1 بسم الله الربضن الرحيم الحمد لله رب العالدين ، والصلبة والسلبـ علي رسولو الأمين وعلي آلو وصحبو أبصعين الشاهد القرآني في علم السياسة الشرعية - نماذج وضوابط – د. عبد الكريم عثمان علي عثمان – جامعة وادي النيل – السوداف –aabidkreem@yahoo.com الإسلبـ رسالة ختم الله بها الرسالات ، ولذلك جاء وفيو قابلية الاستمرار والتطور مع الزمن ، وفق ضوابط لزددة ومعروفة ، وفي الإسلبـ تصور متكامل للوجود ، عبّّ عنو الكاتبوف في لستلف المجالات ، بأدبيات استندت في الأساس إي الررآ ف الكريم والسنة النبوية الشريفة ، وقد بيَّنت ىذه الكتابات الدتنوعة أف الإسلبـ دين شامل ، يعالج كل الرضايا ، ويهتم بكل الجزئيات ، ولا لراؿ في و لإلعاؿ جانب علي حساب آخر ، ومن الرضايا الدهمة التي أثارت نراشاً واسعاً ، قضية السياسة في الفكر الإسلبمي ، وذلك لأنها لم تأت مفصلة بأدلة جزئية كما في برية الأحكاـ ، فجاءت أدبياتها متأثرة بالواقع وبذارب الآخرين ، ولكن يظل الارتكاز علي الررآف الكريم لزوراً أساسياً للؤفكار السياسية عند الدؤلفين في ىذا المجاؿ عبّ لستلف الأزمنة ، وعلي ىذا الأساس نهض علمٌ عُرِؼ بعلم السياسة الشرعية ، ركَّز بصورة أساسية علي قضايا الحكم والسياسة ، وللكشف عن ىذا الدوضوع يأتي ىذا البحث للمشاركة في ىذا الدؤبسر الدبارؾ ضمن لزور– الشاهد القرآني في العلوم العربية والإسلامية ، بعنوان : الشاهد القرآني في علم السياسة الشرعية –نماذج وضوابط- أولاً : أىداؼ البحث : يهدؼ ىذا البحث للكشف عن لزورية الررآف في الفكر السياسي الإسلبمي ، وكيف استنبط العلماء قضايا السياسة من الكتاب الكريم ، وما ىي الضوابط في ىذا المجاؿ؟ ثانياً : منهج البحث : الدنهج الاستررائي الوصفي التحليلي ، مع الالتزاـ بدوجهات الدؤبسر. ثالثاً : خطة البحث : قُسِّمَ البحثُ إي مردمة وثلبثة مباحث وخابسة علي النحو التاي : 1- الدردمة : فيها ألعية الدوضوع ، وأىدافو ، ومنهجو ، والخطة الدتبعة 2- الدبحث الأوؿ : حوؿ مفهوـ السياسة الشرعية وتارلؼها 3- الدبحث الثاني : لظاذج من التعامل مع الشاىد الررآني في علم السياسة الشرعية 4- الدبحث الثالث: ضوابط التعامل مع الشاىد الررآني في علم السياسة الشرعية. 5- الخابسة : فيها أىم النتائج والتوصيات
عدد الصفحات ١2 المبحث الأول : حول مفهوم السياسة الشرعية وتاريخها السياسة في اللغة: السّوس بالفتح : الرياسة ، وساسوىم سوساً ، وإذا رأسوه قيل سوّسوه وأساسوه ، ورجل ساس من قوـ ساسة وسوّاس ... وسوَّ سو الروـ جعلوه يسوسهم ، والسياسة فعل السائس ، وىو من يروـ علي الدواب ويروّ ضها ، وسوس لو أمراً أي روّضو وذلػلو ... والسياسة الرياـ علي الشيء بدا يصلحو(1) ،وقاؿ أبو البراء : السياسة ىي استصلبح الخلق بإرشادىم إلى الطريق الدن جي في العاجل والآجل ، وىي من الأنبياء علي الخاصة والعامة في ظاىرىم وباطنهم ، ومن السلبطين والدلوؾ علي كل منهم في ظاىرىم لا غير ، ومن العلماء ورثة الأنبياء علي الخاصة في باطنهم لا غير (2) وفي الحديث:كانت بنو إسرائيلَ تسوسهم الأنبياءُ "(3) . السياسة في الاصطلبح تتعدد الابذاىات في تعريف السياسة ، ولكنها في لرملها تتمحور حوؿ قضية السلطة ، وفي العصر الحديث تطورت الدعارؼ وتداخلت الثرافات ، وانفتح العالم بعضو علي بعض ، وىنا لا بد من الإشارة إي أف للثرافة ومكوناتها دور كبير في نظرة الدنظر ين للسياسة ، " فهناؾ اختلبؼ النظرة إي السياسة منذ عصر الاغريق والروماف إلى العصور الحديثة ، ما بين مثالية وواقعية وعضوية وسلوكية ، إلى آخر ذلك من مدارس ، بيد أننا ينبغي أف نضع في الأذىاف أف ذلك لا يعني عدـ وجود مبادئ عام ة بركم العملية السياسية ، وإلا فلم يكن لعلم السياسة أف يروـ بناؤه لزتلبً مراماً عالياً بين لستلف فروع الدعرفة الإنسانية" (4) ، وإذا كاف كذلك فلنذكر تعريفاً للسياسة من العصر الحديث يكوف منطلراً لنراش الرضية برؤية إسلبمية ، فالغربيوف يرولوف : السياسة علم حكم الدوؿ ، وآخروف يرولوف : السياسة علم حكم المجتمعات الانسانية(5) ، وإذا كاف ىذا ال تعريف يتحدث عن السياسة في الفكر الوضعي ، فإننا معنيوف ىنا بتوضيح السياسة الشرعية. (1) تاج العروس من جواىر الراموس : مرتضي الزبيدي مطبعة حكومة الكويت : 1983ـ : ج16 : ص157- 159 بتصرؼ (2) الكليات : أبو البراء أيوب بن موسي : مؤسسة الرسالة : بيروت : ط2 :1998ـ : ص515 (3) صحيح البخاري : لزمد بن اسماعيل البخاري: دار طوؽ النجاة : بيروت ط1 :1422ىػ : ج4 : ص169 : كتاب الأنبياء : باب ما ذكر عن بني إسرائيل (4) في علم السياسة الإسلبمي : د. عبد الربضن خليفة : دار الدعرفة الجامعية : مصر 1989ـ : ص36 (5) أصوؿ الفكر السياسي في الررآف الدكي : د. التجاني عبد الرادر حامد : الدعهد العالدي للفكر ا سلبمي : واشنطن : 1995ـ : ص17 ، وانظر كذلك النظاـ السياسي في الإسلبـ : باقر شريف الررشي : دار التعارؼ بيروت : ط4 :1987ـ : ص39
عدد الصفحات ٢3 فالسياسة الشرعية ىي : علم يػُ بْ حَ ثُ فيو عما يدبر بو من الروانين والنظم التي تتفق وأصوؿ الإسلبـ ، وإف لم يرم علي كل تدبير دليل خاص (1) ،وقيل : ىي كل فعلٍ يكوف معو الناس أقرب إي الصلبح وأبعد عن الفساد ، وإف لم يضعو الرسوؿ صلي الله عليو وسلم ، ولا نزؿ بو وحي (2) ،وىذه مسألة في نظري واسعة جداً ، لكن فيها قدر كبير من الانضباط والتحديد ، بدا وضعو العلماء من شروط لفرو الدصلحة ، الذي يعد من الدباحث الدقيرة التي برتاج لاجتهاد صادؽ يؤ من معو من الفتنة واتباع الذوي ، لرد اجتهد كثيروف في العصر الحديث ، كل حسب ابذاىو في إلغاد صلبت ب ين كثير من النظريات السياسية الحديثة والإ سلبـ ، مصطحبين في ثنايا تف سيراتهم الدصلحة من وجهة نظرىم ، فبعضهم عبّّ عن ذلك بالكتابة في الاشتًاكية ، وبعضهم بالدلؽرراطية ، إي غيرىا من الاجتهادات ، "وىكذا لغد الباحث الددقق في الأنظمة السياسية الاسلبمية نفسو أماـ لرموعة كبيرة جداً من التفسيرات للئسلبـ ، أثناء اطلبعو علي البحث الإسلبمي في لراؿ النظرية السياسية" (3) . نشأةعلم السياسة الشرعية وتطوره : درس الأوائل ربضهم الله أىم قضية في علم السياسة وىي قضية السلطة ، من منطلق دليل الإبصاع ، وىذا بحد ذاتو يعكس الرصور الكبير في بحوث السياسة الشرعية ، وعزلذا عن الدصدرين الأولين للتشريع ، يروؿ الجويني ربضو الله : "فنحن نروؿ : العلم يػُتػَلَرَّى من العرل والشرع ، وأساليب العروؿ بدجموعها لا لغوؿ في أصوؿ الإمامة وفروعها ، والرواطع الشرعية ثلبثة : نصٌ من كتاب الله لا يتطرؽ إليو التأويل ، وخبٌّ متواتر عن الرسوؿ لا يعارض إمكاف الزلل روايتو ونرلو ، ولا يرابل الاحتمالات متنو وأصلو ، وإبصاع منعرد ، فإذاً لا ينبغي أف يطلب مسائل الإمامة من أدلة العرل ، بل يُ عرض علي الرواطع السمعية ، ولا مطمع في وجداف نصٍ من كتاب الله في تفاصيل الإمامة ، والخبّ الدتواتر مُ عوز أيضاً ، فآؿ مآؿ الطلب في تصحيح الدذىب إي الإبصاع ، فكل مرتضي ألفيناه معتضد بإبصاع السا برين فهو مرطوع بو ، وكل ما لم يصادؼ فيو إبصاعاً ، اعتردناه واقعة من أحكاـ الشرع ، وعرضناه علي مسالك الظنوف" (4) (1) النظاـ السياسي في الاسلبـ : مرجع سابق : ص 51 (2) الطرؽ الحكمية في السياسة الشرعية : ابن قيم الجوزية : دار عالم الفوائد للنشر والتوزيع : السعودية : بدوف تاريخ : ج1 : ص29 (3) النظريات السياسية الإسلبمية في العصر الحديث : د. منظور الدين أبضد : جامعة الدراسات الإسلبمية : باكستاف : ط1 :1989ـ : ص23 (4) غياث الأمم في التياث الظلم : أبو الدعاي الجويني : دار الدعوة للطباعة والنشر : الاسكندرية1997ـبرريق : د. مصطفي حلمي و د. فؤاد عبد الدنعم : بدو ف تاريخ : ص47
عدد الصفحات ٣4 فهذا النص يعكس بوضوح تأثير الواقع والصراع الفكري والحربي حوؿ مسألة الإمامة علي قضية الاستنباط للمبادئ السياسية من الررآف الكريم ، لرد تأثر ىذا التنظير السياسي بشكل كبير بدذىب الشيعة في الإمامة ، فانصبت الجهود للرد عليهم ، ولعل ىذا ما يفسر قلة التنظير السياسي وشمولو لرضايا المجتمع بالدرارنة مع ما توسع فيو الأوائل ربضهم الله من دراسة أبواب الأحكاـ الأخرى ، فهناؾ تراث واسع وخصب ، وتفنن عرلي واضح في دراسة أبواب الفرو الأخرى ، وليس غريباً بعد ىذا ألا لصد في كتاب الجويني ، غير أحد عشر آية من الررآف الكريم ، بعضها بعيد الصلة بالرضايا السياسية ، لرد بردث الررآف الكريم عن الحكم وقضاياه ، وتكلم عن الدبادئ الأساسية للسياسية ، والإدارة وأفاض في ذكر قصص السابرين وبذاربهم السياسية ، ثم إف لشارسة الرسوؿ صلي الله عليو وسلم حافلة بالتطبيق العملي لذذه الدبادئ والريم ، وكذلك فتًة الخلبفة الراشدة والدمارسة السياسية التي حدثت فيها ، تردـ بذربة سي اسية عملية قلّ أف لغد التاريخ لذا مثيلبً ، ثم حدث الالضدار والتحوؿ من الحوار إي العنف السياسي ، ومن الخلبفة الراشدة إ ي الدلك العضوض ، الذي صحبو شيء من البعد عن مبادئ الررآف الكريم والسنة النبوية . "بدأت الكتابات في السياسة عند الدفسرين والدُ حَ دِّ ثين ضمناً عند شرح الآيات والأحاديث التي تتعلق بأوي الأمر ، ووجوب طاعتهم ومدي الطاعة ، ثم صرلػة عند بعض الدفكرين الدسلمين الرريبين من الحكاـ ، فرد كتب عبد الله بن الدرفع – وىو من أصل فارسي ، مات سنة 143ىػ- رسالة الصحابة إي جعفر الدنصور الخليفة العباسي الد توفي سنة 151ىػ ،وتتجو ىذه الرسالة إي بياف مدي طاعة وي الأ مر ، وفيها توجيهات من الإدارة ، وتوحيد الروانين الدطبرة علي الرعية في بصيع الأ مصار الإسلبمية"(1) ، ثم تطور امر ليأخذ ابذاىات متعددة ولؽكن ترسيم الدؤلفات السياسية في رحلة تطورىا إي الآتي(2) 1-مؤلفات وثيرة الصلة بالررآف والسنة والدصادر التشريعية ، ومنها كتاب الأحكاـ السلطانية للماوردي ، وغياث الأمم للجويني ، والسياسة الشرعية لابن تيمية وغيرىا 2-كتب وضعها رجاؿ الإدارة ، وأصحاب كتب الدواعظ والتوجيهات للحكاـ والولاة ، ومن أمثلتها كتاب الأدب الكبير لابن الدرفع ، وكتاب سراج الدلوؾ للطرطوشي وغيرىا 3-كتب الفلبسفة الترليديين أمثاؿ الكندي والفارابي وابن سينا ، وىؤلاء كانوا لررد نرلة للفلسفة اليونانية (1) شيخ الإسلبـ ابن تيمية والولاية السياسية الكبّي في الإسلبـ : د. فؤاد عبد الدنعم أبضد : دار الوطن : ط1 : 1417ىػص 49 (2) غياث الامم : مرجع سابق : ص 9ـ-11 ـ : من مردمة المحرق بتصرؼ
عدد الصفحات ٤5 ولألعية علم السياسة ومباحثو عند الدسلم بذده قد بزلل كثيراً من فروع الدعرفة الشرعية ، "ولذذا لصد الدتكلمين يتحدثوف في العريدة عن الله سبحانو وتعاي ، وأسمائو وصفاتو ، كما يتحدثوف عن الخلبفة والرياسة وقواعد الحكم ، ولصد علماء الأصوؿ أثناء تناولذم لدصادر الشريعة وأصوؿ الأحكاـ ، يتناولوف أيضاً الخلبفة ، وىل ىي من الأصوؿ أ و الفروع ، ولصد الفرهاء مع حديثه م عن الطهارة و الصلبة والزكاة والصياـ والحج ، أو البيوع وال ر ىن والإجارة يتناولوف أيضاً الحكم والرضاء والأمراء والولايات والسياسة الشرعية ومرتضياتها ، ومسائل الجهاد والسلم والحرب وىكذا" (1) إف الأصوؿ الفكرية للرضايا السياسية في الررآف الكريم وسنة النبي الكريم صلوات الله وسلبمو عليو ، واجتهادات العلماء الواسعة في ىذا المجاؿ ، تؤكد أصالة علم السياسة من بين العلوـ الإسلبمية ، وتبين بجلبء أف الدين الإسلبمي ليس ديناً خالياً من الفكر السياسي كما زعم بعض الحاقدين والجاىلين من بعض الدستشرقين وأتباعهم داخل بلبد الإ سلبـ ، لرد استمرت مسيرة الفكري السياسي حتي عصرنا الحاضر ، فرُدِّمت دراساتٌ كثيرة عن الفكر السياسي الإسلبمي في الجامعات العربية و الإسلبمية ، وفي غيرىا من المحافل ، استوعبت الداضي وربطت بين الأ صل وقضايا العصر ، ولا يسع الدراـ بسرد ىذا الجهد في ىذا البحث. المبحث الثاني :نماذج من التعامل مع الشاهد القرآني في علم السياسة الشرعية: الررآف الكريم كتاب مراصدي ، ولرد نالت قضية مراصد الررآف حظها من البح ث عند الردماء وعند المحدثين ، يروؿ ابن عاشور : "إف الررآف أنزلو الله تعاي كتابا لصلبح أمػر الناس كافة، رحػمة لتبليغهم مراد الله منهم، ... فكاف الدرصد الأعلى منو صلبح الأحواؿ الفردية والجماعية والعمرانية" (2) ،وقاؿ الشيخ دراز : "فالشئوف التي تناولذا الررآف علي تنوعها وكثرتها، نستطيع أف لصملها في أربعة مراصد، ىي في الحريرة كل مطالب الدين والفلسفة والأخلبؽ، مرصداف نظرياف، لعا معرفة الحق ومعرقة الخير، ومرصداف عملياف ، تثمرلعا ىاتاف الدعرفتاف إذا قُ دِّ رَ لذما أف تثمرا ، فثمرة معرفة الحق ىي ترديس الحق واعتناقو ، وبشرة معرفة الخير ىي فعل الخير والتزامو" (3) ومن بصلة ىذه الدراصد ،تنظيم الأحواؿ والشئوف السياسية ، فبها صلبح الأفراد والمجتمعات ، وبها انتظاـ العمراف ، ف اىتماـ الررآف بها من الدسلمات ، وإف جادؿ حولذا أصحاب الأىواء والأغراض ، أو الجهلة والحمرى ، والدتتبع لذذا الأ مر قد يلحظ تباينا في التناوؿ ، واختلبفا في الطرح ، و قد يكوف ذلك بسبب الانرساـ السياسي الذي بدأ مبكراً جداً في العالم الإسلبمي ، و الذي كانت تتداخل فيو (1) غياث الأمم : مرجع سابق : ص 8ـ-9ـ : من مردمة المحرق (2) تفسير التحرير والتنويرلزمد ابن عاشور : الدار التونسية للنشر : بدوف تاريخ : ج1 : ص38 (3) لرلة المجلةالعدد7 : ذوالحجة1376ىػ : يوليو1958ـ : ص97
عدد الصفحات ٥6 السياسة مع العريدة ، وكاف كل فريق يبحث عن متكأ قرآني منو ينطلق ، وعليو يبني ، والخطورة ىنا أف يكوف للسياسة والآراء السياسية الدسبرة الدنحرفة ، تأثير علي تأويل النصوص الررآنية ، قاؿ الشاطبي : خلب عمر ذات يوـ ، فجعل لػدث نفسو ، كيف بزتلف ىذه الأمة ونبيها واحد وقبلتها واحدة ؟ فراؿ ابن عباس : يا أمير الدؤمنين إنا أنزؿ علينا الررآف فررأناه ، وعلمنا فيم ن زؿ ، وإنو سيكوف بعدنا أقواـ يرر ؤ وف الررآف ولا يد روف فيم نزؿ ، فيكوف لذم فيو رأي ، فإذا كاف لذم فيو رأي اختلفوا ، فإذا اختلفوا اقتتلوا ، ... قاؿ الشاطبي ربضو الله : وما قالو صحيح في الاعتبار ويتبين بدا ىو أقرب ، فرد روي ابن وىب عن بكير ، أنو سأؿ نافعا كيف كاف رأي ابن عمر في الحرورية ؟ قاؿ : يراىم شرار خل ق الله ، إنهم انطلروا اي آيات أنزلت في الكفار ، فجعلوىا علي الدؤمنين ، فهذا معني الرأي الذي نبو ابن عباس عليو ، وىو الناشئ عن الجهل بالدعني الذي نزؿ فيو الررآف (1) ، فالخوارج حين خرجوا علي الإماـ علي ، كانوا يتمسكوف بظاىر الررآف ، ولػكمونو في غير موضعو ، إي أف ردىم ابن عباس في حواره الدشهور معهم . فالتنظير السياسي الدستند إي الررآف الكريم قد يكوف تأويلبً واستنباطاً موفراً ، وقد يكوف انتحالاً باطلبً ، لا ترره مبادئ الررآف العامة ، ولا سنة النبي صلي الله عليو وسلم ، وبين ىذا وذاؾ مستويات عديدة من الالضراؼ ، وىذا بلب شك موضوع طويل ، واسترصاؤه لػتاج لوقت ، ولكن حسبنا أف نشير لنماذج من ذلك ، لطرج بعدىا بالضوابط الدطلوبة في ىذا الباب. من الشواهد القرآنية فيما يتعلق بالحاكم : يروؿ العلبمة ابن خلدوف: إف الاجتماع الإنساني ضروري ويعبّ الحكماء عن ىذا برولذم: الإنساف مدني بالطبع، أي لابد لو من الاجتماع الذي ىو الددنية في اصطلبحهم وىو معني العمراف (2)، فالإنساف لا يستطيع أف يعيش منفردا ، فحاجتو للمجتمع أس اسية وفطرية ، و ىذه المجتمعات لا بد لذا من نظاـ عليو تسير وبو تأتلف ، والمجتمع الإسلبمي بذلك أوي ، يروؿ ابن عاشور : "فإقامة حكومة خاصة وعامة للمسلمين ، أصل من أصوؿ التشريع الإسلبمي ، ثبت ذلك بدلائل كثيرة ، من الكتاب والسنة ، بلغت مبلغ التواتر الدعنوي ، لشا دعا الصحابة بعد وفاة النبي صلي الله عليو وسلم ، إي الإسراع بالتجمع والتفاوض، لإقامة خلف عن الرسوؿ في رعاية الأ مة الإسلبمية ، فأبصع الدهاجروف والأنصار ، يوـ السريفة ، علي إقامة أبي بكر الصديق خليفة عن رسوؿ الله للمسلمين ، ولم لؼتلف الدسلموف بعد ذلك في وجوب إقامة خليفة ، إلا شذوذا لا يعبأ بهم من بعض الخوارج وبعض الدعتزلة ، نرضوا الإبصاع (1) الدوافرات في أصوؿ الشريعة : الشاطدار ابن عفاف : ط1 :1997ـ : السعوديةج3 :ص348 (2) مردمة ابن خلدوف ، عبد الربضن بن لزمد بن خلدوف : بيروت: دار الجيل : بدوف تاريخ ص46
عدد الصفحات ٦7 ، فلم تلتفت لذمالأبصار ، ولم تصغ لذم الأ سماع" (1) ،لرد وردت في الررآف الكريم مصطلحات كثيرة خاصة بالفرو السياس ي ، ولدا كانت ىذه الفررة لسصصة للحديث عن الحاكم ، فإف لذذه الكلمة مرادفات أخري تدؿ علي معناىا ، "فإف رئيس الدولة قد لرَّ بو الدسلموف في العصور الإسلبمية الأوي بالخليفة ، وأمير الدؤمنين ، والإماـ الأعظم ، وكاف بشة ظروؼ وأسباب أدت إي ظهور ىذه الألراب للرائم بأمور الدسلمين"(2) ،فالجويني مثلبً سمي ىذا الدبحث – في معني الإمامة ووجوب نصب الأئمة وقادة الأمة – وقاؿ عنها : "الإمامة رياسة تامة وزعامة عامة ، تتعلق بالخاص ة والعامة في مهمات الدين والدنيا متضمنها حفظ الحوزة ، ورعاية الرعية ، وإقامة الدعوة بالحجة والسيف ، و كف الجنف والحيف ، والانتصاؼ للمظلومين من الظالدين ، واستيفاء الحروؽ من الدمتنعين ، وإيفاؤىا علي الدستحرين" (3) ، وقد تفاوتت طرؽ الاختيار للشاىد الررآني علي ىذه الدسألة بين العلماء ، وىذه بعض النماذج. استشهد ابن تيمية بروؿ الله تعاي : ﭽ ﯢ ﯣ ﯦ ﯧ ﯝ ﯞ ﯟ ﯠ ﯡ ﯨ ﯩ ﯤ ﯥ ﯦ ﯧﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﭼ(النساء:51-55) ، علي مشروعية قياـ النظاـ السياسي في الإسلبـ بصورة عامة ، فجعل الأوي للحاكم والثانية للرعية ، فراؿ : نزلت الآية الأوي في ولاة الأمور ، عليهم أف يؤدوا الأ مانات إي أىلها ، وإذا حكموا بين الناس أف لػكموا بالعدؿ ، ونزلت الثانية في الرعية من الجيوش وغيرىم" (4) ، واستشهد الداوردي بالآية الثانية وقاؿ : الإمامة موضوعة لخلبفة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدنيا ، وعردىا لدن يروـ بها في الأمة واجب بالإبصاع (5) ، ثم ناقش وجوبها فراؿ : وقالت طائفة وجبت بالعرل ، ... وقالت طائفة أخري وجبت بالشرع دوف العرل ... ولكن جاء الشرع بتفويض الأمور إي وليو في الدين ، قاؿ الله عز وجل: ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾﯿ ﭼ(النساء:95) ، ففرض علينا طاعة وي الأمرفينا ، وىم الأئمة الدتأمروف علينا(1) ، لرد شكلت ىذه الآية لزوراً مهماً عند علماء السياسة الشرعية ، وحتي كتب التفسير حينما تناولت ىذه الآية ،لم بزل من إشارات لذذا التنظير السياسي ، فالرازي مثلبً يروؿ في قولو تعاي : وإذا حكمتم بين (1) أصوؿ النظاـ الاجتماعيالإسلبـ : لزمد بن عاشور : الدؤسسة الوطنية للكتاب : الجزائر : ط 3 : ص257 (2) رئاسة الدولة في الفرو الإسلبمي : د. لزمد رأفت عثماف : مطبعة السعادة : مصر : بدوف تاريخ : ص أ (3) غياث الأمم : ص15 (4) السياسة الشرعية في إصلبح الراعي والرعية : أبضد بن تيمية : دارعالم الفوائد للنشر والتوزيع : د. ت : ص 5 (5) الأحكاـ السلطانيةوالولايات الدينية : أبو الحسن علي بن حبيب الداوردي : مكتبة دار ابن قتيبة : الكويت : ط 1 :1989ـ :ص3 (1) الأحكاـ السلطانية : ص3
عدد الصفحات ٧8 الناس أف بركموا بالعدؿ "كالتصريح بأنو ليس لجميع الناس أف يشرعوا في الحكم بل ذلك لبعضهم ، ثم بريت الآية لرملة في أنو بأي طريق يصير حاكماً ، ولدا دلّت سائر الدلائل علي أنو لا بد للؤمة من الإماـ الأعظم ، وأنو ىو الذي ينصب الرضاة والولاة في البلبد ، صارت تلك الدلائل كالبياف لدا في ىذه الآية من الإبصاؿ "(2) ،والررطبي أورد بصلة من أقواؿ الصحابة والعلماء في ىذه الآية ، وبينَّ أف بعضهم قصرىا علي سبب النزوؿ ، وىو قضية مفتاح الكعبة ، وغيرىم قاؿ أنها خاصة بولاية النساء ، ولكنو رجّح عمومها وشمولذا فراؿ : "والأظهر في الآية أنها عامة في بصيع الناس ، فهي تتناوؿ الولاة فيما إليهم من الأ مانات في قسمة الأمواؿ ، ورد الظلبمات والعدؿ في الحكومات وىذا اختيار الطبّي ، وتتناوؿ من دونهم من الناس في حفظ الودائع والتحرز من الشهادات وغير ذلك ، كالرجل لػكم في نازلة ما ولضوه ، والصلبة والزكاة وسائر العبادات أ مانة الله تعاي "(3) ، فالآية بلب شك تتحدث عن موضوع سياسي بامتياز ، ولكنها أُ خذِ ت عند الدؤلفين في ىذا العلم وحيدة ، ولو أخذ ت بصورة موضوعية ، وبنظرة شاملة لدا ورد في الررآف الكريم ، لدهَّ د ذلك لإخراج نظرية سياسية قرآنية شاملة منذ وقت مبكر ، واستشهد الدالري برولو تعاي : ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤ ﯥﭼ (البررة: 192 ) ،وقاؿ : يعني لولا أف الله تعاي أقاـ السلطاف في الأرض يدفع الروي عن الضعيف ، وينصف الدظلوـ من الظالم ، لأىلك الروي الضعيف ، وتواثب الخلق بعضهم علي بعض ، فلب ينتظم لذم حاؿ ، ولا يسترر لذم قرار ، فتفسد الأرض ومن عليها ، ثم امتنّ الله تعاي علي الخلق بإقامة السلطاف ، فراؿ تعاي :ﭽ ﯢ ﯣ ﯦ ﯧ ﯝ ﯞﭼ البررة: 192 ، يعني إقامة السلطاف(4) ، ولكي نناقش ىذا الاستنباط ، فلنذكِّر بدا جاء عند الطبّي الذي يروؿ: ولولا أف الله يدفع ببعض الناس وىم أىل الطاعة لو والإلؽاف بو –بعضا – وىم أ ىل الدعصية لله والشرؾ بو ...لفسدت الأرض : يعني لذلك أىلها بعروبة الله إياىم ، ففسدت بذلك الأرض ، ولكنّ الله ذو منّ علي خلرو وتطوّؿ عليهم ، بدفعو بالبّ من خلرو عن الفاجر ، وبالدطيع عن العاصي منهم ، وبالدؤمن عن الكافر (1) ، وقاؿ الثعالبي : لولا دفعو بالدؤمنين في صدور الكفرة علي مرّ الدىر ، لفسدت الأرض ، لأف الكفر كاف يطبرها ، ولكنو سبحانو لا لؼلي الزماف من (2) مفاتيح الغيب : الرازي : دار الفكر : د. ت . ج 15 : ص146 (3) الجامع لأحكاـ الررآف : أبو عبد الله الررطبي : مؤسسة الرسالة : بيروت ط 1 :2556ـ : ج4:ص514 (4) الشهب اللبمعة في السياسة النافعة : أبو الراسم بن رضواف الدالري : دار الثرافة: الدغرب : ط1 :1984ـ ص65-62 (1) جامع البياف : لزمد بن جرير الطبّي : ىجر للطباعة والنشروالإعلبف : ط1 :2551ـ: ج4: ص514
عدد الصفحات ٨9 قائم بحق وداع إي الله ، إلى أف جعل ذلك في أمة لزمد إي قياـ الساعة (2) ،وقاؿ ابن عاشور : ولدا كاف النوع الإنساني ىو الدهيمن علي برية الدوجودات في الأرض وىو الذي تظهر في أفراده بصيع التطورات والدساعي ، خصّتو الآيات بالكلبـ ، فرالت : ﭽ ﮰ ﮱ ﯓ ﯔ ﯕ ﯖ ﯤ ﯥ ﭼ (البررة: 192 ) إذ جعل الله في الإنساف الروة الشاىية لبرائو وبراء نوعو ، وجعل فيو الروة الغاضبة لرد الدفرط في طلب النافع لنفسو ، وفي ذلك استبراء برية الأنواع ، لأف الإنساف يذب عنها لدا في برائها من منافع لو"(3) ،إف الاستشهاد بهذه الآية علي إقامة الحكومة والنظاـ السياسي ليس بعيداً ، ولكنو حصْ رٌ للموضوع في جزء من دلا لة الآية ، فمن خلبؿ سياؽ الآية ، يظهر أنها أشمل من أف برصر في موضوع السلطاف أو الرئيس ، فدفع الله الناس بعضهم ببعض ، ظاىرة كونية تشمل مفردات كثيرة في الحياة ، بعضها ليس لو علبقة بالنظاـ السياسي ، فهناؾ غرائ ز ودوافع في الطباع لػصل بها التدافع ، ولعل لريء لفظ الناس في الآية يوحي ب عموـ ىذا الأمر بين الناس ، فهو يرع بين الدؤمنين والدؤمنين ، وبينهم وبين الكافرين ، وكذلك بين الكافرين والكافرين ، فتعارض الدصالح واختلبؼ الدشارب كلها مظاىر لذذا ، أما صديق حسن خاف فرد أورد لرموعة من الآيات في فصل مسترل ، عنوف لو برولو – فصل في آيات كرلؽات وردت في الخلبفة والإمارة ، وإطاعة أىلها والحكم بدا أنزؿ الله تعاي ، والأمر بالدعروؼ والنهي عن الدنكر-(4) ،إف آيات كثيرة برمل في ثناياىا الإشارة إي إقامة الحكومة والنظاـ السياسي ، حتي في الآيات الدكية لؽكننا أف لصد من يشير إي ذلك ، يروؿ التجاني عبد الرادر معلرا علي قولو تعاي : ﭽ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉ ﮂ ﮃ ﭾﭼ (الأعراؼ: 282) ،"وإذا كانت الأمة حسب فهمنا للآية السابرة من سورة الأعراؼ أف تهدي للحق وتعدؿ بو ، فالعدؿ بالحق يرتضيها إقامة – أداة تنفيذية- وىي الحكومة(5) ، وىذا استنباط لا بسنعو قواعد التفسير ، ولا ترفضو مناىج العلماء ما داـ الدعني في رحاب الآية وفحواىا ، وإذا سرنا علي ىذا الدنهج فسنأ تي علي كثير من الآيات برمل إشارات سياسية ، لرد حاوؿ بعض الباحثين أف ينفي الدعاني والتوجيهات السياسية في كتاب الله تعاي ، وسنة نيو صلي الله عليو وسلم ، فمثلبً علي عبد الرازؽ ، ألَّ ف كتابا ادعى فيو أنو لا دليل من الكتاب ولا من السنة علي وجوب نصب الخليفة ، وىو يرمي بذلك إي إفراغ الإسلبـ من اشتمالو علي أي نظاـ سياسي ، وردَّ عليو بصع من علماء زمانو ، ، وقد أوجز ابن عاشور وأفا د حين ذكر في ثنايا رده عليو : علي أف الررآف قد شرع أحكاماً كثيرة ليست من الأفعاؿ التي بروـ بها الواحد ، فتعين أف الدخاطب بها ولاة الأمور (1) ، وىذه (2) الجواىر الحساف : عبد الربضن الثعالبي : دار إحياء التًاث العربي: بيروت : ط 1 :1997ـ : ج1: ص497 (3) تفسير التحرير والتنوير : مرجع سابق : ج 2 : ص552 (4) إكليل الكرامة في تبياف مراصد الكرامةصديق خاف : الدطبع الصديري : بهوباؿ : الذند : 1293ىػ: ص43 (5) أصوؿ الفكر السياسي في الررآف الدكي : مرجع سابق : ص 77 (1) نرد علمي لكتاب الإسلبـ وأصوؿ الحكم : لزمد الطاىر بن عاشور : الدطبعة السلفية : الراىرة 1344ىػ:ص6
عدد الصفحات ٩15 قاعدة متينة وحجة رصينة ، لأنو ليس بالضرورة أف تفصل آيات الررآف في كيفية النظاـ السياسي ، و و جوب نصب الحاكم ، لأف ذلك لشا فطر عليو الناس ، وىذه سمة عامة في الخطاب الررآني . إف التعامل مع مثل ىذه الشواىد الررآنية قد يأخذ منحي آخر عند الشيعة الإثني عشرية ، فيظهر بذلك أثر الانتماء السياسي علي الاستشهاد بالررآف الكريم في العملية السياسية ، فرضية الإمامة عندىم أصل مهم من أصوؿ الإلؽاف ، فكثيراً ما لػملوف الآيات علي دلالات سياسية ، فيستشهدوف بهذه الآية وغيرىا علي النص علي إمامة علي رضي الله عنو ، وكذلك إ مامة من بعده ، قاؿ الخوئي : صحيحة أبي بصير الدروية في الكافي . قاؿ : سألت أبا عبد الله عليو السلبـ عن قوؿ الله تعاي " وأطيعوا الله وأطيعوا الرسوؿ وأوي الأ مر منكم" قاؿ : فراؿ نزلت في علي بن أبي طالب والحسن والحسين ، فرلت لو : إف الناس يرولوف : فما لو لم يُ سمِّ عليا وأىل بيتو في كتاب الله . قاؿ عليو السلبـ : فرولوا لذم إف رسوؿ الله صلى الله عليو والو وسلم نزلت عليو الصلبة ، ولم يسم الله لذم ثلبثا ، ولا أربعا ، حتى كاف رسوؿ الله صلى الله عليو والو وسلم ىو الذى فسر لذم ذلك (2) ، وذكر الطبّسي عدة أقواؿ في قولو تعاي : ﭽ ﭩ ﭪ ﭫ ﭬ ﭭ ﭮ ﭯ ﭰ ﭱﭲ ﭼالنساء:94 ، منهاقولو : و ثانيها إف الدراد بالناس النبي صلى الله عليو وآلو وسلّم ، و آلو ، عن أبي جعفر عليو السلبـ ، و الدراد بالفضل فيو النبوة ، و في آلو الإمامة(3) ،وقاؿ الطوسي في آية الطاعة أعلبه : وروى أصحابنا عن أبي جعفر وأبي عبدالله أنهم الأئمة من آؿ لزمد صلى الله عليو وآلو ، فلذلك أوجب الله تعالى طاعتهم بالإطلبؽ، كما أوجب طاعة رسولو وطاعة نفسو كذلك ، ولا لغوز إلغاب طاعة أحد مطلرا إلا من كاف معصوما مأمونا منو السهو والغلط، وليس ذلك بحاصل في الأمراء، ولا العلماء، وإلظا ىو واجب في الأئمة الذين دلت الأدلة على عصمتهم وطهارتهم(1) لرد ردّ علماء السنة بحجج قوية علي مثل ىذه التأويلبت، ولا يسع الدراـ ىنا بالاستطراد فيها ، لكن من الدهم الإشارة إي أف أي تأويل سياسي لآيات الكتاب يكوف غير مستند علي ضوابط التفسير الدعروفة ، ومناىج الاستنباط عند العلماء ، لا لؽكن قبولو والتسليم بو ، خصوصا إذا كاف (2) البياف في تفسير الررآف : السيد الخوئي دار الزىراء للطباعة والنشر : بيروت : ص213-232 (3) تفسير لرمع البياف : أبو علي الطبّسي : المجمع العالدي لآؿ البيت : ترقيم آي : ج 3 :ص193 (1) التبياف في تفسير الررآف : أبو جعفر لزمد بن الحسن الطوسي : موقع الجامعة الاسلبمية : ترقيم آي موافق للمطبوع : ج3 :ص235
عدد الصفحات ١٠11 الدفسر أو الكاتب ينطلق من أفكار مسبرة ، ولػاوؿ جاىداً أف ينزؿ عليها النصوص الررآ نية ، قاؿ الذىبي : ثم إف الإمامية الاثني عشرية قرروا أف الإقرار بإمامة علي ومن بعده من الأئمة والتزاـ حبهم وموالاتهم وبغض لسالفيهم وأعدائهم ، أصل من أصوؿ الإلؽاف ... قرر الإمامية ىذا كلو ، ثم أخذوا ينػزلوف نصوص الررآف علي ما قرروه (2) ، وبالإضافة إي ما سبق فإف ىناؾ آيات كثيرة استدؿ به ا الفريراف كل علي طريرتو ومنهجو ، ولسنا ىنا بصدد الاسترصاء لكل ما قيل ، لأف البحث إلظا يرتصر علي لظاذج ، ل كن ينبغي التنبيو علي أف آيات الخلبفة كانت شواىد أساسية في التنظير والتفكير السياسي عند أىل السنة ، يروؿ الدكتور مصطفي حلمي : "أما الآيات التي يستدؿ بها أىل السنة فرد دارت حوؿ الربط بين الإمامة بدعني الخليفة مثل :ﭽ ﭕ ﭖ ﭗ ﭘ ﭙﭚ ﭼالبررة: 03 ، مثلما فسر بو آدـ عليو السلبـ ، لأ نو كاف خليفة الله في الأرض لإقامة حدود الله ، فمن تصدي للرياسة العامة للمسلمين ، سمُي أيضاً خليفة لأنو يتصدى لإقامة الدين ، ورعاية أمور الدسلمين ، نيابة عن النبي صلي الله عليو وسلم ، وقولو تعاي : ﭽ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯼ ﯽ ﯾ ﯿ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨ ﯨﯨ ﭼص:12 ،استدؿّ بها التفكير السني علي أف تفويض الله أمر الخلبفة لداوود كاف مشروطاً بإرساء الحكم علي قواعد العدؿ"(3) ، نماذج من الشواهد القرآنية في المبادئ والقيم السياسية: جاءت معظم ىذه النماذج في كتب سياسية غلب عليها طابع الدواعظ ، وقد أشرنا إي شيء من ذلك في بداية البحث ، ومن خلبؿ الدتابعة والاسترراء يتضح جلياً أف الدبادئ السياسية السامية ، والريم الفاضلة التي لؽكن أف تكوف حاكمة وضابطة للعمل السياسي ، قد أشار إليها الررآف الكريم ، في مواضع متفرقة وفي سياقات متباينة ، وىذا يؤكد اىتماـ الكتاب الكريم برضية السياسة ووضع إطارىا العاـ الذي ينبغي أف تدور في فلكو، فالعدؿ والحرية والأمانة وغيرىا بسثل قيماً أساسية في العمل السياسي ، وكاف ينبغي أف تكوف أساساً في مؤلفات السياسة الشرعية. (2) التفسير والدفسروف : لزمد حسين الذىبي : مكتبة وىبة : الراىرة ط7 :2555ـ : ج3 : ص75 (3) نظاـ الخلبفة في الفكر الإسلبمي :د. مصطفي حلمي :دار الكتب العلمية : بيروت : ط1 :2554ـ ص319
عدد الصفحات ١١12 قاؿالشيرزي في ضرورة العدؿ : " اعلم أف العدؿ أفضل أوصاؼ الدلك ، وأقوـ لدولتو ، لأنو يبعث علي الطاعة ، ويدعو إلى الألفة ، وبو تصلح الأعماؿ ، وتنمي الأمواؿ ، وتنتعش الرعية ، وتكمل الدزية ، وقد ندب الله عز وجل الخلق إليو وحثهم عليو ، قاؿ الله تعاي : ﭽ ﭻ ﭼ ﭽ ﭾ ﭿ ﮀ ﮁ ﮆ ﮇ ﮄ ﮅ ﮈ ﮉﮂ ﮃ ﭾ ﭿﭼالنحل:59 ، قاؿ الحسن : الله تعاي بصع الخير كلو والشر كلو ىذه الآية ، وقاؿ : إف استرامة الدلك بالثلبثة الدأمور بها في الآية ، واضطرابو بالثلبثة الدنهي عنها في الآية"(1) ،وكذلك وردت الإشارة عند بعضهم لرضية الشوري ، وألعيتها في العملية السياسية ، قاؿ أبو سالم: "من شرؼ الدشورة ، وعموـ نفعها وعلو درجتها ، وعظم وقعها ، أف الله تعاي أمر نبيو صلي الله عليو وسلم بها مع استغنائو عنها ، فراؿ عزّ من قائل : ﭽ ﭭ ﭮ ﭯﭰ ﭼآؿ عمراف: 295 ،وقاؿ تعاي لؽدح من وصفهم في كتابو العزيز بصفات بضيدة لا لػوزىا إلا الدوفروف :ﭽ ﮙ ﮚ ﮛ ﮜ ﮝ ﮞ ﮟ ﮠ ﮡ ﮢ ﭩﭼ الشوري: 08 ، فجعل أمرىم شوري بينهم ، وكفي ذلك في فضيلة الدشورة دليلبً ، وإلى نهج فضلها سبيلبً" (1) ، فمثل ىذه الشواىد في مثل ىذه الدواضيع كثير جداً ومتنوع ، ولكن معظمو كما ذك رنا جاء في كتب الدواعظ والحكم وىناؾ نوع آخر من الشواىد الررآنية في علم السياسة الشرعية ، استنبطو العلماء من الرصص الررآني ، فرد وردت إشارات سياسية عديدة ، في ثنايا الرصة الررآنية ، واجتهد بعض العلماء في ترنين ىذا الاستنباط ، وفي إلغاد الإطار الشرعي لو ، وأبرز من أفصح عن ذلك الشاطبي ربضو الله إذ يروؿ : كل حكاية وقعت في الررآف، فلب لؼلو أف يرع قبلها أو بعدىا وىو الأكثر رد لذا أو لا، فإف وقع فلب إشكاؿ في بطلبف ذلك المحكي وكذبو، وإف لم يرع معها رد فذلك دليل صحة المحكي وصدقو (1) ،وقاؿ بن الريم : "ومن ىذا أيضاً ما حكاه الله سبحانو في قصة يوسف من استدلاؿ الشاىد بررينة قدِّ الرميص من دُبُر علي صدقو ، وكذب الدرأة ... وحكاه الله سبحانو وتعالى حكاية مرر لو غير منكر ، والتأسي بذلك وأمثالو في إقرار الله لو ، وعدـ إنكاره ، لا في لررد حكايتو ، فإنو إذا أخبّ بو مرراً عليو ، ومثنياً علي فاعلو ، ومادحاً لو ، دؿّ علي رضاه بو ، أنو موافق لحكمو ومرضاتو ، فليُتدبر ىذا الدوضع (1) النهج الدسلوؾ في سياسة الدلوؾ : عبد الربضن الشيرزي : دار الكتب العلمية : بيروت : ط1 :2553ـ : ص92 (2) العرد الفريد للملك السعيد : أبو سالم لزمد بن طلحة : الدطبعة الوىبية : الراىرة 1283ىػ : ص42 (1) الدوافرات في أصوؿ الشريعة : الشاطبي : ج3 : ص353
عدد الصفحات ١٢13 فإنو نافع جداً (2)،وفي ىذا السياؽ يروؿ الكواكبي : "وىذا الررآف الكريم مشحوف بتعاليم إماتة الاستبداد ، وإحياء العدؿ والتساوي ، حتي في الرصص منو ، ومن بصلتها قوؿ بلريس ، ملكة سبأ من عرب تبّع ... فهذه الرصة تعلم كيف ينبغي أف يستشير الدلوؾ الدلؤ ، أي أشراؼ الرعية ، وألا يرطعوا أمراً إلا برأيهم ، وتشير إي لزوـ أف برفظ الروة والبأس في يد الرعية ، وأف لؼصص الدلوؾ بالتنفيذ فرط ، وأف يكرموا بنسبة الأمر إليهم توقيراً ، وتُربِّح شأف الدلوؾ الدستبدين"(0) ،وىذا باب مهم من أبواب النظر في الررآف الكريم ، إذ يضيف آ فاقاً واسعة لاستيعاب الرضايا السياسية ، وفق مبادئ الررآف الكريم ، فهي بدثابة وصفات قرآنية ، بها تصلح الأنظمة السياسية في كل مصر وعصر . ىذه فرط إشارات ولظاذج ، تفتح الطريق لدواصلة البحث في ىذه الرضية ، ولا شك أف كثيراً لشا كتب ، وكثيراً من الدمارسات السياسية التي تستند إي الررآف الكريم والسنة ، برتاج لضبط ومراجعة لتكوف علي الدنهج الصحيح بعيداً عن الإفراط والتفريط. المبحث الثالث : ضوابط التعامل مع الشاهد القرآني في علم السياسة الشرعية: أثبتػػػػت التجربػػػػة ، والشػػػػواىد التارلؼيػػػػة ، علػػػػي مسػػػػتوي التنظػػػػير والتطبيػػػػق ، الضرافػػػػات عديػػػػػدة في التأويػػػل السياسػػػي لآيػػػػات الرػػػرآف الكػػػريم ، ولؽكننػػػػا مػػػن خػػػلبؿ مػػػػا سػػػبق ، ذكػػػر الضػػػػوابط التاليػػػة كآليػػػػات حاكمة وموجهة لعملية الاستنباط في علم السياسة الشرعية: أولا : الالتػزاـ والتريػد بطػرؽ اللغػة العربيػة في الدلالػة وتوضػيح الدعػاني ، فاللغػة أصػوات يعػبّ بهػا كػل قػوـ عػػن أغراضػػهم ، فػػػلب لرػػاؿ للخػػػروج عػػن قواعػػػدىا ، فالعربيػػة بفروعهػػػا الدختلفػػة مػػػن لضػػو وصػػػرؼ وبلبغػػة ، ىػػػي الجسػػػر الدتػػػين الػػػذي يُعػػػبّ مػػػػن خلبلػػػو لدعػػػني الرػػػرآف الكػػػريم ، فػػػػالررآف نػػػزؿ بلغػػػة العػػػرب ولػمػػػل خصائصػػػػها ويعتمػػد أسػػػلوبها في البيػػػاف وإيصػػػاؿ الحرػػػائق ، يرػػػوؿ الزركشػػػي أنػػػو : "لا يسػػػتغني عػػػن قػػػانوف عػػػاـ يعػػػوؿ في تفسػيره عليػو ، ويرجػع في تفسػيره إليػو ، مػن معرفػة مفػردات ألفاظػو ومركباتهػا وسػياقو وظػاىره وباطنػو ، وغػػير ذلػك لشػا لا يػدخل برػت الػػوىم ، ويػدؽ عنػو الفهػم ...وفي ىػذا تتفػػاوت الأذىػاف ، وتتسػابق في النظػر إليػػو (2) زاد الدعاد في ىدي خير العباد : ابن قيم الجوزية : ج 3 : ص149-155 (3) طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد : عبد الربضن الكواكبي : دار النفائس : بيروت : ط 3 :2556ـ : ص51- 52
عدد الصفحات ١٣14 مسػابرة الرىػاف ، فمػن سػابق بفهمػو وراشػق كبػد الرميَّػػة بسػهمو ، وآخػر رمػي فأشػوي وخػبط في النظػر خػػبط عشوا"(1) ، ثانياااا : التريػػد بأصػػوؿ الفرػػو وقواعػػده :إف كثػػيراً لشػن رصػػدت الضرافػػاتهم في ىػػذا المجػػاؿ علػػي مسػػتوي التنظػػير والتطبيػػػق ، كانػػػػت بسػػػػبب الجهػػػػل أو التجاىػػػػل لعلػػػم الأصػػػػوؿ وتطبيراتػػػػو ، ولا يسػػػػع الدرػػػػاـ بالاسػػػػتطراد في ذلػك ، ولكػن لنأخػذ قضػية برريػق الدنػاط كمثػاؿ نوضػح بػو مػا لضػن بصػدده ، وىػي : النظػر في معرفػة وجػود العلػػػػة في آحػػػػاد الصػػػػور الفرعيػػػػػة الػػػػتي يػػػػراد قياسػػػػػها علػػػػي أصػػػػل ، سػػػػواء كانػػػػػت علػػػػة الأصػػػػل منصوصػػػػػة أو مسػػػتنبطة(2) ، ،فمعرفػػػة البيئػػػة الػػػتي نػػػزؿ فيهػػػا الػػػنص ، وخصائصػػػها الثرافيػػػة ، وكػػػذلك معرفػػػة بيئػػػة وثرافػػػػة الواقع الدراد تنزيػل الػنص عليػو ، معػين علػي اسػتخراج الحكػم الدوافػق للحالػة ، ولػذلك فػإف الحاجػة إي دراسػة الظػرؼ الاجتمػػاعي التػػارلؼي ومعرفػة حيثياتػػو ، لتحديػػد السػبيل لتنػػ ػزيل الحكػػم الشػرعي علػػ ي الواقػػع ، آكػػد وأبلػغ في الدراسػات السياسػية (3) ، وىػذه مػن أكػبّ إشػكالات الفهػم في العصػر الحػاي ، فرػد بعػدت الدسػافة بيننػػػا وبػػػػين السػػػػابرين ، وتغػػػػيرت الأحػػػػواؿ السياسػػػػية والاجتماعيػػػة وغيرىػػػػا ، فمػػػػن لا يعػػػػرؼ تنرػػػػيح الدنػػػػاط وبرريرو سينزؿ نصوصاً كثيرة في غير موضعها . ثالثاا : دراسة النص وفق رؤية موضوعية شاملة : إف استنباط أي معني من الررآف الكريم ينبغي أف يتم بعد دراسة موضوعية متأنية ، وأقصد بالدراسة الدوضوعية ما تعارؼ عليو علماء التفسير حوؿ ىذه الفكرة ، وىي فكرة جليلة ومفيدة ، يستطيع الدارس من خلبلذا الوصوؿ إي درجة كبيرة من ا لاطمئناف أنو أقرب إي الصواب ، ذلك لأف طر يرة الررآف في عرض الدوضوعات طريرة خاصة ، إذ بذد الأمر ىنا لستصراً ، وفي موضع آخر مطولاً ، وبذده ىنا بأسلوب وىناؾ بأسلوب ، وىذا متردـ وىذا متأخر ، فتختلف مراصد الررآف في كل موضع ، لشا يستدعي بصعها وترتيبها والنظر في بصلتها للخروج بحك م واؼ وواضح في الدوضوع المحدد ، ومن الدهم معرفة أسباب النزوؿ وما يتبعها من قواعد أصولية تنظم إعمالذا والإفادة منو ، فهي بسثل السياؽ الحاي ، وىو مهم لأنو "يسمح لنا بفهم الدلالات الاجتماعية والسياسية للنص علي الواقع الدشهود ، ومن ىنا تبّز ألعية أسباب نزوؿ الررآف الكريم ، باعتبارىا السياؽ الحاي للررآف الكريم" (1) . (1) البّىاف في علوـ الررآف : بدر الدين الزركشي : مكتبة دار التًاث : الراىرة : ج 1 : ص15 (2) أصوؿ الفرو الاسلبمي : د. وىبة الزحيلي : دار الفكر : دمشق : ط 181986ـ: ج1: ص694 (3) العريدة والسياسة : لؤي صافي : ص36 (1) العريدة والسياسة : لؤي صافي : الدعهد العالدي للفكر الإسلبمي : واشنطن1996ـ : ص39
عدد الصفحات ١٤15 رابعاا : الربط بين الررآف والسنة والسيرة : بعد الجمع والتًتيب الذي أشرنا إليو سابرا ، لا بد من النظر فيو من خلبؿ السنة والسيرة ، ولا لؽكن أف يتم الاستنباط الصحيح دوف الرجوع إليه ما ، والحديث في علبقة السنة بالررآف مستفيض ، أما ألعية السيرة في ذلك ، فإف الدبادئ السياسية الأساسية "لا لؽكن استنباطها من النصوص الررآنية فرط دوف اعتبار الفتًة التارلؼية التي أحاطت بظهور الاسلبـ ، وإلظا لا بد من برليل دقيق للحرائق التارلؼية الثابتة للمجتمع الإسلبمي الأوؿ ، لتحديد الأساليب والوسائل التي تعد التطبيق العملي للئسلبـ" (2) ، ول ذلك تعد السيرة مصدراً مهماً من مصادر الأحكاـ ، لأنها ىي التًبصة العملية للئسلبـ ، قاؿ أبو حياف التوحيدي وىو ي تحدث عن شيخو أبي حامد العامري : "كاف أبو حامد كثير العلم ، غزير الحفظ ، قيِّماً بالسير ، وكاف يزعم أف السّير بحر الفتيا ، وخزانة الرضاء ، وعلي قدر اطلبع الفريو عليها يكوف استنباطو"(3) ،وبعد معرفة السيرة لا بد من معرفة آلية الاستنباط منها ، ويتساءؿ الشاطبي عن فعلو صلي الله عليو وسلم : " ىل ينسحب طلب ىذا الفعل منو –أي من الكلف - في كل حالة أو في ىذه الحالة ؟ أو لؼتص بهذا الزماف أو ىو عاـ في بصيع الأزمنة ؟ أو لؼتص بو وحده أو يكوف حكم أمَّتو حكمو ؟ ثم بعد النظر في ىذا ، يتصدى نظر آخر في حكم ىذا الفعل الذي فعلو : من أي نوع ىو من الأحكاـ الش رعية ؟"(4) ، وىناؾ فرؽ بينّ بين تصرؼ النبي صلي الله عليو وسلم بالفتوي وتصرفو بالإمامة ، قاؿ البوطي وىو يتحدث عن ىذا الفرؽ : "ينبغي أف نعلم أف معني وجوب العمل بالسنة –مطلراً - ينرسم إي قسمين : أحدلعا التزاـ العمل بددلولذا دوف أي تبديل أو برريف فيو إي يوـ ال دين ، من غير أي اعتبار لحكم حاكم أو إذف إماـ ... وثانيهما التزاـ خطتو ومبدئو صلي الله عليو وسلم في سياسة الأمور ، ومعالجة الرضايا ، وخطتو فيهما إلظا ىي برري حكم الله عز وجل فيما لا شاىد قاطعاً فيو بالوسائل والأسباب الحكمية ، ولدا كانت قيمة الوسائل والأسباب ، وطرؽ الحكمة وحسن التدبير ،كل ذلك لؼتلف من حين لآخر ، وبين بلدة وأخري ، كاف التزاـ خطتو ومنهجو ليس باتباع جزئيات أعمالو ووقائع أحوالو من حيث ىي ، أي مفصولة عن أساسها ودستورىا الكلي ."(1) (2) النظريات السياسية الإسلبمية : د. منظور أبضد 27 (3)طبرات الشافعية : عبد الوىاب السبكي : دار إحياء الكنب العربيةج3 :ص13 (4)الدرجع السابق : ج 1 :ص154 (1) ضوابط الدصلحة في الشريعة الاسلبمية : د. لزمد سعيد البوطي : مؤسسة الرسالة : بدوف تاريخ : ص167
عدد الصفحات ١٥16 خامساا : إعماؿ مراصد الررآف الكريم وفرو الدصلحة في تنزيل الأحكاـ : لا شك أف من مراصد الررآف الأساسية برريق مصالح الناس ، فهي أصل تبني عليو كثير من الأحكاـ السياسية ، قاؿ ابن عاشور وىو يعلق علي قصة موسي وىروف في سورة طو ، وبراء ىاروف بين عبدة العجل حتي يرجع موسي ، فيروؿ : "وىذا اجتهاد منو في سياسة الأمة ، إذ تعارضت عنده مصلحتاف ، مصلحة حفظ العريدة ومصلحة حفظ الجامعة من الذرج ، وفي أثنائها حفظ الأنفس والأمواؿ والأخوة بين الأمة ، فرجَّ ح الثانية ، وإلظا رجَّ حها لأنو رآىا أدوـ ، فإف مصلحة حفظ العريدة يستدرؾ فواتها الوقتي برجوع موسي وإبطالو عبادة العجل ، حيث غيّ ػوا عكوفهم علي العجل برجوع موسي ، بخلبؼ مصلحة حفظ الأنفس والأمواؿ واجتماع الكلمة إذا انثلمت عثر تداركها ، وتضمن ىذا قولو : (إني خشيت أف تروؿ فرقت بين بني اسرائيل ولم ترقب قوي )"(2) ، لرداستطاع ابن عاشور بتدبره أف يرف ىذه الوقفة الرائعة ، ليأخذ منها أصلبً أصيلبً وركناً ركيناً ، ألا وىو ألعية وقدسي ة قضية اجتماع الكلمة ووحدة الصف ، وإغلبؽ باب الفرقة ، كمرصد أساسي للتشريع ، وىذه قضية أساسية في علم السياسة ، وعلينا أف نتنبو إي أف الرصة ما سيرت في الأساس للموازنة بين العريدة ووحدة الكلمة ، فالعريدة ىي الأساس ، ومن خلبلذا يبني المجتمع وتصحح مسارات الأخوة الإنسانية من العصبية والجهوية والحزبية ، ولذلك علق ابن عاشور في نهاية حديثو علي اجتهاد ىروف عليو السلبـ برولو : وكاف اجتهاده ذلك مرجوحا ، لأف حفظ الأصل الأصيل للشريعة ، أىم من حفظ الأصوؿ الدتفرعة عليو ، لأف مصلحة صلبح الاعتراد ىي أـ الدصالح التي بها صلبح الاجتماع (3) ، ولكن إذا أخذنا ىذا الدنهج في قضايا أقل خطورة من عبادة العجل – مثلبً - مرابل وحدة الكلمة وبراء قوة الدولة ونظامها ، مع العمل علي الإصلبح ، لكاف منهجا سديدا في الاستنباط السياسي ، و لكن للؤسف كثير من الدمارسات السي اسية تتجاوز الد وازنة بين الدصالح والدفاسد ، ولا بد من التنبيو علي ضرورة معرفة مآلات الأفعاؿ لدن يريد إعماؿ الدراصد ، لأف بعض الأفعاؿ قد تبدو في ظاىرىا جائزة ب ل مندوبة ، ولكن مآلاتها وعاقبتها تكوف كارثية علي الأمة ، فتُ تًؾ من أجل ما تؤوؿ إليو. سادساا : التجرد من سلطاف الذوي وشهوة الإرادة : يعد المجاؿ السياسي ميداناً خطيراً لظهور سلطاف الذوي ، و شهوة الإرادة النفسية ، وىذاف قد يدفعا الإنساف إي تأويل الررآف علي الذوي ، قاؿ ابن تيمية : "وىذا باب لؼتلف باختلبؼ النيات والدراصد ... وإلظا الغالب في ىذه الأشياء فساد النية والعمل ، أما النية فرصده السلطاف والداؿ ، وأما العمل فبفعل المحرمات وبتًؾ الواجبات لا لأجل التعارض ، ولا (2) تفسير التحرير والتنوير : ج15: ص293 (3) الدرجع السابق : ج 15: ص294
عدد الصفحات ١٦