المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى

هادي حسن محمد

صفحة ١ من ٢

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 35 العددالحادي والثلاثون / 3102 ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى هادي حسن محمد المقدمة تبقى البلاغة العربية وفنونها قادرة على تجديد نفسها من خلال كشفها للدلالات ، والوقوف على شبكة العلاقات في النصوص ، سواء أكانت هذه العلاقات متجدّدة أم ساكنة ، وعليه فهي لا تركن إلى الاستقرار على معنى واحد ، وإنما تبحث عن المزيد من المعاني العميقة التي يخفيها التشكيل اللفظي ، إذا ما علمنا أنّها وفنونها تمارس التحاور بين دلالات النصوص ، وهذا التحاور يجعل ذهن المتلقي في حالة تهيؤ لاستقبال كلّ غريب في مضمون النصّ ، فضلاًَ عن ذلك إنّها تض في على النص حالة تلاحم بين فعل النص الخارجي ، وفعله الذاتي ؛ زيادة على إسهامها في بناء خلية لغوية حيّة داخل كلّ نصّ أدبي ، بحيث تنفتح على ما حولها لكي تولّد تشكيلا لفظيا ، ومعنويا معه ، وهذا التشكيل يأخذ دوره في التأثير والانسجام بين حرية النص ، وحرية الدلالة الوليدة منه ، فضلا عن ذلك أن البلاغة وفنونها علم من علوم جودة التعبير ، وما الأسلوبية إلاّ امتداد للبلاغة التي سعت إلى إثراء الرصيد المعرفي للجملة من خلال إرسال إشعاعاتها التأثيرية في عقلية المتلقي ؛ ولهذا تبقى البلاغة وعلومها فنّا للكتابة ، وطريق ا للتأليف ووسيلة أسلوبية تعبيرية للفن اللغوي المتشح بالجمالية ، وعليه فالكتابة عنها والولوج في علومها هو في حقيقة الأمر ترصد لعناصر الجودة والتفكير في المعيارية الجمالية للغة . فكلّ الفنون البلاغية تحمل جم الية تأثيرية في المتلقي ، فضلاَ عن أنها أداة نقدية تتبنّى تقويم النصّ وأساليبه ، ومن هذه الفنون : البديع الذي عدّه معظم الدارسين أنه مجرّد محسّنات لفظية ، أو معنوية ، ولا علاقة به ، ولا مكانة له في التأثير والكشف على مستوى المعاني وسياق النصوص ، والبحث يرى غير ذلك إذ إنّه يسهم في كشف المعاني . والتضاد واحد من فنون البديع الذي بالغ الدارسون في تقسيمه وتفريعه ، وهو يضفي على النص جمالا وحسنا ، فضلا عن روعته في إفادة المعنى ومداعبة مشاعر المتلقي من خلال التباين الدلالي والاختراق الذهني الذي تولده الإشعاعات الدلالية المخزونة في ألفاظه ، بحيث يخلق لنا نصّا م فتوحا الذي يقول عنه الغذامي (هو الذي يحفّز القاريء لكي يعيد كتابته ، إنّه يستفزّه ويقلب عوالمه ) (1) .  مدرس دكتور في المديرية العامة لتربية النجف

عدد الصفحات ١

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 35 العددالحادي والثلاثون / 3102 وعليه نستطيع القولإنّ السلطة الدلالية ، والأسلوبية للتضاد تتأتى من سياق التركيب في الجملة ؛ ولهذا عكف البحث على دراسته في سورة الأعراف ؛ لأنّه ورد فيها أكثر من خمسين مرّة سواء أكان تضادا في الأسماء أم في الأفعال ، أم الحروف ، بحيث نتج من هذه الد راسة تمهيد وثلاثة مباحث وخاتمة تضمّن التمهيد ( حدُّ التضاد وقيمته الفنية ) ، أما المبحث الأول فقد تناو ل التضاد في الأسماء وما نتج عنه من كشف دلالي . وتطرّق الم بحث الثاني إلى التضاد في الأفعال ودوره في التأثير على المخاطب وإسهاماته في جمالية التعبير . واشتمل المبحث الثالث على التضاد في الحروف ، وما ولده من تقابل في المعاني ، وجاءت الخاتمة بأهم النتائج التي أفرزها البحث . التمهيد ( حدُّ التضاد وقيمته الفنية ) أولا – حدُّ التضاد : 1- التضاد لغة :التضاد : ضدّ الشيء خلافه ، وقد ضاده ، وهما متضادان ، يقال : ضادني فلان إذا خالفه(2) . والتضاد : أن يجمع بين المتضادين مع مراعاة التقابل(3) . والتضاد مشتق من الأصل الثلاثي ( ض د د ) وهو من مفردات التقابل الذي يجري بين الشيئين ، والضدّ خلاف الشيء (4) . وقد سمّاه كثير من البلاغيين بهذا الاسم ؛ فضلا عن تسميته بالطباق والتكافؤ(5) 2- التضاد اصطلاحا : هو الجمع بين اللفظين الدالين على المعنيين المتضادين حقيقة أو تقريرا (6) ، وقد عرّف بالجمع بين ضدّين مختلفين كالإيراد والإصدار ، والليل والنهار ، والسواد والبياض(7) . ولعلّ ابن المعتز ( ت 296هـ ) هو أول من سمّاه بالمطابقة ، وعدّه الثالث من فنون كتابه البديع (8) . والبحث يرى أن مصطلح المطابقة لا ينسجم مع المعنى المنتج ، وهذا ما ذكره ابن فارس ( ت395هـ بقوله ( المتضادان : الشيئان لا يجوز اجتماعهما في وقت واحد كالليل والنهار )(9) . وأيّده في ذلك ابن الأثير ( ت 637هـ(11) ، وجاء المدني ( ت1121هـ ) ليعزّز هذا الرأي ، إذ قال ( قالوا : ولا مناسبة بين معنى المطابقة لغة ومعناها اصطلاحا ، فإنها في اللغة الموافقة ، يقال : طابقت بين الشيئين إذا جعلت أحدهما على حذو الآخر ، وطابق الفرس في جريه إذا وضع رجليه مكان يديه ، والجمع بين الضدين ليس موافقة )(11) . فضلا عن عدم وجود أدنى مناسبة بين التسمية اللغوية والتسمية الاصطلاحية ؛ لأنّ المطابقة والطباق في اصطلاح رجال البديع هي : الجمع بين الضدّين ، أو بين الشيء وضدّه ) (12) .

عدد الصفحات ٢

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 33 العددالحادي والثلاثون / 3102 ومن هنا فإن مصطلح التضاد أكثر دلالة على هذا الفن ؛ لدلالته على الخلاف(13) ، فالإيجاب ضدّ السلب ، والضد يقابله الضدّ ، إذن فالمتضادان لا يجتمعان ولا يتطابقان ؛ ولعلّ أقرب تسمية للتض اد هي التقابل ، إذ يقول ابن سيده ( ت 458هـ قابل الشيء بالشيء مقابلة وقبالا عارضه – وتقابل القوم استقبل بعضهم بعضا ) (14) . الفرق بين التضاد والمقابلة لقد فرّق البلاغيون بين التضاد والمقابلة من وجهين : الأول : التضاد لا يكون إلاّ ضدين غالبا كقوله تعالى ( وَهُوَ الّذي أحْياكُمْ ثُمَّ يُمِيتُكُمْ ثُمَّ َ يُحْيِ يكُ مْ )(15) ، والمقابلة تكون غالبا بالجمع من أربعة أضداد في أصل الكلام ، وضدّين في عجزه، وتبلغ إلى الجمع من عشرة أضداد : خمسة في الصدر ، وخمسة في العجز . الثاني : لا يكون التضاد إلاّ بالأضداد والمقابلة تكون بالأضداد وغيرها كأن العام يشمل الخ اص ، وليس العكس(16) . وعلى الرغم من كلّ الدلائل التي تشير وتؤكّد صحة تسمية هذا اللون البلاغي بالتضاد يصرّ بعض البلاغيين على تسميته بالمطابقة ، وتقسيمها على ضربين : الضرب الأول : يأتي بألفاظ الحقيقة والضرب الثاني : يأتي بألفاظ المجاز ، فما كان منه بلفظ الحقيقة سمّي طباقا ، وما كان بلفظ المجاز سمّي تكافؤا ، ومثله قول الشاعر : حُلْوُ الشمائل وهو مرٌّ باسلٌ يحمي الذمار صبيحة الإرهاقِ فقوله : ( حلو ) و ( مرّ ) يجري مجرى الاستعارة ، إذ ليس في الإنسان ولا في شمائله ما يذاق بحاسة الذوق(17) . ولا أعرف ما اسس التي استند إليها هذا التفريق والتحليل في المسميات . ثانيا – القيمة الفنية للتضاد : يبقى التضاد ظاهرة أسلوبية مهما تعدّدت مسمياته ، وهذه الظاهرة تعتمد الكيفية التي يخرج بها النسق التركيبي في كشف العلاقات الدلالية والانفتاح على المعاني المضيئة والتداولية ؛ فضلا عن أن مفهوم هذا الفن ودراسته يمثل الوقوف على آلية الحدس الفني والاستدلالي التي تربط الجمالية الفنية بمعادلها النفسي والموضوعي الذي يثير المتلقي ؛ ولذلك نجانب الصواب حينما نعدّ البديع وفروعه ، ومنها التضاد دراسة لجماليات النصوص فحسب ؛ لأنّ به ( تب رز الأشياء وتتأكد المعاني ، ونجد لها إلى الوجدان سبيلا ، فتثبت ويقرّ قرارها ، فالضدّ يظهر حسنه الضدّ ، وبضدّها تتميّز الأشياء ، ويبدو تأثيرها )(18) .

عدد الصفحات ٣

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 35 العددالحادي والثلاثون / 3102 ثمّ إن دراستنا للتضاد ليس القصد منها توضيح مواضع هذا الفن البلاغي ، بل القصد مواجهة النصّ المتضمّن للتضاد بحيث تكشف لنا هذه المواجهة آفاقا تمكّننا من رؤية الاتساع الذي أسهم التضاد في خلقه وتكوينه ، إذ إنّ في كلّ نصّ معنيين ، والوقوف على الأول من دون معرفة الإشارات التي تدلّ على الثاني يجعل النصّ محصورا في دائرة محدودة ، فضلا عن ذلك أن قطع الترابط بين المعن يين يبعد النصّ عن أطر التماسك الثنائي الذي بوساطته نتمكن من الوقوف على ا لمعنى المتحرّك ، فالنشاط الذي يصنعه التضاد ظاهرة صحية في التوسع الدلالي ، وفي قوّة التأثير من خلال تحفيز المحرّكات الذهنية ، فضلا عن النمو الذي يبدأ من جرّاء تعاكس المعاني ، وانحياز ه ذا التعاكس كلّ إلى مسابره الكاشفة عن أعمق دلالته . فالتضاد أحد أعمدة البديع ، وعليه المعوّل في ( توكيد وتقرير المعاني وتثبيتها في النفوس ) (19) .زيادة على تزيين اللفظ ، وتحسين النظم والنثر ، وكشف القيمة الجمالية التي تنشّط الحركة التأويلية في النصّ ، فضلا عن توليدة إيضاحية ، وإبانة في المفردات المتضادة في النسق المتضمّن لهذه المفردات ، وعليه فإنّ بنية التشكيل اللفظي للتضاد تكثّف البحث الذهني عند القاريء لكي يقف على حدود المعنى العميق . أقسام التضاد لقد اعتاد الدارسون تقسيم التضاد الذي سموه ( الطباق ) على إيجاب وسلب ، ولم أجد بحدود معرفتي المتواضعة دراسة تطرّقت إلى تقسيمه وبشكل تفصيلي ، بحسب الأسماء والأفعال والحروف ، على الرغم من أن دلالة الاسم تقترن بالثبوت والاستقرار ودلالة الفعل عكس ذلك . أما الحرف فلا يتمّ معناه إلاّ بالاقتران مع غيره ، ومن هذا المنطلق فضّل البحث الخوض في هذا التقسيم بحيث جعل لكلّ نوع مبحث ، وكما يأتي : المبحث الأول : ( التضاد في الأسماء ) لقد عرف النحاة الاسم بأنّه ( اللفظ الذي يدلّ على معنى في نفسه دون دلالة على زمن ) (21) .وهذا يعني أن الجملة التي تتضمّن تضادا في الأسماء تختلف بدلا لتها عن غيرها كما سيتضح لنا من الآيات الآتية : 1- في قوله تعالى ( وَكَمْ مِنْ قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها فَجَاءَها بأْسُنا بَيَاتا أو هم قائلُون (21) . إذ تضمّنت الآية المباركة تحذيرا من المخالفة عمّا جاء به القرآن ، وتذكيرا بالعذاب الذي حلّ بمن قبلهم ، إذ ورد التضاد الاسمي بين ( بياتا أي : في الليل ) وبين ( قائلون ) في وقت القيلولة وهي نصف النهار (22) . وبذلك تمكن التضاد الاسمي من تعزيز الأثر الدلالي من خلال السبك الأسلوبي ، والاستقرار المعنوي للأسماء المتضادة ، إذ تمكن من خلق بنية خطابية لها أصولها الجمالية المملوءة بالمنافع والمتع مع التحذير الذي تولد من التفاوت من مجيء العذاب ليلا ونهارا ، وعدم اقتصاره على وقت محدد بدليل الفاء التي عدّت

عدد الصفحات ٤

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 35 العددالحادي والثلاثون / 3102 للتعقيب عند بعض النحاة ، وبمعنى الواو عند البعض الآخر(23) . وسواء كانت الفاء للتعقيب أو الواو فإنّ العذاب سوف يكون جاهزا وثابتا للذين لا يلتزمون النهج الإيماني . 2- في قوله تعالىفَلْنَقُصَّنَّ عَلَيْهِمْ بِعِلْمٍ ومَا كُنّا غَائِبين ) (24) . تحقّق التضاد الاسمي بين علم وغائبين ، ومن خلاله تبيّن أنّ أعمالهم كانت محفوظة ، وأنّه لا ظلم عليهم ، إذ برهن ذلك في قوله تعالى ( وما كنّا غائبين ) تأكيدا على علمه بأحوالهم ، وأنه لا يخفى عليه شيءٌ (25) . وبذلك صار المخاطب على بصيرةٍ من أمره ، إذ اتضح له أنّ الله كان عالما بما كان يعمل ، وعليه يظهر لنا أنّ التعارض الذي يخلقه التضاد البلاغي هدفه خلق بريق معنوي للمتضادين ، حتّى يكون المتلقي على وعي تام من دلالتيهما ، عكس التضاد في المفهوم الفلسفي الذي يولد الجدل والتعارض(26) ، في المنطلقات الفكرية . 3- في قوله تعالى ( ثُمَّ لآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَبيْنِ أَيْديهم وَمِنْ خَ لْفِ هُمْ وَعَنْ أيْمانِهِمْ وعَنْ شَمائِلِهِمْ ولا تَجد أكثرَهُم شَا كِرين ) (27) . هذه التعددية في المعاني التي خلقها التضاد الاسمي تسبب اندهاشا عند المتلقي لكثرة المعاني التي ذكرها المفسرون ، فقد جاء الرأي الأول ( من بين أيديهم ومن خلفهم ) يعني من قبل دنياهم وآخرتهم ، ومن جهة حسناتهم وسيئاتهم . أمّا الثاني معناه أزين لهم الدنيا وأخوفهم بالفقر ، وأقول لهم : لا توجد جنّة ، ولا نار ، ولا بعث ، ولا حساب ، وأشغلهم عن الحسنات ، وأحبب لهم السيئات . وفسّر الثالث قوله تعالى ( من بين أيديهم ) ، ( وعن أيمانهم ) من ح يث يبصرون ( ومن خلفهم ) ( وعن شمائلهم ) من حيث لا يبصرون ، وانفرد الرأي الرابع بالقول ( وعن أيمانهم ) إفساد أمر دينهم بتزيين الضلالة لهم ، ( وعن شمائلهم ) تحبيب اللذات إليهم ، وقد جاء طلب معنى النهاية معزّزا بدخول ( من ) أمّا عن فقد أكدت الانحراف عن الجهة عندما اقترنت في اليمين والشمال (28) . وعليه إنّ هذا الاندهاش الذي ولد ته تعددية المعاني وأسهمت في حصوله أيضا توازنات مصحوبة بنسق إيقاعي في مكونات النصّ لكي يرسخ مفهوم الخطاب القرآني في ذهن القاريء من خلال الوصول إلى المرحلة الاستكشافية للمفهوم الدلالي ، وعندئذٍ تتضح طرق ترصّد الشيطان المختلفة ، وما سوف يفعله بسالكي الصراط المستقيم الموصل إلى السعادة ، ورضا الباري تعالى . 4- في قوله تعالى : ( فَري قا هَ دَى وفَريقا حّقَّ عَلَيْهِمْ الضّلالة إنُّهمْ اتْخَذُوا الشّيْطان أوْلِياءَ مِنْ دُونِ اللهِ ويَحْسَبُونَ أنَّ هُمْ مُّ هْتَدُون ) (29) .

عدد الصفحات ٥

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 35 العددالحادي والثلاثون / 3102 حصل التضاد الاسمي بين الهدى والضلالة ، أي بين الذين أسلموا واهتدوا إلى طريق الثواب والإيمان ، وبين الذين لم يقبلوا الهدى وحقّ عليهم الخذلان بسبب كفرهم وإتباعهم الشيطان (31) . هذا التضاد خلق بنية نسقية تقابلية ثابتة مركبة من الهدى وما يرافقه من ثواب ، ومن الضلالة وما يصاحبها من عذاب وهلاك. وبذلك تكون هذه المعطيات المتضادة أثارت ومضة دلالية لها علاقات إيقاعية تتناغم مع حركة النفس الداخلية التي ترنو شوقا للوقوف على المعنى الباطن الذي يولّد المثير ويحقّق الاستجابة عند المتلقي وعليه يكون القصد من التنوع الدلالي في النص القرآني هو أداء وظائف تنويرية هدفها الكشف الواضح لكلّ المعاني الخفية في النص . 5- في قوله تعالى : ( قال ادْخُ لُوا في أُ مَمٍ قد خَ لَتْ من قبلِكُمْ مِنَ الجِنِّ والإنْسِ في النّار كُلّما دَخَلَتْ أمٌّة لَعَنَتْ أخْتَها حت ى إذَا ادُّاركوا فيها جَميعا قالتْ أخْراهُمْ لأولاهُمْ ربَّنا هَؤُلا ءِ أضَلُّ ونا فأتِهِمْ عَذابا ضِعْفا مِنَ النّار قال لكلٍّ ضِعْفٌ ولكنْ لا تَعْلَمُون ) (31 ) . إذ ورد الحديث في هذه الآية عن (( المُضِلُّون ، والمُضَلُّون ) أي التابع والمتبوع ، وما سوف يلحق بهما من عذاب مضاعف لدخولهم في الكفر(32) . إنّ حصول التضاد بي ن ( أخراهم ) و ( أولاهم ) أسهم في زيادة فاعلية الكلمات في سياقها الخطابي إذ ( أنّ الكلمة يتضحُ معناها من نظمها مع غيرها وموقعها في النظم ) (33) . وعلى هذا الأساس ( إنّ معنى الجملة يتحدّد بمعنى كلّ من عناصرها الدالة وبالانتظام التركيبي لهذه العناصر )(34) ؛لأنّ لكلّ معنى رصيد ا من الألفاظ يتمّ بوساطتها إيصاله إلى المتلقي . ومثله التضاد في قوله تعالى : ( وقالتْ أُولاهُمْ لأخراهم فما كان لَكُمْ عَلَينا مِنْ فَضْلٍ فَذو قُوا العَذَاب بما كُنْتُمْ تَكْسِبُون) (35).إذ جاء الخطاب الإلهي مبنيا على القهر والإذلال ؛ لأ نّ القادة والأتباع كانوا ضالين ومضلّين ، وبذلك رسم التضاد الاسمي صورة ثابتة للنفس المنحرفة التي تطلب من الله تعالى أن يضاعف العذاب لرؤسائهم من أجل التخفيف عن أنفسهم(36) .عندئذٍ أوضحت الدلالة الثنائية المتضادة ندم هؤلاء 6- في قوله تعالى ( ونادَى أصْحابُ الجَنِّة أصحاب النّار أ نْ قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا ربّنا حَقّا فَهَل وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكم حقّا قالوا نعم فأذّن مؤذّن بينهم أن لعنة اللهِ على الظالمين ) (37) . هنا أنتج التضاد حوارا بين أصحاب الجنة وأصحاب النار مع رسم صورة مشرقة لأصحاب الجنّة مدعومة بحجّة قوية ، وذلك بقوله تعالى ( قَدْ وَجَدْنا ما وَعَدَنا ربّنا حَقّا فَهَل وَجَدْتُمْ ما وَعَدَ رَبُّكم حقّا ).فيقرّ أصحاب النار ( نعم ) (38) .وبذلك يثبت المؤمنون البعث بجميع خصوصياته التي بيّنها ا ، بعكس الكفار الذين أنكروا أمر المعاد إذ ظهر هذا واضحا بقوله تعالى ( فأذن مؤذن – نادى مناد ) فاضحا أمرهم المخجل الذي جلبوه لأنفسهم ، هذه الثنائية الضدّية بين أصحاب الجنّة وأصحاب النار

عدد الصفحات ٦

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 35 العددالحادي والثلاثون / 3102 أثْ رَتْ جذوة المعاني ، إذ سعت إلى زيادة التنازع الدلالي ودعم فكرة الخلاف بين الفريقين ، وكذلك في قوله تعالى ( ونَادَ ى أصْحَابُ النِّار أصْحَابَ الجَنَّةِ أنْ أَفِيضُوا عَلَيْنا مِنَ الماءِ أوْ مِمّا رَزَقَكُمُ اللهُ قالُوا إنّ اللهَ حرّمهما على الكافرين ) (39) . يستمر الحوار بين أهل النار وأهل الجنة ، إذ وضّحت هذه الآية علو مكانة أهل الجنة عن مكانة أهل النار مع التأكيد على الماء ؛ لأنه من جملة ما رزق الله به أهل الجنة ، وقد تقدّم في الذكر ؛ لأنّ الحاجة إليه أسبق إلى الذهن عندما تحيط الحرارة بالإنسان(41) . هذا التضاد بين الفريق المؤمن والفريق المنحرف وطبيعة الكدية للأكل والشرب الذي أفاضه الله تعالى على المؤمنين ، وأبعده عن الكافرين أظهر لنا عمق التباين الدلالي بين الفريقين مع توضيح ما تحقّق لكلّ منهما ؛ فضلا عن التناغم الأسلوبي في السياق الذي أسهم في تحفيز استجابة القاريء عندما قدّم أصحاب الجنة في الآية الأولى ؛ لأنّهم ترفعوا عن الانحراف ، وقدّم أصحاب النار في الآية الثان ية لطلبهم الذليل للماء الذي يتمتع به المؤمنون ؛ فضلا عن عدم تطابق المعاني في العبارات والجمل التي بدورها جعلت المدارك تتابع هذه المعاني المتضادة من أجل الوقوف على الامتدادات الدلالية لها . 7- في قوله تعالى ( إنَّ ربَّكُمْ الله الذي خَلَقَ السَّموات والأرض في ستّتة أيّام ثمّ استوى على العرش يَغْشى اللّيل النهار يطلبُه حثيثا والشّمس والقمر والنجوم مُسخّرات بأمره أَلاَ لَهُ الخلق والأمر تبارك الله ربّ العالمين ) (41). هذه الآية واحدة من الآيات التي احتجّ بها الله سبحانه وتعالى على الكفار مبرهنا قدرته ، وأنّ ه لا معبود سواه من خلال المدّة التي تمّ بها خلق السموات والأرض ورتّبهما في أيام الأسبوع ، فابتدأ بالأحد ، والاثنين ، والثلاثاء ، والأربعاء ، والخميس ، والجمعة ، إذ اجتمع له الخلق في يوم الجمعة ؛ ولذلك سمي الجمعة(42) . هذا التقابل الضدي بين النهار والليل ، والشمس والقمر ، يبيّن لنا أنّ التضاد لا يستقرّ على نوع واحد من الكشوفات الدلالية ، وذلك من خلال تشكيله اللفظي المتعدد ، وعليه نلحظ أنّ الكشف الدلالي يتجه نحو التأويل عندما تكون ضبابية في المعنى ، وأخرى إلى التفكيك لتشريح رمزية المعنى الذي قد ين صرف إلى الدو ال ؛ لوجود مدلولات مهيمنة على النص ، وبذلك يقول المرحوم محمود البستاني ( عندما يأتي مقطعٌ خاص يخترق سلسلة الموضوعات ، فهذا يعني أهميته أولا .... وكونه متسّ ما بدلالاته )(43) التي تؤكد أن الله تعالى هو ( الذي خلق السموات والأرض جميعاثمّ دبّر أمرها بالنظام الأحسن الجاري فيها الرابط بينها جميعا ) (44) .أي بين خلق السموات والأرض والاستواء عليها ، وإدراك النهار الليل ، وتسخير الشمس والقمر والنجوم مع انصراف هذه الأضداد بحسب إرادته تعالى . 8- في قوله تعالى ( والبلد الطّيُّب يخرُ جُ نباتُ ه بإذن رَبِّهِ والذي خَبُ ثَ لا يَخْرجُ إلاّ نَكَدا كذلك نُ صَرِّ فُ الآياتِ لقومٍ يَ شْكُرُ ون )(45) .

عدد الصفحات ٧

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 56 العددالحادي والثلاثون / 3102 جاء التضاد الاسمي بين الأرض الطيبة بترابها الذي يخرج منه زرع جيّد وبين الأرض السبخة التي خبث ترابها ،وقلّ ريعها (46) ، لكي يكون المتلقي على بينة من إشعاعات الأعمال الصالحة والمساعي الحسنة وما ينتج عنها من خير حتى يحثّ الخطى في هذا الاتجاه السليم والابتعاد عن العسر الذي يولده الاتجاه المعاكس . هذه المقارنة بين الشيء وضدّه هي عملية توضيح لهوية ومسارات كلّ من الأعمال الطيبة والأعمال الخبيثة من أجل أن ترتفع قدرة القاريء على تمييز التشعبات الدلالية التي أفرزها انفتاح النص وتباين المعنى بين المتضادين . 9- في قوله تعالى ( ثمّ بَ دَّ لنا مكانَ السَّ يئةِ الحَ سَ نَةَ حتى عَفَوا وقالوا قد مسَّ آباءنا الضَّ راءُ والسَّ راءُ فأخذناهم بغتة وهم لا يشعرُ ون )(47) . إذ أشار الباري تعالى في هذه الآية إلى حقيقة ناصعة هي نزول النعم والنقم ؛ لأنّ أي أمّة من الأمم عند انحرافها عن الطريق الصحيح ينعكس عليها هذا الأثر السيء ، أما العبد المستقيم فتحيطه الرفاهية ، وتغمره السعادة ، عكس المنحرف الذي تحلّ عليه المحن فتحطمه بغتة وهو لا يشعر (48) . هذا التضاد بين السيئة والحسنة وبين السراء والضراء خلق لذّة عقلية مؤثرة عند المتلقي أثارت حاجته النفسية ، وزادت تفاعله مع النص من خلال استنطاقه ، وعندئذٍ ترسخ المعنى في ذهن المخاطب وهي الغاية من النص ، وعليه تحقق الهدف من الخطاب ، وأصبح مثمرا ؛ لأنّ الب نية النصية وظّفت نفسها في إضاءة الحزمة الدلالية ، ذات القوة التأثيرية للمعاني المتضادة التي تمثل اتجاهات وسلوكيات متضادة أيضا . ومثله قوله تعالى ( فإذا جاءَ تْهُ مُ الحسنةُ قالوا لَنَا هذه وإن تُ صبهم سَ يئةٌ يَطْيَّ روا بمُ وسَ ى وَ مَ نْ مَعَ هُ )(49) . إذ دلّت الحسنة على الخصب والرخاء وسعة الرزق والسلامة والعافية التي عندما تحلّ عليهم يقولون : إنا نستحق ذلك ، وإن سعة الرزق في بلادنا ، ولم يعلموا أنها من عند الله فيشكروه ، أمّا دلالة السيئة فالمقصود بها الجدب والجور والبلاء وقحط المطر ، وضيق الرزق(51) . هذا التضاد بين الحسنة والسيئة هو تضاد في المعاني التي بدورها تخلق تنوعا فكريا أيضا مع زيادة في التبصر المعرفي إذ إنّ المسحة الجمالية التي يخلقها التضاد تولّد تواصلا فكريا بين النصّ وبين المتلقي الذي يبحث عن الدلالة العميقة في الخطاب . 11- في قوله تعالىوإنْ يَرَوْ ا سَبيلَ الرُّ شْدِ لا يتخذُوهُ سَبِيلا وإنْ يَرَوْا سَبِيلَ الغَ يّ يَتُّخذوهُ سَبِيلا )(51) . وهُنا دلّت الآية على التضاد الاسمي بين الذين يرون طريق الهدى والحق ، ولكنّهم لا يتخذونه طريقا لأنفسهم ، وبين الذين يرون طريق الضلال ويميلون إليه ، وهذا التقابل بين الرشد الذي هو الإيمان والأمر المحمود وضدّه الذي هو الغي والأمر القبيح والكفر (52) . قد أسهم في زيادة فاعلية الكلمات في

عدد الصفحات ٨

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 56 العددالحادي والثلاثون / 3102 سياق الخطاب القرآني ؛ وذلك لأنّ استجابة المتلقي قد تكون أكثر ميلا للمعاني المتضادة ؛ ولسبب بسيط هو أن الوهج الإشراقي لكلّ معنى من هذه المعاني المتضادة يمار س عملية شدٍّ وجذب على نفسية المتلقي ؛ فضلا عن جمالية الأسلوب المتوشّح بالإيقاع من خلال تكرار بعض الكلمات مثل كلمتي ( سبيل ) ، وكلمتي ( سبيلا ) إذ أنّ تكرار هذه الكلمات يعدّ توكيدا للمعاني وإسهامه رائعة في تحقيق الوظيفة الإبلاغية والتأثيرية في آنٍ واحد ، فضلا عن ذلك أنّ في الآية تضادا سلبيا بين ( لا يتخذوه ) و ( ويتخذوه ) وهنا تعزّز الإيقاع المقرون بالحدث نتيجة التضاد بين فعلين ، وعليه نستطيع القول أن توليد المعاني وفهمها لا يتمّ بالأساليب العادية بل يحتاج إلى تنوّع لفظي في الخطاب . 11- وفي قوله تعالى( وقطّعناهم في الأرضِ أُمَما منهم الصُّالحون ومِنْهُم دونَ ذلك وبلوناهُمْ بالحَسَناتِ والسِّيئات لَعَلَّهُم يَرْجِعُون ) (53) . إن حصول التضاد بين الحسنات والسيئات أي بين ( نعماء الدنيا وضرّائها (54).ما هو إلاّ آ ختبار لهؤلاء بالرخاء في العيش والمصائب في ا لأنفس والأموال من أجل الرجوع إلى طاعة الله تعالى وامتثال أمره(55) . هذا التقابلالمتضاد بين النعم والنقم والرخاء والشدة جاء ليحفّز المخاطب من خلال وقوفه على حدود المعانى للطاعة وعكسها ، وبذلك يتأكد للبحث ( أن للأجناس البلاغية قيمة منهجية سواء في نظرية النص أو نظرية الأسلوب القائمة على النظرية الاتصالية ، ولا يعني هنا بما تحدثه من أثر جمالي فحسب بل بما تسهم في تشكيل مضمون النصّ ودلالته المتنوعة والتداعيات في أذهان المتلقين ) (56) ، الذي من منهجه تتولد لهم البصيرة المعرفية ، وفي ضوئها يقرّرون الامتثال لأمر الب اري أو الاستمرار في طريق المهالك . 12- في قوله تعالى ( قلْ لا أملكُ لِنَفْسي نَفْعا ولا ضُرّا إلاّ ما شاءَ اللهُ ولوْ كنتُ أعلمُ الغَيْبَ لاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الخَيْرِ وما مسَّني السُّوءُ إنْ أنا إلاّ نَذيرٌ وبَشِير لقومٍ يُؤمِنُون ) (57). أمر اللهُ تعالى نبيّه k أن يتبرأ من دعوى العلم بالغيب إلاّ بوحي وتعليم إلهي ؛ وهي دلالة على تجريد العبد من هذه القدرة التي هي من اختصاص الباري ، فهو مالكها تعالى ، أما نبيّه الكريم فما هو إلاّ نذيرٌ وبشير ، إذ بيّن حقيقة حاله فيما يدّعيه من الرسالة من غير أن يكون معها دعو ى أخرى(58) . وهنا ولّد التضاد بين الاسمين ( نفعا وضرّا ) خلافا دلاليا ، وهذا الخلاف أسهم في إيصال القصد من الخطاب إلى المتلقي ، وبذلك تحقّق الهدف بفضل الجذوة الدلالية والوعي الإنساني الفاعل ال لذان أرساهما التضاد من خلال إحاطته بالمعنى العميق ، وإظهاره للمتلقي بشكله الواضح .

عدد الصفحات ٩

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 56 العددالحادي والثلاثون / 3102 المبحث الثاني :( التضاد في الأفعال ) جاء تعريف الفعل عند النحاة ( هو لفظ يدلّ على حالة ، أو حدث في الماضي ، أو الحاضر ، أو المستقبل )(59) . وهذا يعني أن التباين الدلالي في الأفعال المتضادة يمتاز بالقلق ، أي أن المعنى العميق لا يركن إلى الاستقرار ؛ لأنّ زمن الفعل هو الذي يحدّد بويصلته الدلالية ، وكما يأتي : 1- في قوله تعالى ( اتِّب عُ وا ما أُ نزلَ إِلَيْكُمْ مِنْ ربُّ كم ولا تَ تَّبِعُ وا مِ نْ دُ ونِ هِ أَوْلِ ياءَ قَلِيلا ما تذكُّ رون )(61) . حصل التضاد بين الفعلين ، وكان الأول أمرا ، وا لثاني نهيا ، ويسمّى هذا التضاد عند معظم البلاغيين قدامى ومحدثين(61) بـ ( طباق السلب ) ومعناه : لا تتبعوا غير الله تعالى فيكونوا لكم أولياء من دونه(62) . ويعتقد البحث أن أسلوب التضاد تمكن من القيام بدور فعال من خلال الإحاطة بكلّ العلاقات الاستدلالية التي أسهمت بتوفير كنزٍ دلالي في وظيفة الكلمات داخل الجمل التي هولت الإنذار ، فضلا عن التناسق الأسلوبي في النص الذي أوجده الأمر والنهي . 2- في قوله تعالى والوّزْنُ يَوْمَئذٍ الحَقُّ فَمَنْ ثَقُلَتْ مَوَازينَهُ فأولئك هم المفلحون * وَمَنْ خَفَّتْ مَوَازينَهُ فأولئك الذين خَسروا أنْفُسَهُمْ بما كانُوا بآياتِنا يَظلِ مُون )(63) . عرضت هذه الآية الجزاء الأخروي المتضمّن الحساب والمحاسبة (64) ، عند تحديد الحسنات والسيئات إذ قيل توزن صحائف الأعمال ) وقيل : ( تظهر علامات للحسنات وعلامات للسيئات في الكفين ، فيراها الناس )(65) . وثقل الموازين دلالة على رجحان الأعمال الحسنة التي ترضي الله سبحانه وتعالى ، أما السيئات فوزنها خفيف ، وبذلك يعطي التضاد بين ( ثقلت وخفت ) بريقا للتباين بين الألفاظ ومعانيها ، هذه المعاني التي وسّ عت الحيّز الدلالي وجعلته أقرب إلى ذهن المتلقي حتّى تترسّخ العقيدة السليمة عنده ، وهي حاجة أساسية في النصّ القرآني . 3- في قوله تعالى ( قالَ فيها تَ حْيَ وْن وفيها تَ مُ وُتُ ون ومِ نْهَ ا تُ خرَ جُون )(66) . وهنا يُظهر لنا التضاد مرحلة خاصة في حياة الإنسان ، إذ إنّ في قوله تعالى ( فيها تحيون ) أي في الأرض تعيشون ( وفيها تموتون ) يعني يوم القيامة مع وضوح الدلالة التي تبيّن أن الله سبحانه يخرج العبد من هذه الأرض التي عاش فيها بعد موته ، وأن يفنيها بعد أن يخرج العباد منها يوم الحشر(67) .وبذلك ساعد التقابل المضاد بين الحياة والموت بإظهار المعنىإذ استثمر كلّ طاقات الن صّ المكتنزة ، فضلا عن إسهامه في تنشيط حركة النصّ في البوح بمحتواه الدلالي . 4- في قوله تعالى ( وإذا فَعَلُوا فاحِشَة قالوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنَا واللهُ أمَرَنَا بِهَا قل إنّ اللهَ لا يأمُرُ بالفَحْشَاءِ أتَقُولُونَ على اللهِ ما لا تَعْلَمُون ) (68) .

عدد الصفحات ١٠

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 55 العددالحادي والثلاثون / 3102 وضّحت الآية الكريمة أنّ الله لا يرضى بالفحشاء الشنيعة من أفعال بني آدم ، ومنها الطواف بالبيت الحرام وهم عراة ، فأمر رسوله k أن يردّ عليهم بأنّ الله لا يأمر بالفحشاء (69) . وجاء التضاد بين أمر الله الذين ادّ عوه ونفيه من أجل ترسيخ المحتوى للفكر العبادي الصحيح مع تسفيه الأعذار التي استندوا إليها ، وعندئذٍ يكون القصد من الخطاب القرآني الذي هدفه التبليغ والتأثير ألصق بذهن المتلقي جرّاء النهي القاطع الذي ولّده التضاد بين الفعلين ( أمر – لا يأمر ) . 5- في قوله تعالى ( يا بني آدم لا يفتننّكم الشيطان كما أخرج أبويكُ م من الجنِّة يَنْزَعُ عَنْهما لباسهما لِيُريهُ ما سوآتهما إنّه يَرَاكُمْ هو وقَبيله من حيث لا ترونهم إنّا جعلنا الشياطين أولياء للذين لا يؤمنون ) (71) توضّح الآية ما صنعه إبليس في بني آدم من نزع لباسهما ليريهما سوآتهما ، وإنّ الإنسان في جنّة السعادة ما لم يفتتن به ، فإذا افتتن أخرجه الله منها(71) ، وقد حصل تضاد السلب بين الفعل يرى ونهيه ، وهذا النهي جاء تأكيدا للنهي الذي ورد في أول الآية إذ أسهم في استحضار الوضوح الدلالي من خلال التعارض في المعاني الذي ورد ثلاث مرّات في ( لا يفتنكم ) ، وفي ( لا ترونهم ) ، وفي ( لا يؤمنون ) ، وعليه يرى البحث أنّ هذا التوالي في النهي والنفي هو منبّه أسلوبي ي قرع الوعي المعرفي والإدراكي للمتلقي لكي تتضح له النوايا السيئة التي يبيّتها الشيطان للآدميين . 6- في قوله تعالى( قُ لَ إنّما حرَّم ربّي الفواحِشَ ما ظَهَرَ مِنْها ومَا بَط نْ ) (72) . لقد حصل التضاد في قوله تعالى ( ما ظهر منها وما بطن ) أي ( ما علن منها وما خفي(73) .وهنا أصبح واضحا لنا أنّ الخطاب القرآني شمل بدلالته كلّ الفواحش الظاهر منها والباطن ، وعندئذٍ يكون التضاد سببا في كشف الجانب الدلالي من خلال التباين في المعان ي ، وهذا التباين ليس تناقضا بل هو نسج وزيادة في الإيضاح إذ أحدث تحوّلا كبيرا في انفتاح النصّ الذي وضّح بإجمالية منع جميع الكبائر ، وبذلك تكون المعاني المتضادة أسبق وجودا في ذهن المتلقي من غيرها . 7- في قوله تعالى (ولكلّ أمٍّة أجلٌ فإذا جاء أجَلُهُمْ يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ) (74) . هذا التحديد الزماني الذي جاء بأقلّ الأوقات وهي الساعة كان وعيدا لأهل مكة بالعذاب النازل (75) . وقد حصل التضاد الفعلي بين ( يستأخرون ، ويستقدمون ) إذ جاء مؤثّرا من الناحية النفسية لهؤلاء الذين يأسوا لقرب أجلهم المحتوم والمظلم ، وبذلك أفرز التضاد وظيفة النصّ من خلال احتوائه على البصمات الدلالية للزمن المحدد ، وعندئذٍ يكون المتلقي قد اكتشف المخاطر التي سوف يتعرّض لها من لا يؤمن ، فضلا عن ذلك يمكن أن تأوّل هذه الآية بأنّها حثّ على الالتزام مع استثمار الوقت للأعمال الخيرية التي هي السلّم الوحيد للنجاة من العذاب . 8- في قوله تعالى ( ولا تُفْسِدُوا في الأرضِ بعد إصلاحِها وادعُوهُ خوفا وطَمَعا إنّ ر حمتَ اللهِ قريبٌ من المُحْسِنين) (76).

عدد الصفحات ١١

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 55 العددالحادي والثلاثون / 3102 هذه المواجهة التي خلقها التضاد بين الفساد والإصلاح ، أي بين الهدم والبناء رسمت لنا وضوحا دلاليا ، وإشراقة للمضمون الذي يسعى المتلقي الحصول عليه ، إذ أن الإصلاح هو بناء وترصين للعدالة التي هي وسيلة من وسائل سعادة الإنسان الذي يخشى الفساد المسبب لهدر الحقوق وبهذه الآية اختلفت الأدائية في التضاد في نشاطها ؛ لتعدد الانتماء الدلالي للألفاظ المتضادة بين الفعلية والاسمية ، وأصبحت عملية ذات وجهين لكل وجهٍ إشعاعه المعنوي الذي يزيد من إدراك المتلقي في فهم المعنى فضلا عن استقرار الإصلاح في ذهن المؤمن ، وقلق الفساد لاتصافه بعدم الثبوت . 9- في قوله تعالى ( أبلّغكم رسالات ربّي وأَنْصَحُ لَكُمْ واعلم من ا ما لا تَعْلَمُون ) (77). جاء في ( جمع الرسالات دلالة على كونها كثيرة ، وأنّ له مقاصد أمره ربّه أن يبلّغها إيّاهم (78) . وقد اقترنت هذه الرسالات بالنصح والإرشاد والتبشير والإنذار ؛ لأنَّ ما تضمّنته هذه الآية هو تبليغ ونصح وعلمه بما لا يعلمون من الثواب والعقاب ، وبذلك نحدّد ما أفرزه التضاد الفعلي من تباين بين الطاعة والمعصية هو حاضنة دلا لية لألفاظ مختلفة الهدف وباتجاهين متعاكسين ؛ الغرض منهما معرفة المخاطب وتمكنه من الحصول على الثواب مع تبيان مسببات وقوع العقاب . 11- في قوله تعالى ( فكذُّبوه فأنْجَيْناهُ والذينَ مَعَهُ في الفلكِ وأغْرَقْنا الذين كذُّب وا بآياتِنا إنّهم كانوا قوما عَمِين )(79). إذ ورد التضاد بين أنجيناه أي خلّصناه ، وبين أغرقنا أي أهلكنا ، وقد نجا المؤمن بفضل إيمانه ، وهلك المشرك لكذبه ، هذا التقابل بين المعنيين المتضادين أسهم في توضيح الفرق بين ما يكسب المؤمن وما يصيب المشرك ، وعليه أصبحت الصورة جلية بفضل التضاد الذي أفضى إلى فتح النص على آفاق دلالية رسّخت المعنى في ذهن المتلقي بوضوح . 11- في قوله تعالى ( قالَ الملأُ الذين استكَبَروا مِنْ قَوْمِهِ للذينَ اسْتَضْعَفُوا لمَنْ آمنَ مِنْهُم أتع لمونَ أنَّ صَالحا مُرْسلٌ مِنْ رَبِّهِ قالوا إنّا بما أُرْسل بهِ مُؤمنون ) (81) . إذ ورد الخطابليؤكّد ترفع المستكبرين لأنفسهم فوق مقدارها من خلال جحود الحق ، وكذلك تضمّن شمول الذين استضعفوا وهم المؤمنون إذ ورد تحديدهم بقوله ( لمن آمن منهم )(81) . ويعتقد البحث أن التضاد بين المستكبرين والمستضعفين من المؤمنين كثّف دلالة الفارق بين الاستكبار والإيمان وجعله واضحا أمام بصيرة المخاطب ، فضلا عن الجرس اللفظي الذي ولّده تكرار صوت السين على الرغم أن التضاد من المحسّنات المعنوية ، ولكنّه يشارك في جمالية النص ، هذه الجمالية التي يعدُّ اللفظ من ركائزها الأساسية إذ تخلق نشاطا متجدّدا عند القاريء مع تحفيز ذهني مصحوب بتحريك ملكة تعامله مع المعطيات الدلالية التي هي استنطاق للكوامن في مضمون النصّ .

عدد الصفحات ١٢

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 53 العددالحادي والثلاثون / 3102 12- في قوله تعالى( فأُ وفُ وا الكَ يْلَ والميزانَ ولا تَبْخَسُوا النَّاس أشي اءَهُمْ ولا تُفْسِدُوا في الأرضِ بَعْدَ إصْ لاحِهَا ) (82). هذه المقارنة بين الإيفاء بالكيل وبين بخس الناس حقوقهم وكذلك بين الفساد في الأرض وإصلاحها ، وضّحت الصورة للمتلقي ، بأنه تضاد بين السلوك القويم للمؤمن المتصف بإيفاء الكيل ، وبين بخس الحقوق والانحراف ، ثمّ عزّزه تضاد آخر هو النهي عن الفساد في الأرض والركون إلى الإصلاح الذي هو الخطّ القويم للمؤمن ، هذا التركيز على التضاد وتنوعه يسا عد في تقريب الدلالة وتوضحها مع بروز الفارق في المعاني المتقابلة . 13- في قوله تعالى ( قُلْ يا أيُّها الناسُ إنّي رسول اللهِ إليْكُمْ جَمِيعا الذي لهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ والأرض لا إلهَ إلاّ هو يحي ويميتُ فآمِنُوا باللهِ ورسُولِهِ النبيّ الأميّ الذي يُؤْمِنُ باللهِ وكَلِماتِه واتِّبعُوه لعلُّكمْ تَهْتَدُون ) (83) . أي أنّ الله سبحانه وتعالى يمتلك الأحياء والأموات ، فله أن يحي قو ما أو الناس جميعا بحياةٍ طيٍّبة ، أو يهلكها من خلال الشقاء والضلالة ، وهي موت فعلا (84) . هذا التنازع الدلالي الذي أوجده التضاد بين الحياة الطيبة وبين الحياة المملوءة بالشقاء هي إحاطة غير مسبوقة بالنصوص الأخرى عدا النصّ القرآني الذي يشير دائما إلى ثنائي ات دلالية تعبُّر عن جزئيات نصّه المعجز المشحون بالعلامات التي تومئ إلى عمق معناه . 14- في قوله تعالى ( إنْ هيَ إلاّ فِتْنَتُكَ تُضلُّ بها مَنْ تَشاءُ وتَهْدي مَنْ تَشَاء ) (85) . وقد ورد التضاد في تضلّ وتهدي ، إذ إنّ دلالة الضلالة هو الهلاك ، ودلالة الهداية النجاة(86) . ويعتقد البحث أنّ في هذه الآية اختصار ا أو حذفا ، هو تضلّ من يشاء الضلالة أي من يطلبها ، وتهدي من يشاء الهداية ويرومها ويؤمن بما أُ نزل من الله تعالى ؛ فضلا عن ذلك أنّ التضاد في هذه الآية حقق مزية أخرى غير التي ذكرت ، وهي ركونه إلى الاقتصاد وتجنّب الإسراف والتبذير اللغوي ، وعدم إطالة الجملة مع تحقيق المقصد الدلالي في النصّ ؛ فضلا عن أنّ الحذف الذي حققه التضاد في المعاني أسهم في زيادة حركة النصّ التي تبحث عن المعاني العميقة والمتباينة . ومثلها قوله تعالى( مَنْ يَهْدي اللهُ فهو المُهتدي ومَنْ ي ضلُلْ فأولئك هم الخاسرون ) (87) . وهنا تحققت نتيجتان ، النتيجة الأولى : الهداية وهي الخير والثواب ودخول الجنّة ، والثانية : نتيجة الضلال التي هي الخسران وعدم الوصول إلى الجنة ، ورؤية نعيمها ، هذه المقارنة بين المتضادين تفزع الضمير ، وتزيد من مفتاح الفهم عند المتلقي ، من خلال معرفته لدلالة الهداية والجزاء المترتب عليها ، ومضمون الضلالة وما يصاحبها من عقاب . ومثلها أيضا قوله تعالى ( مَنْ يُ ضْلِلِ اللهُ فَلاَ هَاديَ لَ هُ ويَذرُهُم في طغيانِهم يَعْمَهُون )(88) .

عدد الصفحات ١٣

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 55 العددالحادي والثلاثون / 3102 وهنا حصل التضاد بين اسمٍ وفعل ، ولعلّ حصول هذا و الله أعلم هو حتّى يتحقق الوعي عند المخاطب لا للمعنى فقط ، بل حتى يكون مصحوبا برؤيا قصدية التي من خلالها يتم الوقوف على المعاني المتعدد ة في النص . المبحث الثالث :( التضاد في الحروف ) لقد عرف الحرف بأنه ( لفظٌ لا يظهر معناه إلاّ إذا اقترن بغيره ) (89) . هذايعني أن التضاد لا يتحقق في الحروف إلاّ عندما تقترن مع غيرها ، وعندئذٍ يتحقق معناها ، وأعني هنا حروف الجر ، وقد سمّيت حروف الجرّ ؛ لأنّها تجرّ معاني الأفعال إلى أسماء ، أي توصلها إليها ، وكذلك سمّيت حروف الإضافة ؛ لأنّها تضيف معاني الأفعال إلى الأسماء أي ت وصلها إليها(91) . علما أنّ تضاد الحروف في السورة ورد في أربع آيات فقط ، والآية الخامسة جاء التضاد بين ظرفين ، وسوف نوضّح ذلك ، وكما يأتي : 1- في قوله تعالى( قالَ فاهْبِطْ مِنْها فَ مَا يَ كُونُ لكَ أَ نْ تَ تَكَ بّر فيها فاخرُجْ إنَّك مِنَ الصّاغرين ) (91) . وقد حصل التضاد بين ( منها ) و ( فيها ) إذ اتصلت ( من ) التي هي لابتداء الغاية ، و ( في ) التي هي للظرفية المكانية مع الضمير ( الهاء ) الذي يعود للجنّة ؛ لكونه من سكانها ، إذ جاءت الآية تنبيها على أنّ التكبر لا يليق بأهل الجنة ( فكما يمنع من القرار فيها يمن ع من دخولها بعد ذلك ، وإنّه تعالى إنما طرده لتكبّره لا لمجرّد عصيانه )(92) . وقد ورد الهبوط المشعر بالنزول من علوٍ إلى أسفل إذ قال ( فاهبط منها ) أي : من السماء التي هي مكان المطيعين المتواضعين من الملائكة إلى الأرض التي هي مقر العاصين المتكبرين(93) ؛ وفض عن التضاد بين حرفي ( من ) و ( في ) تضمّنت الآية تضادا بين اسمين ( التكبر ) الذي منع الشيطان من السجود ، و ( الذل ) الذي لحق به ، وهذا التضاد ولّد مقطعا محكما فنيا كما يقول الدكتور محمود البستاني – رحمه الله – لأنّه رتّب أثرا ً مضادّا للتكبّر وهو ال ذل(94) . وهنا تمكّن التضاد من إم اطة اللثام عن الأثر الذي ولّده التكبّر مع زي ادة الوعي المعرفي للمعاني الكامنة في عمق النص . 2- في قوله تعالى ( قالَ فِيها تَ حْيَ وْن وفيها تَ مُ وتُ ون وَ مِنْها تُ خْرَجُون )(95) . في الآية دلالة على أن ا– سبحانه – يخرج العباد يوم القيامة من هذه الأرض التي حيوا فيها بعد موتهم(96) . هذا التضاد الذي تشكّل من الحرف ( في ) الذي يحمل معنى ال ظرفية المكانية ، ومن الحرف( من ) الذي هو للابتداء أسس صراعا دلاليا بين المعاني المتضادة الذي شكّلها هذا ن الحرفان ، والهدف من ذلك ترويض النص ، وتطويعه من خلال هذا التقابل حتى يعي المتلقي قصد التنبيه على البعث والنشور يوم القيامة الذي يفضي إلى المجازاة بالثواب والعقاب .

عدد الصفحات ١٤

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 55 العددالحادي والثلاثون / 3102 3- في قوله تعالى ( قَ دْ افْ تَرَيْ نا عَ لَى اللهِ كَذِبا إنْ عُدْنَ ا في مِ لَّتِكُم بَ عْدَ إذ نجّانا اللهُ منها وما يَ كُونُ لَنَ ا أنْ نَعُ ودَ فيها إلاّ أنْ يَشَاءَ اللهُ رَبُّ نا )(97) . جاء التضاد حاملا التعارض الثنائي الذي أسس لعلاقة جدلية ناتجة عن شذرات التقابل بين الحرفين ( منها ) و ( فيها ) إذ ولّد إشراقا دلاليا داخل نظام النصّ ، وبذلك يكون تأ ثيره على المتلقي أكثر كثافة إذ إنّ التأثير يتحدّد بحج م الصراع المعنوي لكلّ لفظة من ألفاظ التضاد التي جاءت بها الآية إذ دلّلت على عزوف شعيب وقومه الذين آمنوا معه من العودة إلى ملّة المشركين . هذا التجاذب بين الملأ المستكبرين وبين الذين التزموا دين التوحيد يعطي رسالة تبصيرية للمتلقي . 4- في قوله تعالى ( الذين يَ تَّبِعُ ون الرَّ سُولَ النَّ بِيّ الأميّ الذي يَ جِدُونَ هُ مَكْ توبا عِ نْدَهُ م في التَّ وراةِ والإنجيلِ يأْ مُرُهم بالمعَ رُ وفِ ويَ نْهَاهُ م عَ نًِِ المُ نْكَرِ ويحلَّ لَهُ م الطيِّبات ويُ حَرَّم عَلَ يْهِمْ الخبائثَ )(98) . في هذه الآية اقترن حرف ( الباء ) بالمعروف الذي هو الحق ومكارم الأخلاق وصلة الأرحام ، أما الحرف ( عن ) جاء مع المنكر الذي هو الباطل وعبادة الأوثان وقطع الأرحام(99) ، وبذلك حقّق لنا التضاد بين حرف ( الباء ) وحرف ( عن ) درسا تربويا من خلال معنى حرف الباء الذي هو الإلصاق ؛ ولهذا جاء مع لفظة المعروف ، أما الحرف ( عن ) فقد اقترن مع المنكر ؛ لأنّ معناه المجاوزة والابتعاد ، وبذلك نلحظ تركيز النصّ القرآني على عم ل الخير ، ونبذ الشرّ ، هذا الحرص الإلهي الذي ورد في بنائية النص هو محفّز ذهني ل لمتلقي من أجل أن يكون قريبا من الخير ، وبعيد ا من الشر؛ فضلا عن دعم الفكرة السليمة لكي يتيسّر فهمها عند المخاطب . 5- في قوله تعالى ( قالوا أُ وذينا من قبلِ أن تأتينا ومِ نْ بَعْدِ ما جِ ئْتَنا قال عَ سَى ربُّ كُم أن يُ هْلِكَ عَدُ وّكم ويستخلِ فكُ م في الأرض فَ يَ نْظُ رَ كَيْفَ تَعْمَلون )(111) . لقد تضمّنت الآية ( الإتيان والمجيء ) اللتان هما بمعنى واحد ، وقد جاء اختلاف التعبير للتفنن(111) . وإن التضاد بينالظرفين ( بعد ) التي تحمل معنى للآخر ، و ( قبل ) التي تعني للأول(112) ، جاءمؤكّدا استمرارية الأذى منذ كان فرعون يستعبدهم وهم الآن لا زالوا عرضة للأذى على الرغم من إيمانهم بموسى(113) ؛ فضلا عن ذلك إنّ التضاد أكد على بروز دلالات فكرية تضمنها النص ومنها ال صبر إذ سعى من خلال التلوين إيصالها إلى المتلقي . ومن ذلك يتبيّن للبحث كثرة الأغراض التي حققها التضاد مع التركيز على غرضين رئيسين ، أحدهما : لتبيين المعنى بصورة أوضح وأشد ، والآخر : يشترك مع المعنى لون من الموسيقى حين تتقابل كلمات متناقضة أو متخالفة في المعنى فيحدث نوع من التداعي والتبادر في سياق التعبير(114)؛ فضلا عن إيقاظ المحفزات العقلية عند المتلقي من خلال بريق الجانب الدلالي في النص . - نتائج البحث :

عدد الصفحات ١٥

ظاهرة التضاد في سورة الأعراف وأثرها في إيصال المعنى 55 العددالحادي والثلاثون / 3102 تبيّن لنا من خلال ما تمّ عرضه من الآيات القرآنية التي تضمّنت التضاد في سورة الأعراف ما يأتي 1- إن التضاد الاسمي ورد في تسع عشرة آية ، أما التضاد الفعلي فقد جاء في ثمان وعشرين آية ، وكان نصيب التضاد الحرفي في خمس آياتٍ فقط . 2- أفرز البحث القيمة البلاغية لفن التضاد وما يولّده من تأثير على المتلقي من خلال الإضاءة الدلالية المتكونة جرّاء تقابل المعاني . 3- إن التضاد يستبطن جوهر الكلمات ومعانيها التي أصبحت من اهتمامات علم الدلالة الحديث 4- يقوم التضاد بمحاكاة الاستجابات الذهنية للقاريء مع تجمّ ع استقطابي للمعاني المتضادة مع معالجات الجانب الدلالي للنصّ . 5- يسهم التضاد في هيكلة الجمال اللفظي ، وبذلك لا يقتصر عدّه على المحسّنات المعنوية ، بل يأخذ جانبا من المحسّنات اللفظية . 6- إن التضادأحد مرتكزات الجانب الجمالي الذي بدوره يخلق لذّة عقلية مؤثّ رة عند المتلقي تثير حاجاته النفسية ؛ لأن كلّ قاريء يمتلك نزعات نفسية قريبة من قيم الجمال التي تسهم في تفاعل القاريء مع مضمون النص . 7- يولّد التضاد موقفا معرفي ا في دائرة التلقي إذ يقوم بكشف لصور القيم التعبيرية في كافة مستوياتها من خلال زيادة القدرة على الفهم . الهوامش (1) عبد الله الغذامي ، المشاكلة والاختلاف78 ، ظ : عالي سرحان القرشي ، تحوّلات النقد وحركية النص : 34. (2) ابن منظور ، لسان العرب : مادة ( ض دد (3) الجرجاني ، التعريفات53 . (4) ابن السكيت ، إصلاح المنطق28 . (5) ظ : الزركشي ، البرهان في علوم القرآن3/455 ، والسيوطي ، الإتقان3/244 . (6) الطيبي ، التبيان في البيان 284 . (7) ظ : الحلبي ، حسن التوسل199 ، والعلوي ، الإيجاز لأسرار كتاب الطراز413 . (8) ظ : ابن المعتز ، كتاب البديع36 . (9) ابن فارس ، معجم مقاييس اللغة : مادة ( ض دد (11) ظ : ابن الأثير ، المثل السائر2/28 . (11) المدني ، أنوار الربيع2/31 . (12) ظ ، عبد العزيز عتيق ، علم البديع59 . (13) ظ ، أحمد مطلوب ، معجم المصطلحات البلاغية2/254 . (14) ابن سيدة ، المحكم والمحيط الأعظم في اللغة6/263 . (15) سورة الحج66 . (16) ابن أبي الإصبع المصري ، بديع القرآن31 .

عدد الصفحات ١٦