دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 دلالة إحضار الغائب في الن ص القرآني دراسة في تفسير الميزان د. إياد محمد علي الأرناؤوطي كلية التربية ابن رشد/ جامعة بغداد مقدمة أعني بـ (إحضار الغائب) بعض ما درسه البلاغيّون في باب الالتفات، فقد أجمعت المعجمات العرب يّة على أنّ (لفت) فعل متعدّ بنفسه بمعنى: لوى 1، ومن هذه الدّلالة الحسيّة جاءت الدّلالة المعنو يّة، أو المجاز، فيقال: لفته عن رأيه، أي: صرفه عنه، وأشار الخليل إلى أنّ (اللفت)، و (الفتل) بمعنى واحد 2، في حين أشار ابن فارس إلى أنّ" اللام والفاء والتاء كلّمة واحدة تدلّ على: الليّ، وصرف الشّيء عن جهته المستقيمة"3. ومن هذا المعنى اللغويّ جاء المعنى الاصطلاحيّ فالالتفات تحوّل أسلوبيّ، إلا أنّ الدّارسين اختلفوا في تحديد مجاله، فقصره جمهورهم على المخالفة بين الضّ مائر من التّ كلّم إلى الغيبة، ومن التّ كلّم إلى الخطاب، ومن الخطاب إلى التّ كلّم، ومن الخطاب إلى الغيبة، ومن الغيبة إلى التّ كلّم، ومن الغيبة إلى الخطاب، في حين اتّ سع فيه آخرون، كابن الأثير ليشمل تحوّ لات أسلوبيّة أخرى، كالتّ حوّ ل في الصّ يغ، ومنها صيغ الأفعال4، وتابعه يحيى بن حمزة العلويّ ، الذي عرّف الالتفات بأنّه: "العدول من أسلوب في الكلام إلى أسلوب مخالف للأوّ ل"5. يشملإحضار الغائب التّحوّل من الغيبة إلى التّكلّم أو الخطاب، وهو من الالتفات بإجماع الدارسين . سأتتبع دلالة إحضار الغائب في النّ صّ القرآنيّ في تفسير الميزان للعلامة الطّباطبائيّ على وفق منهج انتقاء نماذج مختارة للظّ اهرة في الآي ات الكريمة .
عدد الصفحات ١دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 معالم الوقوف من أبرز معالم وقوف العلاّمة الطّباطبائيّ على ظاهرة إحضار الغائب في النّ صّ القرآني ما يأتي: 1ـ عنايته بحال المتكلّم، فعند تحليلنا لأيّ نصّ لغويّ لا بدّ من استحضار العناصر الثّ لاثة في الحدث اللغويّ : المرسل، والرّ سالة، والمتلقّ ي، وقد واجه الدّ رس البلاغيّ القرآنيّ حرج ا شديد ا في دراسة النّ صّ القرآنيّ بالنّ سبة إلى المتكلّم (الله )، فكان الاتكاء على ارتباط النّ صّ بمتلقيه 6، إلا أنّنا نواجه عناية فريدة للعلاّ مة الطّباطبائيّ بحال المتكلّم يتخلّص فيها من أسر قداسته سبحانه تارة بتمثيل مقامه بمقام متكلّ م من البشر، ففي تفسير قوله سبحانه: (قُل الْحَمْدُ ل لَّه وَسَلََم عَلَى ع بَاد ه الَّذ ينَ اصْطَفَى آللَّهُ خَيْر أَمَّا يُشْر كُونَ * أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَْرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا ب ه حَدَائ قَ ذَاتَ بَهْجَة مَّا كَانَ لَكُمْ أَن تُنب تُوا شَجَرَهَا أَإ لَه مَّعَ اللَّه بَلْ هُمْ قَوْم يَعْد لُونَ ) ( النمل:95ـ06) .قالالعلاّمة الطّباطبائيّ : "ومعنى الآيّة: بل أَمَّنْ خَلَقَ السَّمَاوَات وَالأَْرْضَ وَأَنزَلَ لَكُم اي لنفعكم مِّنَ السَّمَاء وهي جهة العلو مَاء وهو المطر فَأَنبَتْنَا ب ه اي بذلك الماء بساتين ذَاتَ بَهْجَة ونضارة ، مَّا كَانَ لَكُمْ اي لا تملكون وليس في قدرتكم أَن تُنب تُوا شَجَرَهَا أَإ لَه آخر مَّعَ اللَّه سبحانه - وهو إنكار وتوبيخ. وفي الآيّة التفات من الغيبة إلى الخطاب بالنسبة إلى7 المشركين، والنّ كتة فيه تشديد التّ وبيخ بتبديل الغيبة حضور ا، فإنّ مقام الآيات السّ ابقة على هذه الآيّة مقام التّ كلّم ممّ ن يخاطب أحد خواصّ ه بحضرة من عبيده المتمرّ دين المعرضين عن عبوديّ ته، يبثّ إليه الشّ كوى وهو يسمعهم حتّ ى إذا تمّ ت الحجّ ة، وقامت البينة كما في قوله: " آللَّهُ خَيْر أَمَّا يُشْر كُونَ " هاج به الوجد والأسف، فتوجّ ه إليهم بعد الإعراض ، فأخذ في حملهم على الإقرار بالحقّ بذكر آيّة بعد آيّة، وا نكار شركهم وتوبيخهم عليه بعدولهم عنه إلى غيره ، وعدم علم أكثرهم ، وقلّ ة تذكّ رهم مع تعاليه عن شركهم، وعدم برهان منهم على ما يدّ عون"8.
عدد الصفحات ٢دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 وتارة يستعمل أداة التشبيه (كأنّ)، ففي تفسيرقوله تعالى: (فَلَمَّا أَنجَاهُمْ إ ذَا هُمْ يَبْغُونَ ف ي الأَرْض ب غَيْر الْحَقِّ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إ نَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُس كُم مَّتَاعَ الْحَيَاة الدُّنْ يَا ثُمَّ إ لَينَا مَرْج عُكُمْ فَنُنَبِّئُكُم ب مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ) (يونس : 32 )، قال العلاّمة الطّباطبائيّ : "قوله تعالى: يَا أَيُّهَا النَّاسُ إ نَّمَا بَغْيُكُمْ عَلَى أَنفُس كُم مَّتَاعَ الْحَيَاة الدُّنْيَا ثمّ إ لَينَا مَرْج عُكُمْ إلى آخر الآيّة، في الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب فقوله: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ ) الخ، خطاب منه تعالى للنّ اس بلا واسطة، وليس من كلام النّبيّ ممّا امره الله سبحانه ان يخاطب به الناس. والدليل على ذلك قوله تعالى (ثمّ إ لَينَا مَرْج عُكُمْ ) إلى آخر الآيّة، فإنه لا يصلح أن يكون من خطاب النّبيّ .والنّكتة في هذا الالتفات هي نظير النّ كتة التي قدّمنا ذكرها في قوله تعالى في أوّل الكلام: (إ نَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ ) فكأنّه سبحانه يفاجئهم بالاطّ لَع عليهم أثناء ما يخاطبهم النّبيّ ، وهم يحسبون أنّ ربّهم غائب عنهم، غافل عن نيّ اتهم ومقاصدهم في أعمالهم، فيشرف عليهم، ويمثّل بذلك كونه معهم في جميع أحوالهم، وا حاطته بهم، ويقول لهم: أنا أقرب إليكم وا لى أعمالكم منكم، فما تعملونه من عمل تريدون به أن تبغوا9 علينا وتمكروا بنا إنّ ما توجد بتقديرنا، وتجري بأيدينا، فكيف يمكنكم أن تبغوا بها علينا ؟ بل هي بغي منكم على أنفسكم فإنّ ها تبعدكم منا، وتُكتب آثامها في صحائف أعمالكم، فبغيكم على أنفسكم وهو مَّتَاعَ الْحَيَاة الدُّنْيَا تتمتّعون به أيام ا قلائل، ثمّ إ لَينَا مَرْج عُكُمْ فنخبركم ونوضّ ح لكم هناك حقائق أعمالكم"10. 2ـ يوازن أحيانا بين نصين متجاورين في مقطع قرآنيّ واحد 11، مبيّنا دلالة الإحضار في أحدهما موازنة بالتّغييب في الآخر، ففي تفسير قوله سبحانه: (ذَل كَ ب مَا قَدَّمَتْ أَيْد يكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ ب ظَلََّم لِّلْعَب يد *كَدَأْب آل ف رْعَوْنَ وَالَّذ ينَ م ن قَ بْل ه مْ كَفَرُواْ ب آيَات اللّه فَأَخَذَهُمُ اللّهُ ب ذُنُوب ه مْ إ نَّ اللّهَ قَو ي شَد يدُ الْع قَاب * ذَل كَ ب أَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرا نِّعْمَة أَنْعَمَهَا عَلَى قَوْم حَتَّى يُغَيِّرُواْ مَا ب أَنفُس ه مْ وَأَنَّ اللّهَ سَم يع عَل يم * كَدَأْب آل ف رْعَوْنَ وَالَّذ ينَ م ن قَبْل ه مْ كَذَّبُواْ بآيَات ربّهم فَأَهْلَكْنَاهُم ب ذُنُوب ه مْ وَأَغْرَقْنَا آلَ ف رْعَونَ وَكلّ كَانُواْ ظَال م ينَ ) ( الأنفال:95ـ95)، قال العلاّمة الطّباطبائيّ : "قوله تعالى: كَدَأْب آل ف رْعَوْنَ وَالَّذ ينَ م ن قَبْل ه مْ كَذَّبُواْ بآيَات ربّهم فَأَهْلَكْنَاهُم ب ذُنُوب ه مْ ) الخ، كرّر التّ نظير السّ ابق لمشابهة الفرض مع ما تقدّم فقوله: كَدَأْب آل ف رْعَوْنَ الخ السّ ابق تنظير لقوله: ذَل كَ ب مَا قَدَّمَتْ أَيْد يكُمْ وَأَنَّ اللّهَ لَيْسَ ب ظَلََّم لِّلْعَ ب يد ، كما
عدد الصفحات ٣دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 أنّ قوله: كَدَأْب آل ف رْعَوْنَ - إلى قوله - وَكلّ كَانُواْ ظَال م ينَ ثاني ا، تنظير لقوله: ذَل كَ ب أَنَّ اللّهَ لَمْ يَكُ مُغَيِّرا نِّعْمَة الخ. غير أنّ التّ نظير الثّّّ اني يشتمل على نوع من الالتفات في قوله: فَأَهْلَكْنَاهُم ب ذُنُوب ه مْ ، وقد وقع بحذائه في التّ نظير الأوّ ل: فَأَخَذَهُمُ اللّهُ ب ذُنُوب ه مْ من غير التفات، ولعلّ الوجه فيه أنّ التّ نظير الثّ اني لمّ ا كان مسبوق ا بإفادة أنّ الله هو المفيض بالنّ عم على عباده، ولا يغيّرها إلاّ عن تغييرهم ما بأنفسهم، وهذا شأن الرّ بّ بالنسبة إلى عبيده، اقتضى ذلك أن يعدّ هؤلاء عبيد ا غير جارين على صراط عبوديّة ربّهم، و لذلك غيّر بعض سياق التّ نظير، فقال في الثاني: كَذَّبُواْ بآيَات ربّهم، وقد كان بحذائه في الأوّل قوله: كَفَرُواْ ب آيَات اللّه ، ولذلك التفت ههنا من الغيبة إلى التّ كلّم مع الغير53 فقال: فَأَهْلَكْنَاهُم ب ذُنُوب ه مْ ، للدلالة على أنّه سبحانه هو ربّهم، وهو مهلكهم، وقد أخذ المتكلّم مع الغير للدّ لالة على عظمة الشّ أن وجلَلة المقام، وأنّ له وسائط يعملون بأمره ويجرون بمشيته. "13. 3ـيتناول الإحضار الواقع بين غيابين مبين ا حين ا سر الإحضار وسر الرّجوع عنه إلى الغيبة ثانية، ففي تفسير الآيتين: (وَا ذَا أَذَقْنَا النَّاسَ رَحْمَة مِّن بَعْد ضَرَّاء مَسَّتْهُمْ إ ذَا لَهُم مَّكْر ف ي آيَات نَا قُل اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرا إ نَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ* هُوَ الَّذ ي يُسَيِّرُكُمْ ف ي الْبَرِّ وَالْبَحْر حَتَّى إ ذَا كُنتُمْ ف ي الْفُلْك وَجَرَيْنَ ب ه م ب ر يح طَيِّبَة وَفَر حُواْ ب هَا جَاءتْهَا ر يح عَاص ف وَجَاءهُمُ الْمَوْجُ م ن كلّ مَكَان وَظَنُّواْ أَنَّهُمْ أُح يطَ ب ه مْ دَعَوُاْ اللّهَ مُخْل ص ينَ لَهُ الدِّينَ لَئ نْ أَنجَيْتَنَا م نْ هَـذ ه لَنَكُونَنِّ م نَ الشَّاك ر ينَ ) (يونس: 35ـ33 )، قال العلاّمة الطّباطبائيّ : "وفي الآيّة التفات من الغيبة إلى الخطاب في قوله: (إ نَّ رُسُلَنَا يَكْتُبُونَ مَا تَمْكُرُونَ )... وهو من عجيب الالتفات الواقع في القرآن، ولعل النّ كتة فيه تمثيل معنى قوله: (قُل اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرا ) في العين، كأنّ ه تعالى لما قال لنبيّه ( :قُل اللّهُ أَسْرَعُ مَكْرا ) أراد ان يوضّ حه لهم عيان ا ففاجأهم بتجليه لهم دفعة، فكلّمهم، وأوضح لهم السّ بب في كونه أسرع مكر ا، ثمّ حجبهم عن نفسه، فعادوا إلى غيبتهم وعاد الكلام إلى حاله، وخوطب النّبيّ ببقيّة الخطاب: (هُوَ الَّذ ي يُسَيِّرُكُمْ ) الخ، وهذا من لطيف الالتفات"14. 4ـيتناول حين ا آخر الإحضار الواقع بين غيابين مبين ا سرّه من دون الوقوف على سرّ الرّجوع عنه إلى الغيبة ثانية ففي قوله تعالى:(سُبْحَانَ الَّذ ي أَسْ رَى ب عَبْد ه لَيْلَ مِّنَ الْمَسْج د
عدد الصفحات ٤دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 الْحَرَام إ لَى الْمَسْج د الأَقْصَى الَّذ ي بَارَكْنَا حَوْلَهُ ل نُر يَهُ م نْ آيَات نَا إ نَّهُ هُوَ السَّم يعُ البَص يرُ ) (الإسراء : 5 )، قال العلاّمة الطّباطبائيّ :: " وفي الآيّة التفات من الغيبة إلى التّ كلّم مع الغير في قوله: (بَارَكْنَا حَوْلَهُ ل نُر يَهُ م نْ آيَات نَا) ثمّ رجوع إلى الغيبة السّ ابقة، والوجه فيه الإشارة إلى أنّ الإسراء وما ترتّ ب عليه من إراءة الآيات إنّ ما صدر عن ساحة العظمة والكبرياء ، وموطن العزة والجبروت، فعملت فيه السّ لطنة العظمى، وتجلّ ى الله له بآياته الكبرى، ولو قيل: ليريه من آياته أو غير ذلك لفاتت النّ كتة"15 5ـ يخلط أحيانا بين التفاتين مختلفين، ففي تفسير قوله سبحانه: (وَمَا ظَنُّ الَّذ ينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللّه الْكَذ بَ يَوْمَ الْق يَامَة إ نَّ اللّهَ لَذُو فَضْل عَلَى النَّاس وَلَـك نَّ أَكْثَرَهُمْ لاَ يَشْكُرُونَ * وَ مَا تَكُونُ ف ي شَأْن وَمَا تَتْلُو م نْهُ م ن قُرْآن وَلاَ تَعْمَلُونَ م نْ عَمَل إ لاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودا إ ذْ تُف يضُونَ ف يه وَمَا يَعْزُبُ عَن رَّبِّكَ م ن مِّثْقَال ذَرَّة ف ي الأَرْض وَلاَ ف ي السَّمَاء وَلاَ أَصْغَرَ م ن ذَل كَ وَلا أَكْبَرَ إ لاَّ ف ي ك تَاب مُّب ين ) (يونس: 06ـ05 )، قالالعلاّمة الطّباطبائيّ : "وقد وقع في قوله: (إ لاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودا ) التفات من الغيبة إلى التكلّم مع الغير، والنكتة فيه الإشارة إلى كثرة الشهود فإن لله شهودا على أعمال الناس من الملائكة والناس، والله من ورائهم محيط، والعظماء يتكلّمون عنهم وعن غيرهم للدلالة على أنّ لهم أعوانا وخدمة"16 . يلحظ أنّ العلاّمة الطّباطبائيّ قد أشار إلى الإحضار لكنّه أغفل دلالته ، فلم يشر إلا إلى دلالة استعمال ضمير الجمع بدلا من المفرد. 6ـ يتوسّع في استعمال لفظ الالتفات، فيسمي تغيير جهة الخطاب التفات ا، وهذا عودة بالمصطلح إلى معناه اللغويّ الأصليّ، فيقول في الآيات السّابقة: "وليس ينبغي أن يغفل عن أنّ أصل الالتفات يبدأ من أوّل الآيّة، فإنّ الآيات السابقة كانت تخاطب النّبيّ ، وتأخذ المشركين على الغيبة، وتكلّمهم بوساطته من غير أن تواجهه بشيء من الخطاب يخصّ نفسه، وقد حوّلت هذه الآيّة وجه الكلام إلى النّبيّ بما يخصّ به نفسه فقالت: (وَمَا تَكُونُ ف ي شَأْن وَمَا تَتْلُو م نْهُ م ن قُرْآن )، ثمّ جمعته والمشركين وغيرهم جميع ا في خطاب واحد فقالت: (وَلاَ تَعْمَلُونَ م نْ عَمَل إ لاَّ كُنَّا عَلَيْكُمْ شُهُودا )، وذلك بضمّهم إلى النّبيّ ، وهم على غيبتهم وبسط الخطاب على الجميع بنوع من التّ غليب كما تقول لمخاطبك: أنت وقومك تفعلون كذا وكذا. والدّ ليل على أنّ هذا الخطاب بنحو الضّ مّ والتّ غليب قوله بعده: (وَمَا يَعْزُبُ
عدد الصفحات ٥دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 عَن رَّبِّكَ ) الخ، فإنّه يكشف عن كون الخطاب معه جاريا على ما كان. وعلى أيّ حال فالتّ حوّل المذكور في خطاب الآيّة للإشارة إلى أنّ السّ لطنة والإحاطة التامّة الإلهيّة واقعة على الأعمال شهادة وعلم ا على أتمّ ما يكون من كلّ جهة، من غير أن يستثنى منه نبيّ ، ولا مؤمن، ولا مشرك ، أو يغفل عن عمل من الأعمال، فلا يتوهمن أحد أنّ الله يخفى عليه شيء من أمره فلا يحاسبه عليه يوم القيامة، وليكن هذا هو ظنّه بربّه يوم القيامة وليأخذ حذره" 17. 7ـ وقد يرصد الإحضار ظاهرة ملحوظة في كلام الله تعالى في معنى واحد بعينه، كإخراج النبات بالماء، ففي تفسير قوله تعالى: (الَّذ ي جَعَلَ لَكُمُ الأَْرْضَ مَهْدا وَسَلَكَ لَكُمْ ف يهَا سُبُلَ وَأَنزَلَ م نَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا ب ه أَزْوَاجا مِّن نَّبَات شَتَّى) ( طه: 92 )، قال العلَّمة الطّباطبائيّ: "وقوله: " فَأَخْرَجْنَا ب ه أَزْوَاجا مِّن نَّبَات شَتَّى " فيه التفات من الغيبة إلى التّكلّم بالغير، قيل: والوجه فيه ما في هذا الصّ نع العجيب وا بداع الصّ ور المتشتّ تة، والأزواج المختلفة، على ما فيها من تنوّ ع الحياة من ماء واحد، من العظمة والصّ نع العظيم لا يصدر إلا من العظيم، والعظماء يتكلّ مون عنهم وعن غيرهم من أعوانهم، وقد ورد الالتفات في معنى إخراج النّ بات بالماء في مواضع من كلامه تعالى كقوله: (أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ أَنزَلَ م نَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا ب ه ثمّ رَات مُّخْتَل فا أَلْوَانُهَا) ( فاطر: 37)، وقوله: (وَأَنزَلَ لَكُم مِّنَ السَّمَاء مَاء فَأَنبَتْنَا ب ه حَدَائ قَ ذَاتَ بَهْجَة ) ( النمل:06) وقوله: (وَهُوَ الَّذ يَ أَنزَلَ م نَ السَّمَاء مَاء فَأَخْرَجْنَا ب ه نَبَاتَ كلّ شَيْء ) (الأنعام: 55 ) "18. 8ـ قد ينفي وقوع الالتفات بالإحضار، لك نّه يبيّن دلالته على تقدير وقوعه، ففي تفسير قوله سبحانه: (هَذَا خَلْقُ اللَّه فَأَرُون ي مَاذَا خَلَقَ الَّذ ينَ م ن دُون ه بَل الظَّال مُونَ ف ي ضَلََل مُّب ين * وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْح كْمَةَ أَن اشْكُرْ ل لَّه وَمَن يَشْكُرْ فَإ نَّمَا يَ شْكُرُ ل نَفْس ه وَمَن كَفَرَ فَإ نَّ اللَّهَ غَن ي حَم يد * وَا ذْ قَالَ لُقْمَانُ لا بْن ه وَهُوَ يَع ظُهُ يَا بُنَيَّ لاَ تُشْر كْ ب اللَّه إ نَّ الشِّرْكَ لَظُلْم عَظ يم * وَوَصَّيْنَا الإنسان ب وَال دَيْه حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنا عَلَى وَهْن وَف صَالُهُ ف ي عَامَيْن أَن اشْكُرْ ل ي وَل وَال دَيْكَ إ لَيَّ الْمَص يرُ * وَا ن جَاهَدَاكَ عَلى أَن تُشْر كَ ب ي مَا لَيْسَ لَكَ ب ه ع لْم فَلََ تُط عْهُمَا وَصَاح بْهُمَا ف ي الدُّنْيَا مَعْرُوفا وَاتَّب عْ سَب يلَ مَنْ أَنَابَ إ لَيَّ ثمّ إ لَيَّ مَرْج عُكُمْ فَأُنَبِّئُكُم ب مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ * يَا بُنَيَّ إ نَّهَا إ ن تَكُ م ثْقَالَ حَبَّة مِّنْ خَرْدَل فَتَكُن ف ي صَخْرَة أَوْ ف ي السَّمَاوَات أَوْ
عدد الصفحات ٦دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 ف ي الأَْرْض يَأْت ب هَا اللَّهُ إ نَّ اللَّهَ لَط يف خَب ير * يَا بُنَيَّ أَق م الصَّلََةَ وَأْمُرْ ب الْمَعْرُوف وَانْهَ عَن الْمُنكَر وَاصْب رْ عَلَى مَا أَصَابَكَ إ نَّ ذَل كَ م نْ عَزْم الأُْمُور * وَلاَ تُصَعِّرْ خَدَّكَ ل لنَّاس وَلاَ تَمْش ف ي الأَْرْض مَرَحا إ نَّ اللَّهَ لاَ يُح بُّ كلّ مُخْتَال فَخُور * وَاقْص دْ ف ي مَشْي كَ وَاغْضُضْ م ن صَوْت كَ إ نَّ أَنكَرَ الأَْصْوَات لَصَوْتُ الْحَم ير * أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُم مَّا ف ي السَّمَاوَات وَمَا ف ي الأَْرْض وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ ن عَمَهُ ظَاه رَة وَبَاط نَة وَم نَ النَّاس مَن يُجَاد لُ ف ي اللَّه ب غَيْر ع لْم وَلاَ هُد ى وَلاَ ك تَاب مُّن ير ) (لقمان: 55ـ36 ) قال العلاّمة الطّباطبائيّوعليه فصدر الآيّة من تتمّ ة كلام النّبيّ ويتّصل بقوله: (هَذَا خَلْقُ اللَّه فَأَرُون ي مَاذَا خَلَقَ الَّذ ينَ م ن دُون ه )، ولا التفات في قوله: (أَلَمْ تَرَوْا ). وعلى تقدير كونه من كلامه تعالى ففي قوله: (أَلَمْ تَرَوْا) التفات من سياق الغيبة الذي في قوله: (بَل الظَّال مُونَ ف ي ضَلََل مُّب ين ) إلى الخطاب، والالتفات في مثل هذه الموارد يكون لاشتداد وجد المتكلّ م وتأكّ د غيظه من جهل المخاطبين وتماديهم في غيّ هم بحيث19 لا ينفعهم دلالة، ولا ينجح فيهم إشارة ، فيواجهون بذكر ما هو بمرئ ى منهم ومسمع، لعلّ هم يتنبّ هوا عن نومتهم، وينتزعوا عن غفلتهم"20. 9ـ يذكر العلاّمة الطّباطبائيّ أحيان ا غرضين للإحضار، ففي تفسير قوله تعالى: (أَلَمْ يَرَوْاْ كَمْ أَهْلَكْنَا م ن قَبْل ه م مِّن قَرْن مَّكَّنَّاهُمْ ف ي الأَرْض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ وَأَرْسَلْنَا السَّمَاء عَلَيْه م مِّدْرَارا وَجَعَلْنَا الأَنْهَارَ تَجْر ي م ن تَحْت ه مْ فَأَهْلَكْنَاهُم ب ذُنُوب ه مْ وَأَنْشَأْنَا م ن بَعْد ه مْ قَرْنا آخَر ينَ ) (الأنعام: 0 )،قال العلاّمة الطّباطبائيّ : "( مَّكَّنَّاهُمْ ف ي الأَرْض مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ) التفات من الغيبة إلى الحضور، والوجه فيه ظاهرا رفع اللبس من جهة مرجع الضّ مير، فلولا الالتفات إلى الحضور في قوله: (مَا لَمْ نُمَكِّن لَّكُمْ ) أوهم السياق رجوعه إلى ما يرجع إليه الضمير في قوله: (َّّّ مكَّنَّاهُمْ )، وا لا فأصل السياق في مفتتح السورة للغيبة، وقد تقدّم الكلام في الالتفات الواقع في قوله: (هُوَ الَّذ ي خَلَقَكُم مِّن ط ين )"21. وكان قد قال في قوله تعالى: (هُوَ الَّذ ي خَلَقَكُم مِّن ط ين ثمّ قَضَى أَجَلَ وَأَجَل مُّ سمًّى ع ندَهُ ثمّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ) (الأنعام: 3 )" :.(ثمّ أَنتُمْ تَمْتَرُونَ ) من المر يّة بمعنى الشك والريب ، وقد وقع في الآيّة التفات من الغيبة إلى الحضور، وكأن الوجه فيه أن الآيّة الأولى تذكر خلق ا وتدبير ا عام ا ينتج من ذلك أنّ الكفّ ار ما كان ينبغي لهم أن يعدلوا بالله سبحانه غيره ، وكان يكفي في ذلك ذكرهم بنحو الغيبة، لكن الآيّة الثّ انيّة تذكر الخلق والتّ دبير الواقعين
عدد الصفحات ٧دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 في الإنسان خاصّ ة فكان من الحريّ الّ ذي يهيج المتكلّم المتعجّ ب اللَئم أن يواجههم بالخطاب، ويلومهم بالتجبيه، كأنّ ه يقول: هذا خلق السماوات و الأرض ، وجعل الظّ لمات والنّ ور، عذرناكم في الغفلة عن حكمه، لكون ذلك أمر ا عام ا، ربما أمكن الذهول عم ا يقتضيه، فما عذركم أنتم في امترائكم فيه وهو الذي خلقكم وقضى فيكم أجلا وأجل مسمى عنده"22 ؟. يبدو أنّ العلاّمة الطّباطبائيّ في هذين النّصين قد أثبت للإحضار غرضين: ظاهر: هو رفع اللبس، وباطن: هو مواجهة المخاطبين بالحقائق الواضحة، والأدلّة الدامغة. وفيما يأتي أبرز دلالات إحضار الغائب التي ذكرها العلَّمة الطّباطبائيّ: أولا ـ الحضور لدى المخاطب. في تفسير قوله تعالى: (ب سْم الله الرَّحْمن الرَّح يم * الْحَ مْدُ للّه رَبِّ الْعَالَم ينَ * الرَّحْمـن الرَّح يم * مَال ك يَوْم الدِّين *إ يَّاكَ نَعْبُدُ وا يَّاكَ نَسْتَع ينُ ) ( الفاتحة: 5ـ9 )،قال العلاّمة الطّباطبائيّ : "عرفت أنّ ما سواه تعالى ليس له الا المملوكيّة فقط، وهذه حقيقته، فشيء منه في الحقيقة لا يحجب عنه تعالى، ولا النّ ظر إليه يجامع الغفلة عنه تعالى، فله تعالى الحضور المطلق، قال سبحانه: ( أَوَلَمْ يَكْف ب رَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كلّ شَيْء شَه يد * أَلاَ إ نَّهُمْ ف ي م رْ يّة مِّن لِّقَاء ربّهم أَلاَ إ نَّهُ ب كلّ شَيْء مُّح يط ) (فصلت: 92ـ95)، وا ذا كان كذلك فحقّ عبادته تعالى أن يكون عن حضور من الجانبين. أمّ ا من جانب الرّ بّ عزّ وجلّ ، فأن يعبد عبادة معبود حاضر وهو الموجب للالتفات المأخوذ في قوله تعالى إ يَّاكَ نَعْبُدُ عن الغيبة إلى الحضور. و أمّ ا من جانب العبد، فأن يكون عبادته عبادة عبد حاضر من غير أن يغيب في عبادته فيكون عبادته صورة فقط من غير معنى، وجسد ا من غير روح ، أو يتبعّ ض فيشتغل بربه وبغيره ، أمّ ا ظاهر ا وباطن ا كالوثنيين في عبادتهم لله ولأصنامهم مع ا، أو باطن ا فقط كمن يشتغل في عبادته بغيره تعالى بنحو الغايات والأغراض ، كأن يعبد الله وهمّ ه في غيره ، أو يعبد الله طمع ا في جنة أو خوف ا من نار فإنّ ذلك كلّ ه من الشّ رك في العبادة... فالعبادة إنما تكون عبادة حقيقة، إذا كان23 على خلوص من العبد، وهو الحضور الذي ذكرناه ، وقد ظهر أنّ ه إنّ ما يتمّ إذا لم يشتغل بغيره تعالى في عمله فيكون قد أعطاه الشّ ركة مع الله سبحانه في عبادته ولم يتعلّ ق قلبه في عبادته رجاء أو خوف ا هو الغايّة في عبادته، كجنّ ة أو نار فيكون
عدد الصفحات ٨دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 010 عبادته له لا لوجه الله، ولم يشتغل بنفسه فيكون منافي ا لمقام العبوديّة التي لا تلائم الأنيّة والاستكبار، وكأنّ الاتيان بلفظ المتكلّ م مع الغير للايماء إلى هذه النّ كتة، فإنّ فيه هضم ا للنّ فس بإلغاء تعيّ نها وشخوصها وحدها المستلزم لنحو من الأنيّة والاستقلال بخلاف إدخالها في الجماعة، وخلطها بسواد النّ اس فإنّ فيه إمحاء التعيّ ن، و ا عفاء الأثر، فيؤمن به ذلك"24. يلحظ على تناول العلاّمة الطّباطبائيّ لهذا الإحضار أمران أحدهما: أنّه لحظ إحضار الغائب في الآيات السّابقة وهو المعبود سبحانه وتعالى، وا حضار من لم يرد له ذكر وهو العابد، وبذلك تحقّق حضور العابد والمعبود في العبادة. والآخر: اتّساق دلالة إحضار العابد والمعبود مع دلالة الاختصاص في تقديم المفعول به (إياك)، ودلالة الجمع في الفعل (نعبد)، لتكوين نتاج دلاليّ مركّب من تآزر هذه العناصر مجتمعة. وقد تناول المفسرون هذا الإحضار، "فمنهم من أشار إلى موضعه من دون التّطرّق إلى بيان النّكتة البلاغيّة التي من إجلها تحوّ ل الإسلوب إلى آخر، ومنهم من ذكر الأمرين، ومنهم من زاد على فائدته فوائد أخرى" 25 لم يزد الطّبرسيّ من المفسّرين السّتّة 26 على الإشارة إلى وقوع الالتفات في الآية 27، وكذلك الأندلسي28. أمّا الزمخشري فقال "فإن قلت: لم عدل عن لفظ الغيبة إلى لفظ الخطاب؟. قلت: هذا يسمى الالتفات في علم البيان... وذلك على عادة افتنانهم في الكلام وتصرفهم فيه، ولأنّ الكلام إذا نقل من أسلوب إلى أسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السّ امع، وا يقاظ ا للإصغاء إليه من إجرائه على أسلوب واحد، وقد تختصّ مواقعه بفوائد. وممّ ا اختصّ به هذا الموضع أنّ ه لمّ ا ذكر الحقيق بالحمد وأجرى عليه تلك الصفات العظام تعلّ ق العلم بمعلوم عظيم الشّ أن حقيق بالثّ ناء، وغاية الخضوع والاستعانة في المهمّ ات. فخوطب ذلك المعلوم المتميّ ز29 بتلك الصّ فات فقيل: إياك يا من هذه صفاته نخصّ بالعبادة والاستعانة لا نعبد غيرك ولا نستعينه، ليكون الخطاب أدلّ على أنّ العبادة له لذلك التّ ميّ ز30 الذي لا تحقّ العبادة إلا به"31.
عدد الصفحات ٩دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 012 ومنه يتّضح أنّ ما ذكره العلاّمة الطّباطبائيّ هو تفصيل لما ذكره الزّمخشريّ من قبل ، وتشخيص أدقّ، بالاستعانة بنصوص قرآنيّة. أمّا الرّازيّ فعلّل الإحضار بوجوه: "الأوّ ل: أنّ المصلي كان أجنبي ا عند الشّ روع في الصّ لاة، فلا جرم أثنى على الله بألفاظ المغايبة إلى قوله: مالك يوم الدّ ين، ثم إنّ ه تعالى كأنّ ه يقول له: حمدتني وأقررت بكوني إله ا رب ا رحمان ا رحيم ا مالك ا ليوم الدّ ين، فنعم العبد أنت قد رفعنا الحجاب وأبدلنا البعد بالقرب فتكلّ م بالمخاطبة وقل: إياك نعبد. الوجه الثّ اني: أنّ أحسن السّ ؤال ما وقع على سبيل المشافهة، ألا ترى أنّ الأنبياء لمّا سألوا ربّ هم شافهوه بالسّ ؤال... والسبب فيه أنّ الردّ من الكريم على سبيل المشافهة والمخاطبة بعيد وأيض ا العبادة خدمة، والخدمة في الحضور أولى. الوجه الثّ الث: أنّّّ من أوّ ل السّ ورة إلى قوله إياك نعبد ثناء، والثناء في الغيبة أولى، ومن قوله: إياك نعبد وا ياك نستعين إلى آخر السّ ورة دعاء، والدّ عاء في الحضور أولى. الوجه الرّ ابع: العبد لما شرع في الصّ لاة وقال نويت أن أصلّ ي تقرب ا إلى الله فينوي حصول القربة ، ثم إنّ ه ذكر بعد هذه النيّّّ ة أنواع ا من الثناء على الله، فاقتضى كرم الله إجابته في تحصيل تلك القربة ، فنقله من مقام الغيبة إلى مقام الحضور، فقال: إ يَّاكَ نَعْبُدُ وا يَّاكَ نَسْتَع ينُ "32 من هذه الوجوه المتعدّدة التي ذكرها الرّازيّ يتّضح أنّ في احضار تشريف ا للعابد سواء أكان ثاني ا أو سائلا. أما الأندلسيّ فلم يزد على عدّ الالتفات من أنواع الفصاحة والبلاغة في الآية33. أما الآلوسيّ فقد ذكر أقوال العلماء مسبوقة بـ (قيل)، وأتبعها برأيه، فقالفقيل: لما ذكر الحقيق بالحمد، ووصف بصفات عظام تميز34 بها عن سائر الذّ وات وتعلّ ق العلم بمعلوم معين خوطب بذلك ليكون أدلّ على الاختصاص والترقّ ي من البرهان إلى العيان والانتقال من الغيبة إلى الشّ هود... وقيل: لمّ ا شرح الله تعالى صدر عبده وأفاض على قلبه وقالبه نور الإيمان والإسلام من عنده ترقّ ى بذريعة الحمد المستجلب لمزيد النّ عم إلى رتبة الإحسان وهو: " أن تعبد الله تعالى كأنّ ك تراه ، فإن لم تكن تراه فإنّ ه يراك " وأيضا حقيقة العبادة انقياد النّ فس الأمّ ارة لأحكام الله تعالى، وصورته وقالبه الإسلام، ومعناه وروحه الإيمان، ونوره الإحسان، وفي ( نعبد ) والالتفات تتمّ الأمور الثّ لاثة، وأيض ا لمّ ا تبيّ ن أنّ ه ملك في الأزل ما
عدد الصفحات ١٠دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 في أحايين الأبد علم أنّ الشّ اهد والغائب والماضي والمستقبل بالنّ سبة إليه على حدّ سواء، فلذلك عدل عن الغيبة إلى الخطاب، ويحتمل أن يكون السّ رّ أنّ الكلام من أوّ ل السّ ورة إلى هنا ثناء، والثّ ناء في الغيبة أولى، ومن هنا إلى الآخر دعاء وهو في الحضور أولى... وقيل:: إنّ ه لمّ ا كان الحمد لا يتفاوت غيبة وحضور ا بل هو مع ملاحظة الغيبة أدخل وأتمّ ، وكانت العبادة إنّ ما يستحقّ ها الحاضر الذي لا يغيب... عبّ ر سبحانه وتعالى عن الحمد بطريق الغيبة، وعنها بطريق الخطاب، إعطاء لكلّ منهما ما يليق من النّ سق المستطاب، وأيض ا: من تشبّ ه بقوم فهو منهم، فالعابد لمّ ا رام ذلك سلك مسلك القوم في الذّ كر... عسى أن يصير محسوب ا في عدادهم... وأيض ا: فيه إشارة إلى أنّ من لزم جادّ ة الأدب والانكسار، ورأى نفسه بعيد ا عن ساحة القرب لكمال الاحتقار، فهو حقيق أن تدركه رحمة إلهيّ ة... فيصير واطئ ا على بساط الاقتراب فائز ا بعزّ الحضور وسعادة الخطاب. وأيض ا: إنّ ه لمّّّ ا لم يكن في الحمد مزيد كلفة بخلاف العبادة فخطبها عظيم ومن دأب المحبّ تحمّ ل المشاقّ العظيمة في حضور المحبوب قرن سبحانه العبادة بما يشعر بحضوره ليأتي بها العابد خالية عن الكلال عارية عن الفتور والملال... وأيض ا: إنّ الحمد ليس إلا إظهار صفات الكمال على الغير فما دام للأغيار وجود في نظر السّ الك فهو يواجههم بإظهار مزايا المحبوب عليهم، ويخاطبهم بذكر مآثره الجميلة لديهم، وأمّ ا إذا آل أمره بملازمة الأذكار إلى ارتفاع الحجب والأستار، واضمحلال جميع الأغيار، لم يبق في نظره سوى المعبود الحقّ ، والجمال المطلق... فبالضّ رورة لا يصير توجيه الخطاب إلاّ إليه، ولا يمكن إظهار السّ رّ إلاّ لديه فينعطف عنان لسانه إلى جنابه ويصير كلامه منحصر ا في خطابه،... وعندي وهو من نسائم الأسحار: أنّ الله سبحانه بعد أن ذكر يوم الدّ ين وهو يوم القيامة التفت إلى الخطاب للإشارة إلى أنّ ه إذا قامت القيامة على ساق، وكان إلى ربك يومئذ المساق، هنالك يفوز المؤمن بلذة الحضور "35 ، وفي رأيه الذي وصفه بأنّه من نسائم الأسحار نظر، لأنّ السّورة الشّريفة تربية للعبد بأدب العبوديّة الخالصة لله سبحانه مقرونة بالاستعانة به في الدنيا، دار العمل والابتلاء، ولا حديث فيها لثواب المؤمنين بالحضور بين يديه سبحانه في الآخرة.
عدد الصفحات ١١دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 أما الطّاهر بن عاشور فقال وما هنا التفات بديع فإنّ الحامد لمّ ا حمد الله تعالى، ووصفه بعظيم الصّ فات، بلغت به الفكرة منتهاهَا فتخيّ ل نفسه في حضرة الرّ بوبيّ ة فخاطب ربّ ه بالإقبال ، ... ومما يزيد الالتفات وقع ا في الآية أنّ ه تخلّ ص من الثّ ناء إلى الدّ عاء، ولا شكّ أنّ 36 الدّعاء يقتضي الخطاب، فكان قوله : (إ يَّاكَ نَعْبُدُ ) تخلص ا يجيء بعده : ( اهدنا الصراط )"37 . وليس في كلامه زيادة على ما أورده من سبقه من المفسّرين أمّا السّيّد الخوئيّ فقال: " والسرّ في ذلك أحد أمرين : الأوّل : أنّ سابق هذه الآية الكريمة قد دلّ على أنّ الله سبحانه هو المالك لجميع الموجودات، والمربّ ي لها، والقائم بشؤونها، وهذا يقتضي أن تكون الأشياء كلّ ها حاضرة لديه تعالى، وأن يكون سبحانه محيط ا بالعباد وبأعمالهم ليجازيهم يوم الدّ ين بالطّ اعة أو بالمعصية، واقتضى ذلك أن يظهر العبد حضوره بين يدي ربّ ه ويخاطبه. الثّ اني: أنّ حقيقة العبادة خضوع العبد لربّ ه بما أنّ ه ربّ ه والقائم بأمره والرّ بوبيّ ة تقتضي حضور الرّ بّ لتربية مربوبه ، وتدبير شؤونه. وكذلك الحال في الاستعانة فإنّ حاجة الإنسان إلى إعانة ربّ ه وعدم استقلاله عنه في عبادته تقتضي حضور المعبود لتتحقّ ق منه الإعانة"38. اللافت للنّظر في كلام السّيّد الخوئيّ هو قوله والسّ رّ في ذلك أحد أمرين ، ولا أدر ي ما المانع من الجمع بينهما، وهما من التقارب بما لا يخفى على المتدبّر البصير؟ فكلّ شيء حاضر عنده سبحانه، حضور المملوك عند مالكه، وحضور المربّى عند مربّيه. أما السّيد عبد الأعلى السّبزواريّ فقال معللا: "بعد إقرار العبد بالألوهيّة، والاعتراف بالرّبوبيّة، وأنّ ه مالك يوم الجزاء، صار لائق ا بالمخاطبة الحضوريّة معه تعالى، فارتقى العبد من الغيبة إلى الحضور، لارتقاء مقام قلبه عن الغفلة إلى التوجّه والحضور."39، وفي كلامه ما لايخفى من اللمحة العرفانيّة الّتي تسم تفسيره. ثاني ا- تأكيد الحكم في تفسير قوله تعالى: (يَا أَ يُّهَا الَّذ ينَ آمَنُوا لاَ تَدْخُلُوا بُيُوتَ النّبيّ إ لاَّ أَن يُؤْذَنَ لَكُمْ إ لَى طَعَام غَيْرَ نَاظ ر ينَ إ نَاهُ وَلَك نْ إ ذَا دُع يتُمْ فَادْخُلُوا فَإ ذَا طَع مْتُمْ فَانتَش رُوا وَلاَ مُسْتَأْن س ينَ ل حَد يث إ نَّ ذَل كُمْ كَانَ يُؤْذ ي النّ بيّ فَيَسْتَحْي ي م نكُمْ وَاللَّهُ لاَ يَسْتَحْي ي م نَ الْحَقِّ وَا ذَا سَأَلْتُمُوهُنَّ مَتَاعا
عدد الصفحات ١٢دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 فَاسْأَلُوهُن م ن وَرَاء ح جَاب ذَل كُمْ أَطْهَرُ ل قُلُوب كُمْ وَقُلُوب ه نَّ وَمَا كَانَ لَكُمْ أَن تُؤْذُوا رَسُولَ اللَّه وَلاَ أَن تَنك حُوا أَزْوَ اجَهُ م ن بَعْد ه أَبَدا إ نَّ ذَل كُمْ كَانَ ع ندَ اللَّه عَظ يما * إ ن تُبْدُوا شَيْئا أَوْ تُخْفُوهُ فَإ نَّ اللَّهَ كَانَ ب كلّ شَيْء عَل يما * لاَّ جُنَاحَ عَلَيْه نَّ ف ي آبَائ ه نَّ وَلاَ أَبْنَائ ه نَّ وَلاَ إ خْوَان ه نَّ وَلاَ أَبْنَاء إ خْ وَان ه نَّ وَلاَ أَبْنَاء أَخَوَات ه نَّ وَلاَ ن سَائ ه نَّ وَلاَ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ وَاتَّق ينَ اللَّهَ إ نَّ اللَّهَ كَانَ عَلَى كلّ شَيْء شَه يدا ) (الأحزاب : 92ـ99 )، قال العلاّمة الطّباطبائيّ: "( واتقين الله إ نَّ الله كان على كلّ شيء شهيدا) فيه تأكيد الحكم، وخاصّ ة من جهة الالتفات من الغيبة إلى الخطاب في (واتقين الله)"40 . لم يقف على دلالة الالتفات في الآية الكريمة من المفسّرين السّتّة إلاّ الآلوسيّ والطّاهر بن عاشور 41 الّلذان اختلفا في دلالته، فقال الآلوسيّ : " في نقل الكلام من الغيبة إلى الخطاب فضل تشديد في طلب التّ قوى منهن"42. أما الطّاهر بن عاشور فقالوالتفت من الغيبة إلى خطابهن في قوله: واتقين الله لتشريف نساء النّبيّ بتوجيه الخطاب الإِلهيّ إليهن"43 . يبدو للباحث رجحان ما ذهب إليه العلاّمة الطّباطبائيّ والآلوسيّ لأنّ المقام مقام حثّ وتشريع لا مقام ثناء وتشريف ولا سيّما أنّ الآية ختمت بقوله تعالى: إ نَّ الله كان على كلّ شيء شهيد ا. ثالث ا - تسجيل الّ لوم والعتاب في تفسير قوله تعالى: (وَم نَ النَّاس مَن يُجَاد لُ ف ي اللَّه ب غَيْر ع لْم وَلاَ هُد ى وَلاَ ك تَاب مُّن ير * ذَل كَ ب مَ ا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ ب ظَلََّم لِّلْعَب يد * ثَان يَ ع طْف ه ل يُض لَّ عَن سَب يل اللَّه لَهُ ف ي الدُّنْيَا خ زْي وَنُذ يقُهُ يَوْمَ الْق يَامَة عَذَابَ الْحَر يق * ذَل كَ ب مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ ب ظَلََّ م لِّلْعَب يد ) (الحج: 8 ـ 10 )، قال العلاّمة الطّباطبائيّ " ذَل كَ ب مَا قَدَّمَتْ يَدَاكَ وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ ب ظَلََّم لِّلْعَب يد " إشارة إلى ما تقدّم في الآيّة السّ ابقة من الإيعاد بالخزي والعذاب، ... وفي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب لتسجيل اللّ وم والعتاب"44. لم يشر إلى دلالة هذا الإحضار من المفسّرين السّتّة45 إلاّ الآلوسيّ الذي قال: "التفات لتأكيد الوعيد، وتشهيد التّ هديد"46 .
عدد الصفحات ١٣دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 ومن الغريب حق ا أن لايقف هؤلاء المفسّرون على دلالة هذا الإحضار، وهو ظاهر بالمعنى الذي أورده العلاّمة. رابع ا ـ إظهار القرب من المخاطب في تفسير قوله تعالى: (وَع ندَهُمْ قَاص رَاتُ الطَّرْف أَتْرَاب * هَذَا مَا تُوعَدُونَ ل يَوْم الْح سَاب ) (ص: 93-92 ) .قالالعلاّمة الطّباطبائيّ : "قوله تعالى: " هَذَا مَا تُوعَدُونَ ل يَوْم الْح سَاب " الإشارة إلى ما ذكر من الجنّ ة ونعيمها، والخطاب للمتّ قين، ففي الكلام التفات من الغيبة إلى الخطاب، والنّ كتة فيه: إظهار القرب منهم، والإشراف عليهم، ليكمل نعمهم الصّ ور يّة بهذه النّ عمة المعنو يّة"47. اكتفى الطّبرسيّ والأندلسيّ والآلوسيّ بالإشارة إلى وقوعه فقط 48، في حين لم يشر إلى وقوعه الزّمخشري والرّازيّ 49، ووقف على دلالته الطّاهر بن عاشور، الّذي قالالتفات من الغيبة إلى الخطاب لتشريف المتّ قين بعزّ الحضور لخطاب الله تعالى"50 خامس ا- المشافهة بالإنذار في تفسير قوله تعالى: (وَذَرْن ي وَالْمُكَذِّب ينَ أُول ي النَّعْمَة وَمَهِّلْهُمْ قَل يلَ * إ نَّ لَدَيْنَا أَنكَالا وَجَح يما * وَطَعَاما ذَا غُصَّة وَعَذَابا أَل يما * يَوْمَ تَرْجُفُ الأَْرْضُ وَالْج بَالُ وَكَانَت الْج بَالُ كَث يبا مَّه يلَ * إ نَّا أَرْسَلْنَا إ لَيْكُمْ رَسُولا شَاه دا عَلَيْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إ لَى ف رْعَوْنَ رَسُو لا * فَعَصَى ف رْعَوْنُ الرَّسُولَ فَأَخَذْنَاهُ أَخْذا وَب يلَ * فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إ ن كَفَرْتُمْ يَوْما يَجْعَلُ الْو لْدَانَ ش يبا ) (المزّمِّل: 55ـ57 )،قال العلاّمة الطّباطبائيّ : " "قوله تعالى: إ نَّا أَرْسَلْنَا إ لَيْكُمْ رَسُولا شَاه دا عَلَ يْكُمْ كَمَا أَرْسَلْنَا إ لَى ف رْعَوْنَ رَسُولا " إنذار للمكذّ بين أولي النّ عمة من قومه ، بعد ما أوعد مطلق المكذّ بين أولي النّ عمة بما أعدّ لهم من العذاب يوم القيامة بقياس حالهم إلى حال فرعون المستكبر على الله ورسوله ، المستذلّ لرسول الله ومن آمن معه من قومه، ثمّ قرع أسماعهم بما انتهى إليه أمر فرعون من أخذ الله له أخذ ا وبيلا، فليتّ عظوا وليأخذوا حذرهم . وفي الآيّة التفات عن الغيبة إلى الخطاب كأنّ المتكلّ م لمّ ا أوعدهم بالعذاب على الغيبة هاج به الوجد على أولئك المكذّ بين بما يلقون أنفسهم بأيديهم إلى الهلاك الأبديّ لسفاهة رأيهم فشافههم بالإنذار ليرتفع عن أنفسهم أيّ شكّ وترديد ، وتتمّ عليهم الحجّ ة ولعلّ هم يتّ قون، ولذا
عدد الصفحات ١٤دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 عقّب قياسهم إلى فرعون ، وقياس النّبيّ إلى موسى ، والإشارة إلى عقابه أمر فرعون ، بقوله " فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إ ن كَفَرْتُمْ يَوْما " الخ"51. لم يذكر هذا الالتفات من المفسّرين السّتّة إلاّ الآلوسيّ الذي نفى وقوعه، فقال: "وذهب جمع إلى أنّ الخطاب في إ نَّا أَرْسَلْنَا إ لَيْكُمْ عامّ للأسود والأحمر، فالظّ اهر أنّ ه ليس من الالتفات في شيء"52 يبدو للباحث عدم ترجيح ما ذهب إليه العلاّمة الطّباطبائيّ لأنّ قول ه سبحانه فَكَيْفَ تَتَّقُونَ إ ن كَفَرْتُمْ يَوْما واضح الدّلالة على خطاب عامّة الخلق لا المكذّبين فقط، بدليل الجملة الشرطية إ ن كَفَرْتُمْ ، وعليه فلا التفات لاختلاف مرجعيّة الضّمير. سادس ا - تشديد التّ قريع في تفسير قوله تعالى: (فَأَمَّا الإنسان إ ذَا مَ ا ابْتَلََهُ رَبُّهُ فَأَكْرَمَهُ وَنَعَّمَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَكْرَمَن * وَأَمَّا إ ذَا مَا ابْتَلََهُ فَقَدَرَ عَلَيْه ر زْقَهُ فَيَقُولُ رَبِّي أَهَانَن * كلَّ بَل لاَّ تُكْر مُونَ الْيَت يمَ ) (الفجر: 59ـ57)،قال العلاّمة الطّباطبائيّ : "وفي قوله: بَ ل لاَّ تُكْر مُونَ الْيَت يمَ الخ إضراب يؤكّ د الرّ دع بذكر بعض التّ نعّ م الذي لا يجامع الكرامة البتّ ة، كعدم إكرامهم اليتيم، بأكل تراثه ومنعه منه، وعدم التّ حريض على إطعام المسكين، حب ا للمال، فالفطرة الإنسانيّة لا يرتاب في أن لا كرامة في غنى هذا شأنه. وفي الإضراب مضاف ا إلى53 أصل الرّ دع تقريع، ولتشديد هذا التّ قريع وقع الالتفات من الغيبة إلى الخطاب"54. لم يشر إلى دلالة هذا الإحضار الطّبرسيّ والزّمخشريّ والأندلسيّ55. أما الرّازيّ فنفاه من دون التّصريح بذلك، فقالومن قرأ بالتاء فالتّ قدير: قل لهم يا محمد ذلك"56 ،وعليه فلا التفات. أمّا الآلوسيّ فقال: "والالتفات إلى الخطاب لتشديد التّ قريع وتأكيد التّ شنيع وقيل: هو بتقدير: قل، فلا التفات، نعم فيه من الإشارة إلى تنقيصهم ما فيه"57 . أما الطّاهر بن عاشور فقال" وقرأ الجمهور: (لا تُكرمون، ولا تَحضون، وتأكلون، وتُحبون) بالمثناة الفوقية على الخطاب بطريقة الالتفات من الغيبة في قوله: فَأَمَّا الإنسان إ ذَا مَا ابْتَلََهُ رَبُّهُ الآيات، لقصد مواجهتهم بالتّ وبيخ، وهو بالمواجهة أوقع منه بالغيبة"58
عدد الصفحات ١٥دلالة إحضار الغائب في النّصّ القرآنيّ دراسة في تفسير الميزان ............................................... د. إياد محمد علي الأرناؤوطي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الرابع والسبعون 2102 011 يبدو للباحث ضعف ما ذهب إليه القائلون بتقدير القول، ونفي الالتفات، لأنّ عدم التّقدير خير من التّقدير، ونظائر هذا كثير في القرآن الكريم، والسّياق سياق لوم وتوبيخ. ويبدو أنّ هذه الدّلالة شائعة في هذا الإحضار فقد ذكرها العلاّمة الطّباطبائيّ في تفسير آيات أخرى من القرآن الكريم 59 الهوامش 1 ينظر مادةلفت) في: كتاب العين: 8 / 121، والصحاح1/264، ومعجم مقاييس اللغة 5 / 258، و لسان العرب 2 / 84، و تاج العروس 3 / 126 2 ينظر: كتاب العين: 8 / 121 3 معجم مقاييس اللغة (لفت): 5 / 258 4 ينظر: المثل السائر165ـ169 5 الطراز 2/132 6 ينظر: البلاغة العربية 212 7 الصواب: فيما يتعلق 8 الميزان 15 /379 - 380 9 في الأصل (تبتغوا)، ويبدو انه خطأ مطبعي 10 الميزان 10 /36 - 37 11 أعني بـ ( المقطع القرآني) آية أو أكثر إذ دأب العلاّمة في تفسيره في تقسيم السورة الواحدة على مقاطع قد تطول وقد تقصر 12 لايجوز دخول (ال) على (غير)، وهذاكثير في كلامه 13 الميزان 9 /102 14 الميزان 10/36 15 الميزان 13/7 16 الميزان 10 /87 17 الميزان 10 /87 - 88 18الميزان 14 /171 - 172 19 لايجوز دخول الباء الجارة على حيث 20 الميزان 16 /228 21 الميزان 7 /18 22الميزان 7 /11 23 يبدو أنه خطأ طباعي، والصواب: كانت 24 الميزان 1 /25 - 26 25 الالتفات (أطروحة دكتوراه 76 26 أريد بهم: الطّبرسيّ، والزمخشري، والرّازيّ، والأندلسي، والآلوسي، والطاهر بن عاشور 27 ينظر: مجمع البيان1/65
عدد الصفحات ١٦