المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

التناسق الفني في القرآن الكريم عند سيد قطب مفهومه، درجاته، و مظاهره

زينة بورويسة

صفحة ١ من ١

مجلة المعيار34 جانفي8102 60 التناسق الفني في القرآن الكريم عند سيّد قطب (مفهومه، درجاته، و مظاهره ). زينة بورويسة طالبة دكتوراه الملخّص التناسق الفني أداة وظفها القرآن الكريم لتصوير المشاهد المختلفة , و هو بمفهوم سيد قطب ح سن اختيار و توظيف الجزئيات انطلاقا من الأصوات و الألفاظ و العبارات , مرورا بالمشاهد و الأساليب الصوتية, وصولا إلى السياق العام . و تختلف نسبة و طريقة استثمار هذه الجزئيات باختلاف الألوان الخمسة للتناسق الفني التي تصب في مجريين , يتعلق الأول بتناسق المعاني و الدلالات الحاصلة من تأليف الكلام, و يتعلق الثاني بتناسق الأصوات و الألفاظ و التراكيب و السياق العام. و ينتظم التناسق الفني حسب سيد قطب في سبعة مظاهر تتراوح بين تناسق الجزئية الواحدة مع الدلالة, و تناسق الجزئيات مع بعضها , و تناسق الجزئيات المختلفة مع الدلالة. و يعتمد سيد قطب في عرض هذه المظاهر على ضرب الأمثلة من القرآن الكريم و شرحها مستعينا ببعض المبادئ الفنية : كمبدأ تناسق الألوان في الفن التشكيلي, و تناسق الإخراج في الفن المسرحي , و قد ساعدته هذه المبادئ في تحليل المشاهد التي ترسمها الآيات القرآنية , و إظهار بعض أسرار التصوير الفني في القرآن الكريم و الذي من شأنه أن يثري اللغة العربية , و يميط اللثام عن بعض مظاهر الإعجاز القرآني . تمهيد: يعتبر سيد قطب رائدا من الرواد المحدثين في دراسة معاني القرآن الكريم, إذ حاول من خلال مؤلفيه (في ظلال القرآن) و (التصوير الفني في القرآن) أن يؤسس لمنهج جديد متميّز في الدراسات القرآنية , أ طلق عليه لاحقا "المنهج البياني"(1) .و يعدّ سيد قطب بشهادة الباحثين " رائدا للفكر الإسلامي المعاصر, و مجدّدا في موضوعات أساسية في التفسير"(2) , و لعل ذلك راجع إلى اعتماده الأسلوب الأدبي في التفسير, حيث نجده في كتابه (التصوير الفني في القرآن) يحاول استنطاق النص القرآني في مختلف مستوياته و تسليط الضوء على كل الوسائل المستعملة فيه لتحصيل الدلالة و إيصال المعنى, و هو في ذلك يرى أنّ " التصوير الفني هو الأداة المفضلة في أسلوب القرآن "(3), و لتحقيق هذا التصوير تتضافر كل الوسائل اللغوية من الصوت إ التركيب تضافرا معجزا ذا آفاق فنية, جمالية, دلالية, فهو " تصوير باللون, و تصوير بالحركة, و تصوير بالتخييل, كما أنّه تصوير بالنغمة تقوم مقام اللون في التمثيل. و كثيرا ما يشترك الوصف , والحوار, و جرس الكلمات, و نغ م العبارات, و موسيقى السياق في إبراز صورة من الصور, تتملاها العين و الأذن, و الحس و الخيال, و الفكر و الوجدان"4 , فينسى القارئ في لحظة أنّه يقرأ القرآن, و يخيّل إليه أنّه يعيش ا المنهج البياني في التفسير: منهج يركّز على بيان وجه الاعجاز القرآني في اختيار اللفظ دون غيره من المترادفات الأخرى في التعبير عن معنى محدد. 2 في ظلال القرآن في الميزان صلاح عبد الفتاح الخالدي, دار الشهاب , الجزائر, ط1م, ص:5. 3 التصوير الفني في القرآن, سيد قطب, مطابع الشروق, ا لقاهرة, ط 91 ,9111م, ص: 11. نفسه, ص: 11. 4

عدد الصفحات ١

مجلة المعيار34 جانفي8102 61 قصة من القصص التاريخية, أو يقف أمام لوحة تعرض الجنّة و نعيمها, و النّار و لهيبها...في مشاهد فنية مكتملة الملامح متناسقة الجزئيات اصطلح سيد قطب على تسميتها بالتناسق الفني. ويجد قارئ فصل ( التناسق الفني) من كتاب ( التصوير الفني) نفسه أمام جملة من المفاهيم و الأفكار و الأمثلة التي تصب في متن واحد دون ضبطها في عناوين محددة, حتى لتبدو المفاهيم ضبابية و الأفكار متداخلة, وقد يعود هذا لكون منهجه في التفسير جديدا لم تضبط معالمه بعد, إلا أن القراءة المتأنية المتكررة لهذا المتن تبين عن عق ل صاحبها المتفرّد الذي أخرج للوجود منهجا متميّزا في التفسير, و نسعى من خلال هذا البحث إلى عرض بعض ما جاء حول التناسق الفني في شكل عناوين و متون منظمة, تتخللها أمثلة و إحصاءات من شأنها تنوير القارئ و إماطة اللثام عن فكرة التناسق الفني التي أراد سيد قطب تقديم ها من خلال كتابه التصوير الفني في القرآن. أولا- مفهوم التناسق الفني و درجاته عند سيد قطب : لم يقدم سيد قطب مفهوما مباشرا للتناسق الفني, لكننا نستطيع تحسس معالم هذا المصطلح من خلال الأمثلة التطبيقية التي قدّمها. فالمعلوم أن النسق " ما جاء من الكلام على نظام واحد"(1) ,و التناسق التنظيم. و التناسق الفني سمة النسق القرآني, إذ ينطلق حسن النظم المؤتلف مع جمال المعنى من الأصوات المفردة إلى الألفاظ في صيغتها و جرس ها, وصولا إلى تناسق المشاهد في إيقاعها و زمن عرضها, فيما ي طلِق عليه "تناسق الإخراج ". و عليه يكون التناسق الفني عند سيد قطب يعني: حسن اختيار و توظيف مختلف الجزئيات (الأصوات المفردة, صيغ الألفاظ, تأليف العبارات, الأساليب الموسيقية, الانتقال بين المواضيع, مراعاة الحالات النفسية...) و نظمها في نسق واحد خادم للمعنى و محققا لأغراض دلالية معينة لا تتحقق بإسقاط أو استبدال جزء من هذه الأجزاء. و الواضح أنّ التناسق الفني عند سيد قطب ينطلق من مفاهيم قديمة عرفها المفسرون و اللغويون, حتى و إن لم يطلق عليها ذات المصطلح, من ذلك ما أشار إليه حازم القرطاجني بقوله : " و إنّّا الوضع المؤثر وضع الشيء الموضع اللائق به, و ذلك يكون بالتوافق بين الألفاظ و المعاني و الأغراض من جهة ما يكون بعضها في موضعه من الكلام متعلّقا و مقترنا بما يجانسه و يناسبه و يلائمه من ذلك"(2). كما نجد الزركشي في البرهان يطيل الحديث في قضايا تص ب في ذات المفهوم, منها حديثه عن تناسب رؤوس و خواتيم السور المتتالية في موضوعاتها, و التوافق الحاصل بين الفواصل لفظا و معنى, و محافظة النص القرآني على جمال نسقه و نظمه بتوظيف ظواهر كثيرة : كالتقديم و التأخير, الحذف و الزيادة, التكرار ... , و عن حسن نظم الألفا ظ و التئام معانيها يقول صاحب البر هان:" لا يحسن تخيرّ الألفاظ الم ؤ نقة في السمع السلسة على اللسان إلاّ مع مجيئها منقادة للمعاني الصحيحة المنتظمة, فأما أن تهمل المعاني و يهتم بتحسين اللفظ وحده غير منظور فيه إلى مؤدّاه على بال فليس من البلاغة في فتيل أو نقير"(3). 1 القاموس المحيط, مجد الدينالفيروز أبادي, دار الحديث, القاهرة, ،م, مادة نسق, ص: 9101. 2 منهاج البلغاء و سراج الأدباء حازم القرطاجني , تح محمد الحبيب بن الخوجة, دار الكتب الشرقية, 9111م, ص:951. 3 البرهان في علوم القرآن بدر الدين محمد عبد الله الزركشي, تح محمد أبو الفضل إبراهيم, دار المعرفة, بيروت, دت,ج 9, ص:28.

عدد الصفحات ٢

مجلة المعيار34 جانفي8102 62 و نجد الزركشي في أكثر من موضع في البرهان يطلق اسم "المناسبة" على تناسق و توافق موضوعات السور المتتالية ناسبا "علم المناسبة" إلى الإمام أبي بكر النيسابوري . و المناسبة عنده تلازم ذهني و معنى رابط فائدته "جعل أجزاء الكلام بعضها آخذا بأعناق بعض فيقوى بذلك الارتباط و يصير التأليف حاله حال البناء المحكم المتلائم الأجزاء "(1) . و في العصر الحديث نجد عددا من الباحثين عملوا على ضبط كثير من المفاهيم, و التعمق أ كثر في دراسة الخطاب القرآني و بلاغته, و بيان مواضع الإعجاز فيه و التي من أهمّها هذا التناسق الفني الذي يقوم على تخيرّ الألفاظ, و "استعمال أمسّها رحما بالمعنى و أفصحها في الدلالة عليه, و أبلغها في التصوير, و أحسنها في النسق, و أبدعها سناء, و أكثرها غناء و أص فاها رونقا"(2). و يظهر مما سبق أنّ التناسق الفنيّ عند سيد قطب ينطلق من مفاهيم قديمة و يتوافق مع دراسات حديثة, لكن بمفهوم جديد أشمل و أكمل, إنّه حديث عن تضافر كل معطيات النص اللغوية من صوت ولفظ و تركيب و صيغ و سمع و معنى في صناعة مشهد متكامل العناصر. والتناسق الفني عند سيد قطب " ألوان و درجات, و من هذه الألوان ما تنبه إليه بعض الباحثين في بلاغة القرآن, و منها ما لم يمسسه أحد منهم حتى الآن" (3), و هذه الألوان خمسة هي: اللون الأوّل: التناسق في تأليف العبارات بتخيرّ الألفاظ, ثم نظمها في نسق خاص, يبلغ في الفصاحة أرقى درجاتها . اللون الثاني: تناسق الإيقاع ال صوتي الناشئ من تخيرّ الألفاظ و نظمها مع الوظيفة التي يؤديها السياق . اللون الثالث: تناسق الفواصل( التعقيبات) مع سياق الآيات. اللون الرابع: التسلسل المعنوي بين الأغراض في سياق الآيات, و تناسق الا نتقال من غرض إلى غرض. اللون الخامس: التناسق النفسي بين الخطوات المتدرّجة في بعض النصوص, و الخطوات النفسية التي تصاحبها. و الواضح أنّ هذه الألوان قد تطرّق إليها البلاغيون و المفسرون القدماء في كتاباتهم, غير أن سيد قطب يعيب عليهم سوء التعامل معها, فهم يغفلو ن بعضها- كما يرى - و يكثرون القول في بعضها الآخر حتى تجاوزوا الصحيح منه و بلغوا درجة من التمحّل الذي لا ضرورة له !. و المشترك بين كل هذه الألوان هدفها الذي ينتهي إلى تناسق المعاني و الأغراض . و المتمعّن لهذه الألوان يلاحظ أنهّا تصبّ في مجريين :  يشمل الأوّل التناسق المتعلّق بالمعاني و الدلالات الحاصلة من تأليف الكلام, و نعني به تناسق موضوعات فواتح و خوا السور, وتناسق موضوعات الآيات في السورة الواحدة و حسن التدرّج فيها.  و يشمل الثاني التناسق المتعلّق بالأصوات و الألفاظ و التراكيب و السياق العام للآيات ( السياق بنوعيه: سياق الحال و السياق اللغوي)(4). 1 نفسه, ج9 ,ص:11. 2 إعجاز القرآن و البلاغة النبوية , مصطفى صادق الرافعي, تح عبد الله المنشاوي, مكتبة الإيمان, المنصورة , ط9 ,،, ص:918. 3 التصوير الفني في القرآن , سيد قطب, ص:2. 4ينظر, المناسبة في القرآن, مصطفى شعبان عبد الحميد, المكتب الجامعي الحديث, الاسكندرية , ط9 ,8002 ,ص: 11 ,51 .

عدد الصفحات ٣

مجلة المعيار34 جانفي8102 63 ثانيا: مظاهر التناسق الفني في القرآن الكريم ينتظم التناسق الفني في القرآن الكريم, حسب سيد قطب, في سبعة مظاهر: 9- تناسق التعبير مع معالم الصورة الحسية و المعنوية: وفيه يتناسق التعبير مع الحالة المراد تصويرها, و هي خطوة مشتركة بين التعبير للتعبير, و التعبير للتصوير, مثال ذلك قوله تعالى: نِسَاؤُكُمْ حَرْثٌ لَكُمْ فَأْتُوا حَرْثَكُمْ أَنَّى شِئْتُمْ  (1) ،وفي هذه الآية" ألوان من التناسق الظاهر و المضمر, و من لطف الكناية عن ملابسات دقيقة, و أدقّ ما فيه ذ لك التشابه بين صلة الزارع بحرثه و صلة الزوج بزوجه ...وبين ذلك النبت الذي يخرجه الحرث, و ذلك النبت الذي تخرجه الزوج, و ما في كليهما من تكثير و عمران و فلاح "(2). 8- التناسق الفني بين جرس الكلمة و دلالتها: يرى سيد قطب أن في القرآن الكريم ألفاظ ا تستقل برسم صورة شاخصة بمفردها لا بمجرّد المساعدة على إكمال معالم الصورة . حيث يستطيع اللفظ الواحد أن يرسم الصورة " تارة بجرسه الذي يلقيه في الأذن, و تارة بظلّه الذي يلقيه في الخيال, و تارة بالجرس و الظل جميعا"(3) .و يضرب المثال في هذا بالجرس الذي تصنعه كل مة ( يصطرخون ) في قوله تعالى: وَالَّذِينَ كَفَرُوا لَهُمْ نَارُ جَهَنَّمَ لاَ ي ُقْضَى عَلَيْهِمْ ف َيَمُوتُوا وَلاَ يُخَفَّفُ عَن ْهُمْ مِنْ عَذَابِهَا كَذَلِكَ نَجْزِي كُلَّ كَفُورٍ (63) وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَب َّنَا أَخْرِجْنَا ن َعْمَلْ صَالِحًا غَي ْرَ الَّذِي كُنَّا ن َعْمَلُ (4) .و آية تصوّر عذاب الذين كفروا في نار جهنّم و صراخهم الشديد, فجاءت ( يصطرخون ) كلمة مصوّرة للمشهد إذ " يخيّل إليك جرسها الغليظ, غلظ الصراخ المختلط المتجاو ب من كل مكان, المنبعث من حناجر مكتظة بالأصوات الخشنة, كما تلقي إليك ظلّ الإهمال لهذا الاصطراخ الذي لا يجد من يهتم به أو يلبّيه, و تلمح من وراء ذلك العذاب الغليظ الذي هم فيه يصطرخون "(5). و قد نشأت الغلظة في كلمة ( يصطرخون ) من اجتماع أصوات الطاء و الراء و الخاء و النون التي صفاتها : الصاد: مستعل, مطبق. الطاء : مجهور, شديد, مستعل, مطبق. الراء: مجهور, متوسط بين الشدة و الرخاوة . الخاء: مستعل. و الجهر و الشدّة و الاستعلاء و الإطباق صفات يكتسبها الصوت من طريقة نطقه, و هي دالة على القوّة و الغلظة و الشدّة. يقول ابن الجزري في هذا :" و الشدة من علامات قوّة الحرف, فإذا كان مع الشدّة جهر و إطباق و استعلاء فذلك غاية القوّة"(6). و اجتماع أصوات بهذه الصفات في كلمة "يصطرخون ", التي تعني في مادتها المجردة الصيحة الشديدة عند الفزع, تضفي 1البقرة / 881. 2 التصوير الفني في القرآن , سيد قطب , ص: 18. 3المصدر نفسه, ص: 19. 4فاطر/11-12. 5 التصوير الفني في القرآن, سيد قطب, ص : 18. 6 التمهيد في علم التجويد, ابن الجزري, دار ابن الهيثم, القاهرة, ط 9 ,8001, ص: 15 .

عدد الصفحات ٤

مجلة المعيار34 جانفي8102 64 دلالة مفادها أنّ"الصراخ قد بلغ ذروته, و الاضطراب قد تجاوز مداه, و الصوت العالي الفظيع يصطدم بعضه ببعض, , فلا أذن صاغية, و لا نجدة متوقعة... فالصراخ في شدة إطباقه, و تراصف إيقاعه, من توالي الصاد و الطاء, و تقاطر الراء و الخاء, و الترنم بالواو و النون يمثل رنة هذا الاصطراخ المدوي "1 , و ما كان منهم ذلك إلا بعد أن بلغ اليأس منتهاه في قلوبهم . 6- تناسق الصور بالمقابلات: التقابل من الطرق التي يكثر التعبير القرآني من استخدامها في تنسيق صوره, فيجمع بالألفاظ صورتين متقابلتين في مشهد واحد, من ذلك تصويره لمشاهد يوم القيامة ب أحداث مقابلة بين جو النعيم و جو العذاب في سورة الغاشية : جو العذاب هَلْ أَتَاكَ حَدِيثُ الْغَاشِيَةِ (1 )وُجُوهٌ ي َوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ (2 )عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ(6 )تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً (2). جو النعيم وُجُوهٌي َوْمَئِذٍ نَاعِمَةٌ (8 )لِسَعْيِهَا رَاضِيَةٌ (9 )فِي جَنَّةٍ عَالِيَةٍ (11 )لاَ تَسْمَعُ فِيهَا لاَغِيَةً (3). و يتعدد استعمال القرآن الكريم للمقابلات و يختلف , بين مقابلته لصورتين حاضرتين, أو إحداهما حاضرة و الثانية ماضية في الزمان, أو إحداهما حاضرة و الثانية مستحضرة مما نوعد به يوم القيامة . 4- الفاصلة و التناسق الصوتي: يرجع سيد قطب الألفة الصوتية التي يستشعرها الإنسان في القرآن الكريم إلى مجموعة من الظواهر الصوتية التي يعتبر الفاصلة أهمّها, فطول الفواصل و قصرها, و انسجام الأصوات في الفاصلة الواحدة, و الأصوات التي تنتهي بها الفواصل...كلّها معطيات تصنع لكل سورة جوّا صوتيا مختلفا عن الآخر. و يضرب هنا سيد قطب مجموعة من الأمثلة التي نستغني عن ذكرها جميعا بذكر ما استخل صناه منها:  لم يتناول سيد قطب في دراستههذه الفاصلة باعتبارها ظاهرة صوتية منفردة, و إنّا قرنها مع الأصوات المستعملة و طول تركيب الآية و قصرها .  يرى أن أصوات الفواصل تتغيرّ تبعا لسياق الآيات و ليس لمجرّد التنويع, مثال ذلك القصص الذي عادة ما تكون فاصلته بالمد الدال على الاسترسال. و ضرب في هذا مثلا بسورة مريم التي تأتي فيها قصتا النبي زكريا و قصة مريم عليهما السلام برويّ واحد : خفيّا, شقيّا, تقيّا, شرقيّا, سويّا, بغيّا, جنيّا... و هي أصوات رخوة لينة تصلح للقص. و مع نهاية القصتين تتغيرّ الفواصل مع بداية آيات أخرى و موضوع آخر : الصوت اللغوي في القرآن, محمد حسين علي الصغير, دار المؤرخ العربي, بيروت, لبنان, ص : 911. 1 2 الغاشية/ 8-5. 3الغاشية/ ،-99.

عدد الصفحات ٥

مجلة المعيار34 جانفي8102 65 قالتعالى: ذَلِكَ عيسَى ابْن مَرْيمََ ق َوْلَ الحَْقِّ الَّذِي فِيهِ يمَْت َر ونَ (43 )مَا كَانَ لِلَّهِ أَنْ ي َتَّخِذَ مِنْ وَلَدٍ س بْحَانَه إِذَا قَضَى أَمْرًا فَإِنََّّا ي َق ول لَه ك نْ ف َيَك ون (43 )وَإِنَّ اللَّهَ رَبيِّ وَرَبُّك مْ فَاعْب د وه هَذَ ا صِرَاطٌ م سْتَقِيمٌ (43 )فَاخْت َلَفَ الأَْحْزَاب مِنْ ب َيْنِهِمْ ف َوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَر وا مِنْ مَشْهَدِ ي َوْمٍ عَظِيمٍ (43 )أَسمِْعْ بهِِمْ وَأَبْصِرْ ي َوْمَ يَأْت ون َنَا لَكِنِ الظَّالِم ونَ الْي َوْمَ فيِ ضَلاَلٍ م بِينٍ 1. فلاحظ كيف "يتغير نظام الفاصلة فتطول ويتغير رويه فيصبح بحرف الميم, وقبلها مد طويل, وكأنّا هو في هذه الآيات الأخيرة يصدر حكما بعد نهاية القصة مستمدا منها, ولهجة الحكم تقتضي أسلوبا موسيقيا غير أسلوب الاستعراض وتقتضي إيقاعا قويا رصينا بدل إيقاع القصة الرخيّ المسترسل, وكأنّا لهذا السبب كان التغيير "2.  تساعد الجملإكمال الإيقاع و تكوينه, فتذهب طولا وعرضا في عمق و ارتفاع لتصوّر المشاهد و تروي القصص, و تقصر أمواجها و يسرع نبضها في تصوير مواقف الرعب والعذاب و الخوف . و من أمثلة ذلك الآية التي تصوّر الطوفان الذي نزل عقابا بقوم نوح. قال تعالى:  وَهِيَ تجَْرِي بهِِمْ فيِ مَوْجٍ كَالجِْبَالِ وَ نَادَى ن وحٌ اب ْنَه وَكَانَ فيِ مَعْزِلٍ يَا ب نيََّ ارْكَبْ مَعَنَا وَلاَ تَك نْ مَعَ الْكَافِرِينَ (34) قَالَ سَآَوِي إِلىَ جَبَلٍ ي َعْصِم نيِ مِنَ الْمَاءِ قَالَ لاَ عَاصِمَ الْي َوْمَ مِنْ أَمْرِ اللَّهِ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ وَحَالَ ب َي ْ ن َه مَا الْمَوْج فَكَانَ مِنَ الْم غْرَقِينَ (34 ) وَقِيلَ يَا أَرْض اب ْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سمََاء أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَ اء وَق ضِيَ الأَْمْر وَاسْت َوَتْ عَلَى الجْ ودِيِّ وَقِيلَ ب عْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ 3 ,و يعلق قطب على الآية: " إنّ التكوين الموسيقي للجملة هنا يزيد على التموّج العمق و السعة, و فيه كذلك هول و شجى, إنها موسيقى الطوفان"4.  يحافظ القرآن الكريم علىتناسق الفواصل في كثير من المواضع من خلال التقديم و التأخير و الحذ ف...حفاظا على جوّ الصورة دون الإخلال بمعاني الآية. 5- تناسق المشاهد و الصور( تناسق الإخراج): تتحد كل جزئيات الصورة الواحدة و تتناسق مع السياق العام للمشهد تحقيقا لوحدة الرسم, وخدمة للجوّ المراد تصويره, و هو ما عبرّ عنه سيد قطب بتناسق الجزئيات و تناسق الإ خراج الذي لخصه في ثلاث خطوات )5): أوّ: وحدة الرسم, فالقواعد الأولية للرسم تحتم وجود وحدة بين أجزاء الصورة دون تنافر جزئياتها . ثانيا: توزيع أجزاء الصورة بنسب متناسقة . ثالثا: اختيار لون الرسم و طرق التدرج في الظلال ب شكل يتناسق مع الجو العام. و يضرب في هذا المقام مثالا عن سورة الفلق التي يعلّق على تناسق إخراجها فيقول " ما هي أجزاء الصورة هنا أو محتويات المشهد؟ هي من ناحية ( الفلق) و (الغسق) مشهدان من مشاهد الطبيعة. و من ناحية( النفاثات في العقد) و (حاسد إذا حسد) مخلوقان آدميان.و هي من ناحية ( الفلق) و ( الغسق) مشهدان متقابلان في الزمان . و من ناحية ( النفاثات ) و ( الحاسد) 1 مر/ 11 ، . 2 التصوير الفني في القرآن الكريم, سيد قطب, ص : 991. 3 هود/ 18 11. 4 التصوير الفني في القرآن الكريم, سيد قطب, ص : 991. ينظر, السابق, ص: 991 ,995. 5

عدد الصفحات ٦

مجلة المعيار34 جانفي8102 66 جنسان متقابلان في انسان.وهذه الأجزاء موزّعة على الرقعة توزيعا متناسقا, متقابلة في اللوحة ذلك التقابل الدقيق, و كلها ذات لون واحد, فهي أشياء غامضة مرهوبة, يلفها الغموض و الظلام, و الجو العام قائم على أساس هذه الوحدة في الأجزاء و الألوان."(1) 3- التناسق بين المشاهد و ايقاع الموسيقي : تتميّز الكثير من السور و الآيات المتتالية بجرس صوتي عام يتماشى و سياق الخطاب القرآني في ذلك المقام, و لا يتعلق هذا الجرس بلفظة واحدة و إنّا ينشأ عن تضافر معطيات صوتية مختلفة لصنع جوّ صوتي عام. و يضرب سيد قطب المثال على هذه النقطة بسورة العاديات التي يعلق عليها بقوله :" إن الموسيقى هنا لشبيهة بموسيقى النازعا ت, بل هي أشد و أعنف, و فيها خشونة و دمدمة و فرقعة, و هي تناسب الجو الصاخب المعفّر الذي تنشئه القبور المبعثرة, و الصدور المحصّل ما فيها بقوة, و جو الجحود و شدة الأثرة ..."(2). و أضيف على تعليقه بالقول: إن المعطيات الصوتية التي صنعت هذا الجو تتلخص في نقطتين:  الأصوات المتكررة: فإذا قمنا بإحصاء الأصوات الأكثر تكررا في هذه السورة وجدناها ما يلي: الصوت خصائصه تكراره الدال مجهور, شديد, مقلقل 02 الراء مجهور, متوسط, متكرر 90 الباء مجهور, شديد 99 وهي أصوات تساعدعلى إضفاء جو من الرهبة و القوة على السورة بفعل خصائصها: الشدة, الجهر, القلقلة, التكرار, التي تمكنها من ذلك, و قد أشرنا فيما سبق إلى قول ابن الجزري بقوة هذه الأصوات .  الصيغ و التراكيب المتكررة: في السورة ت كرار لبعض الصيغ بشكل متعاقب ي صنع جوا من الخشوع و النظ ام و القدرة الإ لهية في تنظيم و تسيير شؤون الكون وفق إرادته, و يبين الجدول التالي الصيغ المتكررة : الصيغ الألفاظ التكرار صيغة جمع التأنيث العاديات, الموريات, المغيرات 1 فعلن أثرن, وسطن 8 فع ضبحا, قدحا, صبحا, نقعا, جمعا 5 فعول القبور, الصدور 8 فعيل شهيد, شديد, خبير 1 1نفسه, ص: 991- 992. 2نفسه, ص: 981.

عدد الصفحات ٧

مجلة المعيار34 جانفي8102 67 صيغة الفعل الماضي المبني للمجهول ح صِّ ل, ب عثِ ر 8 وإضافة إلى تكرار الصي غ نلحظ تكرار بعض التراكيب مثل : و العاديات ضبحا, فالموريات قدحا . فأثرن به نقعا, فوسطن به جمعا....وكل أنّاط التكرار تولّد جرسا ذا قطع صوتية متشابهة منظمة. 2-التناسق بينالمشاهد و مدّة عرضها: بعد أن ينتهي القرآن الكريم من تناسق الأصوات و الألفاظ و المواضيع ينتقل إلى أرقى مراحل التنسيق, و هي تنسيق المشاهد من حيث طولها أو قصرها, فنجد " بعض المشاهد يمرّ سريعا خاطفا, يكاد يخطف البصر لسرعته, و يكاد الخيال نفسه لا يلاحقه. و بعض المشاهد يطول و يطول, حتى ليخيل للمرء في بعض الأحيان أنه لن يزول "(1) ,على أنّ الوسائل المستعملة الإطالة و التقصير تختلف من مشهد إلى آخر, ومن مقصد إلى آخر. و سنكتفي هنا بعرض مثال من سورة التكاثر, يقول تعالى : أَلْهَاكُمُ التَّكَاث ُرُ (1) حَتَّى زُرْتُمُ الْمَقَابِرَ (2) فالسورة "تصوّر قصر الحياة فما كادت تبدأ بالتكاثر, حتى انتهت بالمقابر, و ذلك أقصر ما تصور به فترة الحياة في اللفظ و الخيال", بل هي تصور للإنسان تفاهة حياته التي قضاها في اللهو و التفاخر بالأموال و الأولاد, ثمّ خرج منها كأن لم يلبث إلا ساعة أو ضحاها. خاتمة 1 التصوير الفني في القرآن , سيد قطب, ص: ،. 2التكاثر/ 9-8.

عدد الصفحات ٨

مجلة المعيار34 جانفي8102 68 سعى سيد قطب من خلال باب(التناسق الفني ) إلى أن يؤكد أنّ القرآن الكريم لم يكن معجزا بما جاء فيه من التشريع و علوم الغيب...فحسب, بل كان معجزا أيضا بقدرته على العرض البديع و التنسيق القوي الذي طال كل جزئيات النص القرآني من الصوت المفرد , إلى اللفظ المنتقى, إلى الجوّ الصوتي الناشئ, إلى المشاهد المتقابلة العرض, إلى الوحدة العامة التي لا تخرج منها كل الجزئيات...دون إغفال لانفعالات المتلقي التي تحركها المشاهد ب إيقاعها و زمن عرضها . ولا يحسن إنهاء الكلام قبل الثناء الشديد على هذا الذوق الفني الذي يتمتع به قطب و هذا الحس المرهف في تدبر القرآن الذي لخصه بقوله (( لقد و جدت القرآن )) و كأن القرآن جاء ليوقظ الجمال الذي ينام في كل نفس بشرية فطرها الله على الطهر . و إن كان لكل زمن دارسون يقرؤون القرآن بلغة عصر هم, فقد حاول سيد قطب تقديم قراءة ت تماشى مع إنسان هذا العصر, مستعينا بمقاييس فنية و ذائقة جمالية حديثة, تتعلق بالحس الصوتي و التصوير و التخييل و القصة بوجه يألفه المعاصرون. و في الوقت الذي أثنى كتاب و باحثون, أمثال نجيب محفوظ, على أسلوب سيد قطب في تبسيط التناسق الفني في القرآن, فإن هناك من رأى منه تساهلا في ذلك و تماديا في حق قداسة النص القرآني كاستعماله لبعض المصطلحات : الموسيقي, اللحن, الإيقاع, المشاهد التصوير ية, الرسم, التدرج في الأ لوان... و في ختام هذا البحث الذي يسلّط الضوء على واحد من أهم الدراسات القرآنية في العصر الحديث يجدر بنا الإشارة إلى جملة من النقائص نحسبها تثري المؤلف و تخدم محتواه :  تبويب مادة الكتاب و تقسيمها حسبالموضوعات ضبط المفاهيم و تحديد التعريفات حتى تكون أوضح للقارئ و اقرب إلى ذهنه.  الاستشهاد بما جاء به العلماء المتقدمون و المحدثون و الإشارة إلى أرائهم حتى تكون للكتاب قيمته العلمية و للكاتب قيمته الفكرية .  الحفاظ على قدسية القرآن الكريم من خلال التحفظ في استعمال مصطلحات وضعت للغناء و الشعر, مع الإشارة إلى وجود مصطلحات في التراث العربي تغنينا عنها و عن المعربة منها .  الابتعاد عن المغالاة في استعمال المشاعر و العاطفة و وصف الأحاسيس لترجمة معاني القرآن و محاولة الجمع بين العقل و القلب حتى يكون الكتاب نتيج القلب و العقل. هذا و للكتاب أهمية كبيرة في الدراسات القرآنية المحدثة التي تعمقت في جمال اللغة القرآنية, لا يحسن بنا إلا الانتباه إلى قيمته للانتفاع منه في تكوين منهج يهتم بعمق الجمال اللغوي في القرآن الكريم .

عدد الصفحات ٩

مجلة المعيار34 جانفي8102 69 المصادر و المراجع: 9) القرآن الكريم برواية حفص عن عاصم. 8) إعجاز القرآن و البلاغة النبوية , مصطفى صادق الرافعي , تحقيق عبد الله المنشاوي , مكتبة الإ يمان, المنصورة , ط9 , ،. 1) البرهان في علوم القرآن, بدرالدين محمد عبد الله الزركشي, تح قيق محمد أبو الفضل ابراهيم, دار المعرفة, بيروت, دت, ج9. 1) التصوير الفني في القرآن, سيد قطب, مطابع الشروق, القاهرة, ط 91 ,9111م. 5) التمهيد في علم التجويدابن الجزري, دار ابن الهيثم, القاهرة, ط 9, 8001. 1) الصوت اللغوي في القرآن, محمد حسين علي الصغير, دار المؤرخ العربي, بيروت, لبنان, دت . 2) في ظلال القرآن في الميزان صلاح عبد الفتاح الخالدي, دار الشهاب , الجزائر, ط 9,1. ،) القاموس المحيط, مجد الدين الفيروزأبادي, دار الحديث, القاهرة, ،م. 1) المناسبة في القرآن , مصطفى شعبان عبد الحميد, المكتب الجامعي الحديث, الاسكندرية , ط9 ,8002. 90) منهاج البلغاء و سراج الأدباء, حازم القرطاج , تحقيق محمد الحبيب بن الخوجة , دار الكتب الشرقية, 9111م

عدد الصفحات ١٠