مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 38 ضوابط قبول الروايات عند اللّ غويين: دراسة مقارنة مع ضوابط القبول عند علماء الحديث د.قاسم الحاج امحمد قسم العلوم الإسلامية جامعة غرداية الملخّص تناول هذا البحث بالدراسة منهج علماء اللغة في قبول الراويات اللغوية، ومدى إسهام علماء السنّة النبوية في إرساء ذلك المنهج، حيث نجد تشابها كبيرا بين هؤلاء العلماء في أسس قبول الروايات مما يدلّ على وجود تأثّر وتأثير بين العلمين، وقد تناولت الموضوع من خلال العناصر الآتية : أهمّ ية الإسناد عند علماء اللغة، شروط الراوي اللغوي، صيغ السماع والأداء، أقسام الروايات، القواعد التي تشترط لقبول الروايات اللغوية. وخلصت إلى بعٌ الملاحظات منها : تأثّر علماء اللغة بقواعد وصيغ الرواية الموجودة عند المح دّث ين، وقد ساعد ذلك على تنقية اللغة من الدخيل والخطأ مثلما حدث في السنّة النبوية، مع اختصاص الرواية اللغوية ببعٌ القواعد في القبول مثل الاعتماد على القياس للتحقق من صحّة الرواية، واشتراط فترة زمنية معيّ نة للاحتجاج في اللغة، وعدم قبول روايات غير العرب الفصحاء، وهذه الضوابط غير موجودة عند علماء الحديث، وذلك لاختلاف طبيعة البحث في الحديث وطبيعة البحث في اللغة. Summary This research examines curriculum linguists to accept no vels, and shows the role of scientists Sunnah in the rules that relied on them, where we find striking similarities between them, and I focused on the following elements: the importance of attribution when linguists, conditions narrator linguistic formulas listening and performance, sections novels. ﺍﻟﻌﻨﻮﺍﻥﺿﻮﺍﺑﻂ ﻗﺒﻮﻝ ﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺎﺕ ﻋﻨﺪ ﺍﻟﻠﻐﻮﻳﻴﻦ : ﺩﺭﺍﺳﺔ ﻣﻘﺎﺭﻧﺔ ﻣﻊ ﺿﻮﺍﺑﻂ ﺍﻟﻘﺒﻮﻝ ﻋﻨﺪ ﻋﻠﻤﺎﺀ ﺍﻟﺤﺪﻳﺚ ﺍﻟﻤﺼﺪﺭ:ﺩﺭﺍﺳﺎﺕ -ﺍﻟﺠﺰﺍﺋﺮ ﺍﻟﻤؤﻟﻒ ﺍﻟﺮﺋﻴﺴﻲ:ﺍﻣﺤﻤﺪ، ﻗﺎﺳﻢ ﺍﻟﺤﺎﺝ ﺍﻟﻤﺠﻠﺪ/ﺍﻟﻌﺪﺩ:ﻉ ﻣﺤﻜﻤﺔ:ﻧﻌﻢ ﺍﻟﺘﺎﺭﻳﺦ ﺍﻟﻤﻴﻼﺩﻱ:2013 ﺍﻟﺸﻬﺮﻣﺎﺭﺱ ﺍﻟﺼﻔﺤﺎﺕ:38 - 51 ﺭﻗﻢ700732 ﻧﻮﻉ ﺍﻟﻤﺤﺘﻮﻯﺑﺤﻮﺙ ﻭﻣﻘﺎﻻﺕ ﻗﻮﺍﻋﺪ ﺍﻟﻤﻌﻠﻮﻣﺎﺕ:EduSearch, IslamicInfo, AraBase, HumanIndex ﻣﻮﺍﺿﻴﻊﺍﻟﺮﻭﺍﻳﺔ ﺍﻟﻌﺮﺑﻴﺔ ﺭﺍﺑﻂ:http://search.mandumah.com/Record/700732 2016 © ﻫﺬﻩﺍﻟﻤﺎﺩﺓﻣﺘﺎﺣﺔﺑﻨﺎﺀﻋﻠﻰﺍﻹﺗﻔﺎﻕﺍﻟﻤﻮﻗﻊﻣﻊﺃﺻﺤﺎﺏﺣﻘﻮﻕﺍﻟﺸﺮ،ﻋﻠﻤﺎﺃﻥﺟﻤﻴﻊﺣﻘﻮﻕﺍﻟﻨﺸﺮﻣﺤﻔﻮﻇﺔ.ﻳﻤﻜﻨﻚﺗﺤﻤﻴﻞﺃﻭﻃﺒﺎﻋﺔﻫﺬﻩﺍﻟﻤﺎﺩﺓﻟﻼﺳﺘﺨﺪﺍﻡ ﺍﻟﺸﺨﺼﻲﻓﻘﻂ،ﻭﻳﻤﻨﻊﺍﻟﻨﺴﺦﺃﻭﺍﻟﺘﺤﻮﻳﻞﺃﻭﺍﻟﻨﺸﺮﻋﺒﺮﺃﻱﻭﺳﻴﻠﺔ)ﻣﺜﻞﻣﻮﺍﻗﻊﺍﻻﻧﺘﺮﻧﺖﺃﻭﺍﻟﺒﺮﻳﺪﺍﻻﻟﻜﺘﺮﻭﻧﻲ(ﺩﻭﻥﺗﺼﺮﻳﺢﺧﻄﻲﻣﻦﺃﺻﺤﺎﺏﺣﻘﻮﻕﺍﻟﻨﺸﺮﺃﻭﺩﺍﺭ ﺍﻟﻤﻨﻈﻮﻣﺔ.
عدد الصفحات ١مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 38 ضوابط قبول الروايات عند اللّ غويين: دراسة مقارنة مع ضوابط القبول عند علماء الحديث د.قاسم الحاج امحمد قسم العلوم الإسلامية جامعة غرداية الملخّص تناول هذا البحث بالدراسة منهج علماء اللغة في قبول الراويات اللغوية، ومدى إسهام علماء السنّة النبوية في إرساء ذلك المنهج، حيث نجد تشابها كبيرا بين هؤلاء العلماء في أسس قبول الروايات مما يدلّ على وجود تأثّر وتأثير بين العلمين، وقد تناولت الموضوع من خلال العناصر الآتية : أهمّ ية الإسناد عند علماء اللغة، شروط الراوي اللغوي، صيغ السماع والأداء، أقسام الروايات، القواعد التي تشترط لقبول الروايات اللغوية. وخلصت إلى بعٌ الملاحظات منها : تأثّر علماء اللغة بقواعد وصيغ الرواية الموجودة عند المح دّث ين، وقد ساعد ذلك على تنقية اللغة من الدخيل والخطأ مثلما حدث في السنّة النبوية، مع اختصاص الرواية اللغوية ببعٌ القواعد في القبول مثل الاعتماد على القياس للتحقق من صحّة الرواية، واشتراط فترة زمنية معيّ نة للاحتجاج في اللغة، وعدم قبول روايات غير العرب الفصحاء، وهذه الضوابط غير موجودة عند علماء الحديث، وذلك لاختلاف طبيعة البحث في الحديث وطبيعة البحث في اللغة. Summary This research examines curriculum linguists to accept no vels, and shows the role of scientists Sunnah in the rules that relied on them, where we find striking similarities between them, and I focused on the following elements: the importance of attribution when linguists, conditions narrator linguistic formulas listening and performance, sections novels.
عدد الصفحات ٢مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 39 مقدّمة : كان لعلماء الحديث الفضل على علماء العربيَّة ومختلف العلوم الأخرى؛ إذ عنهم أُخذت القواعد والأسس التي يُنطَلَق منها في تدوين كلّ علم، وإنّ نظرة متفحصة إلى علوم اللغة نحوا وبلاغة، ومراحل نشأتها، تبيِّن مدى الارتِباط بين العلمين، إذ تزامنت حركة التقعيد والتأليف في علوم اللغة مع حركة التصنيف والتدوين في علوم الحديث. ويدلّ التشابه بين بعٌ من مصطلحات المح دّث ين وعلماء اللغة على وجود تلك العلاقة، وذلك التأثير بدرجة كبيرة، مثل : الجرح والتعديل، السفه، الكذب، الغفلة، الشذوذ، التصحيف، التحريف، الغريب، المستدرك، المستخرج، السماع، الإجازة، وغيرها . أو عند الحديث على من تقبل روايته في اللغة أو تردّ ، أو عن تقسيمات الأخبار، أو عن طرق التحمل والأداء . حتّى قال ابن جني من علماء اللغة عن المح دّث ين: "وهم عِيارُ هذا الشأنِ وأساسُ هذا البنيان "1، أي في تلك المباحث والقواعد. وقال السيوطي بعده: "علم الحديث واللغة أَخوان يجريان من وادٍ واحد ".2 والذي ساهم في ذلك أنّ كثيرا من علماء اللغة قد جلسوا وتلقّ وا الحديث في مجالس المحدّث ين، فكان لا بدّ أن يتأثّر وا بمنهجهم ويأخذوا بقواعدهم، كابن فارس الذي روى عنه ياقوت الحموي قوله : "دخلت بغدا د طالباً للحديث؛ فحضرت مجلس بعٌ أصحاب الحديث...".3 وأحاول في هذا البحث بيان أثر الحديث في توثيق الراوي اللغوي، من خلال المقارنة بين ضوابط قبول الروايات وردها عند اللغويين، وضوابط القبول والرّدّ عند المح دّث ين، منطلقا من الإشكالات الآتية: ما مكانة الإسناد عند أهل اللغة؟، وما هي ضوابط قبول الروايات وردها عندهم؟، وفيم تلتقي وتختلف مع ضوابط القبول والردّ عند المحدّث ين؟، وهل فعلا تأثّر اللغويون في وضعهم لتلك القواعد بالمحدّث ين؟، أم هو اجتهاد منفصل وقائم بحدّ ذاته، ولو اتّ فق مع علوم الحديث في بعٌ المسائل؟. فالهدف من البحث بيان ضوابط اللغويين في قبول وردّ الأخبار، ومعرفة أوجه الاتفاق والاختلاف بينها وبين قواعد المحدّث ين، لمعرفة مدى إسهام علوم الحديث في خدمة علوم اللغة واللسان العربي عامة. ويعدّ ابن الأنباري (ت 755ﻫ) من أوّل من أشار إلى تلك القواعد عند اللغويين على ط ريقة أهل الحديث في كتابيه "الإغراب في جدل الإعراب"، و"لمع الأدلة في أصول النحو"، وبعده السيوطي في كتابه: "المزهر في علوم اللغة". 1- عثمان بن جني أبو الفتح،الخصائص، تحقيق: محمد علي النجار، الناشر: عالم الكتب، بيروت، دت: 1/111. 2- عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، المزهرّفيّعلومّاللغةّوآدابها ، تحقيق: فؤاد علي منصور، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، ط1،1889م: 2/219. 3- أنظرمقدمةّمعجمّمقاييسّاللغة، أحمد بن فارس، تحقيق: عبد السلام محمد هارون، الناشر: دار الفكر، بيروت، 1188-1878 :1/10.
عدد الصفحات ٣مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 40 وقسمت البحث وفق الخطة الآتية: المطلب الأول: أثر علوم الحديث في توثيق الراوي اللغوي. أولا: اهتمام اللغويين بالإسناد. ثانيا: شروط الراوي اللغوي. المطلب الثاني: أثر علوم الحديث في توثيق الروايات اللغوية. أولا: صيغ التحمل وطرق الأداء. ثانيا: أقسام الرواية عند اللغويين. ثالثا: شروط قبول الروايات اللغوية. خاتمة المطلب الأوّ ل: أثر علوم الحديث في توثيق الرّاوي اللغوي : أوّلا : اهتمام اللّغويين بالإسناد : أولى المحدّثون الإسناد أهمّية بالغة أثناء الحكم على الحديث صحّة وضعفا، فلم يعتدوا بما لم يرو بإسناد متصل إلى قائله، ومكنهم ذلك من التمييز بين الصحيح من سنّة رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، وبين الضعيف والموضوع منها، ولهم عبارات كثيرة تبين قيمة الإسناد في حفظ السنّة ، كما قال عبد الله بن المبارك: "إنّ الإسناد من الدين، ولولا الإسناد لقال من شاء ما شاء".1 وقد سار اللغويون على طريقة ادّث ين في الاهتمام بالإسناد وعدم الاحتجاج بما لم يأت مسندا متصلا بقائله، قال أبو حيان التوحيدي: "الإسناد زين الحديث وعلامة السنّة وسبب الرواية".2 وذكر ابن الأنباري أنّ اللغة تثبت بالنقل والقياس والاستصحاب، وبين أهمّية الإسناد وما يمكن أن يعترض به عليه في نقل اللغة وجوابه فقال: " فأمّا الاعتراض على الإسناد فمن وجهين: أحدهما: أن تطالبه بإثبات الإسناد، وقد ذهب قوم إلى أنّ ه ليس له أن يطالبه بإثبات الإسناد، وإنّ ما عليه أن يطعن فيه إن أمكنه، وهذا ليس بصحيح، لأنّه لو لم يكن له ذلك لأدى إلى أن يروي كلّ من أراد ما أراد، وهذا غاية الفساد. 1- الحسن بن عبد الرحمن الرامهرمزي، المحد ثّالفاصلّبينّالراويّوالواعي، تحقيق: محمد عجاج الخطيب، الناشر: دار الفكر، بيروت، ط1،1101 :ص 208. 2- علي بن محمد أبو حيان التوحيدي، البصائرّوالذخائر، نسخة المكتبة الألفية الشاملة، الإصدار الرابع، 1/77.
عدد الصفحات ٤مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 41 والجواب على اطالبة بالإسناد أن يسنده أو يحيله على كتاب معتمد عند أهل اللغة . والثاني أن يطعن في إسناده بأن يكون الراوي غير موثوق بروايته، والجواب أن يبين له طريقا آخر".1 وذكر أبو الفضل بن عبدان في شرائط الأحكام وتبعه الجيلي في الإعجازأنّ من شرائط لزوم الحجة بما ينقل في اللغة ثبوت ذلك عن العرب بسنَدٍ صحيح يوجب العمل .2 ومن مظاهر اهتمامهم بالإسناد ما يسمّ ى بكتب الأمالي ، وهي مجالس يروي فيها الشيخ بأسانيده أقوال العرب وأشعارهم ولغاتهم ثمّ يفسّ ر غريبها، ويورد من الفوائد المتعلّق ة بها بإسناد أو بدونه ما يختاره ويتيسر له، كأمالي اليزيدي والمرزوقي والقالي...إلخ. ثانيا: شروط الرّاوي ال لغوي: اشترط اللغويون في الرواة الذين يقبل الاحتجاج بأخبارهم ونقلهم جملة من الشروط هي: الشرط الأوّ ل: العدالة: ويعدّ هذا أهمّ شرط في الرواة حسب ما يوجد في نصوصهم، قال ابن فارس في فقه اللغة : "تؤخذ اللغة سَماَعاً من الرُّوَاة الثقات ذوي الصّدق والأمانة ويُتَّقَى المظنون ".3 وقال في موضع آخر: "فَلْيَتَحَرَّ آخذُ اللغة أهل الأمانة والصّدْق والثّقة والعَدالة ".4 وقال ابن الأنباري: "اعلم أنّ ه يُشْتَرط أن يكونَ ناقلُ اللغة عَدْلاً رَجلاً كان أو امرأة حرّاً كان أ و عبداً كما يُشْترط في نقل الحديث؛ لأ نّ بها معرفةَ تفسيره وتأويله، فاشْتُرطَ في نقلها ما اشتُرط في نقله، وإن لم تكن في الفضيلة من شكله".5 فالعدالة من خلال هذه النصوص تعني كون الراوي صادقً ا في قوله، أمينً ا في نقله، غير مرتكب للمعاصي الظاهرة، وهو معنى الفسق في كلام ابن الأنباري، حيث قال: "فإن كان ناقل اللغة فاسقاً لم يقبَل نقله ". وهذا هو مفهوم العدالة أيضا عند المحدّث ين، حيث قال ابن حجر في سياق تعريف الحديث الصحيح المتضمن لشرط العدالة: "وَخَبَرُ الْآحَادِ بِنَقْلِ عَدْلٍ تَامِّ الضَّبْطِ ، مُتَّصِلِ السَّنَدِ ، غَيْرِ مُعَلَّلٍ وَلَا شَاذٍّ : هُوَ الصَّحِيحُ لِذَاتِهِ، والمراد 1- عبد الرحمن كمال الدين بن محمد الأنباري، الإغرابّفيّجدلّالإعراب، تحقيق: سعيد الأقغاني، الناشر: مطبعة الجامعة السورية، 1177-1837م: 11-17. 2- أنظر: بدر الدين محمد بن بهادر الزركشي، البحرّالمحيط، تحقيق: محمد محمد تامر، الناشر: دار الكتب العلمية، بيروت، 1121-2000 :1/19. 3 - نقله عنه السيوطيالمزهر : 1/17. 4 - المصدر نفسه: 1/107. 5 - لمعّالأدلةّفيّأصولّالنحو، تحقيق: سعيد الأقغاني، الناشر: مطبعة الجامعة السورية، 1177-1837م: ص 39.
عدد الصفحات ٥مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 42 بالعدل من له ملكة تحمله على ملازمة التقوى والمروءة والمراد بالتقوى اجتناب الأعمال السيئة من شرك أو فسق أو بدعة"1. وبناءً على هذا الشرط ردّ اللغويون خبر المجهول، قال ابن الأنباري: "المجهولُ الذي لم يُعْرف ناقله نحوُ أن يقول أبو بكر بن الأنباري: حدّثني رجلٌ عن ابن الأعرابي غيرُ مقبول لأ نّ الجهلَ بالناقل يُوجب الجهلَ بالعَدالة، وذهب بعضُهم إلى قبوله وهو القائل بقبول المُرسَل . قال: لأنّه نَقْلٌ صدَر ممن لا يُتَّهم في نَقْله لأ نّ التهمة لو تطرَّ قت إلى نَقْله عن المجهول لتطرّقت إلى نَقْله عن المعروف، وهذا ليس بصحيح لأ نّ النقل عن المجهول لم يصرَّح فيه باسم الناقل فلم يمكن الوقوفُ على حقيقة حًاله بخلاف ما إذا صُرّح باسم الناقل، فَبان بهذا أنّ ه لا يلزم من قبول المعروف قبولُ المجهول"2. على أنّ البعٌ يشترطوا هذا الشرط، كون اللغة من حيث الجملة لا تعلّق لها بأمور الدين، وقاسوا ذلك على الطب، فهو علم مأخوذ عن الكفّار، والمسلمون يأخذون منهم دون شكّ في صدقهم و صحّة ما نقل عنهم، قال عز الدين بن عبد السلام في فتاويه: "اعْتُمد في العربية على أشعار العرب وهم كُ فّار لبُعْد التَّدليس فيها كما اعتُمد في الطبّ وهو في الأصل مأخوذ عن قوم كفّار لذلك "3. والراجح في نظري القول الأخير، نّ العصر الذي هو حجة في اللغة هو عهد العرب الجاهليين أكثر من غيره، فلو شرطنا هذا الشرط لسقط كثير من الشعر والنثر المحتج به في وضع قواعد اللغة والنحو. قال ابنُ هشام : "ولو صحَّ ما قاله لسقَطَ الاحتجاج بخمسين بيتاً من كتاب سيبويه ف إنّ فيه ألفَ بيت قد عُرف قائلوها وخمسين مجهولة القائلين". ويتفرّ ع عن هذا جواز النقل عن من يوصفون بالبدعة، فجائز النقل عنهم، ما لم يعرفوا باستحلال الكذب، يقول ابن الأنباري: "نَقْل أهل الأهواء مقبول في اللغة وغيرها، إلاَّ أنّ يكونوا ممن يتدينَّون بالكَذب كالخَطَّابيّة من الرَّافضَة وذلك لأ نّ المُبْتدع إذا لم تكن بدعتُه حاملةً له على الكّذب فالظاهرُ صدْقه "4. ويتّ فق اللغويون في هذا مع المحدّث ين، حيث يرى الجمهور منهم جواز النقل عن أهل البدع ممّ ن لا يستحلّ ون الكذب كمن نسب إلى الخوارج. وهذا -أي صنيع المح دّث ين- هو مستند أهل اللغة في موقفهم، قال ابن الأنباري : "والذي يدلّ على قبول نقلهم، أنّ الأمّ ة أجمعت على قبول صحيح مسلم والبخاري، وقد رويا فيهما عن قتادة، وكان قدريا، وعن عمران بن حطان، وكان خارجيا، وعن عبد الرزاق، وكان رافضيا، وفي العدول عن قبول نقلهم خرق للإجماع".1 1 - نخبةّالفكرّفيّمصطلحّأهلّالأثر: 1/01. 2 - المصدر نفسه: ص 80-81. 3 - عزّ الدين بن عبد السلام، كتابّالفتاوى، تحقيق: عبد الرحمن بن عبد الفتاح، الناشر : دار المعرفة، بيروت، ط 1،1101-1891م. 4 - لمعّالأدلة، ص 91.
عدد الصفحات ٦مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 43 وقال القَرَافي في شرح المحصول مبينا سبب عدم التشديد في هذا الجانب بالنسبة لرواة الأخبار المت علّق ة باللغة، إذ عزاه إلى عدم توفر دواعي الكذب في روايات اللغة بخلاف نصوص السنّة ذات القدسية الكبيرة عند الناس، حيث ينسب إليها البعٌ ما يريد من أقوال نصرة لمذهبه أو هواه. قال: "إنّ ما أهملوا ذلك لأنّ الدواعي متوفّرة على الكذب في الحديث لأسْبابه المعروفة الحاملة للواضعين على الوَضْع، و أمّا اللغةُ فالدَّواعي إلى الكذب عليها في غ اية الضّعْف وكذَلك كتبُ الفقه لا تكادُ تجد فروعاً موضوعة على الشافعي أو مالك أو غيرهما، وكذلك جَمَعَ الناس من ال سنّة موضوعاتٍ كثيرة وجَدُوها ولم يجدوا من اللغة وفروع الفقه مثل ذلك ولا قريباً منه ، ولما كان الكذبُ والخطأُ في اللغة وغيرها في غاية النّدرة اكْتَ فَى العلماءُ فيها بالاعتماد على الكتب المشهورة المُتَدَاولَة فَإنَّ شُهْرَتها وتداولها يَمْنَعُ من ذلك مع ضعف الداعية له فهذا هو الفرق "2. الشرط الثاني: أن يكون عربيً ا أصيلا: يشترط اللغويون أيضً ا في الراوي المحتجّ به أن يكون عربي اللسان في أصله، وليس من ا لمولّ دين، خشية اختلاط لسانه بغير الفصيح من كلام العرب، قال أبو الفضل بن عبدان في شروط من تقبل روايته: "أن يكون النقلُ عَمّن قولُه حجة في أصل اللغة كالعرب العاربة مثل قحطان ومعد وعدنان، فأمّا إذا نقلوا عمَّن بعدهم بعد فَسَاد لسانهم واختلاف المولّدين فلا "3. ونجد من أمثلة ما لم يحتجّ به لكونه من نقل المولدين قول ابن دريد: "فأمّا البَنْد الذي يُراد به علم الجيش، فليس بالعربي الصحيح، وقد استعمله المولّدون "4. وقال أيضً ا في مثال آخر : "قال أبو بكر : وليس في كلام العرب فاعولاء ممدوداً إلاّ عاشوراء، هكذا قال البصريون، وزعم ابن الأعرابي أنّ ه سمع خابوراء، أخبرني بذلك حامد بن طرفة عنه، ولم يجئ بهذا الحرف أصحابُنا، ولا أدري ما صحّته "5. علىأنّ الزركشي قد أشار إلى عدم اطّ راد صنيع أهل اللغة في هذا الشرط، حيث استدل البعٌ منهم بكلام غير العرب الأقحاح، قال: "ووقع في كلام الزمخش ري وغيره الاستشهادُ بشعْر أبي تمام بل في الإيضاح للفارسي ووجّه بأنَّ الاستشهاد بتقرير النّقَلة كلامَهم و أنّ ه لم يخرج عن قوانين العرب"6. 1 - المصدر نفسه: ص 97. 2- نقله عنه السيوطيالمزهر : 1/81. 3- نقله عنه الزركشي البحرّالمحيط: 1/19. 4- محمد بن الحسن بن دريد الأزدي، جمهرةّاللغة، نسخة المكتبة الشاملة، الإصدار الرابع: 1/110. 5- المصدر نفسه: 1/187. 6- البحر المحيط: 1/103.
عدد الصفحات ٧مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 44 على أنّ ابن جنّي قصر الاستشهاد بنقل المولدين وكلامهم في توجيه معاني الألفاظ لا الألفاظ ذاتها، قال : "يُسْتَشْهَدُ بشعر المولَّدين في المعاني كما يُستَشْهد بشعر العرب في الألفاظ "1. وهذا القيد خاصّ بأهل اللغة، ولم يشترطه المح دّث ون، واكتفى بعضهم كأبي حنيفة باشتراط فقه الراوي لما يرويه، ومعرفته بما يحيل المعنى، خاصّ ة إن بدا له اختصار الحديث أو روايته بالمعنى، قال الزركشي: "ولا يشترط البصر ولا العدد ولا العلم بالفقه أو الغريب أو معنى الحديث وشرط أبو حنيفة فقه الراوي إن خالف القياس"2. وقال ابن حجر: "ولا يجوز تعمد تغيير المتن بالنقص والمرادف إلاّ لعالم بما يحيل المعاني، ومن ثمّ فإن خفي المعنى احتيج إلى شرح الغريب وبيان المشكل".3 فما يرويه غير العربي الأصيل مقبول، إن كان عدلا ضابطا لروايته. المطلب الثاني: أثر علوم الحديث في توثيق الروايات اللغوية: اتبع اللغويون في توثيق الراويات اللغوية نفس منهج المح دّث ين من حيث صيغ التحمل وطرق الأداء، ومن حيث شروط القبول من حيث الإسناد خاصّ ة، وإن كانوا يختلفون عنهم في ضوابط قبول المتن، وفيما يلي بيان جانب من ذلك. أوّلا : صيغ التحمّ ل وطرق الأداء: صيغ تحمُّل الرواية وطرق أدائها عند اللغويين هي نفسها عند المح دّث ين، ولا تختلف عنها إلاّ في القليل النادر، فهي عند المحدِّثين ثمانية أنواع : السماع من الشيخ، و القراءة عليه، والإجازة، والمناولة، والإعلام، والوصية، والمكاتبة، والوِجادة، وهي عند اللغويِّين ستَّة أنواع : السماع من لفْظ الشَّيخ، أو العربي، أو الملقن، أو الرواة، والقِراءة على الشيخ، والسماع من الشيخ بقراءة غيره، والإجازة، والكتابة، والوجدان . فزاد المحدِّ ثون المناولة والإعلام والوصيَّة . على أنّ الأكثر استعمالا عند اللغويين من تلك الطرق السماع، ثم تليه الوجادة، بمعنى المرويات المكتوبة، وكلا الطريقين معتمد، ولو أنّ الوجادة لا ترقى من حيث الصحّة إلى درجة النقل بالسماع مباشرة، إلاّ أنّ ها صالحة للاحتجاج، وقد نقل ابن الأنباري الخلاف في المسألة بين اللغويين، فمنهم من يرى جوازها، لأنّ النبيّ كتب كُتُباً إلى الملوك، وأخبرت بها رسله، ونُزّل ذلك مَنْزلة قوله وخطابه، وكتب صحيفة الزكاة والدّيات، ثم صار الناسُ يُخْبرون بها عنه ولم يكن هذا إلاّ بطريق المناولة والإجازة، فدلَّ على جوازها . 1- نقله عنه السيوطيالمزهر : 1/19. 2 - النكت علىمقدمةّابنّالصلاح: 1/127. 3 - نخبةّالفكرّفيّمصطلحّأهلّالأثر: 1/210.
عدد الصفحات ٨مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 45 وذهب قومٌ إ أنّ ها غيرُ جائزة، لأ نّه يقول: أخبرني ولم يوجد ذلك، وهذا –كما قال ابن الأنباري - ليس بصحيح فإنّ ه يجوزُ لمَنْ كتب إليه إنسان كتاباً وذكر له فيه أشياء أن يقول أخبرني فلان في كتابه بكذا وكذا ولا يكون كاذباً فكذلك المرء ههنا .1 فنرى هنا أنّ أهل اللغة استجازوا الاحتجاج بما ورد إليهم بتلك الطرق اعتمادا وتقليدا لصنيع المحدّث ين الذين احتجوا ورووا في سننهم وصحاحهم أحيانا أحاديث لم تبلغهم إلاّ مناولة أو وجادة، وعمل بها الفقهاء، ونذكر هنا على سبيل المثال صحيفة همام بن منبه، وكتاب عمرو بن حزم في الصدقات، وصحيفة عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده، وقد احتج بها بعٌ المحدّث ين، وهكذا. على أنّ فيها ضوابط عند المحدّث ين اشترطت لقبولها، كما قال ابن حجر: "اشترطوا في صحّة المناولة اقترانها بالإذن بالرواية، وهي أرفع أنواع الإجازة. وكذا اشترطوا الإذن في الوجادة، والوصية بالكتاب، وفي الإعلام أن يعلم الشيخ أحد الطلبة ب أنّ ني أروي الكتاب الفلاني عن فلان، و إلاّ فلا عبرة بذلك كالإجازة العامة، وللمجهول وللمعدوم على الأصح في جميع ذلك".2 ثانيا: أقسام الرواية عند اللغويين. سار اللّغويون في تقسيمات الخبر من حيث عدد الروا ة على مذهب الأصوليين وبعٌ المحدّث ين المتأخرين من أهل المصطلح، فالروايات عندهم نوعان، متواترة، وآحاد، والآحاد منها مفيد للظن، وهذا بخلاف المحدّث ين المتقدمين الذين لم تشتهر عندهم تلك القسمة، ولم يفرق غالبهم في وجوب العمل بالحديث بين المتواتر والآحاد. على أنّ هذا التقسيم بالنسبة للروايات اللغوية نظري فقط، ولا أثر له في التطبيق العملي، إذ اللغة لا ترقى إلى درجة العقيدة من حيث الخطورة والأهمّية ، والتي تحتاج في إثباتها إلى الدليل القاطع غير القابل للشك، وذلك ما يفيده المتواتر، فيكفي لقبول الراوية اللغوية غلبة الظن بصحتها، ولو كان من طريق واحد، ولا يشترط مشاركة غيره له، طالما أنّ المقبول في اللغة غلبة الظن، لا اليقين، وهو يحصل بنقل الواحد فقط، قال ابن الأنباري: "ويقبل نقل العدل الواحد، ولا يشترط أن يوافقه في النقل غيره، لأنّ الموافقة لا تخلو إما أن تشترط لحصول العلم أو لغلبة الظن، بطل أن يقال: لحصول العلم، لأنّه لا يحصل العلم بنقل اثنين، فوجب أن يكون بغلبة الظن، وإذا كان لغلبة الظن، فقد حصل غلبة الظن بخبر الواحد من غير موافقة".3 1 - لمعّالأدلة: ص 82. 2 - نخبةّالفكرّفيّمصطلحّأهلّالأثر: 1/211. 3 - لمعّالأدلة: ص 93.
عدد الصفحات ٩مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 46 وإن كان قد خالف في الظاهر هذا المذهب حيث شرط في النقل الصالح للاستدلال أن يخرج ناقلوه من حدّ القلة إلى الكثرة، وهو المقصود بالمتواتر، قال: "فأمّا النقل -أي الصالح للاستدلال- فالكلام العربي الفصيح، المنقول النقل الصحيح، الخارج عن حدّ القلّة إلى الكثرة ".1 وقد نرى أثر هذا القول في توقف الكثير من أهل اللغة في ألفاظ رواها نقلة ثقات، لكن لم يقطعوابها لعدم شهرتها ولورودها من طريق واحد. ومن أمثلة ذلك قول ابن دريد: "وقال قوم من أهل اللغة: لا تُسمى جُثَّة إلاّ أن يكون قاعداً أو نائماً، ف أمّا القائم فلا يقال : جثته، إنّ ما يقال : قمته. وزعموا أنّ أبا الخطاب الأخفش كان يقول : لا أقول : جثة الرجل، إلاّ لشخصه على سَرْج أو رَحْل، ويكون معتمّاً . ولم يُسْمَع من غيره ".2 وقال في موضع آخر: "وفيها: ذُكر عن أبي الخطاب الأخفش أنّ ه قال: الخَفْخُوف : طائر. وما أدري ما صحَّته، ولم يذَكره أحدٌ من أصحابنا غيره ".3 وقال السيوطي: "وفي أمالي ثعلب قال أبو الحسن الطوسي: إنّ المشايخ كانوا يقولون: كل ما رأيتَه بعينك فهو عَوَج بالفتح، وما لم تر بعينك يقال فيه : عوَجٍ بالكسر، وحكي عن أبي عمرو أنّ ه قال في مصدر عَوج : عَوجاً بالفتح، ويقال في الدّين : عوَج، وفي العصا والحائط عَوَج، إلاّ أن تقول: عَوج عَوجاً، فحينئذ نفتح، ولم يقل هذا غيرُ أبي عمرو من علمائنا، وهو الّثقة ".4 علىأنّ لتعدّ د الرواة أثر في قضية الترجيح بين الروايات عند الاختلاف أو التعارض، إذ يترجح ما رواه الأكثر على ما رواه الأقل أو الواحد الفرد، قال ابن الأنباري: "أمّا الترجيح في النقل فيكون في شيئين: أحدهما الإسناد، والآخر المتن، فأمّا الترجيح في الإسناد فأن يكون أحد الناقلين أعلم من الآخر، أو تكون النقلة في أحدهما أكثر من الآخر".5 وهذان القيدان معتبران عند ادّث ين للترجيح بين الروايات، لكنها ليست قاعدة مطردة، بل لكلّ حديث حكم خاصّ وقرائن قد تتخلف معها تلك القاعدة العامة، فيقدمون أحيانا حديث الواحد على الجماعة، أو حديث الأقل ضبطا على من هو أقوى حفظا إنّ ثبت خطؤه مثلا في ذلك الحديث بعينه. 1 - لمعّالأدلة: ص 91 .الإغراب : ص 11. 2 - جمهرةّاللغة: 1/17. 3 - المصدر نفسه: 1/10. 4 - المزهرّفيّعلومّاللغة : 1/101. 5 - لمعّالأدلة: ص 111.
عدد الصفحات ١٠مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 47 قال ابن حجر: "ووجوه الترجيح كثيرة لا تنحصر ولا ضابط لها بالنسبة إلى جميع الأحاديث، بل كلّ حديث يقوم به ترجيح خاصّ ، وإنّ ما ينهٌ بذلك الممارس الفطن الذي أكثر من الطرق والروايات ولهذا لم يحكم المتقدمون في هذا المقام بحكم كلّ ي يشمل القاعدة بل يختلف نظرهم بحسب ما يقوم عندهم في كلّ حديث بمفرده، والله أعلم".1 ثالثا: شروط قبول الروايات اللغوية: يصنف اللغويون الروايات من حيث ال صحّة والضعف إلى قسمين رئيسين ، مقبولة، ومردودة، على طريقة الفقهاء، إذ أنّ للمحدّث ين عموما قسمة ثلاثية: صحيح، حسن، وضعيف. والمقبول من الروايات عند أهل اللغة ما استوفى جملة من الشروط في الإسناد والمتن، هي كالآتي: الشرط الأوّ ل: اتّ صال السند: يشترط لقبول الرواية من حيث الإسناد عدالة الراوي وضبطه، وقد تقدّ م الحديث عنهما في المطلب السابق، ويضاف إليهما شرط اتصال السند، من أوّ له إلى منتهاه، ولذلك لم يقبل اللغويون الأخبار المنقطعة، أو ما سمّ وه المرسل بإطلاق لغوي، إذ هو غير المرسل عند المحدّثين، وهو الذي يختصّ في الغالب عندهم بما يرويه التابعي عن رسول الله عليه السلام دون ذكر الصحابي، قال ابن الأنباري: "المُرْسل هو الذي انقطع سنَدُه، نحو أن يَرْويَ ابنُ دريد عن أبي زيد، وهو غيرُ مقبول، لأنّ العَدالة شرطٌ في قبول النَّقْل، وانقطاعُ سَنَد النَّقْل يوجب الجَهْل بالعَدَالة فإن من لم يُذْكَر لا يُعرف عدالته".2 ومن المواضع التي يظهر فيها هذا الموقف من الروايات المنقطعة قول ابنُ دُرَيد : "سمعت عبد الرحمن ابن أخي الأصمعي يقول: أرض جلْحظاء -الظاء معجمة والحاء غير معجمة- وهي الصُّلْبَة التي لا شَجَرَ بها، وخالفه أصحابُنا فقالوا : الجلْخطَاء بالخاء معجمة فسأل ته فقال: هذا رأيتُه في كتاب عمّي . قالْ ابنُ دريد : وأنا أَوْجَل من هذا الحَرْف وأخافُ ألا يكون سَمعه ".3 الشرط الثاني: أن يكون للرواية أصل من القرآن والسنّة الصحيحة: يشترط لقبول الراوية غير المشهورة خاصّ ة أن يكون لها أصل من القرآن الكريم، أو السنّة الصحيحة، فيما يعرف بغريب القرآن أو غريب ال سنّة ، إذ يعد القرآن وال سنّة مصدران محتج بهما في اللغة، ولو كان اللفظ نادر الاستعمال عند العرب، أو له أصل غير عربي. 1 - علي بن حجر العسقلاني،النكتّعلىّكت ابّابنّالصلاح، 2/712. 2 - لمعّالأدلة: ص 80. 3 - جمهرة اللغة : 2/189.
عدد الصفحات ١١مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 48 من ذلك إبدال حرف الهاء حاء في بعٌ الكلمات، حيث استدل ابن دريد على جوازه بوروده في الحديث، ولكن علّق الجواز على شرط صحته، قال: "ويقال: طَهَرَه وطَحَره، إذا أبعده، كما يقولون : مَدَهَه ومَدَحَه، وأشباه هذا كثير في قلب الهاء حاءً والحاء هاء . وذكروا أنّ النبيّ صلّى الله عليه وسلّم قال لعمّار : "وَيْهَكَ ابنَ سُمَيَّة "1، فإنّ كان هذا الحديث محفوظاً، فالحاء إذا قلبت هاءً من أفصح اللغات، وليس يلزم هذا في كلّ موضع إنّ ما يجب أن يؤخذ بالمسموع عن العرب . وقد سمّت العرب طاهراً ومطهِّراً وطهَيْراً ".2 علىأنّ عددا من معاني الألفاظ استدل لها بأحاديث لا أصل لها، ولذا وجب النظر في صحّة الحديث الوارد في معاجم اللغة قبل الاحتجاج به، ومن ذلك ما ورد في معنى كلمة: (طخاء)، قال ابن دريد: "ووجد فلانٌ على قلبه طَخاءً شديداً، إذا وجد كَرْباً . وفي الحديث: " من وجد على قلبه طَخاءً فليأكل السَّفَرْجَل ".3 وهذا الحديث لا أصل له، ولم يرد في كتب الحديث المعتبرة. الشرط الثالث: عدم الشذوذ: المقصود بعد م الشذوذ ألا يخالف الراوي من هو أحفظ منه أو أكثر عددا مخالفة لا يمكن معها الجمع بين الراويتين، وليست علة الرّدّ هي مجرّد التفرد، فما يرويه الثقة العارف بلغة العرب مقبول ولو تفرد بروايته -كما تقدم-، إلاّ أنّ مخالفته لمن هو مثله أو أعلم منه قرينة توحي بوجود خطأ فيما رواه، إذ يفترض ألا يخالف من هو أولى منه حفظا أو عددا، يقول السيوطي في تعريف الأفراد: "وهو ما انْفَرَدَ بروايته واحدٌ من أهل اللغة ولم ينقله أحدٌ غيره، وحكْمُه القبول إن كان المتفرّد به من أهل الضَّبْط والإتقان، كأبي زيد والخليل والأصمعي وأبي حاتم وأبي عبيدة وأضرابهم، وشرْطُه ألاَّ يخالفه فيه مَنْ هو أكثر عدداً منه ".4 ومن أمثلة ما ردّ لمخالفته المشهور عن أهل اللغة، قول ابن دريد : "وزعم قوم من أهل اللغة أنّ السُّوَر كرام الإبل، واحتجّوا فيه ببيت رجز لم أسمعه من أصحابنا ".5 ومن ذلك قوله: "والطَّوْقَة : أرض تستدير سهلةً بين أرَضِينَ غِلاظ، جاءت في بعٌ اللغات والشعر الجاهلي، ولم أسمعها من أصحابنا".1 1 - وجدت الحديث بلفظ : "ويحك"، أخرجه أحمد بسند صحيح في المسند من حديث عبد الله بن الحارث قال : إني لأسير مع معاوية في منصرفه من صفين بينه وبين عمرو بن العاص قال فقال عبد الله بن عمرو بن العاصي يا أبت ما سمعت رسول الله صلى الله عليه و سلم يقول لعمار ويحك يا بن سمية تقتلك الفئة الباغية قال فقال عمرو لمعاوية ألا تسمع ما يقول هذا فقال معاوية لا تزال تأتينا بهنة أنَن قتلناه إنَّا قتله الذين جاؤوا به ..2/111. 2 - جمهرة اللغة : 1/118. 3 - المصدر نفسه: 1/121. 4 - المزهرّفيّعلومّاللغة : 1/100. 5 - المصدر نفسه: 1/181.
عدد الصفحات ١٢مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 49 قد ادعَنْكَرَتْ بالسّوء والفُحْش والأذى ... أُسَيماؤك ادعنكارَ سيلٍ على عمرِو "هذا البيت لم يعرفه البصريون وزعم أبو عثمان أنّ ه سمعه ببغداد، ولا أدري ما صحّته ".2 ومن الأمثلة قوله : "والهَرْو لا أصل له في العربية إلاّ حرف واحد جاء به أبو مالك فقال : تقول العرب : هرَوْتُ اللحم أهروه هَرْواً، إذا أنضجته، وخالفه سائر أصحابنا وأهل اللغة فقالوا : هرأتُ اللحمَ وأهرأتُه أهْرَؤه هَرْءاً، إذا أنضجته، مهموز لا غير ".3 الشرط الثالث: موافقة الرواية للقياس ولأبنية العرب: يستعمل اللغويون القياس أو أبنية العرب لمعرفة صحّة المرويات غير المشتهرة أو ما لم يتصل منها بنقل صحيح. وقال ابن جني: "لم نقطع على الفصيح يُسْمَع منه ما يخالفُ الجمهور بالخطأ ما دام القياسُ يَعْضُده فإن لم يَعْضُده كرَ فْع المفعول والمضاف إليه وجرّ الفاعل أو نصبه فينبغي أن يردّ لأ نّه جاء مُخالفاً للقياس والسماع جميعاً ".4 ولذلك أمثلة كثيرة، ويعبر على هذه الحالة بعبارات مختلفة منها: لا يوافق أبنية العرب : ومثال ذلك قول ابن دريد في لفظ (عتص): "والعَتَص فعله ممات، وهو -زعموا- كالاعتياص، وليس بثَبْت؛ لأ نّ بناءه بناء لا يوافق أبنية العرب".5 ليس بالمأخوذ به: مثاله قول ابن دريد: "والكَهاة : الناقة الواسعة جلد الأخلاف؛ ناقة كَهاة، لا جمع لها من لفظها، وقال بعٌ أهل اللغة: كَهَوات، وليس بالمأخوذ به . قال طرفة: فمرّت كَهاةٌ ذاتُ خَيْفٍ جُلالةٌ عقيلةُ شيخٍ كالوَبيل يَلَنْدَدِ ".6 ليس يثبت: مثال ذلك قول ابن دريد: "وجَعْثَق : اسم، وليس بثَبْت لأ نّ الجيم والقاف لم يجتمعا في كلمة إلاّ في خمس كلمات أو ستّ ".7 1 - المصدر نفسه: 2/18. 2 - المصدر نفسه: 2/181. 3 - المصدر نفسه: 1/130. 4 - الخصائص: 1/197. 5 - جمهرةّاللغة: 1/180. 6 - المصدر نفسه: 2/31. 7 - المصدر نفسه: 2/119.
عدد الصفحات ١٣مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 50 ليس له نظير في الكلام: مثاله قول ابن دريد: "وأمّا فَعْلِل فلم يجئ إلاّ نَرْجِس، وه و فارسيّ معرَّب . وقد ذكره النحويون في الأبنية وليس له نظير في الكلام. فإن جاءك بناء على فَعْلِل في شعر قديم فاردده ف إنّ ه مصنوع، وإن بنى مولَّد هذا البناء واستعمله في شعر أو كلام فالردُّ أوْلى به ".1 ليس بعربي صحيح: مثاله قول ابن دريد: "والجَزير : لغة يتكلم بها عرب السَّواد، يقولون : هذا جَزير القرية، أي قيّمها، وليس بعربي صحيح ".2 ليس باللغة العالية: مثاله قول ابن دريد: "ويقال: رجل نَفّاج، إذا كان كذّاباً، وليس باللغة العالية ".3 ليس بعربي محٌ: مثاله قول ابن دريد: "وقولهم: رجل ماجن كأنّ ه أَخذ من غلَظ الوجه وقلّة الحياء، وليس بعربيّ محٌ ".4 ليس هذا بشيء: مثاله قول ابن دريد: "وذهب قوم إلى حَنَك الغُراب، يريدون لَحْيَيْه ومِنقاره وليس هذا بشيء. قال أبو حاتم: قلت لأمّ الهيثم : كيف تقولين أشدّ سواداً من ماذا؟ . قالت: من حَلَك الغراب . قلت: أتقولينها من حَنَك الغراب؟ . فقالت: لا أقولها أبداً . ".5 الشرط الرابع: عدم مخالفة الرواية للواقع: يعتمد علماء اللغة أحيانا على الواقع التاريخي للتحقق من صحّة بعٌ الألفاظ لاسيما عند اختلاف الروايات، ومن ذلك ترجيح ابن دريد لعبارة "جفينة" في إحدى الأبيات مقابل عبارة "جهينة" مع أنّ هذه الأخيرة هي الأشهر على الألسنة، وذلك لمخالفتها للواقع التاريخي، قال: "وقد سمّت العرب غُصْناً وغُصَيْناً . وأحسب أنّ بني غُصَيْن بطن منهم . ويُروى هذا البيت : تُسائلُ عن غُصَيْنٍ كلَّ رَكْبٍ ... وعند جُفَيْنَةَ الخَبَرُ اليقينُ هكذا رواه ابن الكلبي وحمّاد الراوية ون ظراؤهم، وروى قوم: وعند جُهَيْنَةَ الخبرُ اليقينُ ، وليس بشيء، لأنّ غُصَيْناً أحد بني جَوْشَن وهم بُطين من بني عبد الله بن غَطَفان، وجُفينة يهوديّ خمّار كان يمضي إليه، وله حديث ".6 وهذا المقياس في النقد لدى اللغويين معمول به عند ادّث ين، إذ يجعلون من أسباب ضعف الحديث أو الحكم بوضعه مخالفته ومعارضته للحقائق التاريخية الثابتة، يقول حمزة المليباري: "ومن المعلوم أنّ في جملة أخبار الآحاد ما يفيد القطع بكذبه، وفيها ما يفيد القطع بصدقه، وفيها ما يفيد الظّنّ بكذبه، كما يفيد الظّنّ بصدقه، وفيها ما تعتريه 1 - المصدر نفسه: 2/170. 2 - اصدر نفسه: 1/221 3 - المصدر نفسه : 1/211. 4 - المصدر نفسه: 1/219. 5- المصدر نفسه: 1/282. 6- جمهرة اللغة : 1/189.
عدد الصفحات ١٤مجل ّةّدراساتّلجامعةّالأغواط-ّعددّ42ب-ّمـارسّ4102 51 ريبة، وكلّ ه ذا واقع تبعاً للقرائن التي تحتفّ به . فإذا نقل أحد الكذّابين خبراً يخالف الواقع وينافي التاريخ بشكل واضح فإنّ ذلك يفيد الجزم بكذبه عند من يعلم ذلك، وكذلك إذا نقل العدل التقي الموثوق المعروف بعنايته بطلب العلم وضبطه حديثاً وافق الواقع أو النص الثابت أو عمل ا لأمة أو عمل بعضهم ثم اشتهر ذلك الحديث لدى ثقات الحفاظ فإنّ ه يفيد أيضاً القطع بصحته ".1 خاــة يمكن في ختام هذا البحث تحرير الملاحظات الآتية: - اهتمام علماء اللغة بنقد الروايات سندا ومتنا. - تأثّر اللغويين بمناهج ومقاييس النقد لدى المحدّث ين، مع تجوّزهم في شرط العدالة، لعدم تعلّق اللغة بالتشريع مباشرة. - تميّ ز اللغويين عن المحدّث ين بضوابط في النقد لم يعملها المحدّث ون، منها اشتراط كون الراوي عربيا أصيلا، وليس من المولدين، وهذا لمنع اختلاط اللفظ العربي الفصيح بغيره. - يظهر فضل علماء الحديث على اللغة، في جهودهم التي ميّ زوا بها صحيح السنّة من ضعيفها، حيث اعتمدت الروايات الصحيحة في تأصيل بعٌ الألفاظ والمباني إلى جانب القرآن الكريم. 1 - حمزة عبد الله المليباري، علومّالحديثّفيّضوءّتطبيقاتّالمحد ثينّالنقاد، ترقيم المكتبة الشاملة، الإصدار الرابع : ص 19 . Powered by TCPDF (www.tcpdf.org)
عدد الصفحات ١٥