المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

مجلة البحوث والدراسات القرآنية إصدار خاص 001

ملتقى مجمع الملك فهد

صفحة ١ من ٥

279 يرصد البحث البدايات الأولى للخط العربي، وكيف اتخذ الصحابة كتبةُ الوحي هذا الخط وسيلة لكتابة المصحف الشريف، وتحدث عن ارتباط الخط بالدولة الإسلامية وتطور وظائفها، وتحدث عن العلاقة بين الخط والعمارة، كما تحدث عن العمارة الإسلامية المبكرة في العهود: الراشدي والأموي والعباسي، وأظهر البحث تطبيقات للخط العربي في عمارة الشطر الشرقي من العالم الإسلامي، وفصّل في ازدهار حركة البناء والإعمار في أثناء حكم السلاجقة والمغول وتحدث عن الخط في العمارة الصفوية والعثمانية والمصرية وفي شمال إفريقيا والمغرب والأندلس. وأظهر البحث ((((((العلاقة الأصيلة بين الخط والعمارة. البحث المذكور كان مدرجاً لنشره في العدد السابع الخاص ((( خطاطي المصحف الشريف في العالم بالعدد الثامن نظراً لذلك. (*) أستاذ العمارة والفنون الإسلامية بجامعة الدمام.

عدد الصفحات ١

280 مقدمة الحديث عن الخط العربي والعمارة الإسلامية حديث مفعم بالعواطف والمشاعر والوجدان. فالخط يسري في عروق الثقافة والحضارة والعمارة الإسلامية كما تسري الدماء في العروق. الحديث عن الخط والعمارة حديث عن أهم صورتين من صور الإبداع الحضاري للعرب والمسلمين. لقد حلق الفكر والعقل والوجدان الإسلامي في سماء الحضارة بجناحيه: الخط والعمارة. الحديث عن الخط والعمارة الإسلامية حديث عن ترابط أزلي ولد منذ نشوء الإسلام وتطور بتطوره. وقد ارتبط الاثنان ببعض إلى درجة أصبح من الصعب تصور العمارة الإسلامية في غياب الخط، تماماً كما أصبح من الصعب تصور الخط العربي بدون العمارة. إنه ترابط عضوي يضرب بجذوره عميقاً في تاريخ الحضارة الإسلامية. وبالرغم من أن العمارة كانت الحاضن الأكبر للخط العربي إلا أن الخط فن عابر للأوساط الثقافية. فقد كان حاضراً بقوة في فنون السجاد والفخار والمقتنيات الشخصية. وهذا يؤكد الدور الحاسم الذي (((والمصنوعات المعدنية والنقود لعبه الخط في إضفاء وحدة ثقافية متجانسة على كافة أنواع الفنون الإسلامية بدءاً من العمارة وصولاً إلى أدق تفاصيل هذه الفنون. منذ اللحظات الأولى لبزوغ فجر الإسلام كان للكلمة المقروءة والمكتوبة دور حاسم في انتشاره. فقد كانت القراءة التكليف الإلهي الأول الذي حمله جبريل إلى النبي الكريم ﷺ. هنا تم رسم الدور الحاسم للكلمة المقروءة والمكتوبة. ومن هنا اكتسب فعل القراءة والكتابة أهميتهما في الإسلام. فهذه القراءة والكتابة ليست لشيء اعتيادي مألوف. إنها قراءة وكتابة للقرآن الكريم: الوحي المنزل. وهنا يتحدد عبد العظيم، محمد، الكتابات والزخارف على النقود والتحف المعدنية في العصر المملوكي ((( البحري، مركز الملك فيصل للبحوث والدراسات الإسلامية،

عدد الصفحات ٢

28( الدور التاريخي المرسوم للقراءة والكتابة. فقد نزل القرآن الكريم في مجتمع أمي وهنا تعاظم دور القراءة والكتابة. فقد أصبح حملة الدين الجديد مكلفين بقراءة المنزل فقد تحدد معه أيضاً دور اللغة ]﴾﴿ الحاملة للقرآن قراءة وكتابة: العربية. غير أن رسالة الدين الجديد لم تكن تهتم بكتابة الوحي المنزل فقط، بل كانت تهتم أيضاً بتدوينه بأجمل خط وبأبهى حلة، وكان فن . كما اهتمت أيضاً بإعمار الأرض وبنائها (((التذهيب والتزويق مرادفا للخط العربي ومن هنا انتقلت الكتابة من وسيط (الورق) إلى وسيط آخر (البناء) وبقية أنواع الفنون. ضمن هذه السياقات الجنينية يمكن فهم الدور المركزي للخط في صلب الثقافة والحضارة الإسلامية وتأتي العمارة في مقدمتها. ترى كيف تم هذا الارتباط الحميم بين الخط والعمارة. وما هي الآليات الثقافية التي ساهمت في ذلك، وكيف انتقل الخط من مجرد وسيلة للكتابة من على جلود الحيوان وأوراق البردي والورق إلى العمارة وأصبح الفن الأول في الحضارة الإسلامية. في هذا البحث سوف نحاول الإجابة عن هذه الأسئلة وذلك باتباع منهج مبسط يعتمد على استقراء علاقة الخط بالعمارة كما تجسدت تاريخياً في عدد من المباني التي أصبحت بمرور الزمن شواهد حضارية على مكانها وزمانها في مختلف أنحاء العالم الإسلامي. وتعتبر إعادة العلاقة المتلازمة بين الخط والعمارة بما يتناسب ومتطلبات العصر الهدف الرئيسي من وراء إجراء هذا البحث. ونظراً لسعة الموضوع وتشعبه ومنعاً لأن يكون هذا البحث مجرد مسح سريع ومقتضب عن الخط في العمارة، فقد اقتصر هذا البحث على دراسة الخط العربي ضمن الدسوقي، شادية، فن التذهيب العثماني في المصاحف الأثرية، دار القاهرة، (((

عدد الصفحات ٣

282 المباني التذكارية (المساجد والمدارس والقصور والمزارات الدينية) ولنفس السبب يتم التطرق إلى المساكن في هذه الدراسة والتي على أية حال لم يتطور فيها الخط كما تطور في المباني التذكارية. أما في المباني العسكرية والمشافي وبعض أنواع البناء الأخرى وبحكم وظيفتها فقد بقي الخط فيها موضعياً مما يجعلها خارج نطاق هذه الدراسة. كما أن الدراسة لم تأت على ذكر الخط في الفنون الإسلامية الأخرى كالسجاد والفخاريات إلا لماماً، نظراً لأن الخط في هذه الأوساط بحاجة إلى دراسات أخرى (((والمنمنمات خاصة بها. ونظراً لاتساع العالم الإسلامي ولاختلاف أشكال البناء من مكان إلى آخر فقد تم إهمال بعض الأقاليم ليس عن عمد ولكن لأن ازدهار الخط العربي بعمائرها التذكارية لم يتم الكشف عنه بعد كما هو الحال في اليمن وبعض المناطق الحدودية في العالم الإسلامي. ونظراً لقلة البحوث العلمية التي ترصد الخط في العمارة بأسلوب تحليلي، فإن هذه الدراسة قد أولت العمارة جانباً أكثر من الخط باعتبار أن الخط خارج نطاق العمارة قد حظي بقدر لا بأس به من الدراسات على الأقل بما يشكل قاعدة أساسية لإجراء بعض الدراسات كهذه التي نحن بصددها الآن. الخط العربي: مقدمة عامة: مثار جدل كبير بين ((شكل ( مازالت البدايات الأولى للخط العربي الباحثين. هناك من يعيد الخط العربي إلى اللغات الجنوبية القديمة كالمسند والحميري، وهناك من يعيده إلى اللغات الشمالية كالنبطية والآرامية. غير أنه من المؤكد أن بلاد الشام والعراق قد شهدت ومنذ فجر الخلافة الإسلامية البدايات الأولى للكتابة بالعربية. حميدة، محمد، عمائر المنمنمات الإسلامية، دائرة الثقافة والإعلام، حكومة الشارقة، الإمارات ((( العربية المتحدة،

عدد الصفحات ٤

283 (فوق): صورة لرسالة النبي محمد ﷺ إلى المنذر بن ساوي ملك البحرين، وهي محفوظة اليوم في متحف طوبكابي في أسطمبول. وقد نقلها له علاء بن حضرمي. (تحت): صورة لنسخة أصلية من رسالة النبي محمد ﷺ إلى هرقل أمبراطور الروم البيزنطيين، وكان في دمشق حينذاك، نقلها دحية بن خليفة الكلبي إلى قائد جيوشه، وتعود هذه النسخة إلى الفترة ما بين القرنين الثاني والثالث الهجريين. شكل ( الحديث هنا عن إلى موطنه – أرض الإسلام الأولى – القادم من الحجاز والمدينة المنورة (((هذا الخط الثاني: الكوفة. ومنذ ذلك الحين سمي باسمها وهكذا شاع في التاريخ والأمصار. الكتابات الصخرية بالخط الكوفي المبكر منتشرة في الحجاز وفي كافة أنحاء المملكة العربية ((( السعودية. انظر في هذا السياق: أطلال، حولية الآثار العربية السعودية، العدد

عدد الصفحات ٥

284 خط يابس قائم الزاوية((شكلمن الناحية البصرية والهندسية، الخط الكوفي عريض الحجم ضربته كبيرة وقد اتسم بالأفقية المفرطة وكان يستهلك مساحات كبيرة من الأسطح التي كان يكتب عليها. والخط الكوفي هو من التنوع والكثرة والتحول بحيث إنه يصعب الإحاطة بكافة أنواعه فهو يتخذ أشكالاً مختلفة في أماكن مختلفة وبأدوات مختلفة من الكتابة. نماذج من الخط الكوفي (أعلى يمين): مخطوطة غير منقوطة تعود إلى القرن الأول الهجري كتبت بالخط الكوفي اليابس. (أعلى يسار): مخطوطة منقوطة ومشكلة تعود إلى القرن الثاني الهجري، (أسفل): نماذج مختلفة للخط الكوفي: من الأعلى إلى الأسفل: كوفي مبكر، كوفي مشرقي، كوفي مورق، كوفي مظفر، كوفي مربع. شكل

عدد الصفحات ٦

285 ونظراً لطبيعته التذكارية الضخمة، وبمرور الوقت، ونظراً لكثرة الإقبال ع القراءة والكتابة ولمواكبة سرعة التواصل بين أقاليم الدولة حديثة النشأة منذ عهد الخلافة الراشدة مروراً بالدولة الأموية فالعباسية أصبحت الحاجة ماسة إلى اتباع خطوط أخرى تتسم بالمرونة والصغر وسرعة الكتابة. هكذا بدأ الخط الكوفي يفسح المجال لمجموعة أخرى من الخطوط أهم ما يميزها أنها خطوط منحنية (لينة) جلية (كبيرة) ذات نسب متوازنة يغلب عليها العمودية في اتجاهها. تأتي كل هذه الخواص على عكس الخط الكوفي اليابس الأفقي ذي القوائم الزاوية. أهم هذه الخطوط الريحا وكتب التاريخ ((شكليمكن إدراجها ضمن هذا السياق. وقد كتبت المصاحف بهذه الأقلام. سورة الفاتحة وقد كتبت بخط النسخ. شكل

عدد الصفحات ٧

286 هكذا حدث التحول الكبير في مسيرة الخط العربي. وكما هو معروف سلفاً فإن الخط العربي في بداياته لم يكن منقوطاً أو مشكلاً كما نعرفه اليوم. إن تنقيط الحروف وتشكيلها حاجة أملتها الضرورة للتمييز بين الحروف المتشابهة عندما تم تحويرها من هو أول من (((الكوفي اليابس إلى مجموعة الخطوط تلك. وقد كان أبو الأسود الدؤلي نقط الخط العربي في حين أن الخليل بن أحمد الفراهيدي هو أول من شكله. يتميز خط الثلث بكبر حجمه وليونته وبخضوعه لنظام تناسب صارم. وهو نوعان سيد الخطوط العربية وأصعبها إجادة وهو لذلك أجملها على الإطلاق. وهو في سياق تطور الخط العربي المكافئ التذكاري للخط الكوفي، ولكن بعد تطوره عن خط النسخ. يستخدم خط الثلث للعناوين المهمة والأسماء الأعلام ولذلك فقد كتبت به أسماء السور في القرآن الكريم. ونظراً لتذكاريته ولجماليته فقد أصبح إلى جانب الخط الكوفي أهم أنواع الخطوط المطبقة في العمارة الإسلامية. ويقترن بخط الثلث الخط الريحاني والخط المحقق، وهما شكلان مبكران من أشكال خط الثلث قبل أن يأخذ هذا الأخير شكله النهائي. أما خط الطومار فهو خط ربما كان سابقاً لخط الثلث إذ أنه يتميز عنه بكبر حجمه طولاً وعرضاً، وربما كان يكتب بثلثي عرض القلم أي بضعف حجم قلم الثلث. وعلى النقيض من الطومار هناك خط ذرات من غبار. هكذا يتبين لنا أن مجموعة الخطوط هذه أصلها واحد وإنها تحولات نوعية لبعضها البعض وقد أخذت وقتاً طويلاً لكي يأخذ كل منها شكله الخاص به، وقد . (((سادت مجموعة الخطوط هذه في الدولة العباسية وانتشرت في معظم الدول العربية النجار، فخري، الخليل بن أحمد الفراهيدي، آراء وإنجازات لغوية، دار صفا للنشر والتوزيع، عمان، ((( الأردن، داغر، شربل، مذاهب الحسن: قراءة معجمية تاريخية للفنون في العربية، المركز الثقافي العربي، ((( بيروت، لبنان،

عدد الصفحات ٨

287 وبعد أن قطع الخط العربي المنقوط رحلة تاريخية تنوعت فيها أقلامه، ولد . ((شكلخط النسخ من مجموعة الخطوط هذه وهو خط القرآن الكريم ونظراً لأن الكتابة تبقى تجربة فردية تختلف من شخص إلى آخر ومن ثقافة إلى أخرى، فقد نشأت هناك في طول العالم الإسلامي وعرضه أنواع مختلفة من خط النسخ، وكثيراً ما عرفت هذه الخطوط بأسماء الأقاليم الجغرافية التي ازدهرت فيها. من هذه الأقلام الفرعية لخط النسخ ما انقرض، ومنها مازال يستخدم إلى اليوم. ولذلك فقد تطور – كما سنبين لاحقا – غير أن الكتابة ضرب من ضروب الفن ((شكلمن خط النسخ خط النستعليق. وكما يتضح من تسميته فإن خط النستعليق هو خط نسخ معلق. التعليق هنا تطور حدث على خط النسخ أصبحت معه حروف وكلمات هذا الخط تبدو وكأنها معلقة. يتميز خط التعليق بتغير سماكة وعرض حروفه من بداية كتابة الحرف يبدو – نظراً لخاصية تغير سماكته باستمرار – الواحد وحتى الانتهاء منه وهو وكأنه معلق بالفعل. إنه خط حركي دائماً ما يغير شكله. وقد ازدهر خط التعليق في بلاد فارس وأصبح يعرف لاحقاً بالخط الفارسي. وتبقى الأسباب التي أدت إلى نشوء خط التعليق وانسلاخه عن خط النسخ مرتبطة بأسباب ثقافية لعل من أهمها التأثير الصيني والهندي على الثقافة الفارسية وطريقتها في الكتابة وهو ما أدى في النهاية إلى أن أصبح خط التعليق الخط المهيمن في بلاد فارس وما جاورها في شمال شرق الهند وأجزاء واسعة من أواسط آسيا. ومن خط التعليق نشأت أقلام محلية أخرى من أهمها الخط الشكستة، وهو خط متأخر نسبياً وقد ازدهر في شبه القارة الهندية.

عدد الصفحات ٩

288 البسملة بخط النستعليقشكل (فوق): خط الثلث، (وسط): خط ريحاني، (وسط): خط محقق، (أسفل): خط طومار. شكل وبقدوم العثمانيين الأتراك واعتلائهم سدة الخلافة الإسلامية ونظراً للطبيعة تطوراً غير مسبوق. ((شكلالمؤسسية لدولتهم فقد شهد الخط العربي في عهدهم

عدد الصفحات ١٠

289 فقد انتقلت الخطوط السالف ذكرها: النسخ والثلث والريحاني والإجازة والتعليق من الإتقان والجمال البصري. كما ابتدع العثمانيون (((وكذلك النسخ إلى آفاق جديدة خط الديواني بشقيه الديواني والجلي، وإليهم ينسب هذا الخط. وقد سمي الخط الديواني بهذا الاسم لارتباطه بالديوان السلطاني. وتعت مطوراً من أشكال خط الثلث. لقد كانت الفترة العثمانية هي الفترة الذهبية لازدهار الخط العربي بكامل أقلامه، ويحفظ لنا التاريخ من أسماء الخطاطين العثمانيين أكثر مما يحفظ لنا من أسماء غيرهم من الخطاطين المسلمين. وهناك قول مأثور يدل على علو كعب الأتراك في الخط العربي، فقد قيل مصري، وكتب بأيد عثمانية خطوط عثمانية متعددة.شكل وباعتباره نشاطاً تعليمياً ثقافياً فقد ارتبط الخط بالدولة، وكان تطوره ملازماً لتطور الدول ونهوضها في العالم الإسلامي. لقد كانت الدولة بحاجة زايد، أحمد صبري، تاريخ الخط العربي وأعلام الخطاطين، دار الفضيلة، القاهرة، (((

عدد الصفحات ١١

290 للخط لتسيير أمورها وإدارتها. فبدون الكتابة لا يمكن لدواوين الدولة أن تعمل بكفاءة. ولولا الخط لما أمكن نشر رسالة الإسلام وآدابه وعلومه. ونظراً لكبر حجم الدولة الإسلامية فقد تعاظم دور الخط للربط بين أجزائها الواسعة. وقد كان الخلفاء وعمالهم في الأقاليم يتسابقون في البحث عن الخطاطين وتوزيرهم. الذي يعتبر مؤسس فن الخط العربي مثال على (((ولنا في قصة الوزير ابن مقلة ذلك. لقد كان الخطاط أكثر من مجرد صاحب خط جميل. لقد كان موسوعياً في الفقه واللغة والأدب. ولذلك فقد تسنم الخطاطون أعلى المناصب الإدارية في الإسلام. كما أن الخط يعلم كاتبه الأدب والصبر والأناة وإجادة العمل وإتقانه. الخط ثقافة تعلم معتنقها كل ما هو جميل في الحياة. ومن بين كافة المنتسبين إلى جهاز الدولة الإداريين من حرفيين ومن في حكمهم حفظ لنا التاريخ الإسلامي أسماء الخطاطين العظام الذين يعود إليهم الفضل في تطوير الخط العربي إلى أن وصلنا فناً عربياً خالصاً. من هؤلاء الخطاطين: ابن مقلة، ابن البواب، ياقوت المستعصمي. وفي العصر العثماني اشتهر أربعة خطاطين عما سواهم وهم: حمد الله الأماسي، الحافظ عثمان، مصطفى راقم، حامد الآمدي. وتعتبر أعمال هؤلاء الخطاطين الأربعة القمة في خط الثلث. وفي كل بلد عربي هناك أعداد كبيرة من الخطاطين لا يتسع المجال لذكرها هنا. هذه لمحة خاطفة لمسيرة تاريخ الخط في الثقافة الإسلامية وهي مقدمة بحاجة إلى مجلدات للخوض في تفاصيلها. لكن ما يهمنا هنا هو التأكيد على أن الخط العربي في كل أشكاله تلك كان يتطور ويتحول ضمن سياقات تاريخية وجغرافية وكان يستجيب لها باستمرار. لقد كان فناً مرناً قادراً على الاستجابة لمعطيات العصر وهو ما ساهم في استمراره عبر العصور. زايد، مرجع سابق، ص (((

عدد الصفحات ١٢

29( ونظراً لمكانته العالية في الثقافة العربية والإسلامية، فقد قيل في الخط الكثير، وهذه بعض الاقتباسات التي تدل على مكانته السامية. فقد قال قائل: وب وت وقيل أيضاً: وَيْبقى ال ي ويقول الخليفة المأمون أنواع الخط، يقرأ في كل مكان، ويترجم بكل لسان، ويوجد في كل زمان عن الخط العر القرطاس، ولمعان الأنفاس، وحبس الأنفاس بين الخط والشعر فيقول: إذا كان الرسم ضرباً من الشعر الذي يرى ولا يسمع، والشعر . (((ضرباً من الرسم الذي يسمع ولا يرى، فالخط هو اليد الشاعرة التي تسمع وترى العمارة العاقة بين الخط والعمارة: الوظيفية والتناسب: هناك جانبان رئيسيان يربطان بين الخط والعمارة. يتمثل الجانب الأول في مبدأ « للكلمة لابد له من وظيفة يؤديها ألا وهي توصيل الكلام قراءة وكتابة. فبدون القدرة داغر، شربل، مرجع سابق، ص (((

عدد الصفحات ١٣

292 على قراءة الخط يصبح الخط عندئذ فناً زخرفياً خالياً من أي وظيفة. وكذلك الحال العمارة. فقبل أن تكون فناً يجب أولا أن تؤدي وظيفتها التي بنيت من أجلها. سواء أكان البناء مسكناً أم مدرسة أم مسجداً... الخ. بدون تحقيق العمارة لوظيفتها فإنها تبقى حبراً على ورق. تماماً كما هو الحال في الخط الذي يتحول في حالة عدم القدرة على قراءته إلى فن زخرفي. إن ارتباط كل من الخط والعمارة بالوظيفة يجعل كلا منهما فناً خاصاً يفوق بمراحل كافة أنواع الفنون الأخرى. إن الحاجة الوظيفية للشيء تجعل منه شيئاً أساسياً في الحياة. إنه ملازم للوجود البشري باستمرار. ولذلك فالعمارة والكتابة نشاطان أساسيان منذ القدم إلى أن تقوم الساعة. ولأنهما كذلك فقد تحولت الإجادة فيهما إلى فن. وهنا تكمن الصعوبة في التوفيق بين ما هو وظيفي وبين ما هو فن بالمعنى الحرفي للكلمة. ربما لم يعرف الخط العربي حقه من الدراسة والنقد في هذا الجانب، وهنا يأتي دور علم سبر مكنونات الخط العربي وتقديمه وقراءته بصورة منهجية لفهم الكثير من جوانبه . (((المرتبطة بالمعاني الدفينة التي يحملها أما العمارة فقد أشبعت العلاقة بين وظيفيَّتها واعتبارها فناً نقداً وتحليلاً. على أن العمارة الإسلامية تحديداً ودور الخط فيها في هذه السياقات وغيرها فإنها مازالت .(((بحاجة إلى إجراء المزيد من الدراسات المعمقة في هذا الجانب المبدأ الثاني الذي يربط بين الخط والعمارة هو يفقد الخط العربي جماله ويصبح مجرد كتابة مرسلة خالية من أي قيمة جمالية. يقصد « شريف، سمير، اللسانيات، المجال، الوظيفة، المنهج، عالم الكتب الحديثة، عمان، الأردن، ((( بنكراد، سعيد، السيميائيات، مفاهيمها وتطبيقاتها، دار الحوار، اللاذقية، الطبعة الثانية، (((

عدد الصفحات ١٤

293 إلى عرضه وكل ما من شأنه التحكم في الخط شكلاً وحجماً. وإذا ما أخذ خط الثلث تتخذ ((شكلباعتباره الخط الأكثر خضوعاً لمفهوم التناسب فإننا نجد أن حروفه من النقطة مرجعاً لها. الألف والنقطة أساس التناسب في حروف الخط العربي.شكل فطول حرف الألف سبع نقاط وهو نفسه طول فتحة حروف الباء والتاء والثاء والفاء. ويبلغ اتساع حدقة حرف العين ثلاث نقاط فيما تبلغ المسافة بين

عدد الصفحات ١٥

294 رأس الواو المعطوفة وذيلها ثلاث نقاط. هكذا إذ أن لكل حرف تناسبه الخاص به. وهكذا أيضاً يتم التحكم في نسب الخطوط عند دمجها ببعض. إن من شأن الإخلال بهذه النسب أن يتسبب في فقدانه لجمالياته. إضافة إلى النقطة باعتبارها المرجع المرجع الأساس في التحكم برؤوس الحروف ومتونها ونهاياتها ودخولها في تراكيب متحولة باستمرار في نصوصها. وهناك عبارات كثيرة تؤكد على أهمية تناسب الحروف وقد صيغت نثراً. هذا عن تناسب الحروف فرادى. ولكن عندما تدخل الحروف في كلمات عندها يتحول الخط إلى مستوى آخر من الفن. هذا هو مبدأ( (شكل وهو يعني ببساطة ربط أحرف النص أو الكلمة المراد كتابتها في شكل مميز. هذا هو جوهر فن الخط وهو نفسه جوهر فن العمارة. هكذا يصبح كل من الخط والعمارة فن تكوين خاص. الخط فن تكوين الكلمات، والعمارة فن تكوين الفراغات. وإذا كانت الوظيفية والتناسب هما المبدآن المؤسسان لجماليات كل من الخط والعمارة فإن هذين المبدأين في الخط والعمارة ليتخذ كل منهما قيمته الجمالية. وفي مقابل النقطة التي تمثل الوحدة الهندسية في قياس جماليات الخط، فإن جسم الإنسان هو المرجع الأساس في قياس تناسب كتل وأحجام وفراغات العمارة. بالاستناد إلى ارتفاع الفراغ وعرضه وعلاقته بجسم الإنسان يمكن القول أن هذا فراغاً هذا بناءاً احتفالياً. وهكذا، وقد أشبع هذا الجانب دراسة ونقداً وتحليلاً مما يغني عن . (((المزيد من الإسهاب في هذا الجانب 1) Jordan, R., Western Architecture, Thames and Hudson, 1997CE, London.

عدد الصفحات ١٦