69 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة والرُّواة الأعاجم قِلَّة بين رواة الحديث الذين جاوزوا الألوف، والعجمي إذا روَى الحديث يكون ضبطه مُتقنًا، وقد اعترفَ بهذا عُلماء الأُمَّة منذ القديم. وما الحسن البصريُّ إذا يوضع في مصافِّ الحَجَّاج - بل قد يفضله فصاحةً - إلاَّ مثالٌ على تلك الطوائف مِن رواة الحديث، الذين إن لم يكونوا عربًا بالأصل، فقد كانوا عربًا ).في اللسان ورُبَّما كان سبب اعتناء الأعاجم بأداء الألفاظ، حتى فاقوا العرب في هذا الباب، هو اشتراط أهل العلم مِن المحدثين لمن أراد الرواية بالمعنى أن يكونَ عالمًا باللُّغة، وبما تؤول إليه المعاني. وقد أثبت صحَّة نَقْل أولئك الرُّواةِ كبارُ أهلِ العِلم. ومع هذا فإنا نقول: العبرة بالرواية لا بالراوي، ونتعامل مع رواية العربي والأعجمي عند وجود اللحن على النحو الذي فصَّلناه. •الشُّبهة الرَّابعة: دعوَى أنَّ النَّحاة الأوائل تركوا الاحتجاج بالحديث: ومِن الجدير بالذِّكر أنَّ كثرة احتجاج المتأخِّرين بالحديث، دالَّة على أنَّه مصدر جملي لذلك، وبرز الاحتجاج في وقت الحاجة، ولا يلزم قبل نزول المطر أن نقول عن أقوام: لا معاطف لهم يردُّون بها البرد! فإذا حصل البرد، ولم يبرزوها؛ فحينئذٍ يصحُّ أن نقول: ! وهذا يعُمُّ العُلومَ كلَّها، أرأيت توجيه القراءات القرآنية على )لا معاطف لهم أو عندهم المسائل العقدية، فإنَّا لا نَعْلَم ديوانًا ولا سِفرًا اعتنَى بها، ولم نرَ مَن جمعَها، ووجدنا عبارات متفرِّقة في هذا الباب، تدلُّ على أنَّ الباب مَطروقٌ، فلو أكثرَ باحثٌ - اليومَ - من العربي المحمود في الشرع: مَن استقامَ لِسانُهُ بالعربية، ومَن تطبَّع بالأخلاق المحمودة التي كانت في العرب )1( إبان التنزيل، وأقرها عليهم، وحيَّر اختيار الله للعرب دون سواهم بالرسالة حكيمًا من حكماء الهند، وهو الأستاذ الفراهي، فتأمَّل ذلك طويلاً، فوجد أنَّ أبرز أخلاقهم (الصدق) و(الكرم)، وهذا يُناسب حملهم للدين، إذ مداره على (العبادات) القائمة على (الصدق)، وعلى (المعاملات) القائمة على (الكرم)، فتأمَّل! قُل مثله في: علم التلاوة والتجويد، وعلم مصطلح الحديث، وعلم أصول الفقه، وعلوم القرآن، وعلوم )2( التفسير
عدد الصفحات ٧٢70 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ذلك، أو قام عالمٌ باستقصاء وإحصاء مُفرداتِه، وخصَّه بالتَّدوين؛ فلا يُقال: إنّه قد أحدَثَ في صنيعِه، وأتَى بما لم يكُن معروفًا، أو أنَّ القُرَّاء الأوائل تركُوا الاحتجاج به، فافْهَم! ومع هذا، فنقول مُستعينين بالله - عز وجل -: هذه دعوَى لا صحَّةَ لها، فقد وَقَعَ الاحتجاجُ بالحديث على قِلَّة، فقط عند الأوائل، واستمرَّ النُّحاة في الإكثار مِنه بمرور الزمن، حتَّى بَلَغَ الاحتجاج غايته عند السهيلي وابن مالك، حيثُ عادَا إليه، واستقرآه، وأخرجَا ما فيه مِن شواهد أضافَت قواعد جديدة إلى ما لدَى النُّحاة السابقين. والصواب أن يُقال: إن السهيلي وابن مالك أول مَن أكثرَ الاحتجاج بالحديث، لا أوَّل مَن احتجَّ به. وسبب قلَّة احتجاج النُّحاة السابقين بالحديث أنَّهم لم يتعاطَوْا رواية الحديث، كما كانُوا في الشِّعر، ودواوين الحديث لم تكن مشتهرة في ذلك العهد، ولم يتناولها علماء العربيَّة، كما كانوا يتناولون القرآن الكريم، وإنّما اشتهرت دواوينه، ووصلَت إلى أيدي جُمهور أهل العِلم مِن بَعْد، فإنْ سَلَّمْنا عدم احتجاجهم بالحديث؛ فلِعَدَم انتشاره فيهم، لا لأنَّهُم يمنعُون الاحتجاج به، على أن كُتُب الأقدمين الموضوعة في اللُّغة لا تكادُ تَخلُو مِن ).الاستدلال على إثبات الكلمات بألفاظ الحديث، واللُّغة أُخت النَّحو كما صرَّحُوا به وهذه إضاءات مِن دراسات ميدانية في كُتُب قدماء النحاة، فيها الاستشهاد بالحديث النبوي: أوَّلاً: الخليل بن أحمد الفراهيدي (ت نقل عنه الزجَّاج في كتابه تدخل الجنَّة إلاَّ نفسٌ مُسلمة « )111( .)« )1( كثر ذلك بعضهم فأدخل ما ليس بخبر ضمن الاحتجاج، وهو توسُّع غير مرضيٍّ! وسبقت الإشارة إليه )2(
عدد الصفحات ٧٣71 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة على الترتيب -: «الأوّال بالرَّفع. «إضمار فعل، وهو في الآخر 127/وهو غريب، كما في الحكم على مَا لم يجد له إسنادًا، وهكذا يصنع في مُشتهر عند قدماء النُّحاة وأئمَّة اللُّغة، مثل: ثانيًا: يحيى بن زياد الفرَّاء (ت أوردَ في كتابِه ).183/402/468/1( وسبقهُ في الاستشهاد بالحديث النبوي جَمْعٌ؛ مثل ثالثًا: علي بن حمزة الكسائي 188/نَقَلَ عنه النحَّاس في 139/13/« واستشهد بالحديث أيضًا ممَّن هو قبل الكسائي والفراء، والذي حيَّر صنيع استشهاده ممَّن ألَّف في هذا الباب، فمنهم مَن زاد على صنيعه وآخر نقَّص، وسبق التصريح بسبب إيمائه وتلويحه، ألا وهو: رابعًا: عمرو بن عثمان بن قنبر المعروف بـ(سيبويه) (ت فهو - على التحقيق - يسوِّي بين الأخبار المأثورة - رَفعًا ووَقْفًا - وما نطقَت به العرب على اختلاف قبائلهم، وقدم لها بعبارات متماثلة؛ لأنّ أصحاب الأخبار يتكلَّمون بلهجات قبائلهم، ولم يميز بين المرفوع والموقوف؛ لأنَّه ليس من أهل الصنعة الحديثية،
عدد الصفحات ٧٤72 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ولكنَّه ساق عدَّة أخبار - وليس واحدًا كما زعم بعضُهم -، ولم يهمل الاحتجاج بالحديث مِن ذلك، )كما زعمَ مَن لم يخبر طريقته في إيراد الأخبار، وترَى في ).128/32/73/يُنظَر 141/وهنالك عبارات موهمة في بعض المواطن، كما ترَاه في 445/منها القاضي عياض في 116/176/سيبويه استدلَّ بحديث، ومثلها ما في 1257/المرادي في سيبويه - في نظــري - أربــعة عشر خــبرًا، مــنها القليل الموقوف، وجله في عداد المرفوع. فعاد الأمرُ على صحَّة الاستدلال بالحديث النبوي، ولا التفات لقول مَن نفاه عن النُّحاة الأقدمين! والذي يُلاحظ على استدلال النحاة أنهم يعتنون بالألفاظ، ولا يسوقون الأسانيد إلاَّ في النادر، وهي في مصادر بعيدة لا تصلها أيدي طلبة علم الحديث، وجهدتُ في تجميعها في معلمة، من خلال المرور على مئات المصادر، ورتَّبتُها على (المسانيد)، وأرجو أن يبارك الله في الوقت، ويفسح فيه، لمراجعتها ونشرها. وأختم كلامي على الاستدلال بالاستطراد فيما يفيد الحديثيَّ، فأقول: 1 نحو سبعين إسنادًا، جلُّها في الموقوف والمقطوع 2 في بعض الأحايين، كابن قتيبة في والواحدي في الحريري انظر التعليق السابق.) 1(
عدد الصفحات ٧٥73 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ظنِّي - أحمد الغماري، مع حذف إسناد البندنيجي إليها. 3 ، وبعض مَن ألَّف في)لأحكام القرآن في الحديث في التخريج، وكنتُ في بداية نشأتي العلمية قد قرأتُ لي - بعد برهة من الزمن - تخريج أحاديثه، ففرَّغتها في (طاقات)، فلمّا بدأتُ بالتخريج، احترتُ في كثيرٍ مِن الأحاديث، إذْ لا وجود لها في الكُتُب المُسنَدة التي بين يديَّ، ولم ).352/يعزها القرطبي، ولم يفِ بشرطه الذي ذكره في (مطلع وهذه لمعرفة حالها من الصحَّة أو الضَّعف أو البطلان اللُّغة والأدب. ويبقى السُّؤال عن مصادرها عند الأقدمين؟ : لعلَّها في بطون المفقود من الكُتُب، أو ممَّا نمي إلى جمعهم بواسطة والجواب السماع، وهذه الظاهرة تحتاج إلى تتبُّع، إذ مقصود التدوين الأصلي كان الاعتقاد والاتِّباع والعمل، وبقيت العناية من حيث الصنعة الحديثية فيما يخص اللغة والنحو والأدب ضعيفة، تحتاج إلى دراسات جادَّة متنوِّعة، والله مِن وراء القصد. والعلم لا يَقبل الجمود والهمود، والواجب استثمار جهود المحدِّثين الجبَّارة التي قامت عبر القرون، وأردد - أخيرًا - مع العلاَّمة سعيد الأفغاني لما قال ، لو تأخَّر بهم الزمن إلى العهد الذي راجَت فيه )مَن لم يستشهد بالحديث مِن المتقدِّمين بين الناس ثمراتُ علماء الحديث مِن رواية ودراية، لقصروا احتجاجهم عليه بعد القرآن الكريم، ولَـمَا الْتَفَتُوا قطُّ إلى الأشعار والأخبار التي لا تلبث أن يطوقها الشك إذا وُزِنَت 139- يُنظَر )1( .)112-109( إذ يقع التداخل في الخبر الواحد، فيستدلُّ به على أكثر من فن )2(
عدد الصفحات ٧٦74 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة ).بموازين فنِّ الحديث العلميَّة الدقيقة .. سنح في البال، وخطر في الخيال أن يكون للمشرب العقدي والمنهج العلمي وأخيرًا دور في مسألة الاحتجاج بالحديث، وهذا يحتاج لدراسة جادَّة قائمة على الاستقراء، ولا يبعد في تقديري أن يكون لهذا المنهج دور في المعتمد من الحديث للاستشهاد لا الردِّ بالكلية، فابن جني - مثلاً - أخذ الاعتزال عن شيخه أبي علي الفارسي - وهو إمامٌ لغويٌّ -، وسلكَ ضمن المعتزلة في 24/455-454/449/« على معايير قبول الخبر عنده، ومع هذا يرَى حجيَّة الاستدلال بالحديث النبوي، انظُر تفصيله في ومِن آثار هذه المشارب موضوع التواتر والآحاد، فمَن لم يرَ حجيَّة الآحاد أخرجَه مِن دائرة الاستشهاد، وقد أحسن العلاَّمة اللُّغويُّ السّني ابن الأنباري (ت كتابه « به والاحتجاج بالآحاد - على أصول المعتزلة - غير معمول به في العقيدة، فهُم يَرُدُّون الاستشهاد في العربية بالأخبار الواقعة في هذا النوع، ولكنهم يثبتون الاستشهاد ، )بالآحاد في مسائل النحو، كما قدمناه عن ابن جني، وهذا مذهب أبي علي الفارسي بتعليل قلة احتجاج اللغويِّين )، وغيرهم كثير، ومنه تعلم خطأ المجازفة) والزمخشري ).« )1( 9- انظُر لإثبات اعتزاليته )2( 560-بكر بن العربي الكلامية ).« اعتزاليته مشهورة من كتابه) 3( .)عند الزمخشري ).371- كما تراه في) 4(
عدد الصفحات ٧٧75 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة بالحديث على مسائل النحو بعلل فكرية ومذهبية وأن هذا سبب خفي لم يتفطَّن إليه أحدٌ! •صحة نسبة الجواب للسراج البلقيني وأهميته: بعد أن قدمنا عرضًا وتفصيلاً لموضوع الاحتجاج بالحديث النبوي، تظهر لنا قيمة وشيخه السراج البلقيني.هذه المسألة التي بين أيدينا، فقد جرت بين بدر الدين الدماميني والدماميني كما علمنا - فيما سبق - يعدُّ حامل لواء المجيزين للاحتجاج بالحديث النبوي، وهو أبرز من تصدَّى وردَّ على المانعين، فسؤاله لشيخه هنا هو سؤال عالم مستبصر، يريد تقرير مسألة يؤمن بها، ويرى صوابها، ولقد بيَّنا فيما سبق أنه ألمح لسؤاله هذا حينما قال: »لبعض مشايخنا فصَوَّب رأي ابن مالك فيما فعله « ووجود هذه المكاتبة يؤيد ما ذهبنا إليه. لذاشيخه البلقيني،وقلنا: غالب الظن أنه قصد ، مما يُعينُ الدارس شيخه البلقينيفإن الوقوف على هذه الفتوى التي انتزعها الدماميني من والباحث في مسألة الاحتجاج بالحديث النبوي، كيف لا والدماميني من أبرز أقطابها كما أسلفنا، ولعل هذه الفتوى هي التي فتحت الآفاق ومهدت الطريق له كي يتصدر طائفة المجيزين. •اعتراضه وردُّه: فإن قلت: لم يقصد الدماميني في كلامه السابق البلقيني، وإنما يريد شيخه ابن خلدون :)بدلالة قوله في « من لا يوثق بعربيته إياها بالمعنى، وكثيرًا ما يعترض على ابن مالك في استدلاله بها، وردّه شيخنا ابن خلدون بأنها على تسليم أنها لا تفيد القطع بالأحكام النحوية تفيد غلبة الظن بها؛ لأن الأصل عدم التبديل، لا سيما والتشديد في ضبط ألفاظها والتحري في نقلها منه نسخة في دار الكتب المصرية، تحت رقم) 1( مكتوبة بخط رديء لا يقرأ إلاَّ لمن أمعن النظر، والمنقول منه بواسطة مجلة ).203-الثالث)، شعبان سنة
عدد الصفحات ٧٨76 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة بأعيانها مما شاع بين الرواة، والقائلون منهم بجواز الرواية بالمعنى معترفون بأنها خلاف الأولى، وغلبة الظن كافية في مثل تلك الأحكام بل في الأحكام الشرعية، فلا يؤثر فيها الاحتمال المخالف للظاهر، وبأن الخلاف في جواز النقل بالمعنى في غير ما لم يدوَّن في الكُتُب. أمَّا ما دُوِّن فلا يجوز تبديل ألفاظه بلا خلاف كما قاله ابن الصلاح وتدوين الأحاديث وقع في الصدر الأول قبل فساد اللغة العربية، وحين كان كلام أولئك على تقدير تبديلهم يسوغ الاحتجاج به، وغايته يومئذٍ تبديل لفظ يحتج به بآخر كذلك، ثم دون ذلك للبدل ومنع من تغييره ونقله بالمعنى فبقي حجَّة في بابه صحيحة، ولا يضر توهُّم ذلك الاحتمال السابق في استدلالهم بالمتأخِّر لا أشكُّ أنه يريد السراج البلقيني وابن خلدون، ويدل عليه بوضوح ما جاء في قُلْتُ: هذه المكاتبة، ولا سيما ما في الأصل الثاني المعتمد في التحقيق، وسيأتي توصيفه. ما نقله ابن الطيب الفاسي فيللبلقيني:ومما يثبت ويؤكد صحَّة نسبة الجواب على الاقتراح كلامه على مسألة الاعتضاد، وأنَّ ابن مالك لا يثبت قاعدة نحوية بمجرد ما ثبت في الحديث وعبارته: ما ذكره قاضي القضاة السراج البلقينيوحده، قال الشيخ ابن مالك من الأحاديث في القواعد النحوية ليس للإثبات، بل للاعتضاد، فإنه يجد الشواهد من كلام العرب موافقة لما يختاره فيأتي بالحديث للاعتضاد لا للإثبات عبارة هذا الذي رآه الفاسي هو نص هذا الجواب الذي بين أيدينا، فنحن نجده قد نقل التي في الكتابة، والله - تعالى - أعلم.البلقيني ♣ ♣ ♣
عدد الصفحات ٧٩كَشْفُ وثيقة مزوَّرة إجازة السيد جعفر البَرْزَنْجي للسيد بدر الدين الحَسَني كتبه سعيد بن وليد بن محمد سعيد طوله المدني
عدد الصفحات ٨٠78 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة الحمد لله حمدًا يكافئ نِعَمَه ويوافي مَزيدَه، والصلاة والسلام على سيّدنا محمد النبيِّ الأمِّيِّ، وعلى آلِه وصحبه، وبعد: فإنَّ مما لا يخفى على كلِّ من اشتغل بالتاريخ، وحصّل شيئًا من علومِه وفنونِه، مسألةَ التزوير الذي هو أشدُّ ما زُيِّفت به الحقائق، وشُوِّهت به الكتب. وقد عُرِف التزوير والعبث بالتاريخ في جميع الأمم والحضارات منذ قديم الأزمنة، واستمرّت هذه الظاهرة منذ ذلك الحين إلى هذا العصر، إلا أن الله قيَّض في هذه الأمّة طائفةً من محقِّقي المؤرِّخين ونُقَّاد المحدِّثين من يَسبر غَوْر الروايات والأخبار والأحداث ليتبيّن الصحيح من السقيم، ولا أدلّ على ذلك من علم الجرح والتعديل، وقديمًا قال حمّاد بن زيد الكذَّابين بمثل التاريخ استعمل الرواة الكذب، استعملنا لهم التاريخ ومن المعلوم أن النقد والتثبُّت من الأمور التي يجتمع فيها الدافع الديني والطبعي، وهو من الفرائض الدينيَّة التي حثّ عليها الإسلام، فقد قال عز شأنه في محكم كتابه أيها الذين آمنوا إن جاءكم فاسقٌ بنبإٍ فتبيَّنوا القاعدة الشرعية التي تنص على أن فثقافة النقد والتمحيص من الثقافات المتأصِّلة في الفكر الإسلامي، ولهذا لم يخلُ عصرٌ من العصور ممَّن ينتدب للقيام بهذا العمل الجليل، الذي يدخل ضمنًا في باب شعيرة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وبمثل هذا صار إجماع الأمة الإسلامية معصومًا؛ إذ لا يمكن أن يقرَّ بعضُها بعضًا على الباطل، بل لا بدَّ من وجود طائفةٍ ممن ينهون عن السوء يردُّون هذا الباطل ويكشفون زيغه. فمن ثمّ امتازت هذه الأمة بوفرة العلماء القائمين بالحقِّ الذي يأبى لهم أن يرضخوا للخطأ أو السكوت عنه أو تمريره من غير تبيينٍ، حتى لو كان ذلك على سبيل السهو أو
عدد الصفحات ٨١79 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة الوهم مع حسن النيَّة وعدم القصد، فكيف لو كان الأمر في ذاته مقصودًا؟ ومن أهمِّ ما يمكن الاستعانة به في هذا الشأن: علم التاريخ، إذ إن من فوائده كشفَ زيْفِ الوثائق المزوّرة، وقال الحافظ السَّخَاوي للاطّلاع على التزوير في المكاتيب ونحوها، بأَنْ يُعْلم أنَّ الحاكم الذي نُسِب إليه الثُّبوت، أو الشّاهد، أو غيرهما من أسبابه، أو نحو ذلك، مات قبل تاريخ المكتوب بالتوبيخ ص ومن هنا فقد كانت شواهد كشف التزوير وفضحه في تاريخنا كثيرة وفيرة، ومن أشهرها ما حدث سنة ، وفيه ◙ﷺ بإسقاط الجزية عن أهل خيبر، وذكروا أنه بخط علي بن أبي طالب شهادات الصحابة رضوان الله عليهم، فحُمل هذا الكتاب إلى رئيس الرؤساء علي بن مسلمة، فعَرَضه على الإمام الحافظ أبي بكر الخطيب البغدادي، فتأمَّلَه، ثم قال: هذا مزوّر! قيل: من أين لك؟!، قال: في الكتاب شهادة معاوية بن أبي سفيان، ومعاوية أسلم يوم الفتح، وخيبر كانت في سنة سبع، وفيه شهادة سعد بن معاذ، وكان قد مات يوم الخندق. فاستحسن ذلك منه كما حصل مثل ذلك سنة الجزية عنهم، وقد تصدّى لهم الإمام ابن تيمية وحاجّهم بالتواريخ كما فعل الخطيب البغدادي سابقًا، وكتب ابن كثير في بيانه جزءًا وقد ابتُلي الناس في هذا الزمن بكثيرٍ من المزوّرين -وخصوصًا من بعض تجّار المخطوطات- ممّن انطلت حيلتهم على العامّة، خاصةً في تلك الوثائق التي تعتني بتاريخ الأسر وأخبار أعيانها ممّا يلامس مشاعر أحفادهم، وأذكر قبل سنواتٍ عِدّة، ظهرتْ مجموعةٌ من الوثائق منسوبةً إلى العلامة السيد محمد بن علي السَّنُوسي، يزعم صاحبها أنها بخطّ السنوسي، وفيها خلطٌ عظيم في أنساب قبائل الجزيرة العربية ووصلُ أنسابٍ لا تصح إلى النسب الهاشمي، وبعد الاطّلاع على بعض هذه الوثائق تبيّن أنها مكتوبة في مصر بخطٍّ مشرقي، وخط السيد السنوسي مغربي، ولم يكن في ذلك التاريخ بمصر، وإنما
عدد الصفحات ٨٢80 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة بيانًا ♫كان يسكن الحجاز آنذاك، وقد كتبَ شيخنا السيد مالك بن العربي السنوسي يوضّح زيف هذه الوثائق. وإنَّ ممّا يدخل في هذا الباب إجازةً حديثةً منسوبةً إلى العلامة السيد جعفر بن إسماعيل البَرْزَنْجي المدني (ت يوسف الحَسَني الدمشقي (ت الشريف الخطيب- دمشق وذلك في كتابه ]384-383 « ]433 -الشام الحسني عن السيد جعفر البرزنجي اعتمادًا على هذه الإجازة قبل التأمّل فيها، وذلك في كتابه وكنتُ لمّا رأيت هذه الإجازة راودني الشكُّ في صِحَّتها، وبعد البحث والمذاكرة مع بعض الأصدقاء من أهل العلم والتحقيق، تبَيَّن لي بما لا يتخلَّله الشك: زَيْفُ هذه ما فيها ينطِق بالعبث والتزوير، ما بين الخطِّ الإجازة، وأنّها منحولةٌ مزوَّرةٌ، إذ إن جميع الذي كُتبت به، وبين المخطوط بما يحتويه من أسلوب ومضمون. وسآتي على ذكر شواهد التزوير في كل ذلك، بالدلائل التاريخيّة والقرائن الأخرى، مما هو كافٍ للقطع بتزويرها.
عدد الصفحات ٨٣81 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة
عدد الصفحات ٨٤82 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة أولاً: من شواهد التزوير في الخط: 1 بالخطاط، بل♫خطاطٌ متمرِّس، ولا شك أنها ليست بخط السيد جعفر، إذ لم يكن كان ذا خطٍّ عادي معروف، وهذا نموذجٌ من خطِّه، الذي نسخ به كتاب النُّخْبة 2 فليس عليها ختمه ولا خطُّه بما يؤكِّد أنها صادرة منه، كما هو معتادٌ في الإجازات 3
عدد الصفحات ٨٥83 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة النسخة فقد كُتب بخط النسخ، لكن لا يخفى على المتأمل اتحاد القلم، فالقلم الذي كُتبت به الإجازة هو ذات القلم الذي كُتب به العنوان. 4 آخر يفهرسها ويعنونها، وأحيانًا يكتبه المجيز أو المجاز، ولا خلاف أن العنوان ليس بخط السيد جعفر إذ خطُّه معروف كما بيّنّا ذلك، وليس من الواردِ أن يكتب عن نفسه عبارة: « لخط السيد بدر الدين فتبيَّن من هذا أنه بخطٍّ ثالثٍ؛ بدلالة قوله بقاءهما يُبطله كون القلم المكتوب به واحدٌ بين العنوان والإجازة، فثَبَت من هذا أنه خطٌّ مزوَّر. 5 رأسه من حديد، وليس قلم قَصَبة أو نحوه مما كان يُستعمل في ذلك العصر، بدليل رقّة نهايات الحروف؛ مما لا يُعهد مثله في كتابة القصبة ونحوها. ثانيًا: من شواهد التزوير في المخطوط: ما يتعلَّق بالمضمون: 1 الأثبات أو غيرهم ممن يتفرّدون بالغرائب -من أمثال السيد سالم بن جندان وغيره- أَخْذَ السيد بدر الدين الحسني عن السيد جعفر البرزنجي بأي وسيلةٍ من وسائل التحمِّل من رواية أو دراية، ولم تذكره المصادر الغزيرة الوفيرة التي تناولت ترجمة السيد بدر الدين وشيوخه ومرويَّاته على تنوُّعِها واختلاف أصحابها، وليس هناك أدنى إشارة، سوى ما جاء
عدد الصفحات ٨٦84 العددان: الخامس والعشرون والسادس والعشرون - ذو القعدة وذو الحجة في هذه الإجازة المريبة. جاء في الإجازة المذكورة أن السيد جعفر البرزنجي كتبها بالروضة المطهرة في 2 الحرم النبوي الشريف في المزوِّر لعدم إلمامه بتاريخ الشيخين، فإن المجيز والمجاز لم يكونا وقتها في المدينة المنورة، وبيان ذلك كالتالي: أ- نصَّ المؤرّخ الشيخ محمد سعيد الدفتردار في كتابه المدينة المنورة قاضيًا في مدينة صنعاء، فدخلها في المحرَّم سنة فيها ست سنوات، وأناب مكانه في المدينة أخاه السيد أحمد البرزنجي، ولما طالت المدة عليه طلب إعفاءه وعاد إلى المدينة المنورة سنة محمد سعيد دفتردار، جريدة المدينة المنورة، العدد 1379 وهذا يدلُّ على أن السيد جعفر كان وقت تاريخ هذه الإجازة في مدينة صنعاء، ولم يكن في المدينة المنورة كما زُعم فيها. ب- وزيادةً على ذلك فإن المجاز السيد بدر الدين الحسني لم يكن في المدينة سنة الشيخ أن له حجَّتين، وجاء في علماء دمشق في القرن الرابع عشر 488 الطبعة الثانية وأما حجّته الثانية فقد أرَّخها غير واحدٍ من تلامذته سنة
عدد الصفحات ٨٧