156 وفــلان ثقــة ثبــت لأن ابــن معيــن شــهد لــه بذلــك، وعــلان كــذاب متــروك لأن يحــي القطــان اتهمــه... دون الإرتقــاء بالبحــث والتفكيــر إلــى نظــرة أعمــق، إذ أن المنهــج المعتمــد فــي قبــول الخبــر مــن عدمــه، لا يختلــف فــي جوهــره عــن منهــج المؤرخيــن القدمــاء وكتــاب الســير والملاحــم، ورواة الأســاطير والإســرائيليات التــي تمتلــئ بالمبالغــات والخرافات التــي تعــوّد أن يقتــات منهــا الوعــاظ والقصاصــون. إنّ موقــف الشــك لا يتنــاول صــدق الرواة أوســهوهم وحســب، وإنمــا المحدثيــن والمصنفيــن أيضًا... والســؤال، كيف الســبيل إلــى معرفــة الصحيــح مــن الضعيــف إذا كان المنهــج المتبــع هــو توثيــق رجــل لرجــل حســب هــواه وقناعاتــه الذاتيــة. أهكــذا تؤخــذ الأحــكام والعقائــد التــي تقضــي فــي مصائــر النــاس الدنيويــة والأخرويــة؟ّ! كيــف نواجــه اليــوم، العالــم، بأحاديــث منســوبة لرَسُــولُ : مثــل حديــث "أُمِــرْتُ أَن أُقاتِــلَ النَّــاسَ حَتَّــى ﷺالرحمــة يَشْــهَدُوا أَن لا إِلــهَ إِلاَّ اللَّــه وأَنَّ مُحَمَّــدًا رَسُــولُ اللَّــهِ، ويُقِيمُــوا الصَّــلاةَ، وَيُؤْتُــوا الــزَّكاةَ، فَــإِذا فَعَلــوا ذلــكَ، عَصَمُــوا مِنِّــي دِمَاءَهُــمْ وأَمْوَالَهــم إلاّ بحَــقِّ الإِســلامِ، وحِســابُهُمْ عَلــى اللَّــه"؟! أو حديث "جُعل رِزْقي تحتَ ظِلِّ رُمحي"؟! أوحديث "من بدل دينه فاقتلوه"؟! أوحديث" نُصرت بالرعب مسيرة شهر"؟!
عدد الصفحات ١٥٦157 ألا تشــكل هــذه الأحاديــث مخالفــة لقول الله تعالــى في الآيات لَآ إِكۡرَاهَ فِي ٱلدِّينِۖ قَد تَّبَيَّنَ ٱلرُّشۡدُ مِنَ ٱلۡغَيِّۚ فَمَن يَكۡفُرۡ بِٱلطَّٰغُوتِ ﴿ وَيُؤۡمِنۢ بِٱللَِّ فَقَدِ ٱسۡتَمۡسَكَ بِٱلۡعُرۡوَةِ ٱلۡوُثۡقَيٰ لَا ٱنفِصَامَ لَهَاۗ وَٱللَُّ ٢٥٦ سُورَةُ البَقَرَةِ ﴾سَمِيعٌ عَلِيمٌ نتَ َ فَأ َ رۡضِ كُلُّهُمۡ جَمِيعًاۚ أ َ وَلَوۡ شَآءَ رَبُّكَ لَأٓمَنَ مَن فِي ٱلۡأ ﴿ :والآية ٩٩ سُورَةُ يُونُسَ ﴾ تُكۡرِهُ ٱلنَّاسَ حَتَّٰ يَكُونُواْ مُؤۡمِنِينَ ٱدۡعُ إِلَــيٰ سَــبِيلِ رَبِّــكَ بِٱلۡحِكۡمَــةِ وَٱلۡمَوۡعِظَةِ ٱلۡحَسَــنَةِۖ ﴿ :والآيــة عۡلَــمُ بِمَــن ضَلَّ َ حۡسَــنُۚ إِنَّ رَبَّــكَ هُــوَ أ َ وَجَٰدِلۡهُــم بِٱلَّتِــ هِـــىَ أ ١٢٥سُــورَةُ النَّحۡلِ ﴾عۡلَــمُ بِٱلۡمُهۡتَدِيــنَ َ عَــن سَــبِيلِهِۦ وَهُــوَ أ وَلَا تَسۡــتَوِي ٱلۡحَسَــنَةُ وَلَا ٱلسَّــيِّئَةُۚ ٱدۡفَــعۡ بِٱلَّتِــ هِــيَ ﴿ :والآيــة ﴾نَّــهُۥ وَلِــيٌّ حَمِيمٞ َ حۡسَــنُ فَــإِذَا ٱلَّــذِي بَيۡنَــكَ وَبَيۡنَــهُۥ عَــدَٰوَةٞ كَأ َ أ )34 (سُورَةُ فُصِّلَتۡ فَبِمَــا رَحۡمَــةٖ مِّــنَ ٱللَِّ لِنــتَ لَهُــمۡۖ وَلَــوۡ كُنــتَ فَظًّــا ﴿ :والآيــة 159 سُــورَةُ آلِ عِمۡرَانَ ﴾ غَلِيــظَ ٱلۡقَلۡــبِ لَٱنفَضُّــواْ مِنۡ حَوۡلِكَۖ ﴾وَقُلِ ٱلۡحَقُّ مِن رَّبِّكُمۡۖ فَمَن شَآءَ فَلۡيُؤۡمِن وَمَن شَآءَ فَلۡيَكۡفُرۡۚ ﴿ 29 سُورَةُ الكَهۡفِ
عدد الصفحات ١٥٧158 وبعد، كيــف يقيــم اللــه ســبحانه، الحجة علــى الناس بأخبــار وأحاديث لا تتمتــع بأدنــى مصداقيــة يقينيــة- بمعارضتهــا للنصــوص القرآنيــة - لمجــرد أن البخــاري أو مســلمًا أو غيرهمــا، ممــن صنفــوا فــي الحديــث، وثّقــوا رواة هــذه الأحاديــث...؟! والأنكــى مــن ذلــك أنهــم لــم يُعملــوا مبضــع جرحهــم وتعديلهــم فــي الصحابــة وتابعيهــم باعتبــار أنهــم منزهــون عــن الكــذب، فالقــرآن لــم ينــص علــى عدالــة أي صحابــي، بــل أقــرّ بــأن لا عصمــة لأحــد مــن النــاس مــن غيــر الأنبيــاء. ولذلــك يــروي لنــا القــرآن والســيرة والتاريــخ عــن مخالفــات كثيــرة للصحابــة... عــن خلافاتهــم وصراعاتهــم.
عدد الصفحات ١٥٨159 إن المقــام هنــا، يســتوجب التوقــف أمــام هــذه الأخبــار والروايــات التــي ازدحمــت بهــا مؤلفــات المســلمين وتأســس علــى ضوئهــا ديــن بعقائــده وشــعائره وحــدوده وشــرائعه ومفاهيمــه ويجــدر بنــا فــي هــذا الســياق تحديــدا القــول إن الســنة القطعيــة المتيقنــة وليــس روايــات (وقــال وقيــل) هــي مــا يجــب أن تحتــل مــن الديــن مكانتهــا إلــى جانــب القــرآن، وأن يكــون لهــا الحيــز الواســع فــي مــدار الشــريعة، لاعتقادنــا أنهــا جــاءت مفصلــة وشــارحة ومبينــة لمــا أجملــه القــرآن، ومعظــم الأحــكام الشــرعية، والطقــوس التعبديــة، والنظــم الحكميــة، والتوجيهــات الروحيــة والوعظيــة.
عدد الصفحات ١٥٩160 نشأة السنة إن الفتــرة التــي أمضاهــا الرســول منــذ بــدء دعوتــه حتــى وفاتــه، والتــي لــم تتجــاوز الربــع قــرن شــكلت المرحلــة التعليميــة والتطبيقيــة الأســاس للســنة. وكان الحفــظ والاعتمــاد علــى الذاكــرة ديــدن العــرب قبــل وبعــد الإســلام إلا مــا اســتوجبته حــالات وأوضــاع بعينهــا، إذ لــم تكــن الكتابــة ولا أدواتهــا معتمــدة أو رائجــة إلا بقــدر مــا تســمح بــه ظــروف مجتمــع غلبــت عليــه البــداوة والجهــل بالكتابــة والقــراءة.
عدد الصفحات ١٦٠161 و مــن هنــا نســتطيع القــول إن الســنة نشــأت ملازمــة للقــرآن طيلــة أيــام وســنوات الدعــوة التــي بــدأت مــن مكة ثم انتشــرت فــي أنحــاء جزيــرة العــرب. وقــد هيــأ اللــه كل الأســباب لحفــظ دينــه و ســنة نبيــه المتمثلــة بالشــرح التفصيلــي و البيــان العملــي التطبيقــي لكتــاب اللــه عــز و جــل، مترافقــة بتوجيــه الرســول البعــوث مــن القــراء والحفظــة إلــى حيــث انتشــار الدعــوة، ليعلمــوا النــاس كتــاب اللــه ويفقهوهــم فــي الديــن، و بالتالــي كيفيــة إقامــة شــعائر الإســلام وأركانــه، منــذ مــا قبــل الهجــرة. حيــث كان مصعــب بــن عميــر أول ســفير للرســول إلــى المدينــة ليفقــه الأنصــار ويعلمهــم دينهــم، ويدعــو النــاس إلــى الإســلام ويهــيّء الظــروف ليــوم الهجــرة. واســتمرت هــذه البعــوث إلــى مــا بعــد الهجــرة وحتــى آخــر أيــام الرســول فقبــل حجــة الــوداع، بعــث أبــا موســى ومعــاذ بــن جبــل، إلــى اليمــن وقبلــه بعــث الرجيــع إلــى هذيــل فــي صفــر مــن الســنة الرابعــة مــن الهجــرة كمــا أرســل بعثــه إلــى أهــل نجــد حيــث أمّــر عليهــم المنــذر بــن عمــرو، مــن بنــى ســاعِدة. وقــد داوم الخلفــاء الراشــدون مــن بعــده علــى إرســال الحفــاظ والقــرّاء لتعليــم القــرآن. ولنــا أن نقــدّر أن هــذه البعــوث حملــت معهــا مــا كان ميســراً مــن كلام اللــه تعالــى ومــن ســنة الرســول {
عدد الصفحات ١٦١162 السُــنَةَ المُتَيَقَنْــة قطعيــة الثبــوت عــن رســولنا وســلم وعــدم تعارضهــا مــع أحكامــه، لأنهــا فــي أصلهــا مصــدر لبيــان مجمــل القــرآن، وبهــا تُشــرع الأحــكام وهــي التــي عُمِلّ بهــا منــذ زمــن الرســول واســتمرت الأمــة علــى العمــل بهــا إلــى اليــوم بــلا روايــات ولا أحاديــث ولا (قيــل و قــال)، ولا يتطــرق إليهــا الشــك أو الظــن لأنهــا تعبديــة للــه ولا تتعلــق بأحــكام فيهــا شــبهة منافــع أو مصالــح للديــن السياســي أو الاجتماعــي. ولــم يقــع الخــلاف فيهــا بيــن المســلمين، ولا علمائهــم، وبهــا اشــتهر واســتفاض عمل المســلمين إلــى اليوم، ومــا ســوى ذلــك ممــا جــاء فــي كتــب مــا يســمى الســنن، أو الصحــاح أو المســانيد أو المجاميــع، للروايــات والأحاديــث و(قيــل وقــال، وســمعت) وروايــات ليســت سُــنة وتبقــى مجرد أخبــار وآثــار ومرويــات وقــع الخــلاف فيهــا للســعي للكمــال والترغيــب والترهيــب، ولا ترتقــي لأن تشــرع بهــا أحــكام أو يبنــى عليهــا اعتقــاد.
عدد الصفحات ١٦٢163 لا شــك أن القــرآن هــو أصــل الديــن، وأصــل الســنة المتيقنــة ومناطهــا، والطعــن فيمــا ســواها مــن روايــات ليــس طعنــا، لا بالديــن ولا بالرســول، إنمــا هــو طعــن بالــرواة الذيــن هــم بشــر غيــر معصوميــن عــن الاشــتباه أوالنســيان أو الهــوى أوالانحيــاز إلــى السياســة والســلطان و التعصــب للمذاهــب والفِــرق، ومــا أكثرهــا، ناهيــك عــن انقطــاع الصلــة - بحكــم تقــادم الزمــن- بيــن الرســول ومــن روى عنــه الأخبــار والأحاديــث وانتشــار الوضــع والواضعيــن وصعوبــة التمييــز بيــن الســقيم والصحيــح بســبب إهمــال تدوينهــا لنحــو قرنيــن مــن الزمــان. وبعــد... فــإن عــرض بعض المســلمات التي اعتاد المســلمون أخذهــا مــن أفــواه رجــال الديــن علــى امتــداد التاريــخ الدينــي، دون مســاءلة أو تحقيــق أواســتقصاء، ودون عقــد المقارنــة العقليــة بيــن مــا قــرروه، ثــم بيــن مــا ينكــره عليهــم العقــل وتأبــاه مناهــج البحــث العلمــي، أقــول، يشــكل كل ذلــك منبعًــا غزيــرًا للســلفيين و رافــدًا أساســيًا لثقافــة الإقصــاء والتكفيــر واســتحلال الدمــاء والأعــراض والأمــوال.
عدد الصفحات ١٦٣164 أمثلة على دين الموتى إنّ الروايــات والأحاديــث والأقــوال الظنيــة، المســماة: ســنّة... والتــي قررنــا أنهــا مُحْتَملــة علــى أن الرســول- صلــى اللــه تعالــى عليــه وســلم- قَالَهــا، أو أنــه لــمْ يَقُلهــا، و اختلفــت أقــوال العلمــاء فــي قبولهــا وإثبــات الحكــم بنــاءًا عليهــا أو رَدهَــا، ســنعرضها وفــق التالــي: الغســل مــن الجنابــة هنــاك رواية (المــاء من المــاء) – أي إذا أنــزل المنــي وجــب الغســل بالمــاء- وروايــة عائشــة- رضــي اللــه تعالــى عنهــا- (إذا التقــى الخِتنــان) وجــب الغســل. روايات قطع الصلاة روي أنــه (يقطــع الصــلاة المرأة، والحمار، والكلب الأســود) قالــت عائشــة – رضــي اللــه تعالــى عنهــا –: (ســاويتمونا بالــكلاب والحميــر، كنــت أمــدّ رجلــيّ ورســول اللــه يصلــي، وإذا هــوى للســجود كففتهمــا) وروي: (أنــه علــى المصلــي أن يــرد المــار أمامــه وهــو يصلــي حتــى لــو قاتلــه) وغيــر ذلــك كثيــر.
عدد الصفحات ١٦٤165 بســبب هــذه الروايــات والأحاديــث، تجــد -أحيانًــا- أنّ للعالــم الفقيــه أو المحــدث أو المفســر أكثــر مــن رأي وقــول فــي حكــم المســألة الواحــدة، بــل حتــى أنــك تجــد عنــد عالــم واحــد أكثــر مــن روايــة وقــول فــي حكــم شــرعي واحــد، وهــذا نتيجــة عــدم صحــة إحــدى الروايــات عنــده، فيأتــي حكمــه مخالفًــا لروايــة أخــرى، لأن عنــده روايــة غيرهــا أصــحّ منهــا. وعالــم آخــر يحــاول الجمــع بيــن الروايــات: فيكــون لــه حكــم مخالــف لظاهــر الروايــات، وعالــم آخــر يرجــح روايــة علــى روايــة ويحكــم بإحــدى الروايــات لتقدمهــا مــن حيــث الزمــن وتأخــر الأخــرى، أو وجــد لــه روايــة أصــح، أو تغيــر فهمــه للروايــة والحديــث بســبب تغيــر الزمــان أو المــكان، كمذهــب الشــافعي القديــم، حيــن كان فــي العــراق ومذهبــه الجديــد لمــا رحــل إلى مصــر. بــل اختلفــت أقــوال وآراء بعــض تلاميــذ العلمــاء عــن أقــوال وآراء شــيوخهم، بســبب تصحيحهــم لروايــات لَــم يكــن يــرى شــيوخهم صحتهــا، كاختيــارات أبــي يوســف، ومحمــد بــن الحســن الشــيباني، وكــذا اختيــارات ابــن تيميــة وابــن القيم وغيرهمــا، مــن أتبــاع مذهــب ابــن حنبــل، وهكــذا هــي الحــال فــي كل المذاهــب. فالاختلافــات كثيــرة وكبيــرة، و لا تــكاد تخلــو منهــا مســألة مــن المســائل.
عدد الصفحات ١٦٥166 روايات متأرجحة مــن يأخــذ بروايــة أســماء يــرى جــواز كشــف الوجــه والكفيــن، ومــن يأخــذ بروايــة عائشــة يــرى حرمــة كشــف الوجــه، فمــن جمــع يفــرق بيــن الســفر والإقامــة، ومــن رجــح بالزمــن لتأخــر روايــة عائشــة وتقــدم روايــة أســماء. حتــى فــي الإحــرام، ومــن رجــح روايــة أســماء فــي أن هــذا كلام الرســول صلــى اللــه تعالــى عليــه وســلم، لهــا، أهمــل روايــة عائشــة واعتبــر هــذا فعــل منهــا. وذهــب كُلُّ صاحــب رأي لتأييــد رأيــه بروايــات أخــرى ظنيــة مثلهــا كلها، قيــل، وروى، وســمعت. بينمــا الثابــت يقينًــا وقطعًــا كلام اللــه تعالــى، الــذي ليــس فيــه تحريــم لكشــف الوجــه والكفيــن.
عدد الصفحات ١٦٦167 وكــذا مثــال ســجود الســهو فــي الصــلاة مــن ســهى وجــب عليــه ســجود الســهو، لأنــه تواتــر عنــه صلــى اللــه تعالــى عليــه وســلم ذلــك، فيســجد مــن ســهى قبــل أو بعــد الســلام، لكــن بســبب الروايــات قِيّــل: قبــل الســلام، وقيّــل: بعد الســلام، وقِّيــل: الســهو بنقــص قبــل الســلام، وقيّــل: الســهو بزيــادة بعــد الســلام، وقيِّــل: الســهو بنقــص قبــل الســلام، وقيِّــل: للجمع بين الروايــات والأحاديــث للنقــص والشــك بالنقــص قبــل الســلام، وللزيــادة والشــك بالزيــادة بعــد الســلام، إذًا المتواتــر وجــوب ســجود الســهو، لــو ســجد الســاهي فــي الصــلاة قبــل أو بعــد الســلام جــاز لــه، لأنــه أخــذ بالوجــوب. وهكــذا... دوامــة لا تنتهــي مــن الروايــات والأحاديــث والأقــوال المســماة ســنّة. ولــم تتفــق الأمــة أو غالبيتهــا علــى ثبوتهــا عــن رســول اللــه، بــل اختلفــت الأقــوال باختــلاف الروايــات والأحاديــث.
عدد الصفحات ١٦٧168 الآثار المحبطة لروايات الموتى لقــد تمــادى محبّــو اتبــاع الأمــوات وعيــش الحاضــر بعقليــة الماضــي وأســطورة فضــل الماضــي علــى الحاضــر و المســتقبل، وفضــل المــوت علــى الحيــاة رغــم أن رواياتهــم تقــول إن المـــتأخرين هــم أحبــاب رســول اللــه صلــى الله عليه وســلم والمتقدميــن أخــوة رســول اللــه، وإن عمــل الواحــد مــن المتأخريــن يفــوق عمــل خمســين مــن الصحابــة رضــوان اللــه عليهــم. لقــد وصــل الأمــر بمقدســي الروايــات إلــى القــول بقفــل بــاب الاجتهــاد، وأن الاجتهــاد فــي النــوازل والأحــداث والوقائــع يكــون، مــن خــلال آراء وأقــوال وفتــاوى القــرون الأولــى، حتــى القــرن الخامــس، ففــي أوائــل القــرن الســادس الهجــري ظهــرت الدعــوة إلــى غلــق بــاب الاجتهــاد، وصــار التعصــب للمذاهــب والطوائــف دينًــا وعقيــدة، وظهــر الإرهــاب الفكــري والتجريــم بالزندقــة والكفــر لمــن لا يتوافــق مــع المذهــب والطائفــة، واســتمر ذلــك حتــى يومنــا هــذا، قتــلا وتفجيــرا لأبريــاء بذريعــة تفســيق عامــة المســلمين.
عدد الصفحات ١٦٨169 وبلــغ التعصــب لمذاهــب الأئمــة إلــى حــدود منــع الخــروج عــن أقوالهــم وتأصيلاتهــم المدونــة فــي كتبهم وكتــب أتباعهم، وأطلقــوا تلــك الدعــوة (غلــق بــاب الاجتهــاد) حتــى يقطعــوا الطريــق أمــام مــن يجتهــد فــي فهــم النصــوص، ويســتنبط أحكامًــا تخالــف مــا قالــه الأئمــة الســابقون، وآراء وأفهــام مشــايخهم. يكفــي أن تســمع هــذه الأيــام خطــب الوعــاظ والمشــايخ أو النظــر فــي الأحــكام القضائيــة الصــادرة مــن المحاكــم الشــرعية، لتــرى أنهــا مســببة بقــول أو رأي لابــن تيميــة، أو ابــن القيــم، أو ابــن قدامــة، أو عبدالبــر، وصــار الجميــع عجــزة عــن النظــر فــي كلام اللــه تعالــى، والاســتنباط منــه تبعــا لأحــداث والمســتجدات فصــاروا ســجناء فهــم الأوليــن. أقصــد فــي ذلــك أحــكام التفريــق بيــن الــزوج والزوجــة- مثــلاً - لعــدم الكفــاءة فــي النســب، أو التشــدد فــي تطبيــق حــق الخلــع للمــرأة، وغيــر ذلــك الكثيــر كترويــج روايــات التحريــم والتفســيق المتناقضــة باللعــن للنســاء إن هــن تزيــن لأزواجهن – النامصــة والمتنمصــة والواشــمة – ولعــن الملائكــة لهــن إن هــن رفضــن الجمــاع مــع أزواجهــن، مــع احتمــال طلــب الســجود للــزوج إذا ســمح بــه الــزوج.
عدد الصفحات ١٦٩170 مــع أن الواجــب هــو النظــر والتدبــر لفهــم كلام اللــه تعالــى بحســب مــا فتــح علــى النــاس مــن فتــوح علميــة وتقنيــات ووســائل اتصــال، حيــث لــم يبــق مفهــوم التصويــر علــى مــا هــو عليــه، ولــم يبــق تشــبه الرجــال بالنســاء والنســاء بالرجــال علــى مــا هــو عليــه، ولا الموســيقى والغنــاء علــى مــا همــا عليــه وبمفاهيــم الزمــن الأول أو القــرون الأولــى، مــع العلــم أنــه لا يوجــد نــص مقطــوع بــه مــن كلام اللــه ولا مــن رســوله علــى تحريــم مــا حرمــه الأولــون ولا أتباعهــم مــن محبــي ومريــدي منهــج الأمــوات، لذلــك اختلفــوا فــي حرمــة التصويــر، والموســيقى، وإســبال الثيــاب لمــا دون الكعبيــن، وحرمــة حلــق اللحــى، والقــزع، وكشــف المــرأة وجههــا.
عدد الصفحات ١٧٠171 فَــكُل تحريــم أو حكــم مــن الأحــكام مختلــف فيــه، وكــذا كل ترغيــب أو ترهيــب، أو دعــوى خلافــة أو ثنــاء علــى بلــد كـــ (الشــام واليمــن)، أوعلــى حاكــم كـــ (فاتــح القســطنطينية)، أو علــى عــرق كـــ (العــرب والفــرس)، أو علــى قبيلة كـ (ســليم)، أو فئــة مــن النــاس، أو طائفــة، أو تفضيــل زمــن علــى زمــن، أو بشــر علــى بشــر، أو كفــاءة فــي النــكاح لغيــر الديــن، أو تمييــز، أو امتيــاز لأهــل ســلطة وســلطان كـــ (الأئمــة مــن قريــش)، أو كإقالــة الوجهــاء وأصحــاب الســلطة، عثراتهــم أو روايــات عــن الخلافــة، وأمثــال ذلــك مــن الروايــات والأحاديــث التــي لــم يســمعها إلا فــرد أو أفــراد مــن النــاس، ليســت مــن الســنة فــي شــيئ – ولا يبنــى عليهــا حكــم.
عدد الصفحات ١٧١