31 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ قال الحافظ المباركفوري في تعليقه على المقصود بالحرف الوارد في الحديث: "والحرف يطلق على حرف الهجاء, والمعاني, والجملة المفيدة, والكلمة المختلفة في قراءتها, وعلى مطلق الكلمة["34.] وأمَّا الأجر الذي يناله قارئ القرآن يوم القيامة, فهو أعظم مما يتخيله فكر. فعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ وارتقِ ورت ل كما كنت ترت ل في الدنيا, فإن منزلتك عند آخر آية تقرؤها)), وقال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح[34.] كذلك فالمعلم والمتعلم أعلى الناس منزلة, وأرفعهم مكانة, يتسنَّمون مكانًا عاليًا, ويرتقون مرتقًى رفيعًا, بتعلمهم لأفضل الكلام, لكتاب الله؛ فعن عمرَ بن الخطابِ - رضي اللهَّ عنهُ -: أَنَّ النَّبِيَّ - صلى الله عليه وسلم - قال: ((إِنَّ اللهَّ يرفَعُ بِهذَا الكتاب أَقوامًا, ويضَعُ بِهِ آخَرين)).(33) وعن عبدالله بن عمر - رضي الله عنهما - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((يقال لصاحب القرآن: اقرأ, وارتق, ورتل كما كنت ترتل في الدنيا, فإنَّ منزلك عند آخر آية تقرؤها[))35.] ومن هنا يعكف صالحو المؤمنين على كثرة تلاوة القرآن, ويتنافسون في ذلك؛ طلبًا لثواب تلاوته قال - صلى الله عليه وسلم - مُشيرًا إلى هذا التنافُس في تلاوة القرآن: ((لا حَسَدَ إلا في اثنتين: رجل آتاه الله القرآن, فهو يقوم به آناء الليل وآناء النهار, ورجل آتاه الله مالاً, فهو ينفقه آناء الليل وآناء النهار[))35.] والحسد هنا مُراد به التنافس في فعل الخير, وتمن ي فعل ذلك من كثرة التلاوة, وكثرة النَّفقة في سبيل الله. وجعل رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - الذي لا ينطقُ عن الهوى - تعلُّمَ آية من كتاب الله خيرًا من تملك ناقة - وهي أنثى الإبل - وكانت النُّوق آنَذاك أفضلَ مال العرب, وجعل من تعلم آيتين خيرًا له من امتلاك ناقتين. ______________________________ [34" ]تحفة الأحوذي بشرح جامع الترمذي", للحافظ محمد بن عبدالرحمن بن عبدالرحيم المباركفوري", 2/624, ط/دار الكتب العلمية, بيروت, د.ت. [34] أخرجه أبو داود في سننه, أبواب الوتر, باب استحباب الترتيل في القراءة (4 /74( )6313), والترمذي في سننه, أبواب فضائل القرآن (5 /677( )4163), والنسائي في السنن الكبرى, كتاب فضائل القرآن, الترتيل (7 /474( )2114) قال الترمذي: هذا حديث حسن صحيح. وحسن إسناده الألباني في صحيح أبي داود (5 /411 )بقوله: وهذا إسناد حسن, رجاله ثقات رجال "الصحيح "؛ إلا أن الشيخين إنما أخرجا لعاصم- وهو ابن أبي النجُودِ - مقروناً بغيره, وهو حسن الحديث. (33)- أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل من يقوم بالقرآن, ويعلمه, وفضل من تعلم حكمة من فقه, أو غيره فعمل بها وعلمها (6 /551( )267.) [35 ]أخرجه الترمذي في سننه, كتاب فضائل القرآن, عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - وقال عنه: "حديث حسن صحيح", برقم: 4163, "مسند أحمد", كتاب أول مسند عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما, باب أول مسند عبدالله بن عمرو بن العاص - رضي الله عنهما, برقم: 1711, و"سنن أبي داود", كتاب: باب تفريع أبواب الوتر, باب استحباب الترتيل في القراءات, برقم: 6313. [35 ]أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب العلم, باب الاغتباط في العلم والحكمة (6 /45( )74), ومسلم في صحيحه, كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل من يقوم بالقرآن, ويعلمه, وفضل من تعلم حكمة من فقه, أو غيره فعمل بها وعلمها (6 /552 ) (265 .)
عدد الصفحات ٤٠36 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ وعن عُقبة بن عامر - رضي الله عنه - قال: "خرج رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ونحن في الصفة" فقال: ((أيُّكم يحب أن يغدو كلَّ يوم إلى بطحان أو إلى العقيق" فيأتي منه بناقتين كَوْماويْن [31], في غير إثم ولا قطع رحم؟)), فقلنا: يا رسول الله, نحب ذلك, قال: ((أفلا يغدو أحدُكم إلى المسجد, فيعل م أو يقرأ آيتين من كتاب الله -عزَّ وجلَّ - خير له من ناقتين, وثلاث خير له من ثلاث, وأربع خير له من أربع, ومن أعدادهن من الإبل؟[))37.] وما من شك في أنَّ مقصود الحديث الترغيب في تعليم القرآن وتعلُّمه, والرسول - صلى الله عليه وسلم - يُخاطبهم على ما كانوا يعرفونه آنذاك, فإنَّهم أهل إبل, وقد كانت حينئذ أعظمَ شيء يعرفونه ويتعاملون به. وهكذا فالقرآن خير كله, قراءته عبادة, وتعلمه عبادة, والعمل به عبادة, والاستماع إليه عبادة, فأيُّ أجر وأي ثواب من أي عمل آخر يداني هذا الأجر وذاك الثَّواب, الذي يحص له المسلم من تعليمه وتعلُّمه القرآن؟! وإنَّه لفخر للمعلم والمتعلم وحتَّى للذي يقرأ كلام الله ويتعتعُ فيه, ذلك حينما يعلم أنه - بفضل الله - أعظم الخلق أجرًا, وأكثرهم ثوابًا, ولِمَ لا, وهم يحملون في صدورهم كلامَ رب هم, ويسيرون بنور مولاهم وخالقهم؟! عن عائشة - رضي اللهَّ عنها - قالتْ : قال رسولُ اللهَِّ - صلى الله عليه وسلم -: ((مثل الذي يقرأ القرآن وهو حافظ له مع السَّفرة الكرام البررة, ومثل الذي يقرأ وهو يتعاهده وهو عليه شديد, فله أجران[))32.] وعن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه - قال: قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم: ((من قرأ حرفًا من كتاب الله, فله به حسنة, والحسنة بعَشْرِ أمثالها, أمَا إني لا أقول: الم حرف, ولكن ألف حرف, ولام حرف, وميم حرف[))31.] وعن عثمان بن عفان - رضي الله عنه - عن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خيركم من تعلَّم القرآن وعلمه[))51], وهذا يدُلُّ على بيان فضل تعليم القرآن والترغيب فيه, وقد سُئل سفيان الثَّوري عن الرجل يغزو أحب إليك, أو يقرأ القرآن؟ فقال: يقرأ القرآن؛ لأنَّ رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((خيركم من تعلم القرآن وعلَّمه)). - عن مجاهد عن أبي هريرة - رضي اللهَّ عنه - عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - قال: ((من استمعَ إلى آية من كتاب الله - عزَّ وجلَّ - كتبت له حَسَنة مضاعفة ومَن تلاها كانت له نورًا يوم القيامة[))56.] فأي أثر يعود على نفس المسلم أعظم من ذلك الأثر؟! وأيُّ عمل يرفع المسلم, ويجعله موصولاً بهذا الحبل المتين أفضل من ذلك؟! ___________________________ [31 ]الكَوْماء من الإبل: مُشرفة السنام عاليته؛ "النهاية في غريب الحديث", 3/466. [37" ]صحيح مسلم", كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل قراءة القرآن في الصلاة وتعلمه, برقم: 6271, و"مسند أحمد", كتاب حديث عقبة بن عامر الجهني, وباب حديث عقبة بن عامر الجهني, برقم: 61155, وبطحان والعقيق: اسمان لمكانين معروفين بجوار المدينة, ومعنى كَوْماوَيْن؛ أي: عظيمتين سمينتين. [32 ]أخرجه البخاري في صحيحه, كتاب تفسير القرآن, باب {يوم ينفخ في الصور فتأتون أفواجا[ }النبأ: 62 :]زمرا (1 /611 ) (3147), ومسلم في صحيحه, كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل الماهر في القرآن, والذي يتتعتع فيه (6 /531( )712.) [31" ]سنن الترمذي", كتاب: فضائل القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - باب: ما جاء فيمن قرأ حرفًا من القرآن ما له من الأجر, برقم: 4161, وقال: "هذا حديث حسن صحيح". [51 ]سبق تخريجه, ص: 1, 44. [56 ]صحيح مسلم", كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة, برقم: 6274, وأخرجه أحمد في مسنده (63 /616( )2313.)
عدد الصفحات ٤١ا حديث حسن صحيح". [51 ]سبق تخريجه, ص: 1, 44. [56 ]صحيح مسلم", كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل قراءة القرآن وسورة البقرة, برقم: 6274, وأخرجه أحمد في مسنده (63 /616( )2313.) قال الهيثمي في مجمع الزوائد (7 /71 :)رواه أحمد وفيه عباد بن ميسرة ضعفه أحمد وغيره وضعفه ابن معين في رواية وضعفه في أخرى ووثقه ابن حبان. وأورده العراقي في تخريج أحاديث الإحياء (ص: 446), وقال: وفيه ضعف وانقطاع.
عدد الصفحات ٤١34 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ عاشرًا: محاجة القرآن عن أهله وشفاعته لهم: فمُعل م القرآن ومتعلمه أينما اتَّجه, فعين الله ترعاه, فأهل القرآن هم الذين لا يقدمون على مَعصية, ولا يقترفون منكرًا ولا إثمًا؛ لأنَّ القرآن يردعهم, وأوامره تأمرهم, ونواهيه تزجرهم, ففيه الوعد والوعيد, والتخويف والتهديد, فلْتلهج ألسنتهم بتلاوة القرآن العظيم. عَن النَّوَّاسِ بنِ سَمعانَ - رضيَ اللهَّ عنهُ - قال: سمِعتُ رسول اللهَِّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ((يُؤتى بالقرآن يومَ القيامة وأهله الذين كانوا يعملون به, تقدمه سورة البقرة وآل عمران)), وضرب لهما رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم - ثلاثةَ أمثال, ما نسيتهن بعد, قال: ((كأنَّما غَمَامَتان أو ظُلَّتان سوداوان, بينهما شرق, أو كأنهما حِزْقَانِ من طير صوافَّ, تحاجان عن صاحبهما[))54.] فليستبشر أهل القرآن بذلك, ولْينعموا بالأثر الذي يعود عليهم, فيصور نبي الرحمة حوار القرآن والشفاعة لصاحبه يوم القيامة؛ فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ عَنِ النَّبِي - صلى الله عليه وسلم - قَالَ : ((يَجِيءُ القُرْآنُ يَوْمَ القِيَامَةِ, فَيَقُولُ : يَا رَب , حَل هِ, فَيُلْبَسُ تَاجَ الكَرَامَةِ, ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَب , زِدْهُ, فَيُلْبَسُ حُلَّةَ الكَرَامَةِ, ثُمَّ يَقُولُ : يَا رَب , ارْضَ عَنْهُ, فَيَرْضَى عَنْهُ, فَيُقَالُ لَهُ : اقْرَأْ وَارْقَ وَتُزَادُ بِكُل آيَة حَسَنَةً [))54.] ويصدق ذلك حديث أَبي أُمامَةَ - رضي اللهَّ عنهُ - قال: سمِعتُ رسولَ اللهَِّ - صلى الله عليه وسلم - يقولُ : ((اقْرَؤُوا القُرْآنَ؛ فإِنَّهُ يَأْتي يَوْم القيامةِ شَفِيعًا لأصْحابِهِ [))53.] فمن اشتغلَ بالقُرآن الكريم أمَّنه الله - تعالى - من الخوف في نفسه وأهله, في عاجله وآجله. قال - تعالى -: {فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم م ن ي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلاَ خَوْف عَلَيْهِمْ وَلاَ هُمْ يَحْزَنُونَ [ }البقرة: 42.] حادي عشر: مرافقة الملائكة للمشتغل بالقرآن: ومن الآثار التي تعود على قارئ القرآن الكريم - معلمًا أو متعلمًا - أنَّه يرافق الملائكة الكرام البررة. فعن عائشةَ - رضي الله عنها - قالت: قال رسولُ الله - صلى الله عليه وسلم -: ((الماهر بالقرآن مع السَّفرة الكرام البررة, والذي يقرأ القرآن, ويتتعتع فيه وهو عليه شاق له أجران[))55.] ______________________________ [54 ]أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل قراءة القرآن, وسورة البقرة (6 /553( )215.) "سنن الترمذي", كتاب: فضائل القرآن عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم: 4165, وقال: "حديث حسن صحيح", و"شعب الإيمان", للبيهقي, كتاب: الكتاب التاسع عشر من شعب الإيمان في تعظيم القرآن, باب فصل في إدمان تلاوة القرآن, برقم: 6117. [54 ]أخرجه الترمذي في سننه, أبواب فضائل القرآن (5 /672( )4165), والحاكم في المستدرك, كتاب فضائل القرآن (6 /554 ) (4141) قال الترمذي: هذا حديث حسن. وقال الحاكم: هذا حديث صحيح الإسناد , ولم يخرجاه. [53] خرجه مسلم في صحيحه, كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل قراءة القرآن, وسورة البقرة (6 /554( )213.) , ورواه الترمذي في سننه, كتاب فضائل القرآن, باب ما جاء في فضل قارئ القرآن, رقم: 4113, وقال الشيخ الألباني: صحيح, انظر: صحيح سنن الترمذي, 4/1, رقم: 4445. [55 ]أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب صلاة المسافرين وقصرها, باب فضل الماهر في القرآن, والذي يتتعتع فيه (6 /531 ) (712), وتقدم تخريج نحوه برقم(45.)
عدد الصفحات ٤٢34 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ قال الإمام النووي - رحمه الله - في هذا الحديث: "السَّفرة, جمع سافر ككاتب, وكتبة, والسَّافر: الرسول, والسفرة: الرسل؛ لأنَّهم يسفرون إلى الناس برسالات الله, وقيل: السَّفرة: الكتبة, والبررة: المطيعون من البر وهو الطاعة, والماهر: الحاذق الكامل الحفظ, الذي لا يتوقف ولا يشق عليه القراءة بجودة حفظه وإتقانه, ويحتمل أنْ يرادَ أنَّه عامل بعملهم, وسالك مسلكهم, وأمَّا الذي يتتعتع فيه, فهو الذي يتردد في تلاوته؛ لضعف حفظه فله أجران, أجر بالقراءة وأجر بتتعتعه في تلاوته ومشقَّته,, ولم يذكر هذه المنزلة لغيره, وكيف يلحق به من لم يعتن بكتاب الله - تعالى - وحفظه وإتقانه, وكثرة تلاوته وروايته كاعتنائه, حتى مهر فيه والله أعلم[.11.] والقرآن الكريم يؤثر في المجتمع المسلم, فيجعلُ مساجدَه عامرة بالمصلين المخبتين إلى الله - تعالى - رب العالمين, وينبه أفراده في كل وقت وحين إلى المسارعة لأداء الفرائض والسنن على أكمل وجه وأتمه. - والقرآن الكريم يحمل المجتمع المسلم على الحكم بما أنزل الله - تعالى - فيُحك م شريعة الله في طريقة أداء عباداته, وفي مُعاملاتِه وأخلاقه وسلوكيَّاته, وقضائه, ويَحمله على الإخلاص وأداءِ العبادات بالطريقة الصحيحة لها؛ قال - تعالى -: {وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهََّ مُخْلِصِينَ لَهُ الد ينَ حُنَفَاءَ وَيُقِيمُوا الصَّلاةَ وَيُؤْتُوا الزَّكَاةَ وَذَلِكَ دِينُ القَي مَةِ } [البينة: 5.] - والقرآن الكريم يُؤثر في المجتمع المسلم, فيزيد من تمسُّكه بسنة نبيه - صلى الله عليه وسلم - والأخذ بكل ما جاءت به من أحكام وأخلاق وآداب, سواء أكانت مبينة لبعض ما جاء في القرآن الكريم, أم مخصصة لبعض ما جاء فيه عام ًا, وذلك هو العلم الحقيقي لكتاب الله الكريم, وسنة رسوله - صلى الله عليه وسلم - وقد قال الله - عزَّ وجلَّ -{ :وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا وَاتَّقُوا اللهََّ [ }الحشر: 7.] فالتمسك بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - سواء أكانت قولاً, أم فعلاً, أم تقريرًا, أم صفة لها علاقة بالتبليغ عن الله - تعالى - ربنا, وهذا كله من آثار الاشتغال بالقرآن الكريم تعليمًا وتعلمًا. - والقرآن الكريم يُؤثر في المجتمع المسلم المشتغل به, فهو يقوم بواجب الدَّعوة إلى الله - تعالى - ليعبده وحدَه لا يشرك به شيئًا, متبعًا في ذلك هدي رسوله - صلى الله عليه وسلم - وحدَه؛ قال الله - تعالى - عن هذه الأُمَّة وصفاتها{ :كُنتُمْ خَيْرَ أُمَّة أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ المُنكَرِ وَتُؤْمِنُونَ بِاللهَِّ [ }آل عمران: 661.] - كذلك مَنِ اشتغل بالقُرآن الكريم, مكَّن له الله - تعالى - في الأرض, ويسَّر له أسباب الاستقرار وعدم الاضطراب. قال - تعالى -: {وَعَدَ اللهَُّ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَلَيُمَك نَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَد لَنَّهُم م نْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لاَ يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَن كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الفَاسِقُونَ [ }النور: 55.] ولننظر إلى الرعيل الأوَّل لهذه الأُمَّة, فقد كانوا أكثر الناس اشتغالاً بالقرآن الكريم وأعظمهم ات باعًا له, كيف فتح الله - تعالى - لهم البلاد طولها وعرضها, وجعلهم يتغلبون على الجبابرة من أهل الكُفر والإلحاد, فأصبحوا بالقرآن الكريم سادة وقادة يدين لهم الكثيرون من أهل الأرض بالطاعة والولاء. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - ليرفع بهذا القرآن أقوامًا, ويضع به آخرين[))57.]
عدد الصفحات ٤٣ن الكريم سادة وقادة يدين لهم الكثيرون من أهل الأرض بالطاعة والولاء. وصدق رسول الله - صلى الله عليه وسلم -: ((إن الله - تعالى - ليرفع بهذا القرآن أقوامًا, ويضع به آخرين[))57.] _____________________________ [57 ]سبق تخريج الحديث ص46 من هذا البحث.
عدد الصفحات ٤٣33 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ نظرة فيما هو مشاهد من أثر الاشتغال بالقرآن في حياة المسلمين اليوم: إذا كان الاشتغالُ بالقرآن الكريم قد ظهر أثره جلي ًا على الرعيل الأوَّل لهذه الأمة في الفتح والتمكين, وإقامة دولة عمَّها الخير والصلاح في الأرض, وكان هذا في وقت قصير جد ًا في أعمار الناس, فضلاً عن أعمار الدول, فإذا كان الاشتغال بالقرآن الكريم تعليمًا وتعلمًا يترك أثرَه الحسن على حياة الفرد والمجتمع, ويُورث سعادة الدُّنيا والآخرة. وقال - تعالى -: {وَلَيَنصُرَن اللهَُّ مَن يَنصُرُهُ إِنَّ اللهََّ لَقَوِي عَزِيز * الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ المُنكَرِ وَللهَِِّ عَاقِبَةُ الأُمُورِ [ }الحج: 31 - 36.] وأخيرًا: فإن لتعليم وتعلُّم القرآن آثارًا عظيمة في حياة الأُمَّة الإسلامية من نواح عديدة؛ منها: أنَّه يُنمي أخلاقَ الأفراد, فيصلحها, وبصلاحها تصلح الأمة, ويجمع كلمة الأمة, فيجعلها وحدة واحدة قوية مترابطة, يدًا واحدة على من سواها. وبترابط الأمة يشمر أفرادها عن ساعد الجد والاجتهاد, فيزدادُ الإنتاج وتكثر خيراتها, ولا يتحكم فيها سواها, وبتعلم القرآن الكريم تربط آياته بواقع الحياة, وحاجات العصر, ودقائق العلوم, فتتوسع دائرة العلم والثَّقافة, فتتأصَّل المعارف في ذهن صاحبها عن طريق حفظه لكلام الله والعمل به, والالتفات إلى ظواهر الكون من خلال آياته, فتُفتح آفاق التوسُّع في العلم والتجربة والاختراع. وتعلم القرآن يساعد المسلم على التوصُّل إلى الأساليب المُثلى في الدَّعوة إلى دين الله, بلغة مناسبة لعصر المعرفة العلمية والوسائل التقنية. وبالجملة فالقرآن الكريم يبعث بين الأُمَّة التراحم والتواد بين أفرادها, وينشر العدل والإنصاف والمساواة, وإثبات الحقوق لأصحابها, وهذا كله يزيد الأفراد خشية لربهم وتضرُّعًا إليه, فتزداد الأمة إيمانًا ويقينًا, وتلتفت إلى عَدُو ها فتعد له العدة, ولا تفرط, ولا تتهاون في حقوقها, ولا تخضع ولا تذل إلا لرب ها, فتكون كالجسد الواحد, إلى آخر هذه الآثار الإيمانية التي تُنق ي عقيدتها, وتقودها إلى ربها.
عدد الصفحات ٤٤35 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ المبحث الثالث : كيفية العودة إلى القرآن... هيا إلى القرآن !*... ما دامت حاجتنا إلى القرآن ملحة لهذه الدرجة, وما دام تعلُّمه له هذه الأهمية, وما دمنا قد وصلنا في هذا العصر إلى هذه الدرجة مِن هجْرنا لروح القرآن, وتدبُّره, والانتفاع به - إلا من رحم ربي - فيرد السؤال: كيف نعود إلى القرآن, وكيف ننتفع به؟ وللإجابة عن هذا السؤال؛ لا بد أن نعلم يقينًا أن القرآن هو حبل الله الذي أنزله من السماء؛ ليخلصنا مما نحن فيه, وأنه مشروع النهضة للأمة جمعاء, ومن هنا علينا أولاً بالاعتصام بهذا الحبل, والإقبال عليه إقبال الظمآن على الماء؛ بل أشد, وأن نعطيه أفضل وأكثر أوقاتنا, فالحل يقينًا للخروج من المأزق الذي نعيش فيه, يبدأ بالتمسك بهذا الكتاب, فإذا ما تمَّ لنا ذلك - وهو يسير لكل مَن أراده بصدق - فعلينا ثانيًا أن ندعو الناس إليه, ونبث فيهم روحه, وننتشل من نستطيع انتشاله من جاذبية الأرض والطين؛ لنربطه بحبل القرآن, وأن نستمر على ذلك, حتى موعود الله - سبحانه - لأن المتأمل في القرآن يجد أنه يعيد تشكيل العقل من جديد, ويصوب كل فكرة خاطئة لديه, ويبني فيه اليقين الصحيح لكل الأفكار والمعتقدات. ندرك ذلك تمامًا, حين ندق ق النظر في العديد من الوسائل التي يستخدمها في ترسيخ المفاهيم الصحيحة في اللاشعور, ومن أهم هذه الوسائل: الإقناع, وتَكرار الموضوعات.. وقد أفصح النبي - صلى الله عليه وسلم - عن هذه الحقيقة وجلاَّها , حين قال « :تركت فيكم ما لن تضلوا بعده إن اعتصمتم به : كتاب الله [ »6. ] وأبان الباري عز وجل عاقبة الإعراض عن ذكره وعدم الاهتداء بنوره , فقال تعالى { :وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكاً وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ القِيَامَةِ أَعْمَى * قَالَ رَب لِمَ حَشَرْتَنِي أَعْمَى وَقَدْ كُنتُ بَصِيراً * قَالَ كَذَلِكَ أَتَتْكَ آيَاتُنَا فَنَسِيتَهَا وَكَذَلِكَ اليَوْمَ تُنسَى * وَكَذَلِكَ نَجْزِي مَنْ أَسْرَفَ وَلَمْ يُؤْمِنْ بِآيَاتِ رَب هِ وَلَعَذَابُ الآخِرَةِ أَشَدُّ وَأَبْقَى }(طه:643-647), حيث تكفل سبحانه لمن أقبل على كتابه وعمل به ألا يضل في الدنيا ولا يشقى في _الآخرة . أما الاقتناع, ففيه يبرز احترام القرآن للعقل, ودوام مخاطبته وإقناعه بأهمية الفكرة المطروحة, والقارئ المتدب ر للقرآن يجد المولى - سبحانه وتعالى, وهو الكبير المتعال- يخاطب عقولنا, ويبي ن لنا الكثيرَ من الأمور, التي من شأنها أن تقنعنا بما يريده منا؛ بل إنه - سبحانه وتعالى - يدعونا في كتابه إلى استخدام عقولنا والتفكير في كلامه؛ كقوله - تعالى -{ :أَيَوَد أَحَدُكُمْ أَنْ تَكُونَ لَهُ جَنَّة مِنْ نَخِيل وَأَعْنَاب تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ لَهُ فِيهَا مِنْ كُل الثَّمَرَاتِ وَأَصَابَهُ الكِبَرُ وَلَهُ ذُر يَّة ضُعَفَاءُ فَأَصَابَهَا إِعْصَار فِيهِ نَار فَاحْتَرَقَتْ كَذَلِكَ يُبَي نُ اللهَُّ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ }[البقرة: 411]؛ لنقتنع بما يحمله هذا الكلام من معان وأفكار, فينتقل ذلك كلُّه إلى اللاشعور, ويترسخ فيه؛ لينطلق بعد ذلك السلوك المعب ر عنها بصورة تلقائية. "وأما تَكرار الموضوعات, فالمتتبع للموضوعات المطروحة فيه, يجدها متكررة ومتشابهة؛ كما قال - تعالى -: {اللهَُّ نَزَّلَ أَحْسَنَ الحَدِيثِ كِتَابًا مُتَشَابِهًا مَثَانِيَ تَقْشَعِرُّ مِنْهُ جُلُودُ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ ثُمَّ تَلِينُ جُلُودُهُمْ وَقُلُوبُهُمْ إِلَى ذِكْرِ اللهَِّ ذَلِكَ هُدَى اللهَِّ يَهْدِي بِهِ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهَُّ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد [ }الزمر: 44], وقال{ :وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا[ }الفرقان: 51.]
عدد الصفحات ٤٥َاءُ وَمَنْ يُضْلِلِ اللهَُّ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد [ }الزمر: 44], وقال{ :وَلَقَدْ صَرَّفْنَاهُ بَيْنَهُمْ لِيَذَّكَّرُوا فَأَبَى أَكْثَرُ النَّاسِ إِلاَّ كُفُورًا[ }الفرقان: 51.] وصرفنا؛ أي: كررناه بأساليبَ مختلفة , ومن فوائد التَّكرار كذلك أنه يجعل القارئ في حالة دائمة من التذكُّر واليقظة. ________________________ (6)- أخرجه مسلم في صحيحه, كتاب الحج, باب حجة النبي صلى الله عليه وسلم (4 /221( )6462.)
عدد الصفحات ٤٥31 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ وخلاصة القول: إن القرآن يعيد تشكيل العقل, ويقوم ببناء اليقين الصحيح فيه, من خلال مخاطبته له بأساليبَ شتَّى؛ مما يؤدي إلى إقناعه بما يحمل من أفكار, فتنتقل تلك الأفكار بسهولة ويسر إلى منطقة اللاشعور, وتترسخ فيها, من خلال تكرارها في السُّور والآيات؛ لتشكل بعد ذلك نقطة بداية قوية لانطلاق السلوك المعبر عنها. والقرآن لا يركز على قضايا بعينها؛ بل يرسم في الذهن خريطة شاملة وواضحة للإسلام, ويعطي كلَّ جزء فيها اهتمامًا يناسب حجمَه, فينشأ عن هذا كل ه تصحيح للمفاهيم الخاطئة, وتغيير للثوابت الموروثة؛ لتحل محلَّها معاني القرآن وثوابتُه, وهذا من شأنه أن يحدث وحدة التصور لدى أفراد الأمة["4.] وهذا كله يدعونا إلى المزيد من التأمل في هذا الكتاب الحكيم, والفكر الدؤوب للوصول إلى طريق تعيدنا إليه. فإن كنا حق ًا نريد العودة إلى القرآن والانتفاع به, واستخدامه كعلاج فعَّال لما نعانيه من أدواء, فعلينا أن نغي ر طريقة تعاملنا معه, وأن يكون همنا من قراءته الانتفاع بمعجزاته, والدخول في دائرة تأثيره, وهذا يحتاج منا إلى بعض الوسائل العلمية المتدرجة, التي تعيينا على العودة الهادئة إليه, وهناك وسائل تساعد المسلم - بفضل الله سبحانه - على العودة الصحيحة إلى القرآن, ومنها: 6- الانشغال بالقرآن. 4- تهيئة الجو المناسب له. 4 - القراءة المتأنية. 3- التركيز عند القراءة. 5 - التجاوب مع الآيات. 1- أن نجعل المعنى هو المقصود. 7 - ترديد الآية التي تؤث ر في القلب. 2- تعلم الآيات والعمل بها[4.] الصحابة والقرآن : حين نتأمل هدي الصحابة الكرام في التعامل مع القرآن , نرى عجباً ؛ فقد كان القرآن مرتكزهم ومحور حياتهم ؛ فالتعظيم له كبير , والإقبال عليه شديد , والعيش معه طويل , والتأثر به والبكاء عند قراءته كثير , وات باعه والانطلاق منه وصناعة الحياة كلها وفق رؤيته أمر واقع , وقضية محسومة في حياة الصغير والكبير والفرد والمجتمع والدولة . يقول عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه مبيناً منهج الصحابة في تلقي القرآن « :كان الرجل منا إذا تعلم عشر آيات لم يجاوزهن حتى يعرف معانيهن والعمل بهن [ »3. ] ويقول أبو عبد الرحمن السلمي « :حدثني الذين كانوا يقرئوننا : عثمان ابن عفان وعبد الله بن مسعود و أُبَيُّ بن كعب رضي الله تعالى عنهم أن رسول الله كان يقرئهم العشر فلا يجاوزونها إلى عشر أخرى حتى يتعلموا ما فيها من العمل , فتعلمنا القرآن والعمل جميعا [ »5. ] ________________________________ [4" ]العودة إلى القرآن: لماذا وكيف؟", د/ مجدي الهلالي, ص 76, 74, ط/ دار التوزيع والنشر الإسلامية, القاهرة, الطبعة الأولى, 6343هـ - 4114م. [4" ]حطم صنمك وكن عند نفسك صغيرًا", د/ مجدي الهلالي, ص612, ط: مؤسسة اقرأ للنشر والتوزيع, القاهرة, 6343هـ - 4113م. (3)- أخرجه الطبري في تفسيره, ذكر الأخبار التي رويت في الحض على العلم بتفسير القرآن, ومن كان يفسره من الصحابة (6 / 21( )26.) قال محققه أحمد شاكر: هذا إسناد صحيح. وهو موقوف على ابن مسعود, ولكنه مرفوع معنى, لأن ابن مسعود إنما تعلم القرآن من رسول الله صلى الله عليه وسلم. فهو يحكي ما كان في ذلك العهد النبوي المنير. (5 )أخرجه أبو بكر ابن مجاهد في السبعة في القراءات (ص: 11 )والثعلبي في تفسيره, باب علم القرآن والترتيب فيه (6 /25 )من غير وجه عن عطاء بن السائب عن أبي عبد الر حمن السلمي قال: حدثني الذين كانوا يقرءوننا عن عثمان بن عف ان (رضي الله عنه) , وعبد الله بن مسعود, وأبي بن كعب أن النبي صل ى الله عليه وسل م كان يقرئهم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل, قال: فتعل موا القرآن والعلم.
عدد الصفحات ٤٦, وعبد الله بن مسعود, وأبي بن كعب أن النبي صل ى الله عليه وسل م كان يقرئهم عشر آيات فلا يأخذون في العشر الأخرى حتى يعلموا ما في هذه من العلم والعمل, قال: فتعل موا القرآن والعلم. وهذا إسناد فيه ضعف؛ فيه عطاء بن السائب, ولم يرو عنه من سمع قبل اختلاطه.
عدد الصفحات ٤٦37 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ وعن أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما قالت « :كان أصحاب النبي - صلى الله عليه وسلم - إذا قرئ عليهم القرآن كما نعتهم الله : تدمع أعينهم , وتقشعر جلودهم [ »1. ] وعن أبي صالح قال « :لما قدم أهل اليمن في زمان أبي بكر فسمعوا القرآن جعلوا يبكون , فقال أبو بكر : هكذا كنا ثم قست القلوب [ »7. ] وهذا أبو بكر رضي الله عنه كان «رجلاً بَكَّاء لا يملك دمعه حين يقرأ القرآن [ »2 ], وهذا عمر رضي الله عنه كان كثير التلاوة لكتاب الله , شديد التأثر به [1. ] وهذا عثمان رضي الله عنه يقول « :لو أن قلوبنا طهرت ما شبعنا من كلام ربنا , وإني لأكره أن يأتي عليَّ يوم لا أنظر في المصحف [ »61. ] وهذا علي رضي الله عنه يقول « :و ما نزلت آية إلا وقد علمت فيما نزلت , وأين نزلت , وعلى من نزلت [ »66. ] وعن عائشة رضي الله عنها قالت « :و ما رأيت أفضل من نساء الأنصار ولا أشد تصديقاً لكتاب الله , ولا إيماناً بالتنزيل , لقد أُنزِلت سورة النور {وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ }النور : 46 )فانقلب رجالهن إليهن يتلون عليهن ما أنزل الله إليهن فيها , ويتلو الرجل على امرأته وابنته وأخته وكل ذي قرابته ؛ فما منهن امرأة إلا قامت إلى مرطها المرحل فاعتجرت به تصديقاً وإيماناً بما أنزل الله من كتابه , فأصبحن وراء رسول الله - صلى الله عليه وسلم - معتجرات كأن على رؤوسهن الغربان [ »64] فحالهم كما وصف الله { :وَإِذَا سَمِعُوا مَا أُنزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرَى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ مِمَّا عَرَفُوا مِنَ الحَق يَقُولُونَ رَبَّنَا آمَنَّا فَاكْتُبْنَا مَعَ الشَّاهِدِينَ }(المائدة:24.) إنها معرفة منشئة للعمل , وتلق للتنفيذ , وقراءة بتدبر بغرض تلمُّس التوجيه للانصياع له والعمل بما فيه . والقرآن كما قال محمد بن واسع: بستان العارفين, فأينما حلُّوا منه, حلُّوا في نزهة. ______________________________________ (1)- أخرجه سعيد بن منصور في التفسير, في كتاب فضائل القرآن (4 /441( )15), والبغوي في تفسيره (3 /21( )6241.) قال محقق سنن سعيد بن منصور: سنده صحيح, واختلاط حصين بن عبد الرحمن السُّلمي لا يؤث ر, لأن الراوي عنه هنا هو هشيم بن بشير, وهو ممن روى عنه قبل الاختلاط. وعزاه السيوطي في الدر المنثور (7 /444 )لسعيد بن منصور, وابن المنذر, وابن مردويه, وابن أبي حاتم, وابن عساكر. (7 )ابن أبي شيبة (45543) (2 )انظر : تاريخ الخلفاء , للسيوطي : 661 . (1 )شعب الإيمان , للبيهقي : (4444. ) (61 )كنز العمال , للهندي (41313. ) (66 )انظر : مختصر قيام الليل , للمروزي : 631 . (64 )تفسير القرآن العظيم , لابن كثير عن ابن أبي حاتم , وبعضه عند أبي داود (3616 )من حديث أم سلمة بسند صححه الألباني
عدد الصفحات ٤٧32 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ وللعودة إليه؛ لا بد من ات باع عدة أمور: أولاً : التضرع إلى الله, والإكثار من الدعاء بطلب العون منه - سبحانه - على حفظ القرآن, والإلحاحُ في الدعاء من أعظم آداب الدعاء. ثانيًا: جعل وِرْد يومي يُتلى فيه القرآن, وحبذا أن يكون ذلك في بداية اليوم, ولا يشغل الحفظ عن التلاوة؛ فإن التلاوة وقود الحفظ. ثالثًا: المداومة على أذكار الصباح والمساء والنوم, وكذلك المداومة على الأذكار التي تحفظ المسلم - بإذن الله من الشيطان فإن الذ كر عدو الشيطان؛ قال - تعالى -{ :إِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَنْ يُوقِعَ بَيْنَكُمُ العَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ فِي الخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللهَِّ وَعَنِ الصَّلاةِ فَهَلْ أَنْتُمْ مُنْتَهُونَ [ }المائدة: 16 .]فإِنْ حَفِظَ اللهُ المسلم من الشيطان, استطاع المداومة على تلاوة كتابه وحفظه. رابعًا: الحرص على حضور مجالس العلماء, وعدم التخلف عنها, خاصة مجالس القرآن, إلا لعذر؛ روى مسلم وأبو داود عن أبي هريرة - رضي الله عنه - قال: ((ما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله, يتلون كتاب الله, ويتدارسونه بينهم, إلا نزلتْ عليهم السكينة, وغشيتهم الرحمة, وحفَّتهم الملائكة, وذكرهم الله فيمن عنده[))63.] خامسًا: على كل مَن يودُّ التقرُّبَ من القرآن والانتفاعَ به: الاهتمامُ بالصاحب الذي يساعد على ذِكر الله, ويعين - بعد الله - على تلاوة القرآن؛ فإنه كنز نفيس. سادسًا: عليه أن يَحذَر من الغرور, وألاَّ يباهي بتعلمه وحفظه, ولا يماري بهما؛ حتى لا يقع في تحذير رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الذي يقول فيه: ((مَن تعلَّم العلم؛ ليباهي به العلماء, أو يماري به السفهاء, أو يصرف به وجوهَ الناس إليه - أدخله الله جهنم[))65.] وليكن تعلُّمه للقرآن ابتغاء ما عند الله, واكتساب الخشية والسكينة والوقار, لا للاستكبار. سابعًا: ليعلم مَن يريد تعلُّم العِلم - أي علم من العلوم - أن بداية العلم هو حفظ القرآن, وكل آية يحفظها باب مفتوح إلى الله - تعالى - وكل آية لا يحفظها أو نُس يها باب مغلق, حال بينه وبين ربه, فينبغي أن يكون حرصه على ما لا يحفظه من القرآن أكثرَ مِن حرصه على التقدم في أي علم من العلوم. ____ ______________________________ [63 ]أخرجه مسلم, كتاب الدعوات: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار, باب فضل الاجتماع على تلاوة القرآن وعلى الذكر, برقم 1714, وسنن الترمذي, كتاب القراءات عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - برقم 4135. [65 ]أخرجه أبو القاسم الأصبهاني في الترغيب والترهيب, فصل في الترهيب من طلب العلم لغير الله وترك العمل بالعلم (4 /614 ) (4614), عن أنس بهذا اللفظ. وأخرجه الترمذي في سننه, أبواب العلم, باب ما جاء فيمن يطلب بعلمه الدنيا (5 /44( )4153 )بنحوه عن كعب بن مالك. وأخرجه ابن ماجه في سننه, كتاب اتباع السنة, باب الانتفاع بالعلم والعمل به (6 /671( )454 )عن ابن عمر, بنحوه. وأخرجه أيضا في سننه, كتاب اتباع السنة, باب الانتفاع بالعلم والعمل به (6 /671( )453 )عن جابر بنحوه. قال البوصيري في مصباح الزجاجة (6 /47 )بعد ذكره: هذا إسناد رجاله ثقات على شرط مسلم.
عدد الصفحات ٤٨31 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ ثامنًا: المحافظة على الاستغفار والإكثار منه؛ فإن نسيان القرآن من الذنوب, فقد ذكر ابن كثير في تفسيره لقول الله - تعالى -{ :وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَن كَثِير [ }الشورى: 41], عن الضحاك قال: ما نعلم أحدًا حفظ القرآن ثم نسيه, إلا بذنب, ثم قرأ{ :وَمَا أَصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَة }...الآية ثم قال الضحاك: وأي مصيبة أكبر من نسيان القرآن؟[!61.] وقال الشافعي: شَكَوْتُ إِلَى وَكِيع سُوءَ حِفْظِي فَأَرْشَدَنِي إِلَى تَرْكِ المَعَاصِي وَأَخْبَرَنِي بِأَنَّ العِلْمَ نُور وَنُورُ اللهَِّ لاَ يُهْدَى لِعَاصِي [67] تاسعًا: أن يحافظ على الوضوء عند قراءته للقرآن مع إحسانه, ومعنى إحسانه هنا: ات باع هدي النبي صلى الله عليه وسلم في الوضوء. عاشرًا: حفظ القرآن نعمة عظيمة تستحق الشكر, حيث يكون القلب عامرًا, فعلى الحافظ لكتاب الله أن يحمد الله ويشكره على هذه النعمة؛ قال - تعالى -{ :وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيد [ }إبراهيم: 7.] وكما ورد عن عبدالله بن مسعود - رضي الله عنه -: "ينبغي لحامل القرآن أن يُعرف بليله إذا الناسُ نائمون, وبنهاره إذا الناسُ مُفطرون, وبوَرَعه إذا الناسُ يخلطون, وبتواضعه إذا الناسُ يختالون, وبحزنه إذا الناسُ يفرحون, وببكائه إذا الناسُ يضحكون, وبصمْتِه إذا الناسُ يخوضون. ومع هذه الأمور, ينبغي أن تكون القراءة بهدوء وترسل وترتيل, وكذلك بتركيز, وأن يجعل المعنى الإجمالي للآية هو المقصود, ولا يتوقف بتعسف عند تفسير كل كلمة؛ بل ينبغي عليه أن يسمح لآيات القرآن أن تنساب داخله, ويتصاعد تأثيرُها شيئًا فشيئًا, حتى تسيطر على المشاعر وتوجهها لله - عز وجل - وهذا هو المقصد الأسمى من القراءة والتعلم, فالتدبر المجرد لا يكفي؛ بل لا بد من التأثر الذي من خلاله يزداد الإيمان, وتتولد الطاقة, ويحدث التغيير والتقويم, وعندما يجد أحدُنا قلبَه ينفعل ويتحرك مع آية من الآيات, فعليه أن يرد دها مرات ومرات؛ لأنه كلما فعل ذلك, ازداد الإيمان في قلبه, هذا الترديد لا يوجد له حد أقصى, فما دام وجد التجاوب استمر في ترديده, فإذا توقف التجاوب انتقل إلى ما بعدها من آيات[62.] _________________________________ [61" ]تفسير القرآن العظيم", لابن كثير, 3/667. [67" ]ديوان الإمام الشافعي", لأبي عبدالله محمد بن إدريس الشافعي, قافية الصاد, ص53, جمع وتعليق: محمد عفيف الزغبي, ط/ مكتبة المعرفة بحمص, ودار العلم للطباعة والنشر بجدة, ط/ ثالثة, 6414هـ. [62" ]الجيل الموعود بالنصر والتمكين", ص654.
عدد الصفحات ٤٩51 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ - الفصل الثالث: القرآن يحي القلوب كما يحيي الماء الأرض .. وتحته مبحثان: المبحث الأول: واجبُنا نحوَ القرآنِ الكريمِ المبحث الثاني :كيف نحيا بالقرآن؟ المبحث الثالث: : القيام بالقرآن
عدد الصفحات ٥٠56 _________________مسؤولية الشباب المسلم نحو القرآن الكريم____________ المبحث الأول :واجبُنا نحوَ القرآنِ الكريمِ للقرآن الكريم مكانة عظيمة ومنزلة رفيعة عند المسلمين؛ فهو كلام الله ووحيه المنزَّل على رسوله محمد صلى الله عليه وسلم, وهو الرسالة الخاتمة لخير أمة أخرجت للناس, وهو أيضاً مصدر الدين والتشريع والتقنين . فالقرآن هو أصل الأصول وأساسها, وهو أصل حياة الأمة وسبيل رشدها وعزتها, ولهذا فقد وصفه الله تعالى بأوصاف عدة تبين طبيعته ووظيفته, وتثبت أهميته ومكانته العظيمة, منها : أنه روح, وأنه شفاء ورحمة للمؤمنين به العاملين بهداه, وأنه هدى للمتقين, وأنه نور وضياء به تستضيء العقول وتستنير القلوب . وهذا بعض ما يجب علينا نحن المسلمين نحو كتاب الله . أولاً : واجب القراءة قال تعالى : " فَاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ الْقُرْآَنِ [ "المزمل/41 ]فعلى المسلمين اليوم أفراداً وأسراً ومجتمعات أن يخصصوا أوقاتاً بالليل والنهار سراً وعلانية لقراءة القرآن وتلاوته. ثانياً : واجب الاستماع والإنصات فالواجب : أن يكون استماعنا للقرآن وإنصاتنا له مقدماً على استماعنا لأي كلام آخر دونه؛ فعلى قدر استماع الآذان وإنصات العقول والقلوب الواعية للقرآن يكون استحقاق الرحمة للمستمع المنصت . قال تعالى : " وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآَنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنْصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ " [الأعراف/413. ] قال الشيخ السعدي رحمه الله : " هذا الأمر عام في كل من سمع كتاب الله يتلى فإنه مأمور بالاستماع له والإنصات, والفرق بين الاستماع والإنصات : أن الإنصات في الظاهر بترك التحدث أو الاشتغال بما يشغل عن استماعه, وأما الاستماع له : فهو أن يلقي سمعه ويحضر قلبه ويتدبر ما يستمع, فإن من لازم على هذين الأمرين حين يتلى كتاب الله فإنه ينال خيرا كثيرا, وعلما غزيرا, وإيمانا مستمرا متجددا, وهدى متزايدا, وبصيرة في دينه, ولهذا رتب الله حصول الرحمة عليهما, فدل ذلك على أن من تلي عليه الكتاب فلم يستمع له ولم ينصت أنه محروم الحظ من الرحمة قد فاته خير كثير, ومن أوكد ما يؤمر مستمع القرآن أنه يستمع له وينصت في الصلاة الجهرية إذا قرأ إمامه؛ فإنه مأمور بالإنصات حتى إن أكثر العلماء يقولون : إن اشتغاله بالإنصات أولى من قراءته الفاتحة وغيرها ""6 " ثالثاً : واجب الترتيل فالله تعالى أمر نبيه صلى الله عليه وسلم بترتيل القرآن الكريم, وهو أمر للأمة أيضاً, فقال تعالى : " وَرَت لِ الْقُرْآَنَ تَرْتِيلاً " [المزمل/3". ]4 " وقوله تعالى " تَرْتِيلاً " تأكيد في إيجاب الأمر به, وأنه مما لا بد منه للقارئ, واعلم أنه تعالى لما أمره بصلاة الليل أمره بترتيل القرآن حتى يتمكن الخاطر من التأمل في حقائق تلك الآيات ودقائقها فعند الوصول إلى ذكر الله يستشعر عظمته وجلالته, وعند الوصول إلى الوعد والوعيد يحصل الرجاء والخوف, وحينئذ يستنير القلب بنور معرفة الله, والإسراع في القراءة يدل على عدم الوقوف على المعاني؛ لأن النفس تبتهج بذكر الأمور الإلهية الروحانية, ومن ابتهج بشيء أحب ذكره, ومن أحب شيئاً لم يمر عليه بسرعة, فظهر أن المقصود من الترتيل : إنما هو حضور القلب وكمال المعرفة " "4 ." _____________________________________ 6- " .تفسير السعدي " (ص463) 4- "التفسير الكبير ج41 ص654 4 " .التفسير الكبير " (41/654,653.)
عدد الصفحات ٥١