في أصل الحكم وتارة في وصفه(١2 فإذا كانوا يستأصلون لحاهم وشواربهم خالفناهم في أصل ذلك الفعل بإعفاء اللحى وقص الشوارب » وإن كانوا يوفرون لحاهم وشواربهم وافقناهم في أصل إعفاء اللحى . وخالفناهم في صفة توفير الشوارب بقصها . وأخذ ما طال عن الشفة » كا بينته سنة سيد ولد آدم صلى الله عليه وسلم في الآخرة والأولى . السادس : وإذا سلمنا أن علة هذا الحكم هو مخالفة المجوس فمخالفة المسلمين للمشركين على وجهين كما أشار :إلى ذلك شيخ الإسلام رحمه الله في « الاقتضاء » . الوجه الأول : تخالفهم لمجرد المخالفة كما خخالف الرسول صل الله عليه وسلم أهل الكتاب في فرق الشعر بعد أن وافقهم أولا إذ كان يسدل تأليفاً )١( نظير ذلك ما رواه أنس بن مالك رضي الله عنه « إن اليهود كانوا إذا حاضت امرأة فيهم لم يؤاكلوها وم يجامعوها في البيوت ٠ فسأل أصحاب النبي صل الله عليه وسلم النبي صلى الله عليه وسلم فأنزل الله تعالى : ( ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء ف المحيض ) إلى آخر الآية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : « أصنعوا كل شيء إلا التكاح » » فبلغ ذلك اليهود فقالوا : ما يريد هذا الرجل أن يدع من أمرنا شيئا إل خالفنا فيه فجاء أسيد بن حضير وعباد بن بشر فقالا : يا رسول الله إن اليهود تقول كذا وكذا أفلا نجامعهن ؟ فتغير وجه رسول الله صل الله عليه وسلّم حتى ظنا أن قد وجد عليهما فخرجا » فاستقبلهم| هدية من لبن إلى النبي صل الله عليه وسلّم فأرسل في آثار*ما فسقاهما فعرفا أن لم يجد عليههما ) أخرجه مسلم وأبو عوانة والترمذي . قال شيخ الإسلام في الاقتضاء ( فهذا الحديث يدل على كثرة ما شرعه الله لنبيه من تخالفة اليهود بل على أنه خالفهم في عامة أمورهم حتى قالوا : « ما يريد أن يدع من أمرنا شيا إل خالفنا فيه » ثم إن المخالفة كما سنبينه تارة تكون في أصل الحكم وتارة في وصفه . ومجانبة الحائض لم يخالفوا في أصله بل خولفوا في وصفه حيث شرع الله مقاربة الحائض في غير محل الأذى , فلم أراد بعض الصحابة أن يتعدى في المخالفة إلى ترك ما شرعه الله تغير وجه الرسول صلى الله عليه وسلم . وهذا الباب باب الطهارة كان على اليهود فيه أغلال عظيمة » فابتدع النصارى ترك ذلك كله حتى أنهم لا ينجسون شيثا بلا شرع من الله » فهدى الله الأمة الوسط بما شرعه لما إلى الوسط من ذلك . وإن كان ما كان عليه اليهود كان أيضاً مشروعاً » فاجتناب ما لم يشرع الله اجتنابه مقاربة لليهود , وملابسة ما شرع الله اجتنابه مقاربة للنصارى » وخير الفدى هدى محمد صل الله عليه وسلم ) اه . ناا
عدد الصفحات ٣٣لهم فلم) أصروا على الكفر خالفهم » ومثل ذلك صوم عاشوراء أمر بالمخالفة بصوم يوم قبله أو بعده غخالفة لهم لا غير"» . الوجه الثاني : أن يكون الأمر الذي أمرنا بمخالفتهم فيه مضراً في ذاته منقصا . ومخالفتهم فيه كمال ومصلحة ) . وهذا هو الشأن في حرمة حلق اللحية ووجوب إعفائها إذ هدى المجوس فيه نقص وإضرار . وتخالفتهم كمال وصلاح لأن إعفاء اللحية من سنن الأنبياء التي اتفقت عليها الشرائع » وما ينطبق عليه الوجه الثاني نبي الرسول صل الله عليه وسلم عن الشرب والأكل في انية الذهب والفضة الثابت في البخاري ومسلم فمع كونه من هدى الكفار إلا أن هديهم في ذلك منقصة وتركه كمال ومصلحة . والله أعلم . 2 ٠ سبهه : الصلاة في النعال وخضاب الشيب 3 وكلاهما ليس بواجب 3 وبناء عليه تتمائل الأدلة الواردة في الخحضاب والصلاة بالنعال وإعفاء اللحية بجامع أن كلا منها قصد به مخالفة الكفار . الجواب : أن هذا القياس فاسد من وجوه : الأول : أنه قياس منصوص على منصوص ٠. وشرط القياس أن يكون الفرع غير منصوص عليه . الثاني : أن علة الأمر بالصلاة في النعال وتغيير الشيب بالخضاب إنما هي محرد المخالفة لا غير في حين أن علة الأمر بإعفاء اللحية ليست المخالفة وحدها الثالث : أن الأمر بالصلاة في النعال وردت أدلة - أشهر من أن تذكر - تصرفه من الوجوب إلى الندب عند من يقول به فقد صلى الرسول صل الله )١( وهذه المخالفة المقصودة هي في حد ذاتها مصلحة ومنفعة للمؤمنين لما في مخالفتهم من المجانبة والمباينة التي توجب المباعدة عن أعمال أهل الجحيم . قال : وهذا لا يحس به إلآ من نور الله قلبه حتى رأى ما اتصف به المغضوب عليهم والضالون من المرض الذي ضرره أشد من ضرر أمراض الأبدان . كن
عدد الصفحات ٣٤عليه وسلم حافياً وكذلك الصحابة رضوان الله عليهم . بخلاف الأمر بإعفاء اللحية حيث لم يأت صارف يصرفه عن الوجوب إلى الندب , والمعروف أن شرط الحكم في القياس أن يكون حكم الفرع مساويا لحكم الأصل . فلا يصح قياس واجب على مندوب والعكس لعدم مساواتها في الحكم0" . الرابع : وقد أشار إليه شيخ الإسلام في « الاقتضاء 20 معلقاً على حديث ( غيروا الشيب . ولا تشبهوا باليهود ولا بالنصارى )209 ,» حيث قال رحمه الله : ( وهذا اللفظ أدل على الأمر بمخالفتهم والنبي عن مشابهتهم فإنه إذا نمى عن التشبه بهم في بقاء بياض الشيب الذي ليس من فعلنا فلآن ينبى عن إحداث التشبه بهم أولى » ولهذا كان هذا التشبه بهم يكون حراما بخلاف الأول )اه . وبعبارة أخرى : الأمر بالخضاب أمر بتغيير الشيب الذي نتفق مع الكفار فيه إذ نبقيه بدون صبغ . وني هذه ال حال يوافق المسلم الكافرفي شيء ليس من فعله بل هو مقتضى السئن الكونية التي تسري على المسلم والكافر ومع هذا استحب له الخضاب . أما إذا وافق المسلم الكفار في حلق اللحية فقد شابيهم في شيء تسبب هو في فعله وأحدثه من نفسه فأدى إلى موافقتهم فيها يصادم الفطرة والشرع معاء والعلم عند الله تعالى . وقد نبه الإمام ابن العربي إلى نحو هذا المعنى حيث قال في] نقله عنه القاري في المرقاة9؟2- ما نصه : ( وإنما نبى عن النتف - أي نتف الشيب -دون الخضب لأن فيه تغيير الخلقة من أصلها , بخلاف الخضب فإنه لا يغير الخلقة على الناظر إليه والله الموفق )ااه . )١( أما خضاب الشيب فقد ذهب بعض الفقهاء إلى أنه واجب منهم الإمام أحمد في رواية عنه ع أنظر فتح الباري ( )"08/١١ . (7) اقتضاء الصراط المستقيم ص 088 . (5) أخرجه الإمام أحمد وابن حبان في صحيحه والترمذي عن أبي هريرة رضي الله عنه . (4) مرقاة المفاتيح ( 459/5 ) . و6
عدد الصفحات ٣٥7 فصبال عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنههما قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : « ليس منا من تشبه بالرجال من النساء ولا من تشبه بالنساء من الرجال 276 وعن أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم الرجل يلبس لبسة المرأة » والمرأة تلبس لبسة الرجل )29 . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : ( لعن النبي صل الله عليه وسلم المخنثين من الرجال والمترجلاات من النساء » وقال : 0 أخرجوهم من بيوتكم » قال : فأخرج النبي صل الله عليه وسلم فلانا » وأخرج عمر فلانا )29 . وني لفظ : ( لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء » والمتشبهات من النساء بالرجال ) وقال ابن حجر الطيثمي )١( أخرجه الإمام أحمد بسنده عن رجل من هذيل قال : رأيت عبد الله بن عمرو بن العاص ومنزله تمشي مشية الرجل فقال عبد الله : من هذه ؟ قال الهذيلٍ : فقلت هذه أم سعيد بنت أبي جهل 2 فقال سمعت رسول الله صل الله عليه وسلم يقول ..... فذكر الحديث ..... والحديث وصله البخاري في التاريخ . زفة أخرجه أبو داود وابن ماجة والحاكم وأحمد . وقال الحاكم ( صحيح على شرط مسلم ؛ وأقره الذهبي . زففة أخرجه البخاري وأبو داود والدارمي وأحمد عن ابن عباس رضي الله عنهها . ف
عدد الصفحات ٣٦الشافعي في « الزواجر١) : ( الكبيرة السابعة بعد المائة : تشبم الرجال بالنساء فيا يختصصن به عرفاً غاباً من لباس أو كلام أو حركة أو نحوها وعكسه . عد هذا من الكبائر واضح لما عرفت من هذه الأحاديث الصحيحة وما فيها من الوعيد الشديد . والذي رأيته لأثمتنا أن ذلك التشبه فيه قولان : أحدهما : أنه حرام » وصححه النووي بل صوبه » وثانيها : أنه مكروه » وصححه الرافعي في موضع 2 والصحيح بل الصواب ما قاله النووي من الحرمة » بل ما قدمته من أن ذلك كبيرة » ثم رأيت بعض المتكلمين عن الكبائر عدة منها وهو ظاهر )اه . وقال الحافظ ابن حجر في «فتح الباري »29 عند شرح حديث ابن عباس : « لعن رسول الله صلى الله عليه وسلم المتشبهين من الرجال بالنساء » والمتشبهات من النساء بالرجال » . ( قال الطبري : لا يجوز للرجال التشبه بالنساء في اللباس والزينة التي تختص بالنساء ولا العكس , وقال الشيخ أبو محمد بن أبي جمرة : ظاهر اللفظ الزجر عن التشبه في كل شىء » لكن عرف من الأدلة الأخرى أن المراد التشبه في الزي وبعض الصفات والحركات ونحوها , لا التشبه في أمور الخير» قال : والحكمة في لعن من تشبه إخراجه الشيء عن الصفة التي وضعها عليه أحكم الحكماء » وقد أشار إلى ذلك في لعن الواصلات بقوله : « المغيرات خلق الله ,09)اها. . ) ١08/1١ ( الزواجر عن اقتراف الكبائر )١( (7) فتح الباري ( 7377/٠١ ) . (*) أخرجه البخاري ومسلم وغيرهما عن ابن مسعود مرفوعاً : ( لعن الله الواشمات والمستوشمات والنامصات والمتنمصات والمتفلجات للحسن المغيرات لخلق الله ) . يذنا
عدد الصفحات ٣٧د فص كل 2 هق اللو ب لشم النسَار قال الشيخ أبو حامد الغزاليي في « الإحياء » : ( ومها - أي اللحية يتميز الرجال من النساء ) اه () . وقال المحقق ابن قيم الجوزية رحمه الله29 : ( وأما شعر اللحيقا(") ففيه منافع : منها : الزينة والوقار واطهيبة 3 ولهذا لا يرى على الصبيان والنساء من الهيبة والوقار ما يرى على ذوي اللحى . ومنها : التمييز بين الرجال والنساء ) اه . وقال محدث الشام ناصر الدين الألباني حفظه الله 249 : ( ولا يخفى أن في حلق الرجل لحيته التي ميزه الله بها على المرأة - أكبر تشبه بها ) اه . وقال الشيخ أحمد بن محمد بن الصديق : ( ومن عجيب ما ظهر في الوقت تشبه الرجال بالنساء وتشبه النساء بالرجال . فالشاب يتخنث ويحلق وجهه كل صباح 3 ويدلكه ويلمعه بالأدهان والسوائل المعدة لذلك ىا يفعل النساء ...)©6)اها. . ) إحياء علوم الدين (؟//9ا0" )١( () التبيان في أقسام القرآن ص 77١ . (9) اللحية إسم للشعر النابت على الخدين والذقن ( فتح الباري )"60/1١ . (5) آداب الزفاف في السنة المطهرة (ص ١77 ) . (6) كتاب مطابقة الاختراعات العصرية لما أخبر به سيد البرية للشيخ أحمد بن محمد بن الصديق (ص/؟١). ْ كنا
عدد الصفحات ٣٨شبهات وجوابها (أ) إن حلق اللحية لا تشبه فيه بالنساء » لأن المشابهة تقتضي وجود وجه يتفق فيه المتشابهان 03 والمرأة لا لحية لها تحلقها حتى يقال إن الرجل إذا حلقها كان متشبهاً مبا 3 ولا يطلق على وجه المرأة أنه محلوق بخلاف وجه الرجل . وجوابه : أن كل ذي بصر وبصيرة يشهد بأن عارضي حالق لحيته كعارضي المرأة في كونهها لا شعر عليههما » والعبرة بالغاية الواقعة المشاهدة لا بالوسيلة الموصلة إليها » وهذه الغاية همي كون وجه الرجل كوجه المرأة » وأما الوسيلة الموصلة إليها فإنها تحرم تبعاً لا استقلالا » » وإلا فأجيبونا : ما تقولون في المرأة لو اتخذت لحية مصنوعة من شعر وجعلتها في مجهها أمتشبهة هي بالرجال أم تقولون إنها ليست متشبهة لأن اللحية في وجه الرجل ليست مصنوعة فانتفى الشبه ؟ هذا ما لا يقوله منصف . والمقصود أن الشبه مبنى على وجود اللحية وعدم وجودها لا على الوسيلة الموصلة إلى ذلك . - قال المخالف : ( ب ) لوسلمنا أن من حلق حيته تشبه بالنساء » فإن هذا الشبه ينتفي إذا أعفى شاربه لأنه يخالف انذاك وجه المرأة . وجوابه : إن المحرم هو التشبه بالنساء في أي شيء تثبت به المشابهة ولوكان ذلك ني أي عضو من جسده دون سائره » فمن صبغ أطرافه بالحناء كان متشبها بالنساء ولو كان ذا لحية وشارب وقميص وعمامة » ودليله ما روى من أن رسول الله صلى الله عليه وسلم نفى المخنث الذي تشبه بالنساء بخضاب يديه ورجليه بالحناء2'9 . قال المخالف : علة الأمر بإعفاء اللحى منصوص عليها حيث قرن الأمر للإعفاء بالأمر بمخالفة المشركين » والحكم الواحد لا يجوز أن يعلل بعلتين » وعليه فلا يصح تعليل الأمر بإعفاء اللحى بعلة عدم مشابهة النساء . عن
عدد الصفحات ٣٩والجواب : لو سلمنا أن الحكم الواحد لا يعلل بعلتين فإن تعليل تحريم حلق اللحية بالتشبه بالنساء والتشبه بالكفار تعليل بعلة واحدة وهي التشبه بالغير » لكن قال ابن السبكي في « جمع الجوامع » : ( وجوز الجمهور التعليل للحكم الواحد بعلتين وادعوا وقوعه . كما في اللمس والمس والبول المانعكل منها من الصلاة مثلا ) اه ممزوجاً بشرح المحلى ٠ وأنت إذا سألت عامة المسلمين من أهل السنة عن وجه الحليق من يشبه ؟ لقالوا : وجه المرأة ووجه النصراني لأن كلاهما لا لحية له . والعلة متعددة » وتعدد العلة هو الكثير الواقع في الشرع , فالخمر والقمار معلل تحريمهم| بإيقاع العداوة والبغضاء » والصد عن ذكر الله وعن الصلاة » وفساد العقل . وأكل فال الغير بالباطل وتحريم الزنا معلل بفساد الأنساب وهتك الأعراض ٠ ولكن الشارع قد يعلل الحكم بعلة ويسكت عن تعليله بأخرى لحكمة تقتضي ذلك . فمثلا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الأدوات ٠ فتؤذوا الأحياء 2١) . يصح تعليله بعلة أخرى وهي كونه غيبة محرمة 3 وأذا قال صلى الله عليه وسلم : ( لا تسبوا الأموات ٠ فإنهم قد أفضوا إلى ما قدموا )(؟) ؛ لكن اقتضى المقام ذكر علة إذاية الأحياء بسب الأموات مثلا دون غيرها لأن ذكر تلك العلة يحمل كل من يسمعها على اعتبارها ولوكان كافا فاسقاً لآن إذاية الأحياء الحاضرين نما يورط في الشر والفتنة ؛ وكذا هنا علل الشارع الحلق بمخالفة الكفار لأجل التنفير من حلقها » حيث إن القرآن ذم الكفار وأحوالهم فأورث ذلك في قلوب الصحابة نفوراً عظيمًا وكراهية شديدة لأمورهم ؛ فكانوا إذا علموا بالشيء أنه من فعل الكفار بادروا إلى تركه ونفروا منه وكرهوه ٠ ألا ترى كيف نهى رسول الله صلل الله عليه وسلم رافعم بن خديج عن الذبح بالظفر ثم علل نبيه بأنه من فعل الكفار فقال : ( أما الظفر فمدى الحبشة )9 . ( ح) قال المخالف : تشبه الرجل بالمرأة خاص بالزي واللباس ولا دخل للحية فيه بدليل قوله . رواه الإمام أحمد والترمذي عن المغيرة وصححه الألباني )١( . رواه البخاري والإمام أحمد والنسائي من حديث عائشة رضي الله عنها )1( 5 رواه البخاري ومسلم وأبو داود والنسائي والترمذي وابن ماجة والبيهقي وأحمد 2 5
عدد الصفحات ٤٠5-5 صل الله عليه وسلم : ( لعن الله الرجل يلبس لبسة المرأة » والمرأة تلبس لبسة الرجل )١() وأما النص العام في التشبه فيجب حمله على الخاص . وهذه الدعوى منقوضة على وجهين : الأول : قد تقدم الحديث الصريح في لعن المتشبه بالنساء في كل شيء في ذاته ولباسه . وقد روى البخاري عن ابن عباس رضي الله عنههما قال : ( لعن رسول الله صل الله عليه وسلم المختثين من الرجال ) ٠ قال الحافظ : ( المخنث من يشبه خلقة النساء في حركاته وكلامه وغير ذلك )اه . وقال ابن علان في « شرح رياض الصا حين » في صفة المتشبه بالنساء : ( إنه المحاكى هن في أفعالهن وأقوالهن وأحوالهن )اه . وقال الحافظ المنذري في « الترغيب » ما نصه : ( الترهيب من تشبه الرجل بالمرأة والمرأة بالرجل في لباس . أو كلام أو حركة أو نحو ذلك )اه . وقال القاري في المرقاة(')في شرح حديث ابن عباس رضي الله عنب) ( لعن النبي صل الله عليه وسلم المختثين ) « بفتح النون المشددة وكسرها » . والأول أشهر أي : المتشبهين بالنساء ( من الرجال ) في الزي واللباس والخضاب والصوت والصورة والتكلم وسائر الحركات والسكنات » من خنث يخنث كعلم يعلم إذا لان وتكسر فهذا الفعل منبى عنه لأنه تغيير خلق الله ) . وقد ثبت في الحديث أن الحناء في اليدين والرجلين تشبه بالنساء كا في قصة نفي المخنث في المدينة29 . ونقل القاري في المرقاة عن « شرح السنة » : ( ففي شرعة الإسلام الحناء سئة للنساء ء» ويكره لغيرهن من الرجال إلا أن يكون لعذر لأنه تشبه بهن )240 . )١( أخرجه أبو داود والحاكم وقال : على شرط مسلم 3 وأقره الذهبي . (9) مرقاة المفاتيح : (04/7: ) . (5) رواه أبو داود في « كتاب الأدب » من سننه من حديث أب هريرة » وقال النووي رحمه الله في « المجموع» ( لكن إسناده فيه مجهول ) . (4) مرقاة المفاتيح : ( 450/17 ) . 1:١
عدد الصفحات ٤١وروى الطبراني عن ابن عباس رضي الله عنه| أن المرأة مرت على رسول الله صل الله عليه وسلم متقلدة قوسا فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( لعن الله المتشبهات بالرجال ) ومشابهة حالق اللحية للمرأة أوضح من مشابهة من تقلدت القوس بالرجال . الثانٍ : التخصيص عند الأصوليين من الضرورات التي لا يصار إليها إلا عند الاضطرار وتعذر العمل بالنصين اللذين يخص أحدههما الآخرء أما إذا كان العمل بالنصين معاً ممكناً فلا يجوز تخصيص أحدهما بالآخر لأن التتخصيص نوع من النسخ . وإبطال لبعض ما يدل عليه النص من المعنى » وعليه فتخصيص التشبه بأنه في اللباس فقط تحكم وإبطال لبعض مدلول النص » ولا يصح لكل من ضاق ذرعاً بنص أن يدعى تخصيصه بغير ضابط . قال المخالف : ( د ) الأعمال بالنيات . ومن يحلق لحيته لا يقصد التشبه بالنساء » فكيف يستوي بمن بقصده ؟ وجوابه : أن هذا مما لا يقوله عالم بل هو من التأويل المغرض ٠ إذ أن مدار التشبه على الصورة الظاهرة بغض النظر عن قصد صاحبها لأن التشبه من الأعمال التي لا يتوقف الاتصاف بها على القصد والنية كالإتلاف والقتل والضرب . فمن فعل ذلك اتصف به وإن لم يقصده . وكذلك من صبغ يده بالحناء فهو متشبه بالنساء وإن ل يقصده . لكن الشرع رفع الإثم عن المتلف والقاتل والضارب الذين لم يتعمدوا لعدم قصدهم , وألزمهم الغرامة لأجل فعلهم , وأما المتشبه فلم يرفع عنه الإثم لعدم قصده , لأن المفسدة التي يقصد الشارع درءها بالنبي موجودة في فعله وإن لم يكن له قصد فيها . ولذا نمي عن الأعمال التي لم يقصد عاملها التشبه ولا خطر على باله » وروى مسلم عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهم| : ( اشتكى رسول الله صلى الله عليه وسلم فصلينا وراءه وهو قاعد , وأبو بكر يسمع الناس تكبيره » فالتفت إلينا فرانا قياماً فأشار إلينا فقعدنا » فصلينا بصلاته قعوداً » فلم) سلم قال : إن كدتم لتفرنون فعل فارس والروم . يقومون على ملوكهم وهم قعود , فلا تفعلوا ٠ ائتموا 3
عدد الصفحات ٤٢بأئمتكم . إن صل قائيًا فصلوا قياماً وإن صلى قاعداً فصلوا قعوداً ) زاد في رواية : ل ا قال شيخ الإسلام معلقا أ: ( ومعلوم أن المأموم إِتما نوى أن يقوم لله ل لإمامه ,رملا تشديد ميم في البي حي القيام لجل القاعد » وني آيضا عما يشبه ذلك ؛ وإن لم يقصد به ذلك . وهذا نهى عن السجود لله بين يدي الرجل » وعن الصلاة إلى ما عبد من دون الله كالنار ونحوها 2 وفي الحديث أيضاً نبى عما يشبه فعل فارس والروم وإن كانت نيتنا غير نيتهم » لقوله « فلا تفعلوا » » فهل بعد هذا في النبي عن مشابيتهم في مجرد الصورة غاية ؟! ثم هذا الحديث سواء كان محكمًا في قعود الإمام أو منسوخاً فالحجة منه قائمة لأن نسخ القعود لا يدل على فساد تلك العلة وإنما يقتضي أنه قد عارضها ما ترجح عليها ) أه . ومن ذلك نبيه صلى الله عليه وسلم عن الصلاة وقت طلوع الشمس ووقت الغروب معلل بأنها « « تطلع وتغرب بين قرنى الشيطان وإنه حينئذ يسجد ها الكفار » » ومعلوم أن المؤمن لا يقصد السجود إلا لله تعالى » وأكثر الناس لا يعلمون أن طلوعها وغروبها بين قرني شيطان . ولا أن الكفار يسجدون ها ومع ذلك نبينا عن مجرد مشاببتهم حسً) للمادة وسداً للذريعة وإن لم نقصد ذلك وفي حديث أبي هريرة رضي الله عنه قال : ( نهانٍ رسول الله صل الله عليه وسلم عن ثلاث : نقرة كنقرة الديك . وإقعاء كإقعاء الكلب . والتفات كالتفات الثعلب(22 . ولا يخفى أن المصلى الذي يفعل هذا لا يقصد التشبه بالحيوانات المذكورة » وأمثلة هذا أكثر من أن تحصر ففيما ذكرناه كفاية » وقد نص الحافظ في « الفتح » » على أن ( من كان مخنثاً بطبعه في كلامه ومشيه يجب عليه أن يتكلف ترك ذلك لثلا يكون متشبهاً بالنساء وإلآ كان مذموماً )”© أه . منه بمعناه . . رواه الإمام أحمد )١( . ) 389/1٠١ ( فتح الباري )( 5*
عدد الصفحات ٤٣نضل الحم وفع الترعى الال وعلترها كن يزه الن' قال تعالى : (لقد كرمنا بني أدم ) الآية0") , قال الشنقيطي رحمه الله : ( قال بعض أهل العلم : من تكريه لبني آدم خلقه لهم على أكمل اليئات وأحسنها9"© أه . وذكر أهل التفسير أشياء من وجوه هذا التكريم على سبيل المثال لا الحصر » ومنها ما قاله محبي السنة البغوي رحمه الله 3 ( قيل 8 الرجال باللحى » والنساء قال أبو حيان رحمه الله : ( وقيل باللحية للرجل . والنؤابة للمرأة ) أه . قال القرطبي رحمه الله : ( وقيل : أكرم الرجال باللحى والنساء وقد قال تعالى : ( صبغة الله ومن أحسن من الله صبغة )(© . وقال عزّ وجل : ( وصوركم فأحسن صوركم )2 . وقال جل وعلا : ( لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم )"2 . وقال تبارك وتعالى : ( يا أيها .)17١ : الإسراء (١ )١( (؟) أضواء البيان : ( 850/7 ) . 5) ( البقرة : 1١4 ) . (5) ( التغابن : 7) . (©) ( التين : 4). 3
عدد الصفحات ٤٤الإنسان ما غرك بربك الككريم الذي خلقك فسواك فعدلك في أي صورة ما شاء ركبك )(2, وكان الأحنف بن قيس رجلا عاقلا حليً) يضرب به المثل في الحلم » وكان لا تنبت له لحية » وذكر عن شريح القاضي أنه قال : ( وددت أن لي لحية بعشرة ألاف درهم ) ووصفه بعض قومه فقال : ( وددت أنا اشترينا للأحنف لحية بعشرين ألفاً فلم يذكر حنفه ولا عوره . وذكر كراهية عدم اللحية لأن اللحية عند العقّلاء من الكمال والجحمال والرجولة » فلا شك أن اللحية نعمة جليلة تفضل الله بها على الرجال . ولا شك أيضاً أن حلقها كفر بهذه النعمة العظيمة » وانتكاس عن سنة من هديه خير ال هدى صلى الله عليه وسلم وانحطاط إلى مستوى الأوروبيين الكفرة الذين زين لهم سوء أعمالهم » فحسبوا أن التمدن والكمال في القضاء على أكبر الفوارق الظاهرة بين الرجل والمرأة : يقضي على المرء في أيام محنته حتى يرى حسناً ما ليس بالحسن . )5 الإنفطار: ()١( 56
عدد الصفحات ٤٥فسثل / .ك2 ا مالقروة ا ملأشباءه لما ذكر الله تعالى من ذكر من الأنبياء في سورة الأنعام » قال لنبينا صلى الله عليه وسلم . ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) » وأمره صلى الله عليه وسلم أمر لنا لأنه قدوتنا » ولأن الله تعالى يقول ( لقد كان لكم في رسول الله أسوة حسنة ) الآية("© . ويقول : ( قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله ) الآية0© ويقول : ظ وما اتاكم الرسول فخذوه 474) . ويقول ( من يطع الرسول فقد أطاع الله )200 ومن طاعته اتباعه فيها أمر به كله » إلا ما قام فيه دليل على المخصوص به صل الله عليه وسلّم » وباستقراء القرآن العظيم تعلم صحة ذلك حيث يعبر فيه داثمًا بالصيغة الخاصة به صلى الله عليه وسلم »ثم يشير إلى أن المراد عموم حكم الخطاب للأمة . كقوله في أول سورة الطلاق : ( يا أيها النبي ) ثم قال : ( إذا طلقتم النساء ) الآية » فدل على دخول الكل حكيًا تحت قوله ( يا أيها النبي ) » وقال في سورة التحريم : ( يا أيها النبي لم تحرم ) الآية ثم قال : ( قد فرض الله لكم تحلة أيمانكم ) فدل على عموم حكم الخطاب بقوله ( يا أيها النبي ) الآية » ونظير ذلك أيضاً في سورة الأحزاب في قوله تعالى : (يا أيها النبي اتق الله ) ثم قال : ( إن الله كان بما تعملون خبيراً ) » فقوله ( بما تعملون) يدل على عموم الخطاب بقوله (يا أيها النبي ) » وكقوله ( وما تكون في شأن ) . ثم قال : ( ولا تعملون من عمل إل . بتصرف ) 50٠ -68/1( هذا البحث مستفاد من أضواء البيان للشنقيطي رحمه الله )١( .)7١ : (الأحزاب )0 ”) ( آل عمران : )7”١ . (4 (الحشر: لا). (6) ( النساء : ١٠م). كك
عدد الصفحات ٤٦كنا عليكم شهوداً ) الآية(1),» ومن أصرح الأدلة في ذلك اية الروم » واية الأحزاب ٠ أما آية الروم فقوله تعالى . ( فأقم وجهك للدين حنيفاً ) ثم قال ( منيبين إليه ) وهو حال من ضمير الفاعل المستتر المخاطب به النبي صل الله عليه وسلم في قوله ( فأقم وجهك ) الآية » وتقرير المعنى : فأقم وجهك يا نبي الله » في حال كونكم منيبين » فلولم تدخل الأمة حكم) في الخطاب الخاص به صل الله عليه وسلم لقال : منيباً إليه بالإفراد لإجماع أهل اللسان العربي عل أن الحال الحقيقية أعني التي لم تكن سببية تلزم مطابقتها لصاحبها إفراداً وجمعا وتثنية » وتأنيثاً وتذكيراً » فلا يجوز أن تقول : جاء زيد ضاحكين . ولا جاءت هند ضاحكات . وأما آية الأحزاب فقوله تعالى في قصة زينب بنت جحش الأسدية رضي الله عنها : « فلما قضى زيد منها وطراً زوجناكها » فإن هذا الخطاب خاص بالنبي صللى الله عليه وسلم » وقد صرح تعالى بشمول حكمه لجميع المؤمنين في قوله ٠ لكيلا يكون على المؤمنين حرج » الآية وأشار إلى هذا أيضاً في الأحزاب وسلّم في قوله : ٠ وأمرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للبي 06" الآية لوكان حكمه خاصاً به صلى الله عليه وسلم لأغنى ذلك عن قوله : « خالصة لك من دون المؤمنين » كما هو ظاهر » وقد ردت عائشة رضي الله عنها على من زعم أن . تخيير الزوجة طلاق . بأن رسول الله صلى الله عليه وسلم خير نساءه فاخترنه » فلم يعده طلاقاً مع أن اخطاب في ذلك خاص به صل الله عليه وسلم في قوله تعالى ويا أيها النبي قل لأزواجك إن كنتن تردن » الأيتين'" 0 مالك رحمه الله بيئونة الزوجة بالردة قوله « لثن أشركت لي بيلو من فو سر عملك(؟), وهو خطاب خاص به صل الله عليه وسلّم . .)1١١ 1: ريوس )١( (م (الأحزاب : ,)6٠١ مم( الأحزاب : 798-154 ). (5)( الزمر: 56) . 7و3
عدد الصفحات ٤٧فصشل اللاي للقن على أن إعفار اللحيته قال العلامة محمد الأمين الشنقيطي رحمه الله عند تفسير قوله تعالى : ( قال يا بنؤم لا تأخذ بلحيتي ولا برأسي إني خشيت أن تقول فرقت بين بني إسرائيل وم ترقب قولي )200 , ما نصه : 55 هذه الآية الكريمة بضميمة آية « الأنعام » إليها تدل على لزوم”؟ إعفاء اللحية » فهي دليل قرأني على إعفاء اللحية وعدم حلقها. واية الأنعام المذكورة هي قوله تعالى ( ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون ) الآية ثم إنه تعالى قال بعد أن عد الأنبياء الكرام المذكورين : ( أولئك الذين هدى الله فبهداهم اقتده ) فدل ذلك على أن هارون من الأنبياء الذين أمر نبينا صلى الله عليه وسلم بالاقتذاء بهم . وأمره صل الله عليه وسلم بذلك أمر لنا » لأن أمر القدوة أمر لأتباعه كما بينا إيضاحه بالأدلة القرانية في هذا الكتاب المبارك في سورة المائدة » وقد قدمنا هناك أنه ثبت في صحيح البخاري أن مجاهدا سأل ابن عباس رضي الله عنهها : من أين أخذت السجدة في «١(ص» قال ما تقرأ « ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسى وهارون أولئتك الذين هدى الله فبهداهم اقتده» فسجدها داود فسجدها (03)رطه: 94). (؟) الاستدلال بالآيتين على الوجوب فيه نظرء وسيأتي قريباً إن شاء الله . م5
عدد الصفحات ٤٨