المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون

ماجد بن محمد الماجد

صفحة ١ من ٣

مجلة اتحاد الجامعات العربية للآداب المجلد5 العدد2،2008، ص ص1- 40 1 الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون  ماجد بن محمد الماجد * ملخص يتناول هذا البحث الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون؛ الذي ورد خبره في سورة "غافر" حين انتصر لدعوة موسى – عليه السلام – أمام فرعون، لما هم الطاغية بقتل موسى – عليه السلام -، فبادر المؤمن للنصرة ولبيان حقيقة الدعوة التي جاء بها موسى – عليه السلام -، وضلال ما يصنع فرعون، والعاقبة السوء التي يقود قومه إليها، وقد اشتملت قصة المؤمن على ألوان عديدة من الإعجاز البياني العظيم، يستقصي كل مستويات النص المعجز في ألفاظه وتراكيبه ودلالاته، وهو ما يعنى به هذا البحث، الذي يعرض بالبيان لملامح الإعجاز القرآني في قصة من أعظم قصص القرآن الكريم، موضحا العناية البالغة في تخير ألفاظه، وإعجاز تراكيبه، وروعة صوره، وتناسب آياته. مقدمة: سورة غافر مكية، وهي تُعنى بأمور العقيدة كشأن سائر السور المكية، ويكاد يكون موضو ع السورة البارز هو المعركة بين الحق والباطل، والهدى والضلال، ولهذا بدت أجواء السورة مشحونة بطابع العنف والشدة، وكأنه جو معركة رهيبة يكون فيها الطعن والنزال، ثم تسفر عن مصارع الطغاة فإذا بهم حطام وركام. وقد ابتدأت السورة الكريمة بالإِشادة بصفات الله الحسنى، وآياته العظمى، ثم عرضت لمجادلة الكافرين في آيات الله، فمع وضوح الحق وسطوعه، يجادل فيه المجادلون، و يكابر فيه المكابرون ، ثم عرضت السورة لمصارع الغابرين وقد أخذهم الله أخذ عزيز مقتدر، فلم يفلت منهم أحدا. وتحدثت السورة عن بعض مشاهد الآخرة وأهوالها، فإِذا العب اد واقفون للحساب، بارزون أمام الملك الديان، تغمرهم رهبة وخشوع،  جميع الحقوق محفوظة لجمعية كليات الآداب في الجامعات الأعضاء في اتحاد الجامعات العربية 2008. * قسم اللغة العربية، كلية الآداب، جامعة الملك سعود، الرياض، السعودية.

عدد الصفحات ١

الماجد 2 وإِذا القلوب لدى الحناجر تكاد لشدة الفزع والهول تنخلع، وفي ذلك الموقف الرهيب، واليوم العصيب، يلقى الإنسان جزاءه إن خيراً فخير، وإن شراً فشر. ثم يأتي الحديث عن قصة الإِيمان والطغيان، ممثلة في دع وة موسى عليه السلام لفرعون الطاغية الجبار، ففرعون يريد -بكبريائه وجبروته- أن يقضي على موسى وأتباعه خشية أن ينتشر الإِيمان بين الأقوام، وتبرز في ثنايا هذه القصة حلقة جديدة، لم تُعرض في قصة موسى من قبل، ألاَ وهي ظهور رجلٍ مؤمنٍ من آل فرعون يُخفي إِيمانه، يَص دع بكلمة الحق في تلطفٍ وحذر، ثم في صراحةٍ ووضوح، وتنتهي القصة بهلاك فرعون الطاغية الجبار بالغرق في البحر مع أعوانه وأنصاره، وبنجاة الداعية المؤمن وسائر المؤمنين. ثم تعرض السورة لبعض الآيات الكونية، الشاهدة بعظمة الله، الناطقة بوحدانيته وجلاله ، وتضرب مثلاً للمؤمن والكافر بالبصير والأعمى، فالمؤمن على نور من الله وبصيرة، والكافر يتخبط في الظلام.وتختتم السورة الكريمة بالحديث عن مصارع المكذبين، والطغاة المتجبرين، ومشهد العذاب يأخذهم وهم في غفلتهم سادرون. وقد سميت السورة بـ"غافر" (لأن الله تعالى ذكر هذا الوصف الجليل - الذي هو من أسماء الله الحسنى - في مطلع السورة الكريمة: ﴿غَافِرِ الذَّنْبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ﴾ غافر:3،وكرر ذكر المغفرة في دعوة الرجل المؤمن ﴿...وَأَنَا أَدْعُوكُمْ إِلَى الْعَزِيزِ الْغَفَّارِ﴾ غافر: 42، كما تسمى سورة "المؤمن" لذكر قصة مؤمن آل فرعون فيها. وقد كانت الغاية السامية التي تسعى آيات هذه السورة نحوها هي التذكرة بأسماء الله الحسنى لتزداد النفوس العامرة بالإيمان عرفانا بربها الكريم، و لتتم الحجة على الكافرين. وتبدأ قصة المؤمن مع قصة موسى - عليه السلام - إلى مواقف ومناظر، تبدأ من موقف عرض الرس الة على فرعون وملئه وتنتهي هنالك في الآخرة، وهم يتحاجون في النار(1) ويمكننا القول إن قصة المؤمن وما يتصل بها تتموضع في ستة مشاهد حوارية أولها المشهد الممهد للقصة ومواجهة المؤمن لفرعون وقومه، وآخرها مشهد المآل الأخروي حين يدخل فرعون وقومه النار جزاء تكذيبهم.

عدد الصفحات ٢

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون ِ 3 (1) مفتتح النص الممهد للمشهد الحواري بين دعوة الايمان ودعوة الكفر بين التوحيد والشرك، بين معسكري: الايمان والكفر، الايمان وفيه الداعي الحدب الحريص على تبليغ الدعوة ونجاة المدعوين، ومعسكر الكفر وفيه الطاغي بجبروته وتكذيبه، المعجب بسلطانه، المغتر بزخرف الم لك وأبهة السلطان . وتكون البداية بالحوار بين رأسي الفريقين وزعيمي القبيلين ، الرسول موسى – عليه السلام – والملك فرعون: أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّة وَآثَار ا فِي الأَْرْضِ فَأَخَذَهُمُ اللََُّّ بِذُنُوبِهِمْ وَمَا كَانَ لَهُم م ِنَ اللََِّّ مِن وَاق ﴿21﴾ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَي ِنَاتِ فَكَفَرُوا فَأَخَذَهُمُ اللََُّّ إِنَّهُ قَوِي شَدِيدُ الْعِقَابِ ﴿ 22﴾وَلَقَدْ أَ رْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُّبِين ﴿ 23﴾إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ﴿24﴾، غافر: 21- 24 وقد ابتدأ الله – عز وجل – الآية الكريمة باستفهام إنكاري فقال: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ كَانُوا هُمْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّة . ..﴾ مرشدا المخاطبين إلى الاعتبار بغيرهم، فإن الذين مضوا من الكفار كانوا هم أشد منهم قوة من هؤلاء الحاضرين وأقوى، ثم فرع(2) ما تقدم من الأمر بالاعتبار في قوله: ﴿أَوَ لَمْ يَسِيرُوا فِي الأَْرْضِ فَيَنظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الَّذِينَ كَانُوا مِن قَبْلِهِمْ ...﴾ وما أورد بعده من قصة موسى و مآل أمر المستكبرين المجادلين بالباطل و نصره تعالى للحق و أهله . والمعنى: إذا كان الأمر على ذلك فاصبر على إيذاء المشركين ومجادلتهم ب الباطل إن وعد الله حق وسيفي لك ، وقد جاءت قصة موسى - عليه السلام – إثر الدعوة إلى السير في الأرض والاعتبار من عاقبة السوء للمكذبين، وربط الآيتين الكريمتين باسم الإشارة "ذلك" وما تعنيه من الإحالة إلى الأقوام السابقين الموصوفين (بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّأْتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَي ِنَاتِ ...) ثم حسن الإجمال بالتفصيل(3)، وذكر المثل وهو قصة موسى وفرعون ليعتبروا فقال - سبحانه -: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَان مُّبِين ) عاطفا السلطان المبين على الآيات وهو من باب "ذكر الخاص بعد العام".(4) وقد أفردت بالذكر مع اندراجها تحت الآيات إفراد جبريل وميكال مع دخولهما في

عدد الصفحات ٣

الماجد 4 الملائكة عليهم السلام في قوله تعالى ﴿مَن كَانَ عَدُو ا للَّ ِ ِ وَمَلآئِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكَالَ فَإِنَّ اللَّ َ عَدُو ل ِلْكَافِرِينَ ﴾ البقرة:98(5). وقيل: (تفخيماً لشأنها، فهو من قبيل عطف الخاص على العام).(6) ومن الخطاب المتضمن لفن التعريض(7) المرتكز على التلميح دون التصريح قوله تعالى: ﴿... إِنَّهُ قَوِي شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾ إذ فيه تعريض وتحذير مبطن لمشركي قريش، فالذي أهلك أولئك قادر على إهلاككم ومعاقبتكم قال الطبري: (وهذ ا وعيد من الله مشركي قريش، المكذبين رسوله محمداً صلى الله عليه وسلم، يقول لهم جل ثناؤه: فاحذروا أيها القوم أن تسلكوا سبيلهم في تكذيب محمد - صلى الله عليه وسلم -؛ وجحود توحيد الله ومخالفة أمره ونهيه، فيسلك بكم في تعجيل الهلاك لكم مسلكهم). (8) ومن حسن المناسبة(9) هنا أنه– سبحانه - لما سلى رسوله – صلى الله عليه وسلم - بذكر الكفار الذين كذبوا الأنبياء قبله وبمشاهدة آثارهم، سلاه أيضاً بذكر موسى - عليه السلام-(10). ومن حسن النظم في الكتاب العزيز أن في قوله: ( وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا ...) تناصا مع آي ة أخرى هي قوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَى تِسْعَ آيَات بَي ِنَات ...﴾ الإسراء:101، فنرى التعالق بين آيات الفرقان المبين. ثم جمع المولى – عز وجل - بين التفصيل بعد الإجمال، والإيجاز بحذف المبتدأ في قوله: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَ ان مُّبِين . إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ...﴾ غافر:23-24، فحذف "هو" في قوله تعالى: "فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ ". (2) مشهد التكذيب والعناد ورفض الدعوة ، والتهديد بقتل الداعية ، ووأد الدعوة ، غير أن موسى – عليه السلام – يعوذ بربه من بطش المتكبر الكافر بيوم الحساب: فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَق ِ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلََّّ فِي ضَلََل ﴿ 25﴾ وَقَالَ فِرْعَوْنُ ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَ ى وَلْيَدْعُ رَبَّهُ إِن ِي أَخَافُ أَن يُبَد ِلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَْرْضِ الْفَسَادَ ﴿26﴾وَقَالَ مُوسَى إِن ِي عُذْتُ بِرَب ِي وَرَب ِكُم م ِن كُل ِ مُتَكَب ِر لََّّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ﴿27﴾ غافر: 25-27

عدد الصفحات ٤

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون ِ 5 ومن البلاغة انه لما أجملأمره كله في الآيتين السابقتين (شرع في تفصيله فقال: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَق ِ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ ...﴾ مشيراً إلى ممارستهم إلى العناد من غير توقف أصلاً التي أشَّر إليها حذف المبتدأ والاقتصار على الخبر الذي هو محط الفائدة)(11) .ومن العدل تقييد الوصف في بيان أن فرعون إنما أمر بقتل أبناء من آمن من بني إسرائيل لا غير.ومن البيان المعجز ذكر قارون في سياق توعدهم بالقتل لمن آمن من بني اسرائيل؛ ليخرج قارون من الوعيد ، وليشعر السامع أن من القائلين قارون أووافقهم عليه لعداوته و بغضه موسى- عليه السلام- و المؤمنين من قومه. وقد اختص – جلا وعلا – فرعون وهامان وقارون بالذكر؛ لأن مدار التدبير في عداوة موسى كان عليهم، ففرعون الملك وهامان الوزير وقارون صاحب الأموال والكنوز فجمعه الله معهما، (لأن عمله في الكفر والتكذيب كأعمالهما، لما عجزوا عن معارضته حملوا المعجزات على السحر) (12)، ولمكانتهما في الكفر، ولأنهما أشهر أتباع فرعون.(13)، وقيل: (خصهما بالذكر ،لأن الإرسال إليهما إرسال إلى القوم كلهم لكونهم تحت تصرف الملك والوزير ،تابعين لهما والناس على دين ملوكهم.. و"قارون" خص بالذكر لكونه بمن زلة الملك من حيث كثرة أمواله وكنوزه.)(14) ومن بلاغة تخير المفردات مجيء الوصف على صيغة المبالغة إمعانا منهم في تكذيب رسولهم ور ِد ما جاء به (فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ )، فيتخير المولى – عز وجل - صيغة المبالغة "فعَّال" في قوله تعالى: (فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّ ابٌ ) فـ (الكذاب الذي عادته الكذب بأن يكذب مرة بعد أخرى، ولم يقولوا: "سح ار"، لأنهم كانوا يزعمون أنه ساحر، وأن سحرتهم أسحر منه)(15). كما قالوا{ عَلِيم الشعراء:37.(16)،ومن دقائق النظم المعجز قوله – سبحانه – "آمنوا معه" ولم يقل "آمنوا به" (إشارة إلى مظاهرتهم موسى في دعوته ومناصرته، وليس الاكتفاء بمجرد الإيمان بصدق رسالته فحسب).؟(17)،وقد تخير الله كلمة "ذروني" كناية عن خطر ذلك العمل وصعوبة تحصيله، لأن مثله مما يمنع المستشار مستشيره من الإقدام عليه، ولذلك عطف "وليدع"، لأن موسى خ وفهم عذاب الله وتحداهم بالآيات التسع(17).

عدد الصفحات ٥

الماجد 6 وفي قوله تعالى "ذروني" ما يدل على عدم تمكن المنفذ من تنفيذ ما يريد، قال أبو حيان: (فليست هذه من ألفاظ الجبابرة المتمكنين من إنفاذ أوامرهم)(18)،فبدا فرعون كمن يطلب من ملئه الإذن له بقتل موسى – عليه السلام -، وفي الفعل نفسه ما يومئ إلى أن بعض ذلك الملأ يعارض قتل موسى، و(الظاهر من أمر فرعون أنه لما بهرته آيات موسى انهدَّ ركنه واضطربت معتقدات أصحابه، ولم يفقد منهم من يجاذبه الخلاف في أمره، وذلك بين من غير ما موضع في قصتهما) (19)، ويتناص هذا الاختلاف في الرأي حول موسى – عليه السلام –، مع ما ورد في آيات كريمات أخر مثل قوله تعالى: (قَالُوا أَرْجِهِ وَأَخَاهُ وَابْعَثْ فِي الْمَدَائِنِ حَاشِرِينَ) . الشعراء: 36، ففيها التصريح بالاختلاف الذي ثنى فرعون عن قتله وصار إلى المواجهة بين موسى – عليه السلام – وسحرة فرعون، وفي تعالق الآيات القرآنية حيث آية "الشعراء" تتعالق مع آية "غافر " مظهر لطيف من مظاهر البيان القرآني المشرق. كما لم تخل الآية الكريمة من المطابقة(20) بين القتل والاستحياء مع ما تتضمنه من الإلماح إلى طغيان فرعون وقومه بافتئاتهم على مقام الخالق – سبحانه – واهب الحياة، ومقدر الممات، ويظهر التناص القرآني بين ما ورد في سورة "غافر"، وما ورد في سورة الأعراف، ففي غافر يرد الأمر بقتل الأبناء واستحياء النساء: ﴿فَ لَمَّا جَاءهُم بِالْحَق ِ مِنْ عِندِنَا قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ وَ مَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلََّّ فِي ضَلََل ﴾ غافر: 25، وفي "الأعراف" توعد بالقتل والاستحياء: ﴿وَقَالَ الْمَلأُ مِن قَوْمِ فِرْعَونَ أَتَذَرُ مُوسَى وَقَوْمَهُ لِيُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ وَيَذَرَكَ وَآلِهَتَكَ قَالَ سَنُقَت ِلُ أَبْنَاءهُمْ وَنَسْتَحْيِـي نِسَاءهُمْ وَإِنَّا فَوْقَهُمْ قَاهِرُونَ ﴾ الأعراف:127، ويلحظ هنا أن فرعون أراد من الأمـر بقتل قوم موسى – عليه السلام– إهانة هذا الشعب، ولكي يتشاءموا بموسى - عليه السلام-.(21). وهنا إيماء إلى شكوى بني إسرائيل وتذمرهم من اتباع موسى – عليه السلام - في قوله تعالى على لسانهم: ﴿أُوذِينَا مِن قَبْلِ أَن تَأْتِينَا وَمِن بَعْدِ مَا جِئْتَنَا قَالَ عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُهْلِكَ عَدُوَّكُمْ وَيَسْتَخْلِفَكُمْ فِي الأَرْضِ فَيَنظُرَ كَيْفَ تَعْمَلُونَ﴾ الأعراف: 129. ثم يأتي التعقيب الرباني على هذا الطغيان الفرعوني بقوله: ﴿وَمَا كَيْدُ الْكَافِرِينَ إِلََّّ فِي ضَلََل ﴾ أي كل "الكافرين" وليس فرعون وقومه خاصة وهو من الأساليب

عدد الصفحات ٦

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون ِ 7 البلاغية حين يوضع الظاهر في موضع الضمير(22)، فـ "الكافرين" بدلاً من"هم" لتعميم الحكم والدلالة على العلة(23). ومن أسرار الإعجاز في الآية الكريمة أن قوله: ﴿قَالُوا اقْتُلُوا أَبْنَاء الَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ وَاسْتَحْيُوا نِسَاءهُمْ ...﴾ تلا قوله: ﴿فَلَمَّا جَاءهُم بِالْحَق ِ مِنْ عِندِنَا...﴾، فكان التداعي بينهم بالقتل دليلا على نكوصهم وعجزهم فلم يقارعوا الحجة بالحجة ، وإنما فعلو ما يفعله صاحب (الطغيان الغليظ كلما أعوزته الحجة وخذله البرهان وخاف أن يستعلي الحق، بما فيه من قوة وفصاحة ووضوح.(24) وبأسلوب الأمر المراد به الاستهزاء(25)، يسخر فرعون من الرسول موسى – عليه السلام – فيقول"وَلْيَدْعُ رَبَّهُ "(على سبيل الاستهزاء يعني أني أقتله فليقل لربه حتى يخلصه مني)(26)،بل وفيها (التسوية وعدم الاكتراث)(27). كما أن في قولهوَلْيَدْعُ رَبَّهُ " محذوف مقدر إذ يدل على أنه قيل لفرعون: إنا نخاف أن يدعو عليك فيجاب، فقال: "وَلْيَدْعُ رَبَّهُ " أي:(لا يهولنكم ما يذكر من ربه فإنه لا حقيقة له وأنا ربكم الأعلى)(28)،وقال الزمخشري: (والظاهر أن فرعون- لعنه الله - كان قد استيقن أنه نبيٌ، وأن ما جاء به آيات وما هو بسحر، ولكن الرجل كان فيه خب وجربزة وكان قتالاً سفاكاً للدماء في أهون شيء، فكيف لا يقتل من أحسَّ منه بأنه هو الذي يثل عرشه ويهدم ملكه ؟!، ولكنه يخاف إن همَّ بقتله أن يُعاجل بالهلاك، ...وكان قوله : "ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ..." تمويها على قومه وإيهاما أنهم هم الذين يكف ونه، وما كان يكفُّه إلا ما في نفسه من هول الفزع) (29) ومن بلاغة التقديم والتأخير(30) أن قدم فرعون الدين على الأنفس والأموال وعلى كل ما يتهدد المرء لبيان خطر موسى على قومه في زعمه فقال (إِن ِي أَخَافُ أَن يُبَد ِلَ دِينَكُمْ ...) قال الرازي: (لما كان حب الناس لأديانهم فوق حبهم لأموالهم لا جرم بدأ فرعون بذكر الدين فقال: "إِن ِي أَخَافُ أَن يُبَد ِلَ دِينَكُمْ. .." ثم أتبعه بذكر فساد الدنيا فقال: "أَوْ أَن يُظْهِ رَ فِي الأَْرْضِ الْفَسَادَ ")(31)،ومن التناسب في الأسلوب أنه في قوله تعالى على لسان فرعون: ﴿إِن ِي أَخَافُ أَن يُبَد ِلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأَ رْضِ الْفَسَادَ ﴾ غافر: 26، أسند

عدد الصفحات ٧

الماجد 8 الفعل إلى موسى في قوله يُبَد ِلَ " فكذلك في " يُظْهِرَ "؛ ليكون الكلام على نسق واحدٍ. (32) ومن التناص الخفي أن قوله تعالى ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى ..." دلالة على أن هناك مانعا يمنعه ولا يعرف فرعون كنهه، وهذا إلماح لقوله تعالى: (وَنَجْعَلُ لَكُمَا سُلْطَانا فَلََ يَصِلُونَ إِلَيْكُمَا بِآيَاتِنَا ) القصص: 153،وسبب عياذ مو سى بربه المذكور، أن فرعون قال لقومه "ذروني أقتل موسى"... إنما هو عياذ من فرعون وفي العياذ ههنا تناص وتعالق مع آية كريمة أخرى، فما ذكره – جل وعلا – في آية المؤمن هذه، من عياذ موسى بالله من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب كفرعون وعتاة قومه، ذكر نحوه في سورة الدخان في قوله تعالى عن موسى مخاطبا فرعون وقومه: { وَرَب ِكُمْ أَن تَرْجُمُونِ الدخان:20 (33). وفي قول موسى – عليه السلام – في رده على فرعون: "... إِن ِي عُذْتُ بِرَب ِي وَرَب ِكُم م ِن كُل ِ مُتَكَب ِر لََّّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَ ابِ " غافر: 27، مقابلة منه لفرعون في قولهوَلْيَدْعُ رَبَّهُ ..." حيث خص فرعون ربوبية الله بموسى، فأشار موسى بقوله:" عُذْتُ بِرَب ِي وَرَب ِكُم..." أي أنه تعالى ربهم كما هو ربه، نافذ حكمه فيهم كما هو نافذ فيه، ومن هنا يظهر أن الخطاب في قوله: ( وَرَب ِكُم...) لفرعون ومن معه دون قومه من بني إسرائيل. وقوله: " من كُل ِ مُتَكَب ِر لََّّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ..." يشير إلى فرعون وكل من يشاركه في صفتي التكبر وعدم الإيمان بيوم الحساب ولا يؤمن من اجتمعت فيه الصفتان. وتأتي صفة العموم "من كل" حَيْدَةً عن ذكر اسم ف رعون ومواجهته بما ينفره حين يستعيذ موسى من كل متكبر لا يؤمن بيوم الحساب، و(لم يذكر فرعون في هذا الدعاء، لأنه كان قد سبق له حق تربية على موسى من بعض الوجوه، فترك التعيين رعاية لذلك الحق.)(34)، أي أن موسى– عليه السلام – يتعوذ من فرعون في الآية بأسلوب التعري ض لا التصريح (35) (ليكون على طريقة التعريض فيكون أبلغ) (36)، ويظهر التعريض جليا في قوله: ( ...كُ ل ِ مُتَكَب ِر لََّّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) فهو يشير به إلى فرعون وكل من يشاركه في صفتي التكبر وعدم الإيمان بيوم الحساب. قال الزمخشري: (لتشمل استعاذتُه فرعونَ وغيره من الجبابرة). (37)

عدد الصفحات ٨

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون ِ 9 ويرد أسلوب الخبر الطلبي (38) في قوله : "إِن ِي عُذْتُ بِرَب ِي وَرَب ِكُم..." فقد (صدر الكلام بـ "إن" تأكيداً وإشعاراً على أن السبب المؤكد في دفع الشر هو العياذ بالله وخص اسم الرب؛ لأن المطلوب هو الحفظ والتربية) (39)، كما تضمنت ا لآية لونا من الإطناب، ففي قوله: ( ...كُ ل ِ مُتَكَب ِر لََّّ يُؤْمِنُ بِيَوْمِ الْحِسَابِ ) عطف للخاص على العام، فالتكذيب بيوم الحساب معطوف على التكبر، وفيه التناسب بين الأمر وما يفضي إليه ، فالتكبر يهدي إلى التكذيب بيوم القيامة، قال الزمخشري: (إذا اجتمع في الرجل التجبر والتكذيب بالجزاء وقلة المبالاة بالعاقبة، فقد استكمل أسباب القسوة والجراءة على الله وعباده)(40) .ومن تناسب المعاني(41) في النص أنه (لما أعلم بمقالة العدو، أتبعه الإعلام بقول الولي).(42) ومن الإعجاز في تخير المفردات أنه في قوله تعالى بِرَب ِي وَ رَب ِكُم..." (خص اسم الرب لأن المطلوب هو الحفظ والتربية وإضافته إليه وإليهم للحث على موافقته في العياذ به تعالى والتوكل عليه.)(43). أي أن موسى– عليه السلام – يريد من قوله: "بِرَب ِي وَرَب ِكُم..."، أن يعلمهم أن ربه وربهم واحد هو "الله" - جل وعلا – لا فرعون، فكأنه يستحثهم على ذلك من أجل التربية والتعود على ذلك، وعصيان الإله الكاذب وعدم اللجوء إليه، وفي استعاذة موسى بالله من فرعون تناص مع قوله تعالى في موضع آخر من الكتاب العزيز: ﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا قَبْلَهُمْ قَوْمَ فِرْعَوْنَ وَجَاءهُمْ رَسُولٌ كَرِيمٌ. أَنْ أَدُّوا إِلَيَّ عِبَادَ اللََِّّ إِن ِي لَكُمْ رَسُولٌ أَمِينٌ. وَأَنْ لََّّ تَعْلُوا عَلَى اللََِّّ إِن ِي آتِيكُم بِسُلْطَان مُّبِين . وَإِن ِي عُذْتُ بِرَب ِي وَرَب ِكُمْ أَن تَرْجُمُونِ . وَإِنْ لَّمْ تُؤْمِنُوا لِي فَاعْتَزِلُونِ ﴾ الدخان:17 -21 (3) انتهى حوار الرؤساء موسى - عليه السلام - وفرعون، وبدأ مشهد ثالث هو حوار الأتباع، وأولى جولاته أن المؤمن يحاور قومه بما فيهم فرعون كاتما إيمانه ومبتعدا عن القطع بصدق موسى، وجامعا بين التذكير بنعمة الملك والظهور والتخويف بالعذاب وبأس الله لكن فرعون الجبار يفسد عليه الأمر بغطرسته زاعما أن الحق والرشد فيما يراه وحده: ﴿وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ م ِنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ أَتَقْتُلُونَ رَجُلَ أَن يَقُولَ رَب ِيَ اللََُّّ وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَي ِنَاتِ مِن رَّب ِكُمْ وَإِن يَكُ كَاذِب ا

عدد الصفحات ٩

الماجد 10 فَعَلَيْهِكَذِبُ هُ وَإِن يَكُ صَادِق ا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ إِنَّ اللَََّّ لََّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ . يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَْرْضِ فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللََِّّ إِنْ جَاءنَا قَالَ فِرْعَوْنُ مَا أُرِيكُمْ إِلََّّ مَا أَرَى وَمَا أَهْدِيكُمْ إِلََّّ سَبِيلَ الرَّشَادِ ﴾ غافر: 28-29 فها هو المشهد يستهل بحوار دعوي بين المؤمن وقومه ، قال البقاعي: (ولما انقضى كلام الرأسين... قال تعالى مخبراً عن كلام بعض الأتباع في بعض ذلك: "وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ م ِنْ آلِ فِرْعَ وْنَ يَكْتُمُ إِيمَانَهُ ")(44)، وفي الآية شاهد على التقديم للتشريف (45)، ففي قوله: "وَقَالَ رَجُلٌ مُّؤْمِنٌ م ِنْ آلِ فِرْعَوْنَ ..." قدم الأول أعني "مؤمن" لكونه أشرف الأوصاف" (46)، ويذكر المؤمن موسى – عليه السلام - في بصيغة التنكير(47)، فيقول " أَتَقْتُلُونَ رَجُلَ ..." (ولم يذكر اسمه بل قال رجلاً ليوهمهم أنه لا يعرفه، ثم قال "أَن يَقُولَ رَب ِيَ اللََُّّ " ولم يقل رجلاً مؤمناً بالله أو هو نبيُ الله، إذ لو قال ذلك لعلموا أنه متعصب ولم يقبلوا قوله)(48). ومن بلاغة تخير المفردات أن المؤمن اختص اسم "الله" بالذكر (لأنه الذي ذكره موسى ولم يكن من أسماء آلهة القبط)(49) . ومن بديع النظم القرآني في كلام المؤمن أنه أوجز "إيجاز قِصَر"(50)، حين قال: "وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَي ِنَاتِ " ويقصد: "بعصاه وبيده" وقوله مسرف وهو يقصد: الإسراف في الشرك وقتل الأنفس. (51). ومن بلاغة الإشا رة والإلماح (52)، في الآية الكريمة أن في قول المؤمن: "رَب ِيَ اللََُّّ " إشارة إلى التوحيد، وقوله: ﴿وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَي ِنَاتِ مِن رَّب ِكُمْ﴾ إشارة إلى الدلائل الدالة على التوحيد، مع ما تتضمنه من ارتقاء في الحج بعد أن استانس في خطاب قومه بالكلام الموجه فارتقى إلى التصريح بتصديق موسى بعلة أنه جاء بالبينات(53)،وفيها تناص مع ما ورد في قوله تعالى: ﴿قَالَ رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْء خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى ﴾ طه:50. ويعمد المؤمن إلى أسلوب الاستدراج (54) حين يستشهد على صدق رسالة موسى – عليه السلام - في قوله تعالى: "وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَي ِنَاتِ مِن رَّب ِكُمْ ..." بصيغة الجمع فهي (عدة بينات لا بينة واحدة، وأتى بها مُعرَّفة، أي: البينات العظيمة التي شهدتموها وعرفتموها على ذلك، ليلين بذلك جماحهم، ويكسر من سورتهم، ثم أخذهم بالاحتجاج بطريق

عدد الصفحات ١٠

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون ِ 11 التقسيم، فقال: لا يخ لو من أن يكون صادقاً أو كاذباً، فإن يك كاذباً فضرر كذبه عائد عليه. أو صادقاً فيصبكم، إن تعرضتم له، بعض الذي يعدكم)(55). وترد في حديث المؤمن ألوان من الأساليب البلاغية ، فمنها فن الاستدراج فالمؤمن قال : "مِن رَّب ِكُمْ ..."، وهو استدراج لهم إلى الاعتراف به، وليلين بذلك جماحهم، ويكسر من سورتهم)(56). ومنها الاستفهام الإنكاري (57) في قوله (أَتَقْتُلُونَ رَجُلَ أَن يَقُولَ رَب ِيَ اللََُّّ ...) قال الرازي: (استفهام على سبيل الإنكار، وقد ذكر في هذا الكلام ما يدل على حسن الاستنكار، وذلك لأنه ما زاد على أن قال: "رَب ِ يَ اللََُّّ ". وجاء بالبينات وذلك لا يوجب القتل البتة) (58)، ومنها التقسيم(59)، ففي قوله تعالى : (أَتَقْتُلُونَ رَجُلَ أَن يَقُولَ رَب ِيَ اللََُّّ ...)، قال الرازي : (وهي حجة مذكورة على طريقة التقسيم، فقال: إن كان هذا الرجل كاذباً كان وبال كذبه عائداً عليه، فاتركوه وإن كان صادقاً يصبكم بعض الذي يعدكم) (60). وتقدير الكلام أن المؤمن يقول لقومه: لا حاجة بكم في دفع شر موسى أن تقتلوه بل يكفيكم أن تمنعوه عن إظهار هذه المقالة ثم تتركوا قتله فإن كان كاذباً فحينئذ ٍ لا يعود ضرره إلا إليه، وإن يك صادقاً انتفعتم به. ومن فنون البلاغة في النص: "القصر"(61) في قوله: "رَب ِيَ اللََُّّ ".. وهو في الدلالة على القصر مثل: "صديقي زيد"(62) .ومن فنونها أيضا: استدراج المخاطب ، فالمؤمن يخاطب قومه بقوله: (وَإِنْ يَكُ كَاذِب ا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ )، أي: إن كان كاذباً في دعوى الرسالة فضرر كذبه لا يتعداه، قال القرطبي: (ولم يكن ذلك لشكٍ منه في رسالته وصدقه، ولكنْ تلطفاً في الاستكفاف، واستنزالاً عن الأذى ...) "وَإِن يَكُ صَادِق ا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ... (أي إن لم يصبكم إلا بعض الذي يعدكم به هلكتم) (63). فالمؤمن يستدرج قومه ويتنزل لهم ف ي المخاصمة بالاكتفاء على أيسر التقادير وأقلها كأنه يقول: وإن يك صادقا يصبكم ما وعدكم من أنواع العذاب و لا أقل من إصابة بعض ما يعدكم مع أن لازم صدقه إصابة جميع ما وعد(64). وفي تلك الطريقة نوع خفاء من النصرة فالمؤمن ينصر موسى ولكن بطريق غير مباشر حتى لا يثير عليه قومه ، وتوصل المؤمن لهذا بالتنزل والاستدراج ، و(هذا نوعٌ من أنواع علم البيان يُ سمَّ ى "استدراج المخاطب" وذلك أنه

عدد الصفحات ١١

الماجد 12 لما رأى فرعون قد عزم على قتل موسى،والقوم على تكذيبه، أراد الانتصار له بطريق يخفى عليهم بها أنه متعصب، ولم يقبلوا قوله ثم أتبعه بما بعد ذلك فقدم قوله: "وَإِنْ يَكُ كَاذِب ا ..." موافقة لرأيهم فيه ثم تلاه بقوله "وَإِن يَكُ صَادِق ا ..." ولو قال : هو صادق في كل ما يعدكم به لعلموا أنه متعصب ... ثم أتبعه بكلام يفهم منه أنه ليس بمصدق وهو قوله: "إِنَّ اللَََّّ لََّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ")(65) وفيه تعريض بفرعون، إذ هو في غاية الإسراف والكذب على الله، إذ إدعى الألوهية والربوبية(66). ويلحظ هنا أن المؤمن قدم احتمال كذب موسى على صدقه لأنه أقرب لنفي تهمة الإيمان بموسى عنه ، قال البقاعي : (ولما كان كلامه هذا يكاد يصرح بإيمانه، وصله بما يشككهم في أمره ويوقفهم عن ضره فقال ... مقد مًا القسم الذي هو أنفى للتهمة عنه وأدعى للقبول منه: "وَإِن يَكُ كَاذِب ا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ")(67). وتقديم الكاذب على الصادق هنا، متناسب والأسلوب القرآني في تقديم ما يسر به المخاطب، ويميل إليه، كما في قوله تعالى حين قدم احتمال أن تكون امرأة العزيز صادقة على احتمال صدق يوسف – عليه السلام -: "وَشَهِدَ شَاهِدٌ م ِنْ أَهْلِهَا إِن كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن قُبُل فَصَدَقَتْ وَهُوَ مِنَ الكَاذِبِينَ . وَإِنْ كَانَ قَمِيصُهُ قُدَّ مِن دُبُر فَكَذَبَتْ وَهُوَ مِن الصَّادِقِينَ " (يوسف:26-27). فكذب يوسف المحتمل أقرب إلى نفس المخاطب عزيز مصر ، كما أن كذب موسى أقرب إلى نفس فرعون ، ولذا (قدم الشاهد أمارة صدقها على أمارة صدق يوسف، وإن كان الصادق هو يوسف دونها، لرفع التهمة وإبعاد الظن، وإدلالاً بأن الحق معه، ولا يضره التأخير لهذه الفائدة، وقريب من هذا التصرف لإبعاد التهمة، ما في قصة يوسف مع أخيه، إذ بدأ بأوعيتهم قبل وعاء أخيه)(68). فالمؤمن لا يدع لقومه حجة فإنه أخذهم بالاحتجاج على طريقة التقسيم، فقال: لا يخلو هذا الرجل من أن يكون كاذبا فكذبه يعود عليه ولا يتعداه، أو يكون صادقا وإن يكن صادقا يصبكم ب عض الذي يعدكم إن تعرضتم له، فقال "يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ " وهو يعلم أن موسى نبي صادق وأن كل ما يعدهم به لا بد أن يصيبهم، لا بعضه، لكنه احتاج في مجادلة قومه، أن يسلك معهم طريق الإنصاف

عدد الصفحات ١٢

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون ِ 13 والملاطفة في القول، ويأتيهم من جهة المناصحة، ليكون أدعى إلى سكونهم إليه، فجاء بما علم أنه أقرب إلى تسليمهم لقوله، وأدعى إلى قبول نصحه فقال : (وَإِن يَكُ صَادِق ا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ ..." وهو كلام المنصف في مقابلة المشتط، وذلك أنه حين فرضه صادقا فقد أثبت أنه صادق في جميع ما يعد به، لكنه أردف بقوله: "يُصِ بْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ " ليهضمه بعض حقه في ظاهر الكلام، فيريهم أنه ليس بكلام من أعطاه حقه وافيا، فضلا عن أن يتعصب له، وتقديم الكاذب على الصادق من هذا القبيل، كأنه يوافقهم في صدر الكلام على ما يزعمونه لئلا ينفروا منه،وكذلك قوله في آخر الآية ﴿إن اللَََّّ لََّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾ "أي هو على الهدى، ولو كان مسرفا كذابا لما هداه الله للنبوة، ولا عضده بالبينات، وفي هذا الكلام من خداع الخصم واستدراجه ما لا خفاء به وقد تضمن من اللطائف الدقيقة ما إذا تأملته حق التأمل أعطيته حقه من الوصف"(69). وتختتم الآية الكريمة بالتعريض ففي قوله: (إِنَّ اللَََّّ لَّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ...) تعريضٌ بفرعون (أنه مسرفٌ في عزمه على قتل موسى، كذَّاب في إِقدامه على ادعاء الإِلهية، والله لا يهدي من هذا شأنه وصفته، بل يبطله ويهدم أمره)(70) .كما أن في خاتمة الآية رمزاً وتعريضاً يتضمن وعدا خفياً بالانتصار وحسن العاقبة لموسى – عليه السلام ومن معه ، فالمسرف الكذاب له الخسران والخيبة ، ويقابل هذا (إشارة إلى علو شأن موسى - عليه السلام - على طريق الرمز والتعريض)(71). وصاحبَ الاحتجاجَ لونٌ خفي من الإعجاز حين قدم كونه كاذبا (وفيه مبالغة في التحذير وإظهار للإنصاف وعدم التعصب ولذلك قدم كونه كاذباً أو يصيبكم ما يعدكم من عذاب الدنيا وهو بعض مواعيده كأنه خوفهم بما هو أظهر احتمالاً عندهم) (72). ومن تخير المفردات أن المؤمن قال : "مسرف" بدلا من "مسرفين" ، (وإنما جاز إبدال الجمع إلى المفرد لأنه في معنى الجمع كأنه قال: "كل مسرف")(73). وعلى أسلوب العرب في إقامة الجزء مقام الكل ترد لفظة "بعض بدلا من "كل" في قول المؤمن (وَإِن يَكُ صَادِق ا يُصِبْكُم بَعْضُ الَّذِي يَعِدُكُمْ...) جريا على أسلوب العرب في مجازاتهم فـ(البعض قد

عدد الصفحات ١٣

الماجد 14 يستعملفي موضع الكل تلطفاً في الخطاب وتوسعاً في الكلام، كما قال الشاعر(74): قد يُدرِكُ المتأني بَعضَ حاجَتِهِ وقد يكونُ مع المُستَعجِلِ الزَّلَلُ ومجيء "بعض" هنا من أسرار النظم وإعجازه؛ لأن المؤمن سلك معهم طريق المناصحة لهم والمداراة، فجاء بما هو أقرب إلى تسليمهم، وأدخل في تصديقهم له، ليسمعوا منه ولا يردوا عليه نصيحته)(75)، ونظيره قوله تعالى: (وإنا وإياكم لعلى هدى أو في ضلال مبين). (76) ويتضمن التعريض في مختتم الآية الكريمةإِنَّ اللَََّّ لََّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ ) اتجاها تأويليا ذا بنية متضاد ة، الأول: أن يكون المقصود "موسى" – عليه السلام - فهو "مسرف" على نفسه "كذاب" على ربه، ويكون هذا من قول المؤمن. والآخر: أن يكون المقصود "فرعون" فهو "مسرف" في عناده كذاب في ادعائه، ويكون هذا من قول الله تعالى(77)، أي أن النص مبني على التورية (فأوهم فرعونَ أنه أراد بقوله: "إِنَّ اللَََّّ لََّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ " أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون، لأن المسرف الكذاب هو فرعون... فلما قال "فرعون": " ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى " أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق)(78). ومن تناسب المعاني في كلام المؤمن، تناسب الحكم و دليله، فحين قال: "وَمَن يُضْلِلِ اللََُّّ فَمَا لَهُ مِنْ هَاد " (ذكر لهذا مثلاً، وهو أن يوسف لما جاءهم بالبينات الباهرة، فأصروا على الشك والشبهة، ولم ينتفعوا بتلك الدلائل) (79)، وقد تضمنت الآية الكريمة أنواعاً من الاحتجاج البلاغي، فالأول في قوله ( وَقَدْ جَاءكُم بِالْبَي ِنَاتِ مِن رَّب ِكُمْ ...) فقد أضاف "رب" إليهم (بعد ذكر البينات احتجاجاً عليهم واستدراجاً لهم إلى الاعتراف به ثم أخذهم بالاحتجاج من باب الاحتياط فقال: "وَإِن يَكُ كَاذِب ا فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ ...")(80)، وقال: ("وإن يك كاذبا" قاله تلطفا ولم يقله شاكا) (81). وفي المراد بقوله "البينات قولان: (أن المراد بالبينات قوله: " { مُّتَفَر ِقُونَ خَيْرٌ أَمِ اللَّ ُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ يوسف:39". والثاني: المراد بها المعجزات، وهذا أولى)(82)

عدد الصفحات ١٤

الإعجاز البياني في قصة مؤمن آل فرعون ِ 15 ويبدو التعريض لازمة أسلوبية في غالب كلام المؤمن، فهاهو يعر ِض في خاتمة الآية بفرعون فيقول: "إِنَّ اللَََّّ لََّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ ". ذلك أن فرعون، "مسرف" حيث قتل الأبناء بلا جرم، "كذاب" حيث ادعى الألوهية، ولذا لا يهديه الله سبيل الصواب(83). و تعارض بين هذا ، وبين أن يكون في الخاتمه تورية أي: (عني بالمسرف موسى وهو يعني به فرعون)(84). وذهب بعضهم إلى أن تلك التورية مؤقتة اضطر إليها المؤمن إلى حين، ثم أعرض عنها وأفصح عن مقصوده (فأوهم فرعون أنه أراد بقوله: "إنَّ اللََّّ لََّ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْ رِفٌ كَذَّابٌ " أنه يريد موسى وهو إنما كان يقصد به فرعون، لأن المسرف الكذاب هو فرعون.... فلما قال فرعون: "ذَرُونِي أَقْتُلْ مُوسَى " أزال الكتمان وأظهر كونه على دين موسى، وشافه فرعون بالحق)(85)، ومما يؤكد التعريض بفرعون في الآية الكريمة أن المؤمن يقول لقومه: لو كان موسى مسرفاً كذاباً لما هداه الله إلى البينات، ولما عضده بتلك المعجزات...، وأن من خذله الله وأهلكه فلا حاجة لكم إلى قتله ولعله أراد به المعنى الأول وخيل إليهم المعنى الثاني لتلين شكيمتهم وعرض به لفرعون بأنه مسرف كذاب (86)، ومن بلاغة حديث المؤمن أنه ( لما توسم نهوض حجته بينهم وأنها داخلت نفوسهم، أمن بأسهم وانتهز فرصة انكسار قلوبهم فصارحهم بمقصوده من الإيمان بموسى)(87). ثم صدَّر المؤمن تذكيره ببيان حسن حال قومه ، ونعمة الملك والظهور فقال: ﴿يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ الْيَوْمَ ظَاهِرِينَ فِي الأَْرْضِ ... ﴾، ثم وعظهم وذكرهم ﴿فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللََِّّ إِنْ جَاءنَا ...﴾ (ولما خيلهم بهذا الكلام الذي يمكنه توجيهه، شرع في وعظهم إظهاراً للنصيحة لهم والتحسر عليهم )(88). ومن لطيف المعاني أن المؤمن نسب إليهم وحدهم ما يسرهم من الملك والظهور في الأرض إليهم خاصة، وأدخل نفسه معهم فيما يسوؤهم من مجيء بأس الله تعالى تطبيباً لقلوبهم وإيذاناً بأنه ناصح لهم. (89) وعلى أسلوب الإطناب يكرر المؤمن نداءه البليغ: "يَا قَوْمِ " نصحا وتلطفا لقومه، ليكون أوقع في نفوسهم، ثم تخير ضمير الجمع فجعل نفسه واحدا منهم قال الزمخشري: (وقال "يَنصُرُنَا" و"جَاءنَا" لأنه منهم في القرابة، وليعلمهم بأن الذي ينصحهم به هو مساهم لهم

عدد الصفحات ١٥

الماجد 16 فيه)(90)، وفي الآية تحول أسلوبي هو "الالتفات"(91)، حين انتقل من ضمير الخطاب " لَكُمُ " إلى ضمير التكلم " يَنصُرُنَا" فقال: "فَمَن يَنصُرُنَا مِن بَأْسِ اللََِّّ ..." و(هذا كلام قريب شفيق ولأن بني اسرائيل حينئذ كانوا أذلاء بحيث لا يتكلم أحد منهم بمثل هذا الكلام) (92) ومن بلاغة التناسب في المعاني ، أن المؤمن جمع بين التذكير بالدلائل والتخويف بعذاب الله، قال الرازي: (اعلم أن مؤمن آل فرعون لما أقام أنواع الدلائل على أنه لا يجوز الإقدام على قتل موسى، خوفهم في ذلك بعذاب الله فقال: "يَا قَوْمِ لَكُمُ الْمُلْكُ ...")(93) .وفي الكلام تعريض خفي فا: "المقصود تخويف فرعون من زوال ملكه ، ولكنه جعل الملك لقومه، لتجنب مواجهة فرعون بغرض زوال ملكه(94). كما أن في كلام فرعون ما يدل على خوفه من قو ة بيان المؤمن فقاطعه، وقد (علم فرعون ظهور حجته فقال : "ما اريكم إلا ما أرى...")(95). ويرد أسلوب الفصل(96) في قوله: "ما أريكم إلا ما أرى" (لحكاية كلام فرعون عقب كلام مؤمن ال فرعون بدون عطف بالواو في قوله "قال فرعون ما أريكم إلا ما أرى ...")(97). وظاهر أن علة مجيء كلام فرعون على أسلوب: الفصل بلا عاطف هو (تفطن فرعون إلى أنه المعرَّض به في خطاب الرجل المؤمن قومه، فقاطعه كلامه... ولكون كلام فرعون صدر مصدر المقاطعة لكلام المؤمن جاء فعل قول فرعون مفصولا غير معطوف ، وهي طريقة حكاية المقاولات والمحاورات)(98). ويقرر لسا معيه مَنْ هو الناصر لهم من بأس الله ، وهذه الأقوال تقتضي زوال هيبة فرعون، ولذلك استكان فرعون ورجع يقول: "ما أريكم إلا ما أرى"(99). ومن أساليب الإطناب التي تشيع في قصة المؤمن: التكرار في نداء قومه، لما يتضمنه التكرار من إظهار حدبه وحرصه على قومه، ثم مضى في التذكير بالآيات منصرفاً عن موسى ودعوته؛ لأنها لا تقبل الجدل لصحتها، ولا أجدى من ذكر المعاقبين الغابرين، قوم نوح وعاد وثمود، وفق سرد يتناسب والترتب الزمني بادئا بالأقدم فالأقدم، وهو ما يتضمن إشارة جلية إلى ثقافة تاريخية سائدة بين تلك الأمم الغابرة رغم تباعدهم زمانا ومكانا، ذلك أن المؤمن لن يخاطب قومه إلا بما يعرفون ليتم المقصود. ويكرر المؤمن النداء أخرى: "وَيَا قَوْمِ إِن ِي

عدد الصفحات ١٦