين آمنوا. الذين هادوا النصارى. الصابئون. فالطوائــف الثــلاث الأولــى يربــط بينهــا رابــط قــوي هــو أن كل طائفــة منهــا لهــا كتــاب ورســول مــن عنــد اللــه عــز وجل. فالذيــن آمنــوا لهــم كتــاب هــو القــرآن، ورســول هــو محمــد صلــى اللــه عليــه وســلم. والذيــن هــادوا لهــم كتــاب هــو التــوراة، ولهــم رســول هــو موســى عليــه الســلام. والنصــارى لهــم كتــاب هــو الإنجيــل، ولهــم رســول هــو عيســى عليــه الســلام. أمــا الصابئــون، فليــس لهــم كتــاب ولا رســول، وهــم علــى ضــلال مطبــق لا ذرة مــن هدايــة فيــه. والمقــام الــذي تتحــدث عنــه الآيــة هــو فتــح بــاب القبــول عنــد اللــه لــكل مــن آمــن إيمانًــا صحيحًــا صادقًــا وداوم علــى عمــل الصالحــات. فالإيمــان يمحــو مــا قبلــه ولا ينظــر اللــه

عدد الصفحات ١٢٩

130 إلــى ماضيهــم الــذي كانــوا عليــه مــن كفــر ومعــاصٍ، والآيــة بــدأت بالذيــن آمنــوا ليســتمروا علــى إيمانهــم الــذي هــم فيــه، ويلتزمــوا بعمــل الصالحــات واللــه ســيجزيهم خيــر الجــزاء علــى إيمانهــم المســتمر، وصلاحهــم الدائــم. ثــم ثنّــت بالذيــن هــادوا، يعنــى: اليهــود، وهــم كانــوا في عصر نــزول القــرآن قــد غالــوا فــي دينهــم، وحــادوا عــن الحــق، وغيَّــروا وبدَّلــوا فيمــا أنزلــه اللــه علــى أنبيائهــم فوعدهــم اللــه إذا آمنــوا إيمانًــا صحيحًــا صادقًــا، وتابــوا إلــى اللــه مــن كل مــا ابتدعــوه فــي عقائدهــم واتبعــوا مــا أنــزل اللــه علــى خاتــم رســله، بأنهــم ســيكونون فــي أمــنٍ مــن عــذاب اللــه، لا خــوف عليهــم ولا هــم يحزنــون. وكذلــك النصــارى حيــث جعلــوا للــه صاحبــة وولــدا وغالــوا كثيــرًا فــي دينهــم، إذا آمنــوا إيمانًــا صحيحًــا صادقًــا، وبرئــوا مــن عقائدهــم التــي ابتدعوهــا، وأصلحــوا شــأنهم، وآمنــوا بمــا أنزلــه اللــه علــى خاتــم رســله، ولزمــوا العمــل الصالــح، كان ســعيهم عنــد اللــه مشــكورًا، ووقاهــم اللــه عــز وجــل مــن الخــوف والحــزن يــوم يقــوم النــاس لــرب العالميــن. ثــم زاد اللــه فــي ترغيــب هــذه الفــرق الثــلاث فيمــا عنــده بــأن يجعــل هــذا الفضــل للصابئيــن الذيــن خرجــوا عــن جميــع الرســالات الســماوية، وإذا كان اللــه يقبــل منهــم إيمانهــم إذا

عدد الصفحات ١٣٠

131 آمنــوا، ويثيبهــم علــى عمــل الصالحــات. فــإن الذيــن آمنــوا واليهــود والنصــارى أولــى بالقبــول عنــد اللــه، إذا آمنــوا وعملــوا الصالحــات. ومــن أجــل هــذا خولــف إعــراب و "الصابئــون" ليلفــت الأذهــان عنــد قــراءة هــذه الآيــة أو ســماعها إلــى الوقــوف أمــام هــذه المخالفــة، وليتســاءل القــارئ أو الســامع مــا ســبب هــذه المخالفــة، ثــم يقــوده هــذا التســاؤل إلــى الحصــول علــى هــذا المعنــى الــذي تقــدم. فهــذه المخالفــة أشــبه مــا تكــون بالنبــر الصوتــي فــي بعــض الكلمــات، التــي يــراد لفــت الأنظــار إليهــا عنــد الســامعين، قالــوا: والــواو فــي "والصابئــون" ليســت لعطــف المفــردات علــى نظائرهــا، وإنمــا هــي لعطــف "الجُمــل" و"الــواو" التــي تعطــف جملــة علــى أخــرى لا تعمــل فــي مفــردات الجملــة المعطوفــة، لا رفعًــا ولا نصبًــا ولا جــرًا. بــل تربــط بيــن الجملتيــن المعطوفــة والمعطــوف عليهــا فــي المعنــى دون الحــركات الإعرابيــة. ولهــذه الآيــة نظائــر فــي مخالفــة إعرابهــا لمــا قبلهــا اتخــذ منهــا خصــوم القــرآن منشــأ لشــبهات مماثلــة وســيأتي الحديــث عنهــا كلاّ فــي موضعــه إذا شــاء اللــه تعالــى.

عدد الصفحات ١٣١

132 والخلاصة إنّ هذه الآية: إِنَّ ٱلَّذِينَ ءَامَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلنَّصَٰرَىٰ وَٱلصَّٰبِـِٔينَ مَنۡ ءَامَنَ ﴿ ﴾بِٱللَِّ وَٱلۡيَوۡمِ ٱلۡأٓخِرِ 62 سُورَةُ البَقَرَةِ (تخلــو مــن أيّ خطــأ نحــوي أو غيــر نحــوي. بــل هــي فــي غايــة الصحــة والإعجــاز، وقــد بيّنــا وجــوه صحتهــا، والمعانــي البيانيــة التــي ألمــح إليهــا رفــع "الصابئــون" وهــؤلاء الذيــن يلحــدون فــي آيــات اللــه لا درايــة لهــم بالنحــو ولا بالصــرف ولا بالبلاغــة، وليســوا هــم طــلاب حــق، ولا باحثيــن عنــه، والــذي ســيطر علــى كل تفكيرهــم هــو البحــث "عــن العــورات" فــي كتــاب لا عــورات فيــه بــل هــو أنقــى وأبلــغ وأفصــح وأصــح، وأصــدق بيــان فــي الكــون كلــه، ولا يأتوننــا بمثــل إلا جئناهــم بالحــق ومــا هــم بســابقين. الذيــن هــادوا ليســت معطوفــة علــى اســم إنّ فــي قولــه "إن الذيــن آمنــوا" وإنمــا معطوفــة علــى الجملــة وهــو أســلوب عربــي لا تنكــره العــرب، والقــرآن هــو الحكــم علــى اللغــة.

عدد الصفحات ١٣٢

133 يقول ابن عاشور " فممّــا يجــب أن يُوقــن بــه أنّ هــذا اللّفــظ كذلــك نــزل، وكذلــك تلقّــاه المســلمون منــه ﷺوكذلــك نطــق بــه النّبــي وقــرؤوه، وكُتــب فــي المصاحــف، وهــم عَــرب خلّــص، فــكان لنــا أصــلاً نتعــرّف منــه أســلوبًا مــن أســاليب اســتعمال العــرب فــي العطــف وإن كان اســتعمالاً غيــر شــائع لكنّــه مــن الفصاحــة والإيجــاز بمــكان، وذلــك أنّ مــن الشــائع فــي الــكلام أنّــه إذا أتــي بــكلام موكّــد بحــرف (إنّ) وأتــي باســم إنّ وخبرهــا وأريــد أن يعطفــوا علــى اســمها معطوفًــا هــو غريب عــن ذلــك الحكــم جــيء بالمعطــوف الغريــب مرفوعًــا ليدلّــوا بذلــك علــى أنّهــم أرادوا عطــف الجمــل لا عطــف المفــردات، فيقــدّرَ الســامع خبــرًا يقــدّره بحســب ســياق الــكلام ومــن ذلــك قولــه فــي (أنّ اللــه بــريء مــن المشــركين ورســولُه) التوبــة: ، أي ورســوله كذلــك، فــإنّ براءتــه منهــم فــي حــال كونــه 3 مــن ذي نســبهم وصهرهــم أمــر كالغريــب ليظهــر منــه أنّ آصــرة الدّيــن أعظــم مــن جميــع تلــك الأواصــر، وكذلــك هــذا المعطــوف هنــا لمّــا كان الصابــون أبعــد عــن الهــدى مــن اليهــود والنّصــارى فــي حــال الجاهليــة قبــل مجــيء الإســلام، لأنّهــم التزمــوا عبــادة الكواكــب، وكانــوا مــع ذلــك تحــقّ لهــم النّجــاة إن آمنــوا باللــه واليــوم الآخــر وعملــوا صالحًــا، كان الإتيــان بلفظهــم مرفوعًــا تنبيهًــا علــى ذلــك. لكــن كان الجــري

عدد الصفحات ١٣٣

134 علــى الغالــب يقتضــي أن لا يؤتــى بهــذا المعطــوف مرفوعًــا إلاّ بعــد أن تســتوفي (إنّ) خبرهــا، إنَّمــا كان الغالــب فــي كلام العــرب أن يؤتــى بالاســم المقصــود بــه هــذا الحكــم مؤخّــرًا، فأمّــا تقديمــه كمــا فــي هــذه الآيــة فقــد يتــراءى للنّاظــر أنّــه ينافــي المقصــد الّــذي لأجلــه خولــف حكــم إعرابــه، ولكــن هذا أيضًــا اســتعمال عزيــز، وهــو أن يجمــع بين مقتضيــي حالين، وهمــا للدّلالــة علــى غرابــة المُخبــر عنــه فــي هــذا الحكــم. والتّنبيــه علــى تعجيــل الإعــلام بهــذا الخبــر فــإنّ الصابئيــن يــكادون ييأســون مــن هــذا الحكــم أو ييــأس منهــم مــن يســمع الحكــم علــى المســلمين واليهــود. فنبّــه الــكلّ علــى أنّ عفــو اللــه عظيــم لا يضيــق عــن شــمولهم، فهــذا موجــب التّقديــم مــع الرّفــع، ولــو لــم يقــدّم مــا حصــل ذلــك الاعتبــار، كمــا أنّــه لــو لــم يرفــع لصــار معطوفــاً علــى اســم (إنّ) فلــم يكــن عطفــه عطــف جملــة. وقــد جــاء ذكــر الصابيــن فــي ســورة الحــجّ مقدّمًــا علــى النّصــارى ومنصوبًــا، فحصــل هنــاك مقتضــى حــال واحــدة وهــو المبــادرة بتعجيــل الإعــلام بشــمول فصــل القضــاء بينهــم وأنّهــم أمــام عــدل اللــه يســاوون غيرهــم. ثــمّ عقّــب ذلــك كلّــه بقولــه: وعمــل صالحًــا، وهــو المقصــود بالــذّات مــن ربــط الســلامة مــن الخــوف والحــزن، بــه، فهــو قيــد فــي المذكوريــن كلّهــم مــن المســلمين وغيرهــم، وأوّل الأعمــال الصّالحــة تصديــق الرّســول والإيمــان بالقــرآن، ثــم يأتــي امتثــال الأوامــر واجتنــاب المنهيــات".

عدد الصفحات ١٣٤

135 وهذا ورد في الاستعمال اللغوي عند العرب أن الجملــة الاســمية المؤكــدة بـــ "إنّ" يجــوز أن يذكــر فيهــا مبتــدأ آخــر غيــر اســم "إنّ" وأن يُذكــر خبــر واحــد يكــون لاســم "إنّ "ويُحــذف خبــر المبتــدأ الثانــي لدلالــة خبــر اســم "إنّ" عليــه. أو يحــذف خبــر اســم "إن" ويكــون الخبــر المذكــور للمبتــدأ الثانــي دليــلاً علــى خبــر اســم "إنّ" المحــذوف فالمبتــدأ الآخــر فــي الآيــة و الــذي هــو ليــس اســما لـــ "إن" هــو الصابئــون، فــكأنّ الآيــة تــودّ أن تتركــب (أو كان أصــل تركيبهــا كجملــة) علــى هــذا النحــو: إنّ الذيــن آمنــوا والذيــن هــادوا والنصــارى مــن آمــن منهــم باللــه واليــوم الآخــر فــلا خــوف عليهــم ولا هــم يحزنــون، والصابئــون كذلــك. فهنــا نجــد جملتيــن: جملــة بهــا اســم إنّ و خبرهــا و الأخــرى بمبتــدأ جديــد بــلا (إنّ) ونلاحــظ أنّ الجملــة انتهــت بعــد (لا يحزنــون) ثــم بــدأت بمبتــدأ جديــد وهــو (الصابئــون) وحُذف في الآية الكريمة خبرها (وهو كلمة: كذلك)

عدد الصفحات ١٣٥

136 وقال الإمام الشوكاني " والصابئــون" مرتفــع علــى الابتــداء (أي مرفــوع لأنــه مبتــدأ)، وخبــره محــذوف. والتقديــر: إنّ الذيــن آمنــوا والذيــن هــادوا مــن آمــن منهــم باللــه واليــوم الآخــر وعمــل صالحًــا فــلا خــوف عليهــم ولا هــم يحزنــون. والصابئون والنصارى كذلك... وقــد ألمــح الإمــام الشــوكانى إلــى إضافــة جديــدة خالــف بهــا كلا مــن الخليــل وســيبويه والزمخشــري، لأن هؤلاء جعلوا "الصابئون" مقدما من تأخير كما تقدم. أمــا هــو فجعلــه قــارًّا فــي موضعــه غيــر مقــدم مــن تأخيــر بدليــل قولــه: " والصابئون والنصارى كذلك." وهذه إضافة حسنة ومقبولة. وعليــه يمكــن جَعْــل "النصــارى" مرفوعــة عطفــاً علــى "الصابئــون " ولا حاجــة إلــى جعلهــا منصوبــة عطفــاً علــى "إنّ الذيــن آمنــوا"

عدد الصفحات ١٣٦

137 والواقــع أنّ هــذا المذهــب، علــى جملتــه، الــذي ذهــب إليــه جمهــور علمــاء البصــرة، وتابعهــم فيــه الإمــام الشــوكاني هــو أقــوى مــا أورده النحــاة فــي توجيــه رفــع "الصابئــون" فــي هــذه الآيــة الكريمــة". (انتهت الاقتباسات).

عدد الصفحات ١٣٧