المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

النشرة الشهرية لمجموعة المخطوطات الإسلامية – العددان – 25 – 26

غير معروف

صفحة ٤ من ٤٢

53 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة المتواترة والمشهورة فيه نظر؛ لأنَّ عامة الأحاديث النبوية هي أحاديث آحاد، وكذا حصره الأحاديث التي تستعمل ألفاظها بالعبادات، فهي داخلة تحصيل حاصل تحت الأحاديث التي لا يجوز روايتها بالمعنى، وفي حصر الاستعمال بالعبادات هدر لأحاديث كثيرة ، والأمور المذكورة ضوابط كلية، والأمور التفصيلية عند أهل الصنعة )عليها نور النبوَّة الحديثيَّة، والله - تعالى - أعلم. وأخيرًا؛ أَستغرِب من أمر، وهو: كيف تلقى الباحثون كلام أبي حيان ومن بعده من المانعين، في نفيهم أن يكون أحد من النحاة السابقين لابن مالك، احتج بالحديث النبوي، فراح المجوزون في دراساتهم - كالتي أسلفنا ذكرها قريبًا - محاولين تعليل هذه الحجة بعد التسليم بثبوتها ووقوعها دون تحقيق واستقراء، فنرى أن بعضهم راح يبحث في أمر جواز الرواية بالمعنى، والآخر فيما يتعلق بالرواة وعجمتهم، غير أننا لو تتبعنا كتب النحو، وقُمنا بحصر الشواهد النحوية التي فيها، لوجدنا نتائج مرضية، وأرقامًا ليست بالقليلة، فقد )ولقد قام بذلك الدكتور حسن موسى الشاعر في كتابه تتبع عشرين كتابًا من كتب النحو المشهورة، وقام بحصر الشواهد التي من الحديث النبوي، فوجدها تصل إلى في ذلك على حد قول الباحث مما يسهل أخذها والاعتماد عليها، بخلاف الحديث النبوي الذي لم يتيسر للنحاة الأوائل ).بشكل مجموع منظم ولعلك ترى - أخي القارئ - أنَّ الأحاديث النبوية الشريفة كانت موجودة في بطون كتب النحو العربي منذ نشأته، مما يفند حجة أبي حيان وإن قلَّ عددها. كما قامت الدكتورة خديجة الحديثي في كتابها 4411- 4410/ تنبَّه لهذا ناظر الجيش في )1( ألفاظهما لرسول الله ﷺ، وسبق كلامه بطوله ).94- انظُر (ص )2( .)« )3(

عدد الصفحات ٥٦

54 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة بتتبع كتب النحو المتقدمة، وأثبتت من خلالها احتجاج عدد من النحاة )بالحديث الكبار بالحديث في النحو، ومنهم: أبو عمرو بن مالك، والخليل بن أحمد الفراهيدي، وسيبويه، والفراء، والمبرِّد، وابن السراج، وابن الأنباري، والزجاجي، والنحاس، وأبو علي الفارسي وغيرهم. وهذا التتبع يقطع ببطلان زعم أبي حيان ومن تبعه. فالثابت أنَّ النحويِّين قَبْلَ ابن خروف وابن مالك كانُوا يعتمدُون على الحديث قليلاً في دراساتهم، فلا حاجة بعد هذا لترديد مزاعم عدم الاستشهاد، وإذا كان هذا غير مُقنِع لمن بقي يُردِّد تلك المزاعم، فَلْيُفَسِّر لنا التّناقُض الحاصل في إنكار أبي حيَّان استشهاد ابن مالك بالحديث، وقيامه هو نفسه بما عاب به الرجل وأنكره عليه، وقد ذَكَرَ هذا قديمًا ابنُ الطيِّب الفاسي ، )مرَّات، ولا سيَّما في مسائل الصرف، إلاَّ أنَّه لا يقرُّ له عماد، فهو كلَّ حين في اجتهاد ، حيثُ ظَهَرَ أنَّ أبا حيَّان قد اعتمدَ على )ورأيتُه صحيحًا كما رآهُ غيري مِن الباحثين الحديث في إثبات القواعد الكُلِّيَّة تمامًا كما كان ابنُ مالك يفعل. مِن ذلك - مثلاً - استشهاده على حذف تاء العدد المُذكَّر بقلَّة إذا حذف المعدود، ﴾ﮋ ﮌ ﮍ ﮎوذلك عند كلامِه على قولِه - تعالى -: ﴿ «الكسائيُّ عن أبي الجراح: صُمنا مِن الشَّهر عشرًا، ومنه ما جاء في الحديث ؛ يُريد: ستَّة أيَّام، وحسن الحذف هنا كَوْن ذلك فاصلة رأس آية، وهي: )4(بستٍّ مِن شوَّال )....﴾ﮋ ﮌ ﮍ ﮎ﴿ وكان يعتمدُ أحيانًا على الحديث وحدَه في تقرير قاعدة ورد مخالف لها، كما فعل مع الزَّجَّاج ).179- انظُر (ص )1( .)99-« )2( - يُنظَر) 3( 335 أخرجَه مُسلم في )4( .)279/« )5(

عدد الصفحات ٥٧

55 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة الحديث وحده، فقال عدا الصفة؛ فإنَّه لم يسمع من كلامهم، هكذا زعم الزَّجَّاج، وقد جاء في الحديث في صفة و(اليمنى) صفة لـ(عينه)، وهو معمولٌ للصفة، فينبغي أن )1(«الدَّجَّال ، كذلك استشهادُهُ بالحديث على مجيء (بَيْد) للاستثناء مشابهة لـ(غير) )ينظر في ذلك بقوله ، )3(«قوله ﷺ ).ومثل هذا كثير فهل بعد هذا يُؤخَذ بأقوال مَن مَنَعَ غيره عمل شيء، وأنكره عليه، ثم قام هو بما منع وأنكر؟ على وجهٍ فيه توسُّع، فاستدلَّ بغيرِ الصَّحيح سواء من حيث أصل صحَّة الحديث، أو عدم ثبوت موطن الشاهد، ومع كلٍّ؛ فالحُجَج التي أوردَها - وسَلَفُه ابن الضَّائع - واهية، لا تَقِفُ أمام التَّفنيد. ولنا أن نسأل ما سرُّ هذا التَّناقُض؟ ولِمَ انتقدَ أبو حيَّان ابنَ مالكٍ كثرةَ استشهادِه بالحديث؟ ولِمَ لَمْ ينتقد غيره مِن مُعاصِرِيه الذين أكثرُوا مِن استشهادهم بالحديث كالرَّضي مثلاً؟ ورُبَّما يُقال: إنَّه انتقد مَن عني بشرح كتبه على مصنَّفات ابن مالك، ورغَّبَهم في قراءتها، وشَرَحَ لهم غامضها... وألزم نفسَه ألاَّ ، ولقد )يقرئ تلاميذه إلاَّ في ،)تَعَرَّضْتُ لهذا التَّناقُض، وتوصَّلْتُ إلى أنَّ أبا حيَّان كان مُتحامِلاً على ابن مالك سبق تخريجُه، وإثبات أنَّ هذه اللَّفظة مِن تفرُّدات بعض الرُّواة، وأنَّها مرويَّة بالمعنى! )1( « )2( المصدر نفسه (ص )3( صحيح، ولكن لا أصلَ له، كما قاله ابن كثير 209/290/ يُنظَر )4( 411 .)« )5( .) يُنظَر )6(

عدد الصفحات ٥٨

56 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ، فقد خالَفَهُ في المُصطلحات )كان أكثر مَن يتصدَّى له أبو حيَّان، ويُخالفه في آرائه ، ومَن يرجع إلى )النحويَّة والحدود ، كما انتقدَه في )وينتقده في كثيرٍ مِن المسائل لم يَعْتَدَّ العُلماء بفصاحة أهلِها، كقبيلة لخم وجذام وقضاعة، وقال ، وقال عنه أيضًا )أئمَّة هذا الشَّأن ، وقال)شيخًا مشهورًا يُعتمَدُ عليه، ويُرجَع في حلِّ المشكلات إليه التمييز في هذا الفن، والاستبحار والإمامة « علي الشلوبين ولا قرأ عليه، كما اتَّفقَ ذلك للنخبة الشلوبينية كابن عصفور وابن الضائع والأبْذِيِّ وابن هشام وابن أبي الربيع، وأصحابهم، وهذا أمرٌ عجيب، فإنَّ الله - تعالى - مِن كَرَمِهِ وإنعامِه على عباده لم يحصر العلم في ناحية ولا في إنسان، بل فَضْل الله مُنتشِر في الجهات، ومبثوث في العباد، ولا يختصَّ بجهة دون جهة، ولا بإنسانٍ دُونَ آخَر، وهبْ أنَّه صحب مَن له الإمامة في الفن، أو مَن ليست له الإمامة، أليسَ اللهُ - تعالى - قد أنعمَ عليه وأوصلَه عن هذا العلم إلى ما لم يصل إليه من صحب من له من التمييز في هذا الفن والاستبحار - كما ذكرَ - والإمامة. وأمَّا قوله عنه: إنَّه تضعُف استنباطاتُه مِن كلام سيبويه، ويَنسُب إليه مذاهبَ، ويفهم مِن كلامه مفاهيم لم يذهب سيبويه إليها، ولا أرادها، وإن منها كذا وكذا، ومنها كذا وكذا، إلى آخر كلامه، فهذا عجب مِن الشيخ كيف يصدر عنه هذا في حقِّ مثل هذا الإمام الكبير المشهود له بالتبريز، الذي قال هو في حقِّه: إنَّه نظم في هذا الفن كثيرًا ونثر، وأنَّه جمع يُنظَر )1( .)337- يُنظَر )2( يُنظَر )3( 405-404 .)« )4( .)130/« )5(

عدد الصفحات ٥٩

57 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة - باعتكافه على الاشتغال بهذا الفن والشَّغل به، ومراجعة الكتب ومطالعة الدواوين الغريبة - مِن هذا العلم غرائب، وحوت مصنفاته منها نوادر وعجائب، وإن منها كثيرًا استخرجه مِن أشعار العرب وكتُب اللغة، فمن شهد له بأنه وصل إلى هذه الرتبة التي هي رتبة الاجتهاد لقوله: إنه استخرج كثيرًا مِن اشعار العرب وكُتُب اللغة، ولا شك أن هذه وظيفة المجتهد، كيف يقول فيه: إنَّه ضعيف الاستنباط مِن كلام سيبويه، وأنه يفهم غير المراد، وأنه... وأنه...؟ وأمَّا قوله: إنه لم يعلم له شيخ، فما أعرف كيف ذلك نقصًا في رجل انتشر علمه وانتهى إلى رتبة بلغ بها أن يصحح ما أبطله غيره، ويبطل ما صحَّحه غيرُه بالأدلَّة الواضحة والمُستندات الراجحة؟ وكم مِن طالبٍ فاقَ شيخَه، وخادم بَرَّزَ على أُستاذِه، وانظُر إلى العلماء الكبار المشهورين مِن أهل الفنون الذين اعترف الناسُ لهم بأنهم ارتقوا في فنونهم إلى المراتب السَّنِيَّة التي لا تلحق، هل كانوا مُتقدِّمِين في الذِّكر على مَن اشتغلوا عليه وأخذوا عنه أوَّلاً؟ والطالب لا بُدَّ له مِن شيخٍ مُوفَّق، ولكن إنَّما يحتاج إليه في حلِّ الكتاب الذي يقرأه عليه وتبيين المقصود مِن كُلِّ باب مِن ذلك الكتاب، وتقرير مسائله تصوُّرًا وتصديقًا بحيث تصير له أهليَّةٌ لفَهْم ما يُطالِعه مِن كُتُب ذلك الفن، والتمييز بين الصحيح والفاسد مِن مسائله، فإذا أعطاه الله - تعالى - مع ذلك صحة فكر وقوة إدراك، واستمرَّ عاكفًا محصِّلاً لما هو بصدده، «فقد يصل إلى أضعاف ما وصلَ إليه شيخُه، وقد قال المصنِّف إلهيَّة، ومواهب اختصاصية، فغيرُ مُستبعد أن يدخر لبعض المتأخِّرين ما عَسُر على كثيرٍ مِن ولكن الشيخ - رحمه الله تعالى - كان في خاطره أن النحو الذي وصل إليه المتقدِّمِين المتأخِّرُون مِن المغاربة كالأستاذ أبي علي الشلوبين وتُبَّاعِه - رحمهم الله تعالى - لم يصل لم يبعد أن إليه غيرهم، فلما رأى كتب المصنِّف وما أبرزه من النوادر والغرائب والعجائب، ، وكأن المصنِّف استشعر وقوعَ ذلك، فلهذا قال بعدَ كلامِه الذي حصل في النفس حسدٌ ما ).تقدَّم ).4412-4411/« )1(

عدد الصفحات ٦٠

58 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة فأبو حيَّان إذن لم ينتقد ابن مالك في اعتماده على الحديث فحسب، وإنَّما في جميع المجالات، وهذا ما دفع الحسد الشخصي الذي مَبْعَثه شُهرة ابن مالك وعظمته العلميَّة ومنزلته بين النَّاس في ذلك ).العصر ولأهميَّة موضوع رواية الحديث بالمعنى؛ ولشدَّة ارتباطه بحُجِّيَّة الحديث في الاستدلال بالعربيَّة، فقد أحببنا بسط الكلام فيه تحت عنوان: « )1( النحوي) لعبد الجبَّار علوان النايلة، المنشورة في مجلَّة ).524-الأولى،

عدد الصفحات ٦١

59 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة شُبَهٌ وَرُدود •الشُّبهة الأولى: رواية الحديث بالمعنى: قالت طائفة من السلف وأهل التحري في الحديث: لا تجوز الرواية بالمعنى، بل يجب تأدية اللفظ بعينه من غير تقديم ولا تأخير، ولا زيادة ولا حذف، ولم يفرق أصحاب هذا القول بين العالم بمعنى الكلام وموضوعه وما ينوب منه مناب بعض وما لا ينوب، وبين غير العالم بذلك. وذهب بعض القائلين بهذا القول إلى التشديد، فلم يجيزوا تقديم كلمة على كلمة، ولا حرف على حرف آخر، ولا إبدال حرف بآخر، ولا زيادة حرف ولا حذفه، فضلاً عن أكثر، ولا تخفيف ثقيل ولا تثقيل خفيف، ولا رفع منصوب ولا نصب مجرور أو مرفوع ولو لم يتغير المعنى في ذلك كله، بل اقتصر بعضهم على اللفظ، ولو خالف اللغة الفصيحة، وكذا ).287-لو كان لَحْنًا، كما بَيَّنَ تفصيل هذا كله الخطيبُ في وأسنده عن جمع منهم: أبو هريرة، وابن عمر، وأبو أمامة الباهلي، وأبو معمر الهذلي، وابن سيرين، وعبد الله بن طاوس، وعبد الملك بن عمير، ووهيب بن خالد، وعبد الوارث بن سعيد، ويزيد بن زريع، وإسماعيل ابن عليَّة، وهو محكي عن جمع غير المذكورين، مثل: عمر بن الخطاب، وزيد بن أرقم، ومالك بن أنس، وابن شهاب، ويحيى بن سعيد، وابن جُرَيْج، وإبراهيم بن ميسرة، والقاسم بن محمد، ورجاء بن حَيْوَةَ، وثعلب؛ وكان يقول صاحبتها فرق، وإن لطفت ودقت، كقولك: بلى ونعم، وأقبِلْ وتعال ).« والمنع بإطلاق هو مذهب أبي بكر الرازي من الحنفية، وبه قال بعض المحدثين وطائفة من الفقهاء والأصوليين من الشافعية وغيرهم، وهو مذهب الظاهرية. وإليه جنح القاضي عياض في

عدد الصفحات ٦٢

60 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ﯖ الصواب، فإنَّ نظر الناس مختلف، وأفهامهم متباينة ﴿ ♫مالك «﴾ﯗ ﯘ ﯙ ﯚ ، فإذا أدى اللَّفظَ أمِنَ الغلط، واجتهد كل مَن بُلِّغ إليه فيه، وبقي على حاله )1(هو أفقه منه لمن يأتي بعدُ، وهو أَنْزَهُ للراوي، وأخلص للمحدِّث. ولا يحتجُّ باختلاف الصحابة في نقل الحديث الواحد بألفاظ مختلفة، فإنهم شاهدوا قرائن تلك الألفاظ، وأسباب تلك الأحاديث، وفهموا معانيها حقيقةً، فعبَّروا عنها بما اتفق لهم من العبارات، إذ كانت محافظتهم على معانيها التي شاهدوها، والألفاظُ ترجمة عنها. وأما من بعدهم، فالمحافظة أولاً على الألفاظ المبلَّغة إليهم التي منها تُستخرج المعاني، فما لم تُضبط الألفاظ وتُتَحرَّى، وتُسومِح في العبارات، والتحدُّث على المعنى، ).انحلَّ النظم، واتسع الخرق 78/وذهب ابن حبان في ).3(مذهب شاذالفقيه إذا حدث من حفظه، بناءً على هذا الأصل، وهو 1375/ أخرجَه ابنُ ماجَه في )1( 75/183/« 158/163( 354/في 184( زيد ابن ثابت مرفوعًا 271- 270/وإسنادُه صحيح، صحَّحَهُ البوصيري في ).121/« تجد دقائق هذه المباحث مع الآثار المترتِّبة عليها في الكُتُب المختصَّة بـ(التصحيف) وتراها في مُقدِّمَة )2( الأستاذ الشيخ محمود ميرة لـ « الإفراني (ت 417-(ص ).837/431/ انظُر رده في )3( وانظُر في المنع والمانعين وحججهم 162/الجرح والتعديل

عدد الصفحات ٦٣

61 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ولعلَّنا في سياق الردِّ على هذه الشبهة نذكُر أنَّ كثيرًا مِن المحدِّثين لم يكونوا يروون بالمعنى، واختلاف رواية الحديث الواحد يُمكن الإجابة عنها بأنَّ النبي ﷺ قال هذا الحديث في مُناسَبات مُتعدِّدة، فكان مِن الطَّبيعي أنْ تختلفَ الألفاظُ مِن مُناسبة إلى أُخرَى، وتكونُ هنالك مرجحات على تعدُّد الحادثة، تحتاج إلى حَصْر بالاعتماد على الاستقراء، ، وله أمثلة كثيرة في شُروح الحديث، ولا سيَّما باب مغفل مِن التأليفوهذا - فيما أعلم - « وعلى فرض اختلاف الألفاظ مع عدم تعدُّد الحادثة، أو مع فقدان القرائن والأمارات الدالَّة على ذلك؛ فإنَّ صاحب المَلَكَة مِن المُتخصِّصين في هذا العِلم يستطيع بالاعتماد على جَمْع الطُّرُق والشواهد أن يخلص منها إلى أصح الألفاظ التي قالها النبيُّ ﷺ، ولما فقد بعض اللغويِّين هذه المَلَكات؛ غلقوا باب الاحتجاج بالحديث النبوي، وليست هكذا وغلَّقنا أبوابه، ويا ليت هؤلاء )تُعالَجُ الأُمور العلميَّة، كلما شككنا في شيءٍ أَهْمَلْنا أُصولَه وَقَفُوا عند بعض الأمثلة التي شكُّوا أن يكونَ النبيُّ ﷺ قد قالها؛ لانْحَصَرَ المَبحث معهم، ولكن أتوا مِن عدم التفنُّن في العُلوم، وعدم التصوُّر الدقيق المفصح عن أسباب اختلاف الرواة في الحديث، فالوساوس التي هجمَت عليهم، لم يحسنوا تصوُّرها بدقَّة، ولذا؛ حارُوا، فلم يجدوا سبيلاً إلا وصل الأبواب، وإلغاء الكلِّيَّات، والتعدِّي على المُسلَّمات، ويكفينا أنَّ هذه الشَّقاشق تذهب أدراج الرياح عند النظر في كُتُب النحو على اختلاف الأمصار والأعصار، فإنَّها طافحة مليئة بظاهرة الاستدلال بالحديث النبوي، وبيَّنَّا ذلك - فيما أحسب - بما فيه مقنع، لمن أراد الوقوف على الحقيقة، والله الهادي والواقي. 281- 280/434/150/العلل 214/274/« -47-« 592-59 التبريزي، وتعليقي عليه هكذا صنع مَن زَعَمَ أنَّ الآحاد ليس بحُجَّة في مسائل التوحيد، وقُل مثله في القياس في اللُّغة والشَّرع، وهو )1( آفة (الإثبات)، كما أنَّ آفة (الاستنباط) الخُروج عن ظواهر الشَّرع، والبحث عن مُسوِّغات للتَّأويل، ومقدرات للألفاظ، والأصل عدم ذلك! ويُنظَر

عدد الصفحات ٦٤

62 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ونختم تفنيد هذه الشُّبهة بنُقولات مُتعدِّدَة فيها زيادة على ما ذَكَرْنا: ردَّ الدماميني له لتطرُّق احتمال الرواية بالمعنَى فلا يُوثق بأن ذلك المحتجَّ به مِن لفظه - عليه الصلاة والسلام - حتَّى تقوم به الحجَّة رأي ابن مالك، واحتجَّ له بأدلَّة؛ منها: )فصوَّب الدماميني 1 مناط الأحكام الشرعيَّة، وكذا ما يتوقَّف عليه مِن نقل مُفردَات الألفاظ، وقوانين الإعراب، فالظنُّ في ذلك كافٍ. 2 التَّبديل 3 النقلة والمحدِّثين 4 كُتِب، فالذي كُتِبَ ودُوِّن لا يجوز التَّصرُّف فيه، ولا تبديل ألفاظه بوجهٍ مِن الوُجوه مِن غير خلاف. قال ابنُ الصَّلاح أجراه الناس فيما نعلَم فيما تضمَّنته بُطون الكُتُب، فليس لأحدٍ أن يغيِّر لفظ شيء مِن كتاب مصنَّف وقد جرَى تدوين الأحاديث وكثير مِن المرويَّات وقع في الصدر الأوَّل قبل فساد اللُّغة العربيّة؛ حين كان كلام أولئك المبدلين - على تقدير تبديلهم - يسوغ الاحتجاج به، 7-6/ نَقَلَ كلامَه صاحب )1( البلقيني وابن خلدون، تراها في مجلَّة سنة

عدد الصفحات ٦٥

63 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة وغايته يومئذٍ تبديل لفظ بلفظ يصحُّ الاحتجاج به. أما محمد بن الطيِّب الفاسي المغربي على عدَّة )بيَّن عَوار دعوَى ردِّ الاحتجاج بالحديث؛ لأنه مروي بالمعنى، وبنَى كلامَه أُمور منها: 1 على أنهم يمنعون ذلك، ولا يجوِّزُونَه 2 3 مِن المحدِّثين ومنعَهُ آخرُون بل ذهب إلى المنع كثيرٌ مِن المحدِّثين والفقهاء والأصوليِّين، وبعض الأئمَّة شدَّد في الرواية بالمعنى غاية التشدُّد؛ حيث منعَ تقديم حرف على حرف، وبعضهم قال بأنه لا تجوزُ الرواية بالمعنى إلاَّ لمن أحاطَ بجميع دقائق اللغة. 4 وأكثر لقصد البيان وإزالة الإيهام، وقد وَضَعَ البخاريُّ بابًا سمَّاه ثلاثًا ليفهم منه 47-قال الأُستاذ سعيد الأفغاني في « ﷺ، فهذا عبدُ الله بن عمر، وأنس بن مالك، وسهل بن سعد الساعدي مِن الصحابة الكرام وهذا عُمر بن عبد العزيز (ت حديث رسول الله ﷺ أو سُنَّته؛ فاكتُبوه ثم كان الزهري (ت في كتابه) 1(

عدد الصفحات ٦٦

64 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة (ت ، وهذا كافٍ في غَلَبَة الظنِّ بأن الذي )ثم شاع التَّدوين في الطبقات التي بعد هؤلاء في مُدوَّنات الطبقة الأولى لفظ النبي ﷺ نفسه فإن كان هناك إبدال لفظ بمرادفه، فإنَّما أبدله عربي فصيح يحتجُّ به. وإن وَقَعَ بعد ذلك شكٌّ في بعض الروايات أو تصحيف؛ فنَزْرٌ يَسير، لا يُقاس أبدًا إلى أمثالِه في الشِّعر وكلام العرب، فكثيرٌ مِن الأشعار نفسها رُوِيت بروايات مُختلِفة، وبعضُها موضوع. ورُبَّما كان ما فطنوا إلى وضعه منه أقل مِن القليل، وجاز عليهم أكثر الموضوع، إذ كان واضعه قد أحسنَ المحاكاة. قال الخليلُ بنُ أحمد إرادة اللبس والتعنيت وقال الشيخُ أحمد السجاعي (ت « الرواية باللفظ، فإذا قصد الرواية بالمعنى أشار الراوي لذلك بقوله: (قال ما معناه)، وفَتْحُ هذا الباب يتطرَّق منه عدم الاستدلال بالأحاديث على الأحكام الشرعيَّة، وهو مُخالِفٌ بالإجماع إنَّ ما رُوِي بالمعنى عن طريق الرُّواة العرب الفصحاء، وما روي باللَّفظ عن طريق الرُّواة العرب أو الأعاجم، إنَّما رُوِيَ في زمن صفاء اللغة ونقائها، ثم دوِّنت هذه الأحاديث في الكُتُب الصِّحاح التي وصلت إلينا، وعليها الاعتماد حتَّى الآن، يُضاف إلى ذلك أن مِن سمات) 1( أسانيدهما إليها - منهج معلوم، ولمسلم تميُّز في التَّعريف بذلك، انظُر كتابي ).535-الصحيح وأمَّا الزَّعم بتأخُّر تدوين الحديث النبوي، فمنقوض من أوجه عديدة، تراها مفصَّلة في النبوي

عدد الصفحات ٦٧

65 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة الاهتمام بجمع الحديث وتدوينه بدأ منذ زمن الرسول ﷺ، حيث كان بعض الصحابة يدوِّنُون ما يسمعون، وأن أصحاب الكُتُب الحديثيَّة المشهورة نقلوا عن هذه المدوَّنات أو أنفسهم، وهذا ممَّا لا مجالَ للتحريف ╚عمَّن دوَّن الأحاديث سماعًا مِن الصحابة أو التَّغيير فيه؛ لصحَّة نقله وصدق رواته وعدالتهم وفصاحتهم. •الشبهة الثانية: اللحن فـي الحديث: إنَّ اللَّحن الذي يلمزون الحديث النبويَّ به، ما هو إلاَّ خلاف الأصل المقرَّر الجاري، خلاف ظاهر القواعد، ومثل هذا لا يُسمَّى لحنًا لإمكانية تخريجه على لغة مِن اللُّغات، أو تأويله على وجه مِن التَّأويلات، كما فعل ببعض آي القُرآن العظيم التي في ظاهرها المخالَفة واللحن - تعالى الله عن ذلك -، فاجتهد العُلماء في تخريجها وتأويلها، ومنهم أبو حيُّان في تفسيره وأمّا الناظر في كلام العرب - نَظْمِه ونَثْرِه - يجد مِن ذلك الكثير، وتتعجَّب حينما ترَى النُّحاة يجتهدون في تخريجها وتأويلها، ولعلَّك تسأل: لِمَ لَمْ تَصنعوا صنيعكم هذا مع كلام رسول الله ﷺ الذي يخالف ظاهر القواعد، فرميتموه باللحن فورًا!! ولا يفوتُنا التَّنبيه على أنَّ دعوَى كَثْرَة وُجود اللَّحن في الحديث دَعْوَى خالية مِن الدليل والبُرهان، فالمُتتبِّع لمواطن اللَّحن المزعومة في الحديث سيجدُها قليلة جدًّا، بل لا تكاد تُذكَر، وسأسوقُ مِثالاً على ذلك ذَكَرَهُ الدُّكتور محمود فجال في كتابه ، حيث قال:)الفكر النحوي على الحديث « )1( .)80-(ص وركَّز المؤلِّف في كتابه هذا على سَرْد الأحاديث التي في في كتابه حديثًا واحدًا!! وتوسَّع في سَرد الأحاديث، وتوهَّم أن كل كلمة في نص وسط بين الجافي عنه، والغالي فيه، وسبق أن ذكرتُ السر في عدم إفصاح سيبويه وتصريحه بالحديث، وتبقى الحاجة قائمة على جَمع ما قيل إنه حديث، ودراسة ذلك على ضوء التخريج العلمي العملي، والذي أظنه أن سيبويه ساق من المرفوع والموقوف، وأن الذي فيه - من النوعين - قليل وليس بكثير، والله أعلم.

عدد الصفحات ٦٨

66 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة « بالمُكرَّر... التراكيبُ المخالِفة لظاهر الإعراب فيه لا تكادُ تَبلُغ أربعين... ومع ذلك أزال النِّقاب عن وجوه إشكالها الشيخ ابن مالك فيما كَتَبَه على بحيث لم يبق فيه إشكالٌ ولا غرابة، ولا خُروج عن الظاهر أصلاً، فضلاً عن ادِّعاء اللَّحن فيها، فما نسبة أربعين ونحوها إلى سبعة آلاف ومئتين وخمسة وسبعين إلاَّ نُقطة مِن بحر؟ ثمة أمرٌ مهم؛ ألا وهو أنَّ جهابذة الجرح والتَّعديل سمَّوا لنا مَن كان يلحن في ، وعبد العزيز بن )، وهُشَيم بن بشير الواسطي )الحديث، كعوف بن أبي جميلة ، وإياس بن معاوية )، وإسماعيل بن أبي خالد الأحمسي مولاهم) محمد الدراوردي ، وغيرهم.) القاضي ، وكان )، أو أن التي أدَّبَتْهُ جارية أو أعجمية)وكان سببه عند بعضهم اللَّكنة في لسانه ، وأصلحوه أخرى، حتَّى قال النَّضر بن )ذلك معروفًا عند الرواة، ونصُّوا على اللَّحن تارةً ).شميل ولم يخرجهم جريان اللحن على ألسنتهم عن كونهم محتجًّا بهم في الحديث، ما دام أنه يشملهم اسم العدالة والستر، والمشهور أنَّه سيأتي ما يدلُّ على لحنه. )1( 428/ سيأتي مثال مِن حديثه، ونصٌّ على كونه لحانًا جمع، ويُنظَر )2( .)160/تهذيب الكمال ).25/« )3( .)575/347/« )4( .)249/347/« )5( .)236/ كنافع ووكيع، ويُنظَر )6( .) انظُر )7( .) انظُر )8( .)575/« )9(

عدد الصفحات ٦٩

67 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ).، ومثله عن أحمد بن حنبل)النسائي ، إلا )فالقاسم بن محمد بن أبي بكر الصدِّيق على الرغم من جريان اللحن على لسانه ، فهذا لا يؤثِّر على حديثه.)أنه كان يشدِّد في حروف الرِّوايات ومثله من كان تحريفه في الأسماء، فهذا لا يهدر الاستشهاد بحديثه في اللغة، كوكيع بن جراح الرؤاسي، الذي قال فيه ابن المديني ).لكانت عجبًا، كان يقول: حدثنا مسعر عن عيشة ومن كان يفحش في لحنه، فيصوَّب، ولا يُلتفت إلى خطئه، ولذا قال عبد الله ، وقال أبو داود: )بن أحمد ).، ورخص في تقويمه ابن معين)« فانحصر أثر اللحن في الاستشهاد بالحديث في حالة تفرُّد الراوي الذي رُمِي باللحن بلفظٍ، فهذا يتوقَّف فيه، ولا يصلح للاستشهاد، مثاله: ما رواه هُشَيم بن بشير ).- قال بعضُ الرُّواة: يعني شبور اليهود - فلم يُعجبه ذلك فقوله (القنع) ممَّا انفردَ به هُشيم، وكان لحانًا، ورويت على وُجوه عديدة، بالنون ، وحيَّرت بعض كبار العلماء، كالخطابي، )وبالموحدة والمثناة الفوقيَّتين، وبالمُثلَّثة ).555/« )1( .)556/« )2( .) انظُر )3( .)429/214/« )4( .)575/« )5( .)556/« )6( .)168/« )7( .)658/« )8( .)« )9( 386/101/ انظُر )10(

عدد الصفحات ٧٠

68 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ).قال فانحصر اللحن المُؤثِّر على الاستدلال بصورة نادرة، وأمثلتها محصورة قليلة، وهذا لا يؤثِّر على صحة الاستدلال لمن كان منصفًا. •الشُّبهة الثالثة: العجمة فـي رواة الحديث: هذه هي الشُّبهة الثالثة التي تذرَّع بها مانِعُو الاحتجاج بالحديث النبويِّ، إذ ذكرُوا - كما تقدَّم - أنَّ رواة الحديث كانُوا مِن الأعاجِم، ولا أدرِي كيف جعل المانعون هذا الأمر حُجَّةً لهم؟! ألا يعلمون أنَّ أئمَّة النحو مِن العجم؟ فإنْ كان هذا الأمرُ حُجَّةً - كما يزعُمون - فمِن باب أَوْلَى أن يردَّ عِلم النحو برُمَّتِه، فمداره - كما لا يَخفَى - على الأعاجم مِن أمثال سيبويه وأبي علي الفارسي وغيرهما، وهذه شبهة واهية لا تستندُ إلى دليل يعضدها، فلا ينقص مِن قدر الحديث النبوي وحُجِّيَّته في النحو أن كان بعض رواته مِن الأعاجم، أو مِن العرب الذين عاشوا في بلاد العجم، وهل الحديث إلاَّ شجرة، نبتت بُذُورُها في المدينة النبويَّة، ونَمت وترعرعَت في البصرة والكوفة، وأثمرَت وأينعَت فيما وراء النهر؛ كبُخارَى وترمذ، ونسا، وسجستان، وقزوين، وغير ذلك. « لا تعني أنَّهم يُخطئون فيه بالضرورة، إذ إن معظم علماء العربيَّة - نحوها وصرفها - مِن الأعاجم ومع ذلك فاقوا العرب وسبقوهم في ضبط ما تعلَّمُوه. يُضاف إلى هذا أن نقل الرواة الأعاجم للأحاديث لا يجوز أن يقلِّل مِن قيمته ومِن الوثوق بصحته في نظر النحاة، ولا يصح لهم أن يرفضوا الاحتجاج به جملةً وتفصيلاً، أو يتردَّدُوا فيه، وهُم قد احتجُّوا بكلام العرب - شعره ونثره -، واعتمدوا عليه في بناء قواعد نحوهم وصرفهم، مع أن معظم رواته مِن الأعاجم أيضًا. كما أنَّ رواة الحديث لم يكونوا أقل فصاحة مِن العرب أنفسهم، ولا أقل ضبطًا وفصاحةً مِن رواة كلام العرب. ).174-172/« )1(

عدد الصفحات ٧١