المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

حين ينتقد الحداثيون صحيح البخاري حسن حنفي أنموذجا

إبراهيم بن محمد صديق

صفحة ٢ من ٢

الكبار، والس ياق سحر المسلمين في مقابل سحر اليهود ، ومستوى ثقافي بمستوى ثقافي متشابه"(1). تصوره لخاتم الن بوة: في الحديث: عن الجعيد قال: سمعت السائب يقول: ذهبت بي خالتي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقالت: يا رسول الله، إن ابن أختي وجع، فمسح رأسي ودعا لي بالبركة، ثم توض أ فشربت من وضوئ ه، وقمت خلف ظهر ه، فنظرت إلى خاتم الن بوة بين كتفيه مثل زر الحجلة(2). يتعجب حنفي من هذا الحديث، ويتساء ل عن هذا الختم فيقول: "وفي حديث آخر اشتكى له أحدهم أن بابن أخت ه وجع ا، فمسح رأسه ودعا لله بالبركة، ثم توض أ فشرب من وضوئ ه، ونظر خلف ظهره فرأى خاتم الن بوة بين كتفيه، وهو خيال محض! فالن بوة ليس لها خاتم ي رى، وأين ي وضع؟! وفي أي إصبع؟! وأين بين الكتفين؟! ولماذا يراه غير نبي؟!"(3). كيف تصو ر حسن حنفي -الناقد ل صحيح ا لبخاري وللسيرة النبوية- هذا الخاتم ؟! أليس له أن يعرف على الأقل خاتم النبوة وهو شيء بدهي يعرفه صغار طلبة العلم؟! بول النبي صلى الله عليه وسلم: إن كنت قد تعج بت من هذا النقد الساذج الصادر من أستاذ في الفلسفة فإني إخالك تنصدم حين تقرأ تحليله الآتي! (1) من النقل إلى العقل2/ 447.) (2 )أخرجه البخاري (5670.) (3) من النقل إلى العقل2/ 448.)

عدد الصفحات ١٨

في الحديثأن النبي صلى الله عليه وسلم وضع صبي ا في حجره يحن كه، فبال عليه، فدعا بماء فأتبعه(1) .وحديث أم قيس تقول: ودخلت على الن بي صلى الله عليه وسلم بابن لي لم يأكل الطعام، فبال عليه، فدعا بماء فرش عليه(2). يأتي حسن حنفي فيحلل تحليلا عجيب ا، فهو قد فه م الحديث فهم ا غريب ا، ثم استرسل ينقد بناء على فهمه! يقول: "وفي حديث آخر بال الرسول على الطعام!! ورش بماء ودعاء عليه حتى يأكل الطفل المريض الطعام!! فكيف يصح المريض بالبول حتى ولو كان بول نبي؟! البول بول، والدواء دواء، والنفس تعاف الطعام المرشوش بالبول"(3). وأظنك -أخي القارئ الكريم- لست بحاجة إلى أكثر من وضع علامة تعج ب بعد هذا الاستنتاج والتحليل الطويل! فبأي عقل فه م أستاذ الفلسفة أن النبي صلى الله عليه وسلم قد بال على الطعام؟! وفي أي كتاب وج د هذا الن ص ؟! وبدلا من استرساله في نقد هذا الفعل، ألم يكن من الأولى به أن يقرأ الرواية ولو مرة واحدة، فهي رواية قصيرة لا تتجاوز الس طر الواحد؟! التلبين حسب فهم حنفي: في الحديث: عن عائشة رضي الله عنها أنها كانت تأمر بالتلبين للمريض وللمحزون على الهالك، وكانت تقول: إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «إن الت لبينة تجم فؤاد المريض، وتذهب ببعض الحزن»(4). (1 )أخرجهالبخاري (6002.) (2 )أخرجه البخاري (5693.) (3) من النقل إلى العقل2/ 448.) (4 )البخاري5689.)

عدد الصفحات ١٩

والتلبينة مثل الحساء كما هو معروف، لكن ها عند حسن حنفي لزقة! يقول: "والتلبين للمريض وللمحزون يعرفه الطب الشعبي ، وهو أشبه ما يعرف اليوم باللبخة أو اللزقة يعالج الأمراض البدنية والنفسية"(1). الشرك عند الصحابة: في الحديث: عن عون بن أبي جحيفة، عن أبيه قال: أتيت النبي صلى الله عليه وسلم وهو في قب ة حمراء من أد م، ورأيت بلالا أخذ وضوء النبي صلى الله عليه وسلم والناس يبتدرون الوضوء، فمن أصاب منه شيئ ا تمس ح به، ومن لم يصب منه شيئ ا أخذ من بلل يد صاحبه(2). ينتقدحسن حنفي هذا الفعل ويقول: "وهو أقرب إلى الش رك طبق ا لقواعد الإيمان في البخاري ذاته، فالله هو الشافي وليس ما تبق ى من وضوء النبي ، وهو نفس الأمر أن يتوضأ الرجل من وضوء زوجته تحب ب ا إليها ، وفي هذه الحالة يسم ى الو ضوء بفتح الواو وليس بضم ها"(3). فالتبرك بالنبي صلى الله عليه وسلم شرك حسب ما يقوله البخاري كما يد عي حنفي، ألم يكن من الأنسب أن ي بين لنا أين قال البخاري ذلك؟! عنْزة حنفي: (1) من النقل إلى العقل2/ 448.) (2 )أخرجهالبخاري (5859.) (3) من النقل إلى العقل2/ 449.)

عدد الصفحات ٢٠

جاء في تتم ة حديث أبي جحيفة السابق: ثم رأيت بلالا أخذ عن ز ة، فركزها، وخرج النبي صلى الله عليه وسلم في حل ة حمراء، مشم ر ا، صلى إلى العنزة بالناس ركعتين، ورأيت الناس والدواب يمرون من بين يدي العن ز ة"(1). والعن ز ة هنا "مثل نصف الرمح أو أكبر شيئ ا، وفيها سنان مثل سنان الرمح، والعكازة قريب منها"(2). فالحديث واضح لأصحاب البصر والبصيرة؛ لكن حسن حنفي قرأها بطريقة أخرى ثم راح يحل ل ويفس ر بناء على ما قرأ! يقول: "وتشعر الحيوانات بمعجزة الرسول، فبعد أن ركز بلل عنْ زة ليقيم الص لة صلى الرسول ركعتين إلى العنزة، والد واب يمر ون بين يديه من وراء العنزة، وهو إخراج مسرحي جميل ، فبلال يرى أن مرور العنزة بين يدي الرسول أثناء الصلاة لا يجوز مستعملا بعض العنف بركزها، وصلى الرسول والحيوانات تسير أمامها بقيادة العنزة، ففي تاريخ الأديان تألف الحيوانات الرسول قبل أن يألفه الإنسان!"(3). ما أغرب هذه القراءة وهذا التحليل! وهل يقول بهذا أستاذ في الفلسفة، ومن يريد نقد العلوم الإسلامية الكبرى في الإسلام؟! فه م حنفي أن بلالا رضي الله عنه غرز عنْزة وهي أنثى الم عز، فتخي ل معي كيف أن بلالا أتى بهذا الحيوان، فغرزه أمام النبي صلى الله عليه وسلم مستخدم ا بعض العنف حتى يغرز ه! وصلى الرسول والحيوانات تسير بقيادة العنزة، ثم راح بعيد ا وهو يحل ل هذا الموقف ويقول: "ففي تاريخ الأديان تألف الحيوانات الرسول قبل أن يألفه الإنسان"، ولا نقول في تحليله إلا ما قاله هو في هذا الحديث: "إخراج مسرحي جميل". (1 )أخرجهالبخاري (376.) (2 )عمدة القاري شرح صحيح البخاري4/ 100). (3) من النقل إلى العقل2/ 449.)

عدد الصفحات ٢١

الرسول صلى الله عليه وسلم وعائشة رضي الله عنها يمارسان السحر! في الحديث: عن عائشة رضي الله عنها قالت: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم س ح ر، حتى كان يرى أنه يأتي النساء ولا يأتيهن. قال سفيان: وهذا أشد ما يكون من السحر(1). يقول حنفي محللا ومنتقد ا هذا الحديث: "وفي رواية أخرى: سحر الرسول لأنه كان يرى أنه يأتي النساء فلا يستطيع، وهو أشد أنواع السحر عليه، والضعف الجنسي له أسبابه العضوي ة وليس السحر والربط كما هو الحال في العادات الشعبية"(2) .ثم راححنفي يربط هذا الحديث بغيره، ويستذكر ما يتذكره من أحاديث البخاري، ولا بأس إن خانته العبارة فالمهم النقد هنا ولا شيء آخر؛ ولذلك أتى بخلطة عجيبة فقال بعد كلامه السابق: "وقد ش في الرسول بالعجوة والس حر المضاد ، وكيف يكون الدواء بالعجوة والسحر؟! وكيف يمارس الرسول أو عائشة السحر ؟! صحيح أن السحر مذكور في القرآن سحرة موسى ، ولكنه سحر باطل قائم على خداع الحواس"(3). يحق لحنفي أن يتساءل بالفعل: كيف يمارس الرسول عليه الصلاة والسلام السحر ؟! ويحق لنا أيضا أن نسأل حسن حنفي: أين قرأ ممارسة النبي صلى الله عليه وسلم للسحر وعائشة معه؟! هوام الرأس والدواء العجيب: في الحديث: عن كعب بن عجرة رضي الله عنه قال: أتى علي النبي صلى الله عليه وسلم زمن الحديبية، والقمل يتناثر على وجهي، فقال: «أيؤذيك هوام رأسك؟» قلت: نعم، قال (1 )أخرجهالبخاري (5765.) (2) من النقل إلى العقل2/ 451.) (3) من النقل إلى العقل2/ 451.)

عدد الصفحات ٢٢

«فاحلق، وصم ثلثة أيام، أو أطعم ستة مساكين، أو انسك نسيكة» .قال أيوب: لا أدري بأي هذا بدأ(1). يأتي حنفي لنقد هذا الحديث فيقول"إن علاج إيذاء هوام الرأس الحلق أو وضع الدواء المطه ر لقتلها، فكيف يكون العلاج صوم ثلاثة أيام أو إطعام ستة مساكين أو النسك بعض الوقت؟!"(2). نتفق معه أن العلاج ليس هو الصيام، لكن أين وجد حنفي هذا العلاج؟! وكيف ترك أو ل الحديث والذي فيه بيان العلاج وهو حلق الرأس، ثم راح ينتقد آخره بفهم غريب؟! يتعج ب حنفي من أن يكون العلاج الصيام أو الإطعام أو التنسك بعض الوقت، ونتعج ب نحن من فهمه واستنباطه وهو الأستاذ الكبير في الفلسفة، مع عجزنا عن إدراك مراده بالن سك بعض الوقت! ماء الأكمه: في السياق السابق فيما يخص الت داوي يأتي حنفي بفهم غريب آخر وهو ينتقد حديث سعيد بن زيد رضي الله عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الكمأة من المن، وماؤها شفاء للعين»(3). والكمأةثمرة تنبت في الأرض كما يعرف الجميع، لكنها عند حنفي شيء آخر تمام ا، وبناء على فهمه الغريب البعيد ينتقد الحديث، يقول: "وكيف يكون ماء الأكم ه شفاءً للعين؟! كيف يكون ماء المريض دواءً للمريض إلا بدافع الع ج ب وشد الانتباه والخروج عن المألوف؟!"(4) .وبالفعل كيف يكون ماء الأكمه شفاء للعين؟! لكن أين الأكمه هنا؟! (1 )أخرجهالبخاري (4190.) (2) من النقل إلى العقل2/ 454.) (3 )أخرجهالبخاري (4478.) (4) من النقل إلى العقل2/ 454.)

عدد الصفحات ٢٣

هل كان حنفي ينظر جي د ا في الحديث حين يريد أن ينقده ، أم أنه يسوقه كما جاء في باله فالهدف أن ينقد فحسب؛ في مشروع يد عي أنه قد تخاذل عنه الناس وتجر أ عليه هو. اكتشاف لم يسبق إليه: في نقده لصحيح البخاري يجول حنفي في أبواب البخاري وكتبه ليكتشف لنا شيئ ا لم ي سبق إليه! يقول: "وتبلغ ذروة الحديث كما رواه البخاري في التوحيد والعدل، له كتاب عن التوحيد، وليس له كتاب في العدل، فهو أشعري من أهل التوحيد، وليس معتزلي ا من أهل التوحيد والعدل...والبخاري أشعري حتى النخاع"(1). ولا تحتاج في هذا إلى أكثر من معلومة واحدة، فالبخاري الذي يدعي حنفي أن ه أشعري قد توفي سنة 256هـ بينما ولد الأشعري سنة 260هـ! الفرقة الناجية: في الحديث: «إن هذا القرآن أنزل على سبعة أحرف، فاقرؤوا ما تيس ر منه»(2). يأتي المفس ر حنفي فيخلط كعادته ليقول لنا: "وإذا كان القرآن قد أنزل على سبعة أحرف، فلماذا حصره في حرف واحد هي الفرقة الناجية فرقة السلطان"(3) .ومن الحاذق الذي يستطيع أن يستخرج لنا العلاقة بين الفرقة الناجية والحرف الواحد؟! ذكر اسم الله عند شرب الخمر! في الحديث: «إذا استجنح الليل -أو قال: جنح الليل- فكفوا صبيانكم؛ فإن الشياطين تنتشر حينئذ، فإذا ذهب ساعة من العشاء فخل وهم، وأغلق بابك واذكر اسم الله، وأطفئ (1) من النقل إلى العقل2/ 473-474.) (2 )أخرجهالبخاري (7550.) (3) من النقل إلى العقل2/ 478.)

عدد الصفحات ٢٤

مصباحك واذكر اسم الله، وأوك سقاءك واذكر اسم الله، وخمر إناءك واذكر اسم الله، ولو تعرض عليه شيئً ا»(1). هذا الحديث يشرحهحسن حنفي فيقول: "والشياطين تحل في الليل؛ لذلك لا ينبغي للصبيان الخروج من المنازل إلا بعد ساعة من العشاء، مع غلق الباب وذكر اسم الله عند شرب الماء أو الخمر (وخمر إناءك) وإطفاء المصباح"(2). فكيف يمكننا أن نثق بعقل رجل ينقد البخاري وهو يفهم من قوله عليه الصلة والسلم «خمر إناءك» أنه الخمر، وأنه يذكر اسم الله عند شربه؟ وأخيرً ا: كان إهداء حنفي في طرة الكتاب هو الآتي: "إلى كل من يتجر أ على نقد المتن كما تجر أ القدماء على نقد السند". أم ا حسن حنفي فما أغرب تجر ؤه هذا! ك ناط ح ص خْر ة ي وْماً لي و ه ن ها ف ل مْ ي ض رْ ها وأوْهى ق رْن ه الوع ل وهذا هو النقد الذي قد مه حسن حنفي كما ترى؛ ب خلط عجيب بين أحاديث لا علاقة بينها، وفهم غريب للحديث لم يسبقه إليه أح د، ولا ندري بأي بص ر وبصيرة قرأ البخاري حين أراد نقد ه؛ إذ إنه يخطئ في أيسر العبارات، إلا إن كان حاطب ليل فت ح صحيح البخاري كيفما ات فق له على عجالة، فكتب ما كتب. ويعل ل حنفي لما كتبه بأن الثقافة "تتغير بتغي ر العصور والأزمان، والعلوم -مثل الفلسفات والفنون- جزء من تصورات العالم التي تعب ر عن تطور الوعي الإنساني"(3)،إلا أنني لا أظن أن الوعي الإنساني يرضى بما قد مه حنفي من نقد غريب ساذج لصحيح البخاري! (1 )أخرجهالبخاري (3280.) (2) من النقل إلى العقل (2/ 371.) (3 )من النقل إلى العقل2/ 7.)

عدد الصفحات ٢٥

وهذه القراءة المستعجلة لمشروع ه تنب ئك -أخي القارئ الكريم - بمدى هشاشة النقدات على صحيح البخاري، وتضخيم بعض الناس لها مما يكو ن هالة على مثل هذا النقد، فيتقبله العقل البسيط، وصحيح البخاري لا تزيده الأيام والنقدات إلا انتشار ا بين الناس بفضل الله، وصلى الله على نبي نا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.

عدد الصفحات ٢٦