المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

تاريخ إفريقيا الشمالية

غير معروف

صفحة ١ من ٨

تاريخ إفريقيا الشمالية تونس، الجزائر، المغرب الأقصى م647من البدء إلى الفتح الإسلامي شارل أندري جوليان تعريب : محمد مزالي / البشير بن سلامة

عدد الصفحات ٢

3 ولم يصدر منه أي طبعة أخر ى1968طبع هذا الكتاب سنة حتى قامت مؤسسة تاوالت الثقافية بإعادة طباعته وتصفيفه 2011مؤسسة تاوالت الثقافية http://www.tawalt.com/ مقدمة الناشر مهما قدمنا لقرائنا من أعمال تاريخية تتناول ماضينا المجيد، فنحن لا نوفي حضارتنا حقها من الدراسة والتقييم. وذلك أن عمليات التشويه والتحريف التي قام بها (هواة التاريخ) من المستعمرين والمبشرين إزاء أمجادنا ما تزال أثارها إلى اليوم. وقليلة هي الأقلام التي أخلصت لعلمها ونظرت للتاريخ نظرة موضوعية تستكشف الحقائق وتستنطق الأحداث وتتحسس لنصرة القضايا التحريرية العادلة تستشف طموح الشعوب وتتحسس تحركاتها. من بين هذه الأقلام وفي طليعتها نضع المؤرخ الفرنسي شارل أندري جوليان الذي كرس جزءا كبيرا من حياته لإبراز تاريخ المغرب العربي ومتابعة أحداثه وتسجيل نضاله وتطوره، فقد عايش شعب المغرب العربي وكان شاهدا على سعى هذا المغرب نحو استقلاله ثم نحو تقدمه. لكل هذه الأسباب. وتولى الأستاذان محمد هزالي والبشير بن سلامة منذ سنوات تعريب هذا الكتاب وسارعنا بنشره وها نحن نصدره للمرة الثالثة، فقد قدم المعربان للقارئ، العربي وثيقة شاملة وصادقة عن كفاح المغرب وماضيه ومكوناته الحضارية، بل وعبقريته في شتى المجالات السياسية والفكرية. وكان هذا التعريب في مستوى النص الأصلي لما يحرك الرجلين من إيمان بأصالة ماضيهما ورسالته الخالدة. أملنا أن يلقى هذا العمل الأضواء على تاريخنا ويزيح عنه غشاوة الأفكار المسبقة والأحكام الجاهزة وان يفتح الأبواب في وجه الباحثين لمزيد الاستقصاء والدرس والتمحيص، خاصة وان هذه الطبعة تصدر في نفس الوقت مع طبعة ثانية للجزء الثاني للكتاب حتى يكون عملنا متكاملا متتابعا خدمة للتاريخ والثقافة في هذه الربوع.

عدد الصفحات ٣

الباب الأول بلاد البربر - الموطن1 - المغرب الأقصى والجزائر وتونس2 - الإطار الجغرافي لتاريخ أفريقيا الشمالية3

عدد الصفحات ٤

7 - المواطنI - ضبط لتسمية البلاد وسكانها1 إن لإفريقيا الشمالية، المشتملة علي المغرب الأقصى والجزائر وتونس، وحدة جغرافية اقتضتها مجموعة جبال الأطلس، ووحدة جنسية لكونها آهلة بالبربر ولكن ليس لها تسمية مضبوطة. فقد أطلق اليونان اسم ليبيا علي القسم الشمالي من إفريقيا الآهل بالبيض، وقابلوا بينه وبين الصحراء بلاد الاحابشن السود. وقيل أن يكون للفظة "إفريقية " ) نفس المدلول الذي كان لكلمة ليبيا استعملتها رومة للدلالة علي المقاطعة Africa( الموافقة لشمال شرقي البلاد التونسية. ثم أصبحت كلمتا إفريقيا وليبيا فيما بعد تعنيان القارة كلها. وسمى العرب النازحون من الشرق كل البلاد الكائنة غربي مصر جزيرة المغرب وبصفة المغرب الأقصى. Far Westأدق سموا أقصى غربي المغرب وعرفت القرون الوسطى والعصور الحديثة الدول البربرية أو بلاد البربرية. وفي القرن التاسع عشر وضع الجغرافيون عبارة إفريقيا الصغرى ليدلوا علي وجود قارة صغيرة واقعة وكثيرا Tectoniqueضمن قارة كبيرة وعبارة بلاد الأطلس لتأكيد أهمية تشكل الصخور ما تجري على الألسن لفظة إفريقيا الشمالية الفرنسية وذلك من الوجهة السياسية. وفي بعض الأحيان تستعمل لفظة شمال إفريقي، وفي هذا مزج جديد لا طائل تحته بين إفريقيا الشمالية والشمال الإفريقي. وأفضل تسمية هي: بلاد البربر إذ أن سكانها يكاد يكون جميعهم من البربر دون سواهم، وإن وجد بربر خارج حدودها. ولم يطلق البربر على أنفسهم هذا الاسم، بل أخذوه من دون أن يروموا استعماله عن ومنه Barbariالرومان الذين كانوا يعتبرونهم أجانب عن حضارتهم وينعتونهم بالهمج استعمال العرب كلمة برابر وبرابرة ( مفرد بربري ).

عدد الصفحات ٥

ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 89 وأطلق اليونان علي جميع أهالي إفريقيا الشمالية أو الليبيين اسم قوم كانوا يعيشون ) واستعمل القرطاجيون Les Lebou) والنيل هم اللوبيونSyrteبين خليج سيرتا والعبرانيون نفس التسمية. وكذلك الرومان فقد عمموا اسم " الموريون " على جميع سكان بلاد البربر وكان الأول خاصا بسكان شمال المغرب الأقصى. واليوم لا يعرف عامة الناس أن المغرب الأقصى والجزائر وتونس آهلة بالبربر، ويعمدون إلى تسميتهم عرب. أما الأهالي فكثيرا ما كانوا يسمون أنفسهم أمازيغ (مؤنثه تمازيغت وجمعه أمازيغن)، ومعناه " الرجال الأحرار"، ثم " النبلاء ". وقد أطلق هذا الاسم على قبائل عديدة قبيل الاحتلال الروماني. - كتلة من المرتفعات:2 إن "جزيرة المغرب" شكلها رباعي الأضلاع ممتد الأطراف مشتمل على مرتفعات تحوطها مياه المحيط أو البحر المتوسط ورمال الصحراء. وإذا كان من المحتمل أن يكون أهلها أتيح لهم في مطلع عصور ما قيل التاريخ الاتصال بأوروبا عن طريق الجسور التي كانت تربط إلى ذلك الوقت بين القارتين، كما أتيح لهم الاتصال بإفريقيا الوسطى عبر الصحراء التي لم تكن يومئذ على وحشتها الحالية، فإن انعزالهم في جزيرتهم طوال عصور التاريخ جعل تسرب التأثيرات الخارجية إليهم أعسر، وإن كان أشد عنفا، ومكن التقاليد المحلية من الصمود في وجه طوارق الأزمان. ) والوطن Spartelوأضلاع هذا الشكل الأربعة متفاوتة الأبعاد. فبين رأس سبارتيل كلم". وبين رأس سبارتيل ورأس 2200 كلم" تقريبا، وبين رأس النون وقابس1550القبلي كلم" وتبلغ المساحة 400النون أكثر من ألف كلم. وبين الوطن القبلي وقابس أقل من كلم مربع " وإذا استثنينا غربي المغرب الأقصى وشرقي تونس، فإن 930000الكاملة الأراضي المنخفضة قليلة، لكننا نجد بالخصوص سهولا مرتفعة ونجادا محاطة بكتل جبلية مستديرة الشكل تندمج في مجموعة الأطلس. ويرجح أن هذا الاسم بربري الأصل إلا أن شكله الحالي مستعار من جغرافية المغرب الأقصى القديمة وقد أطلقه المعاصرون على مجموع جبال إفريقيا الشمالية. م" وإذا كان معدل الارتفاع في 800إن أكثر من نصف بلاد البربر يتجاوز ارتفاعها 900 م"، وفي الجزائر800 م" تقريبا، فإنه يبلغ في المغرب الأقصى300تونس لا يتجاوز م". إلا أن تلك الأرقام " وهذا هو المهم " ليست ناتجة عن وجود جبال شاهقة إلا بنسبة م" فإن أعلى قمة في 4165ضئيلة - فإذا بلغ ارتفاع جبل " تبڤال " بالمغرب الأقصى م"، وأعلى قمة في تونس وهي قمة 2328الجزائر وهي قمة جبل شلية ( أوراس ) لا تبلغ إ م" فقط. ومعنى هذا أن بلاد البربر تخص بأن ارتفاع 1590جبل الشعانبي لا تبلغ إ م".1200" و800جبالها يتراوح ب وفي بعض الأحيان يوجد تضارب عنيف بين هذه التضاريس وبين السهول. فجبال م " على مدينة البليدة الصغيرة الواقعة في 1400الأطلس في متيجة تشرف من علو أسفلها، ويزداد هذا التفاوت في المستويات بين قمم جرجرة ووادي الصومام الذي يحاذيها جنوبا، وبين الأطلس وحوز مراكش وبين الريف والبحر. ولكن الجبل في أكثر الأحيان ليس إلا الدرجة العليا من جملة درجات متساوقة فيبدو متواضعا في الأفق الذي يسده. م) 1426م) يعلو سهل عفلو1700وهكذا نجد في جبال عمور جبل سيدي عقبة م) (ارتفاع جبل 1890وكذلك الأمر بالنسبة للجبال التي تحاذي شمالا منخفض الهدنة م).1074م.) فهي تعلو نجاد سطيف (ارتفاع سطيف1890بو طالب إن تضاريس بلاد البربر أثرت بخاصيتين جوهريتين على مصير البلاد تأثيرا حاسما في أكثر الأحيان. فتجزؤ البلاد إلى أقسام مستقلة الواحد عن الآخر لم يكن خطرا على وحدة السياسية خلال العصور فقط، بل إنه ساعد في بلاد القبائل أو الأوراس مثلا على تكوين مجموعات بشرية لها خصائصها الذاتية. ولا تزال إلى اليوم صامدة أمام اكتساح التاريخ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاتجاه العام للجبال حسب خطوط العرض

عدد الصفحات ٦

بائل أو الأوراس مثلا على تكوين مجموعات بشرية لها خصائصها الذاتية. ولا تزال إلى اليوم صامدة أمام اكتساح التاريخ. هذا من جهة، ومن جهة أخرى فإن الاتجاه العام للجبال حسب خطوط العرض جعل الاتصال بين الشرق والغرب سهلا نسبيا إلا أنه عدد من الحواجز ما بين الساحل وداخل البلاد. وإذا استثنينا ساحل المغرب الأقصى المواجه للمحيط الأطلسي وشرقي ) لاحظ ذلك Sausteتونس فإن المغرب لا يكشف إلا عن وجه عدائي. وكان سالسطس Bell. Lng XVII( mare(.)17بقوله: بحر عارم اللج عديم المرافئ ( حروب يوغرطه، الفصل ولذلك يتضح بسهولة لماذا دخل جميع الغازين بلاد البربر من saevum, importuosum أحد طرفيها. ولم يشذ عن هذه القاعدة إلا الغزو الفرنسي. ولعل في ذلك تفسيرا لبعض ما لاقاه هذا الغزو من صعوبات. ):orogénie - طور تكوين تضاريس القشرة الأرضية3 إن هيئة الأرض المتصفة في آن واحد بالتكتل والتجزؤ والتي أثرت أيما تأثير على تاريخ بلاد البربر يتضح أمرها بالرجوع إلى أطوار تكون التضاريس. وبما أنها بقيت طويلا مجرد حاشية للقارة الإفريقية فقد خضعت لما خضعت له هذه القارة من تغييرات. ففي

عدد الصفحات ٦

ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 1011 أوروبا. والتضاد يقوى إذا توغلنا في داخل البلاد، ففي الصيف يطول النهار ويجف الهواء درجة.45 وحتى40وتعلو درجات الحرارة بسرعة وكثيرا ما يبلغ حدها الأقصى غير أن كثرة الأمطار هي الظاهرة الرئيسية من الناحية البشرية: فإذا انفتح المغرب الأقصى انفتاحا إلى التأثيرات الأطلسية فإن وضعية التضاريس سواء بالجزائر أم بتونس تمكن رقعة ساحلية ضيقة من التمتع بكمية كافية من المطر. وبصفة عامة فإن الخط مليمتر مواز للساحل الشمالي 400الذي يجمع بين الأماكن التي يبلغ نزول المطر فيها كلم ولا تتجاوز هذا الرقم إلا نادرا. وبعد هذا الخط تبدأ 200و100بمسافة تتراوح ب ).Steppesالسباسب ولو أن ماء المطر كماء النيل يعد هدية تقدمها باستمرار آلهة قارة لهان الأمر ولكن كمية الأمطار كثيرا ما تتحول بسهولة إلى ثلاثة أضعافها من سنة إلى أخرى وأحيانا 99 كانت 1913بنسبة أكبر. ولقد سجلت في "جلفة" كمية الأمطار النازلة سنة . ولا شك أن الأمطار تتوزع تقريبا على أيام الشتاء دون 1893 في سنة775مليمترا مقابل سواه. ولكنها تتهاطل بغزارة أحيانا في بضع ساعات فسرعان ما تتضخم الوديان بالمياه 38الممزوجة بالطين بعد الجفاف. فلا غرابة إذن أن يبلغ إنتاج الحبوب في المغرب الأقصى . وحتى بركة 1945 ملايين ونصف قنطار في سنة4 وألا يتجاوز1941مليون قنطار سنة الأولياء فكثيرا ما تبقى عاجزة أمام بخل السماء. - الحياة النباتية:5 إن ما عليه الحياة النباتية اليوم في إفريقيا الشمالية نتيجة لظروف طبيعية ولعمل البشر كما هو الشأن في جميع البلدان العريقة في العمران. ويصعب في كثير من الأحيان أن نعرف بالضبط إلى أي حد أثر أحد هذه العوامل على الأخرى طوال آلاف السنين الأخيرة. إلا أنه مهما بلغ بنا الخيال لا يمكن أن نتصور أن هذا العمل قدر على تغيير معطيات التضاريس والمناخ تغييرا جوهريا. ملايين 6والذي لا شك فيه على ما يظهر هو أن مساحة الغابات التي تبلغ اليوم من الهكتارات تقريبا تناقصت خلال عصور التاريخ. فانتشار المزروعات وحاجة البشر إلى الوقود أو إلى مواد البناء وما قضمته أسنان الحيوانات، كل ذلك يعلل تعليلا كافيا تناقصيا الغابات ولو بصورة نسبية. وفي كثير من الأحيان حلت فعلا النباتات الشوكية والأراضي القاحلة محل الغابة. فلا مبالاة البدو الرحل ولا عداؤهم قضيا على الأشجار وخاصة الزياتين في جهات تشهد آثار المعاصر على وجودها فيها قديما. إلا أن إفريقيا ) وحتى قبلها غيرت سلسلة من الحركات والالتواءات L’ère primaireالحقبة الأولية ) ملامح هذه الأرض تدريجيا وعندما انخفض "شبه érosionعقبتها أطوار من الانجراف ) وغمرته المياه ظهر pénéplaine posthercynienneسهل ما بعد العهد الهرسيني موقع بلاد البربر طوال العصور الثانوية شبيها ببحر متوسط تخللته جزر وأغوار عميقة. وامتد من الغرب إلى الشرق على حاشية القارة الإفريقية التي بقي معظمها خارج المياه. ويمتد طور الترسب الطويل الذي تلا ذلك إلى أوائل العصور الثلاثية أثناءها برزت بلاد البربر بروزا، وأصبحت تحت تبعية أوروبا الجيولوجية إن صح هذا القول: ذلك أنه في الوقت ) ظهرت مجموعة من الجبال كأنها نوع Pyrénéesالذي انبثقت فيه الجبال " البيرينيه ) الثانوية، والثلاثية sédimentsمن "ما قبل الأطلس" معقدة تراكبت فيها الرواسب التي التوت في عنف متفاوت القوة مع بقايا "شبه سهل ما بعد العهد الهرسيني" وقد ارتفعت هذه البقايا في نفس الوقت الذي ارتفعت فيه المجروفات. وهذا الالتواء الأول نتج عنه تحول البحر الأبيض المتوسط إلى الشمال. ولكن هذه المجموعة من الطبقات الأرضية التي اعترتها التواء أخرى لم تظهر في شكلها الحالي إلا في النصف الثاني من الحقبة الثلاثية، في نفس الوقت الذي تكونت فيه جبال الألب )، وتغير من ملامحها ما تغير. ولم تنفصل إفريقيا عن صقلية إلا في الحقبة Alpes(

عدد الصفحات ٧

تظهر في شكلها الحالي إلا في النصف الثاني من الحقبة الثلاثية، في نفس الوقت الذي تكونت فيه جبال الألب )، وتغير من ملامحها ما تغير. ولم تنفصل إفريقيا عن صقلية إلا في الحقبة Alpes( )Sierra Névadaالرباعية حيث وقع خسوف في الأرض فصل بين الريف وسيرانيفادا وتولد عنه مضيق جبل طارق. إلا أنه يجب أن نلاحظ أن تضاريس إفريقيا الشمالية تطورت منذ أن تكونت بتأثير عاملين أساسيين: أولا الانجراف الذي فتتها بقوة تتفاوت ) الذي remblaiementشدة وضعفا بسبب اختلاف مستويات البحر خاصة. وثانيا النقل غشاها في الجهات المحرومة من مصب يصلها بالبحر، وخاصة في السهول المرتفعة الممتدة بين الأطلسين. - المناخ: 4 إن سلطان المناخ على البشر أشد سطوة وأكتر تقلبا من مفعول التضاريس التي تتأثر به في شتى مظاهرها. ذلك أن الصيف الذي كثيرا ما يكون باكرا وخاصة كلما توغلنا في الجنوب يتبع الشتاء والشتاء يتبع الصيف في طفرة ومن دون تدرج. ومعدل درجة. لكن حر النهار يبقى منتشرا في الليل 25درجات الحرارة على السواحل لا يفوق الثقيل. والهواء الرطب كثيرا ما يعترض الآفاق كأنه بخار رمادي. والشتاء معتدل، نير بصفة عامة، ولكنه لا يزود البشر بما يحتاجون إليه من طاقة ونشاط كما هو الشأن في

عدد الصفحات ٧

13 ش. جوليان 12 الشمالية رغم ذلك لم تكن أبدا منطقة غابات فسيحة على الأقل في عصور التاريخ وباستثناء بعض الجبال. ومع ذلك فإنه يجب ألا ننسى أن تزايدا في نمو الغابات قد حصل هنا وهناك منذ عصور التاريخ القديمة. والواقع أن السباسب التي قد يكون تفوقها ازداد شيئا ما خلال آلاف السنين الأخيرة هي التي تلعب الدور الفعال في التطور البشري لإفريقيا الشمالية. فهي تفرض ظروفا حياتية تختلف بحسب تفاوت أهميتها. فتارة تبعد البشر أو تكاد، وطورا تضطرهم إلى حياة غير مستقرة توقعها حركة الفصول، وأخرى تتطلب صبرا وقناعة عندما تتوالى السنوات العجاف. وهي تحتل على الأقل نصف مساحة إفريقيا الشمالية بالرغم عن ارتفاع البلاد الذي من شأنه أن يعمل على التنقيص منها. غير أنه يجب أن نتحرى عندما نشاهد اليوم مناظر البلاد فنظن أنها على حالتها تلك منذ القدم. فسهل "متيجة" كان جزء منه منذ ما يزيد كثيرا عن القرن مغمورا بالمستنقعات، ويجب أن نتخيل أرضا جرداء عند الوقوف أمام زياتين صفاقس. وحتى بعض أنواع النبات فإنها لم تكن موجودة في المناظر الطبيعية القديمة فشجرة الكلتوس ) الاسترالية الأصل دخلت البلاد في القرن التاسع عشر وشجرة كسيروفيل eucalyptus( ) الأمريكية أدخلها الإسبان منذ ثلاث أو أربعمائة سنة ولكن حصل العكسxérophile( ) أو "جميلةTimgadفي مواطن أخرى إذ لا شك أن بعض المدن الرومانية مثل "تيمقاد ) لم تشيد أبنيتها الحية في مثل هذا الأفق العاري القاحل حيث نشهد اليوم Djemila( أطلالها شاخصة - أقسام إفريقيا الشمالية الكبرى:6 إن إفريقيا الشمالية ليست كتلة منسجمة بالرغم عن الظروف العامة التي اقتضت تضامنها المادي والبشري. ذلك أننا نميز اليوم بين المغرب الأقصى والجزائر وتونس، وهي أقطار لا تطابق حدودها مطابقة تامة الحدود التي تفرضها الجغرافيا وليس معنى ذلك أن هذا التمييز لا مبرر له، فقد برزت خلال آلاف السنين الثلاثة شخصية الجزأين المتطرفين من شمال إفريقيا واندرجت بينهما الشخصية السلبية "إن صح هذا التعبير"، التي نسميها الجزائر. ولا شك أن خصائص هذه الأقطار تنمحي في بعض الأحيان ضمن ما تشيده السياسة من صروح تندمج فيها هذه الخصائص وتشوه، إلا أن انبعاثها من جديد يقيم الدليل على ديمومتها التي تعللها الجغرافيا في مظاهرها الأساسية تعليلا مرضيا على سبيل الإجمال. - المغرب الأقصى والجزائر وتونس:II - المغرب الأقصى1 إن وجه الشبه بين تضاريس غربي المغرب الأقصى وإسبانيا كبير جدا، فلو أمكن ) ضم تضاريس البلادين بعضها Théobald Fischerكما تخيل ذلك "تيوبالد فيشير إلى بعض حول المفصلة المتمثلة في مضيق جبل طارق لطابق الريف سلسلة جبال ) ولقابلت مهاد تازة وسبو والغرب الأندلس، ولطابق أيضا Cordillère Bétiqueالبيتيس الأطلس المتوسط الهضاب الإسبانية والأطلس الأعلى جبال "البيرينيه". وعلى العكس من ذلك يبدو المغرب موليا ظهره للجزائر، ويلتحم القطران في القسم الشرقي من المغرب الأقصى الذي لا يخضع لسلطة الجزائر الإدارية ولكنه تابع لها جغرافيا باعتباره امتدادا لسهولها العليا. أما شمال المغرب الأقصى فهو منطقة جبلية أقل ارتفاعا من الأطلس إلا أن قربها من البحر المتوسط ووجود الأمهاد المحيطة بها أبرزا هذا الارتفاع. ومن هناك تبدو في كلم تجويفها متجه نحو الشمال وتسمى 300وضوح سلسلة جبلية مقوسة طولها الريف. ثم إن بوغاز جبل طارق الذي هو مضيق قديم غمرته مياه البحر وآخر ممر لغربي الأطلس، لا يفصل المجموعة الجبلية الشمال إفريقية والسلسلة الجبلية الأوروبية إلا بفاصل ضيق لأن سلسلة "جبال البيتيس" امتداد للريف المغربي في الأندلس - وفي جنوب الريف تتتابع الجبال في شكل دائرات منتظمة ذات مركز واحد، وفي جبل زرهون ينتصب ضريح مؤسس الدولة الإدريسية. وتمتد السهول والنجاد بين المحيط الأطلسي وسفح الأطلس. فالنجاد في الشمال

عدد الصفحات ٨

وب الريف تتتابع الجبال في شكل دائرات منتظمة ذات مركز واحد، وفي جبل زرهون ينتصب ضريح مؤسس الدولة الإدريسية. وتمتد السهول والنجاد بين المحيط الأطلسي وسفح الأطلس. فالنجاد في الشمال بين طنجة وفاس في الجهة المسماة بالغرب أقل بروزا وكذلك الهضاب تحيط بالسهول المتكونة من المجروفات. والقسم الغربي من الطريق الرئيسية التي تشق البلاد عرضا والتي منها وصلت جيوش الغزاة الآتية من الشرق إلى الساحل الأطلسي يتكون من ).Innaouenسهول نهر سبو وأحد روافده من اليمين وهو واد أناون

عدد الصفحات ٨

ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 1415 وإذا كان لفاس ومكناس شأن كبير فالفضل يرجع إلى حد بعيد لكونهما واقعت في مفترق طرق رئيسية. أما تازة فهي تشرف على الممر الواصل بين جبال الريف والأطلس المتوسط. وفي الجنوب تبدو في جلاء النجاد المنضدة بين المحيط الأطلسي والأطلس في ما يسمى "بالميزتا" المغربية وهي هضبة ضخمة عتيقة مغطاة برواسب الحقبة الثانوية أو الثلاثية المتراكمة تراكما أفقيا. ) بسهل ساحلي يقل عرض رقعته حينا قرب horstومن جهة المحيط يبدأ هذا النجد كلم في "دوكالة " ثم يرتفع تدريجيا إلى أن 80الرباط و"مغادور" ويتسع حينا آخر فيبلغ ) أم الربيع. Cañonم ويشقه خور700يصبح نجدا ممتد الأطراف خصبا يبلغ كلم تسمى 700وتشتمل مجموعة الأطلس على سلسلة جبلية يبلغ طولها الأطلس الأصلي، متجهة من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي. ومنها يتفرع المتوسط نحو الشمال الشرقي، ونجاد الأطلس الجنوبي نحو الجنوب الغربي، إلا أن العلاقات بين هذه الأجزاء الثلاثة لا تزال غير مضبوطة على ما يظهر. فجبال الأطلس الأعلى ذات الصخور م 4000 أو 3000البلورية غربا حيث تشرف على سهل مراكش والسوس من ارتفاع تتخذ شرق القلاوة حيث تتضاءل أهمية الصخور القديمة، أشكالا ضخمة ذات مظهر "جوراسي". والأطلس المتوسط جبل مرتفع متكون من صخور جيرية جوراسية ويغيب شبه سهل المنطقة الجبلية الوسطى ذو الصخور البلورية في الشرق تحت نجدي: "بني مطير وبني مڤيلد"، وأرضهما رغاب ذات أخاديد، وقد تناثرت حمم البراكين الحديثة على هذه المنطقة الجبلية الوسطى، مما جعل المنظر الطبيعي شبيها بصفحة القمر متميزا بذلك ولا تبدو آثار الالتواء فعلا إلا على الحاشية الجنوبية والشرقية. أما جنوب الأطلس فهو أقرب إلى "الميزيتا" منه إلى سلسلة جبلية. وتشرف آخر جبالها الدنيا في الجنوب الغربي على المحيط الأطلسي قرب رأس النون. ويصل بركان "سروا" الكبير جنوب الأطلس بالأطلس الأعلى وعند سفحه يتحد سهل سوس. أما نجدا "الدراع" "تافلالت" فإنها امتداد له نحو الشرق. ومن خصائص تضاريس المغرب الأقصى وجود مجموعتين من السهول تمتد الأولى من مصب "تنسيفت" إلى "الملوية"، وتحتوي على سهل ما دون الأطلسي وسهول نهر سبو ( الغرب) ومعبر "تازة" وسهول الجهة السفلى من نهر الملوية الذي الطريق الكبرى الرابطة بين المحيط الأطلسي والجزائر رغم بعض العقبات. أما المجموعة الثانية فتتركب من سهل حوز الذي يشقه نهر "تنسيفت" ومن سهل "تادلا" الكبير، والمواصلات ميسورة بين السهلين. على أن المغرب الأقصى يدين أيضا بجانب طرافته لمناخه، وما تضفيه عليه هيئة التضاريس من شبه بمسرح مدرج يسمح للمؤثرات الأطلسية بالتوغل داخل البلاد. ولا شك أن الجفاف يشتد كثيرا جنوب أم الربيع، إلا أنه من النادر ألا تبلغ درجة الأمطار النازلة مليمترا. ولم يفت الجغرافيين منذ العصور القديمة أن عبروا عن 200شمال الأطلس دهشتهم من ظاهرة مثيرة حقا للعجب في إفريقية الشمالية وهي وجود وديان تجري ) ذلك قائلا: "السبو هذا النهر الرائع".Plineفيها المياه فقد لاحظ "بل - الجزائر: 2 لقد تبين الجغرافيون بالجزائر منذ أوائل الاحتلال ثلاث مناطق موازية تقريبا للساحل وهي: منطقة التل الأطلسي ومنطقة النجاد العليا أو بعبارة أصح السهول العليا، ومنطقة الأطلس الصحراوي. ولم يلاحظوا إلا مؤخرا اتصال الأطلسين في شرقي الجزائر. ولهاتين السلسلتين الجبليتين خصائص متباينة. ففي التل الأطلسي تبدو بالأرض التواءات عنيفة وتقلبات عظيمة. أما الأطلس الصحراوي الالتواءات به أبسط بكثير وفيها تدرج رفيق نحو الصحراء. أما السهول العليا فليست منبسطة إلا نادرا على أن تضاريسها تختفي تحت كتلة مهولة من رواسب التل الأطلسي التي غمرتها. وقد أكد الجغرافيون أنه يمكن تقسيم الجزائر إلى جزائر غربية، وجزائر شرقية وأعاروا هذا التقسيم أهمية أبلغ.

عدد الصفحات ٩

على أن تضاريسها تختفي تحت كتلة مهولة من رواسب التل الأطلسي التي غمرتها. وقد أكد الجغرافيون أنه يمكن تقسيم الجزائر إلى جزائر غربية، وجزائر شرقية وأعاروا هذا التقسيم أهمية أبلغ. لا يظهر التقسيم المألوف من نجاد عليا وأطلسين يحيطان بها إلا غربي الجزائر. وهناك مجموعتان من السهول: فمن جهة غور الشليف الساحلي المتصل غربا بسهل سيغ وسبخة وهران، ومن جهة أخرى غور أوسط فيه سهول بسكرة وسيدي بلعباس وتلمسان، وقد أحاطت به جبال التل الأطلسي الصغيرة وهي: جبال ساحل وهران والظهرة شمالا وجنوبا، وجبل تسالة وخاصة جبل الورشنيس وهو أعظم جبل يحف بوادي شليف في غربي الجزائر. أما الأحواض الموجودة في النجاد العليا التي لم تنحدر مياهها لا إلى البحر ولا إلى الصحراء هي منغلقة ذات تضاريس على نمط واحد تركد فيها الشطوط الكبيرة.

عدد الصفحات ٩

ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 1617 وتوجد بالجنوب جبال الأطلس الصحراوي القصيرة المتوالية وهي: جبال قصور وجبال عمور وجبال أولاد نايل التي تتتابع من المغرب الأقصى إلى الهدنة بصورة منتظمة، والتي تفصل بينها ممرات واسعة تسهل معها المواصلات وتشرف هذه الجبال من ارتفاع قدره ألف متر على الصحراء التي تختفي تحت كتلة من الرواسب المنجرفة من سفوحها. وتفقد الجزائر في قسمها الشرقي هندستها العادية. ويبدو الساحل في غالب الأحيان رائعا، ولكنه لا يتيسر فيه العمران. ولا توجد السهول الساحلية إلا في طرفي هذه الجهة: ففي الغرب نجد سهل "متيجة" وراء هضاب ساحل مدينة الجزائر، ونجد في الشرق السهل المعروف بسهل عنابة الممتد على شكل هلال في جنوب جبل هدوق . وكثيرا ما تنتصب الجبال على حافة البحر بالذات كجبل القبائل العظيم Edough المتصل جنوبا بأعالي جرجرة الناتئة الكلسية أو اتجهنا أكثر نحو الشرق جبال بابور ). Cap de ferوالمجموعة المتقطعة الممتدة من رأس "بوقرعون" إلى رأس الحديد وليست جبال التل وراء المنطقة الساحلية من واد شلف إلا عناصر متوالية إلى م تتخللها 1800الحدود التونسية فاقدة لكل المميزات لا يتجاوز البتة ارتفاع قممها أحيانا سهول صغيرة وهي بقايا أحواض عتيقة جفت مياهها ( سهل الميلية وڤالمة) ) ضيقة غائرة مثل مخانق بلسترو أو Clusesوتضطر طرق المواصلات إلى المرور من معابر تحت 1839تلك التي يسميها الأهالي البيبان والتي شهرتها حملة "دوق أورليان" سنة ).Portes de ferاسم (أبواب الحديد وتنتهي التلال العليا عند غور الهدنة والجبال الصغيرة للأطلسين المتصلين بعضهما ببعض بالقرب من خط الزوال بعنابة تخفف من حدة التلال العليا القسنطينية وتكسبها شيئا من التنوع. أما الأطلس الصحراوي الذي تحافظ قممه الناتئة الحادة على اتجاهها من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي فلا يقل وعورة عن التل الأطلسي. ويمثل جبل أوراس حزمة م) وتتخلله 2328مرتفعة، ذات أوضاع عادية حيث توجد أعلى قمة في الجزائر (جبل شلية أودية ضيقة. وينفتح بين الأوراس من جهة وبلاد " بلازمة" وجبال زيبان من جهة أخرى ممر إلى الجنوب من وادي "واد قنطرة" الواصل بين التلال العليا والصحراء. - تونس: 3 إن الحدود الحالية بين الجزائر وتونس لا تطابق الفاصل الطبيعي الذي يمكن تبينه إجما غربي هذه الحدود بالقرب من خط الزوال المار بعنابة حيث كانت حدود نوميديا الرومانية تقريبا. والمنطقة الجبلية التي هي امتداد لجبال الأطلس الصحراوي تشق البلاد متجهة من الجنوب الغربي إلى الشمال الشرقي ثم تنحدر شيئا فشيئا حتى هضاب شبه جزيرة ) وهذه Epiphyse continentaleالوطن القبلي وهي عبارة عن منت هي عظم الفارة المنطقة التي تعرف بالسلسلة الظهرية تفصل في الواقع بين تونسين: تونس التل وتونس السباسب. وفي التل التونسي الذي هو امتداد طبيعي للتل الجزائري توجد جهتان جبليتان تحيطان شمالا وجنوبا بالسهول التي يشقها وادي مجردة وروافده. فنجد من جهة الجبال م فقط في القسم الغربي منها 1200المشجرة المتواضعة الارتفاع ( يبلغ هذا الارتفاع ) ومنها جبال خمير ومقعد، ومن جهة أخرى نجد جبالا متشابكة عارية ذات أشكال ضخمة، وسهولا صغيرة تسمى أحيانا التل العلوي. أما الجهات التي يشقها واد مجردة فهي في واقع الأمر وحدات متمايزة. ويتسع وادي مجردة شرقا قرب الخليج حيث استقرت العاصمتان الكبريان للبلاد التونسية عبر التاريخ: أي قرطاج وتونس. وتبدأ السباسب جنوب السلسلة الظهرية: فهناك السباسب العليا في الجهة الغربية من البلاد حيث تنتصب في الأفق الرتيب الجبال الكلسية العارية حتى جنوب قفصة، ومنه تبدأ الصحراء.وهناك السباسب السفلى في الجهة الشرقية وهي سهول مترامية الأطراف تمتد من الجبال إلى البحر على وتيرة واحدة، ما عدا جهة سوسة ( الساحل) حيث تذكرك الهضاب بمنظر طبيعي "شبيه بالتل"

عدد الصفحات ١٠

حراء.وهناك السباسب السفلى في الجهة الشرقية وهي سهول مترامية الأطراف تمتد من الجبال إلى البحر على وتيرة واحدة، ما عدا جهة سوسة ( الساحل) حيث تذكرك الهضاب بمنظر طبيعي "شبيه بالتل" وليس وجود هذه السهول أدعى إلى الملاحظة من وضعها. ذلك أنها لسهولة المواصلات بينها، ولموازاتها للبحر على غرار سهول المغرب الأقصى الجهة الوحيدة "المنفتحة" في إفريقيا الشمالية بالإضافة إلى السهول المغربية. إلا أنه بينما يتجه المغرب الأقصى اتجاها معاكسا لما ظل عليه تاريخ العالم حتى القرون الخمسة الأخيرة نرى تونس المتصلة اتصالا مباشرا بحوض البحر المتوسط كلم فحيب تتأثر بمؤثرات آتية من الشرق والغرب على التناوب 140والبعيدة عن أوروبا ب وبنفس السهولة. - ما وراء البلاد: 4 ومهما ضبطنا الحدود الجغرافية لإفريقيا الشمالية فإن إطارها لم يفرض نفسه ) بتضحيتهم البطولية، Les Philènesفرضا خلال التاريخ ومن يوم أن رسم الفيلان ) فإن إفريقيا Cyrèneعلى رغم ما ورد في الأسطورة، الحدود الفاصلة بين قرطاج وقريني

عدد الصفحات ١٠

19 ش. جوليان 18 تنتهي عند "سيرتا" العظمى ولا تتعداها. وقد تأكدت تبعية بلاد طرابلس الشمالية للمناطق الموجودة غربا مرات عديدة عبر العصور. وفعلا فإن سهول السباسب في الجنوب التونسي وراء مهاد الجريد هي نفسها التي تتواصل في منطقة لا يتجاوز عرضها كلم مارة بالجفارة على حافة البحر حتى تنتهي مثلها إلى ساحل منبسط. أما 200 في الجنوب فإن حاشية النجاد الصحراوية هي نفسها التي تتكون منها جبال القصور والطنف الكلسي الذي يصلها بضواحي طرابلس والمعروف باسم جبل. ومن جهة أخرى فإنه يتعذر عزل الصحراء عن إفريقيا الشمالية في بعض العهود على الأقل. وإذا اعتبر الأطلس الصحراوي حدا جبليا تبدأ بعده نجاد الحمادة الصخرية العارية ومساحات "الرق" الحجرية أو رمال "العرق" فإنه لا يكون حدا مناخيا وبالأحرى حدا بشريا. فأهل الشمال هم الذين حققوا استعمار المزاب الرائع وبالعكس فإن قبيلة ك(أولاد سعيد عتبة) النازحة من ورقلة إلى سرسو وهي التي تحيي مدة أسابيع قليلة من كل سنة أرض زناتة القديمة. إلا أن ظاهرة تعايش حضر الواحات والرحل التي تمتاز بهما الصحراء أي امتياز ليست أصالة بظاهرة صحراوية. ذلك أن جانبا كبيرا من جنوب بلاد المغرب يعرف هذه الظاهرة. غير أن الخط الملتوي الصاعد أحيانا إلى التل والذي نرسم به على خرائطنا حدود البداوة لم تضبطه الطبيعة منذ الأزل على الأقل في تفاصيله وإنها لمشكلة من أعوص مشاكل تاريخ المغرب أن نهتدي إلى تغيرات هذا الخط. - الإطار الجغرافي لتاريخ إفريقيا الشمالية: III - بلاد تابعة1 إن ما عليه تضاريس بلاد البربر يسر دائما للقادة العسكريين احتلال البلاد بسرعة عن طريق السهول المرتفعة المتسلسلة من سيرتا إلى المحيط الأطلسي، ومن سوء الحظ فإن هذه الطريق الوحيدة طويلة وضيقة أكثر مما يجب فهي تغص وتنسد فتتعثر حركة المرور فيها. وإذا بالغزو "وقد بدأ أحسن بدء" يبقى تخطيطا سريع الانهيار (أ.ف.فوثيه) ).E.F.Gauthier( فالمغرب هذا البلد الذي يتكون القسم الآهل منه على حد تعبير أ. ف فوثيه من كلم" مع "وضع 150 كلم ولا يكاد يبلغ عرضها 3000"حاشية مديدة يبلغ طولها من أدعى أوضاع العالم إلى السخرية" قد أعوزه طبعا مركز جغرافي تتجمع حوله المقاطعات المختلفة. ومناطق الريف والسوس وخمير منعزلة عن الجهات المجاورة لها والأنهار التي قيل عنها في استعارة جريئته: إن الكثير منها "تجري ولا ماء" طيلة جزء من السنة هي طرق للمواصلات متواضعة في غالب الأحيان ليست لها قيمة اقتصادية تذكر. ثم إن التجزؤ الطبيعي ساعد على تكوين الخصائص الجهوية وأقر المتناقضات وحال دون اختلاط السكان. - المغرب الأقصى: 2 ليس من الصعب أن نتبين إلى أي حد أثرت جغرافية المغرب في تاريخه. وبالنسبة ) الذي خص المسألة بدراسة J. Célérierللمغرب الأقصى يكفي الركون إلى ج. سليري ).Henri Bassetشافية في "ذكرى هنري باسي ولئن لم يكن للحدود الطبيعية إلا قيمة نسبية فهناك مغرب أقصى ومتميز بحدوده الجغرافية هو المغرب الأقصى الذي يكون "جهة طبيعية ذات شخصية واضحة المعالم أيما وضوح، وبالرغم عما تصطدم به حركة المرور من عقبات بسبب المحيط الأطلسي والريف والأطلس والصحراء فإن المغرب الأقصى لم يبق في هذا الانعزال الموحش الذي

عدد الصفحات ١١

ش. جوليان تاريخ شمال إفريقيا 2021 هي التي أغلقت الحدود19 و18يؤكده الباحثون عادة: إن إدارة السلاطين خلال القرن التي كانت مفتوحة تماما في عهدي الموحدين وبني مرين. وقد تنازعت المغرب الأقصى في عصوره كلها مؤثرات أوروبا وإفريقيا المتوسطية وإفريقيا المدارية. إن المغرب الأقصى جزء لا يتجزأ من الكتلة الإفريقية. لذلك فإن مؤثرات الصحراء وحتى الغزوات المنطلقة منها طبعت تاريخه بالرغم من العقبات الطبيعية. لكن المغرب الأقصى ليس عبدا للقارة الإفريقية. ففي إمكانه أن يتخلص من هذه التبعية، ويتجه إلى المحيط الأطلسي، بل على الأقل إلى البحر المتوسط الذي يضيق على سواحله إلى حد يفرض معه جاذبية الأراضي الإسبانية التي تكتشفها الأنظار من هذه السواحل. وإذا شارك الساحل المغربي في العصور القديمة في نشاط البحر المتوسط فإن تاريخه في القرون الوسطى بقى متصلا وثيق الأنصال بتاريخ إسبانيا، ولم يدفع بالمغرب الأقصى ) فاضطر إلى الانطواء على reconquistaمن جديد إلى إفريقيا إلا بعد الغزو الإسباني نفسه، خاصة وأنه كان عرضة لهجوم أعدائه في الدين من الضفة الأخرى. وهكذا لم يعد للمغرب الأقصى، وهو طريق الإسلام في غربي بلاد البربر، صلة بإسبانيا النصرانية. ولم يستفد حتى من الغزوات الشرقية التي كان يمكن أن يجنى منها ثمارا، لقد كان المغرب الأقصى معبرا للفاتحين، لا مستقرا. فقد استوطن الدخلاء في المدن التي كانت لها حياة وحضارة مستقلتان عن حياة القبائل وحضاراتها، ولم يكن للأرياف البربرية من معرفة بمجموعة المدن إلا ما كانت توفره لها من نهب ثروات القصور والمنازل الأسواق. إن التأثير المزدوج لإفريقيا والبحر المتوسط يظهر في وضع المغرب الأقصى ومناخه اللذين طبعا البشر فأثرا في تاريخهم. والمنطقتان المتنافستان على مر الدهر أعني مملكتي فاس ومراكش، تعبران عما بين الشمال المتوسطي والجنوب الإفريقي المستند إلى الواحات من تضارب. فقد قال " سلريي": "يوجد بين الجبيلات ولأطلس المتوسط عتبة مرور ممتازة تزيد أهميتها لالتقاء نهرين غزيرين بأم الربيع وهما واد العبيد والتسوات ولقربها من مناطق تادلة والحوز والدير والخصبة وكثيرا ما شهدت مقاطع هذه الأنهار معارك دامية". وخلافا لما كان يجري في الجزائر فإن معالم دولة المغرب الأقصى لم تزل قائمة طيلة هذه المعارك المستمرة. وقد صمد حضر شمال المغرب أو البدو الذين استقروا بالسهول، أعنف صمود في وجه محاولات بدو الصحراء الذين كانت قد شلت حركتهم عقبة الأطلس الكأداء. وتمكن الحضر من الاستقرار في السهول المنفتحة ساعدهم على بسط سلطانهم وسهل عليهم فرض طاعتهم. لكن الجبال الوعرة - بلاد الصبا - كانت خارجة عن سلطة " بلاد المخزن". وقد وفق البربر المعتصمون بالجبال في مقاومتهم لعزم سكان السهول على تعريبهم منذ أن شرع في ذلك إدريس الأول في القرن الثامن وعاشوا دائما في حالة حصار، ولم يمنعهم ذلك من أن ينزلوا من حين لآخر كتلا بشرية لا سبيل إلى صدها يقودها مؤسسو الإمبراطوريات. وإنما تاريخ المغرب الأقصى في مختلف تقلباته صراع لا يني بين الجبل والسهل. وقد كانت للمغرب الأقصى عواصم سياسية أو ملكية تستجيب لحاجات معينة. فطنجة وهي ثغر إن لم نقل مستعمرة فينقية، وأكبر مدينة في موريطانيا الغربية حتى ثورتها على الملك البربري "بوغود" كانت في العهد الروماني عاصمة موريطانيا الطنجية التي لم تشتمل إلا على جزء من شمال المغرب الأقصى. وسواء كانت تحت سلطان البرتغاليين أو الإسبان أو السلاطين أو خاضعة للنظام الدولي الذي لم تزل عليه إلى اليوم فإنها استمدت قيمتها من وضعها في مضيق جبل طارق في المكان الذي يتسع فيه نحو المحيط الأطلسي. فلم تقم بدور عاصمة بقدر ما قامت بدور حارس الخطوط الأمامية بالنسبة للمغرب. وكان لمدينتين أخريين: فاس ومراكش، تاريخ أكتر إشعاعا، أما فاس التي أسسها

عدد الصفحات ١٢