223 ومن الأثر ما ورد عن علي وابن عباس في قتلهم الزنادقة، لقول الرسول صلى الله عليه وسلم من بدل دينه فاقتلوه " (3)، والجهمية أفحش زندقة وأظهر كفرا منهم قال الدارمي: " ونكفرهم أيضا بكفر مشهور "، ثم ذكر من ذلك قولهم بخلق القرآن، وتكذيبهم لما أخبر الله تعالى أنه يتكلم متى شاء وكلم موسى تكليما، وهؤلاء ينفون عنه صفة الكلام فيجعلونه بمنزله الأصنام ال تي لا تتكلم، ثم بكفرهم في عدم إثباتهم لله تعالي ما أثبته لنفسه من الصفات: كالوجه والسمع والبصر والعلم والكلام. وبكفرهم في أنهم لا يدرون أين الله تعالى ولا يصفونه بإ ين ولا يثبتون له مطلق الفوقية الثابتة بالنصوص الصريحة في كتاب الله تعالى وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم ". كما أورد الدارمي جملة من أسماء الذين حكموا بكفر الجهمية صراحة، ومنهم: سلام بن أبي مطيع، وحماد بن زيد، ويزيد بن هارون، وابن المبارك، ووكيع، وحماد بن أبي سليمان، ويحي بن يحيى، و أبو توبة الربيع ابن نافع، ومالك بن أنس. * * * * * * * * * * * * * * (3) أخرجه البخاري 6/ 149، وأبو داود4/ 520، والترمذي4/59، والنسائي7/ 104، وابن ماجة2 /848. وقال الترمذي : حديث حسن صحيح
عدد الصفحات ٢٢٣224 الباب الثالث عشر المعت لة وتشمل دراستهم الفصول الآتية: 1- الفصل الأولنشأتهم. 2- الفصل الثاأسماؤهم وسبب تلك التسميات. 3- الفصل الثالثمشاهير المعتزلة. 4- الفصل الرابعذكر أهم عقائد المعتزلة إجمالا . 5- الفصل الخامسالأصول الخمسة للمعتزلة، وبي انها والرد عليها، ويشمل: 1. التوحيد 2. العدل 3. الوعد والوعيد 4. القول بالمنزلة بين المنزلت 5. الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر
عدد الصفحات ٢٢٤225 الباب الثالث عشر المعت لة الفصل الأول نشأتهم المعتزلة أسم يطلق على فرقة ظهرت في الإسلام في القرن الثاني الهجري ما بين سنة 105 وسنة110ها، بزعامة رجل يسمي واصل بن عطاء الغزال. نشأت هذه الطائفة متأثرة بش الاتجاهات الموجودة في ذلك العصر، وقد أصبحت ا لمعتزلة فرقة كبيرة تفرعت عن الجهمية في معظم الآراء، ثم انتشرت في أكثر بلدان المسلمين انتشارا واسعا، وعن كثرتهم وانتشارهم يقول الشيخ جمال الدين القاسمي: " هذه الفرقة من أعظم الفرق رجالا وأكثرها تابعا، فإن شيعة العراق على الإطلاق معتزلة، وكذلك شيعة الأقطار الهندية والشامية والبلاد الفارسية، ومثلهم الزيدية في اليمن، فإنهم على مذهب المعتزلة في الأصول كما قاله العلامة المقبلي في " العلم الشامخ "، وهؤلاء يعدون في المسلمين بالملايين. بهذا يعلم أن الجهمية المعتزلة ليسوا في قلة، فضلا عن أن يظن أنهم انقرضوا وأن لا فائدة في المناظرة معهم، وقائل ذلك جاهل بعلم تقويم البلدان ومذاهب أهلها " (1) . وهناك روايات يذكرها الباحثون في كيفية نشأة المعتزلة إذ يرى بعض العلماء أن أصل بدء الاعتزال كان في زمن الخليفة الراشد علي رضى الله عنه، حينما اعتزل جماعة من الصحابة كانوا معه السياسة، وتركوا الخوض في تلك الخلافات التي نجمت بين علي ومعاوية رضى الله عنهما، وهذا القول باطل لا صحة له، وقد أيده الشيخ محمد الطاهر النيفر (2) . ويرى أكثر العلماء أن أصل بدء الاعتزال هو ما وقع بين الحسن البصري وواصل بن عطاء من خلاف في حكم أهل الذنوب. (1) تاريخ الجهمية ص56 . (2) أنظر : كتابه أهم الفرق الإسلامية ص 33 .
عدد الصفحات ٢٢٥226 وقد ظهر قرن الاعتزال بمبادئه المعروفة من البصرة التي كانت مسكنا للحسن البصري ثم انتشر في الكوفة وبغداد، ومنها إلى شتى الأقطار والآفاق. ومما يذكر للمعتزلة أنهم كانوا شوكة قوية في صد مبادئ الزندقة، وقاموا بجهود كثيفة لنشر الإسلام، إلا أنهم لم يحسنوا التصرف إز اء القول بخلق القرآن وغيره من المبادئ التي عجلت باضطهادهم بعد قوتهم وشدة جانبهم. وقد تفرقت المعتزلة فرقا كثيرة، واختلفوا في المبادئ والتعاليم، ووصلوا إلى اثنين وعشرين فرقة، نترك ذكر تفاصيلها هنا، ونحيل من أراد التوسع في ذلك إلى كتب الفرق (3) . إلا أنه يجمعهم إطار عام وهو الاعتقاد بالأصول الخمسة: التوحيد على طريقة الجهمية والعدل على طريقة القدرية، والوعد والوعيد، والمنزلة بين المنزلتين، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر على طريقة الخوارج. * * * * * * * * * * * * * * (3) أنظار : مقااالات الشااعري، الملاال والنحاال للشااهر سااتاني، الفاارق بااين الفاارق للبغاادادي، التن بيااه والاارد للمطلاابي، التبصااير في أمااور الاادين للإساافراييني، الفصاال لاباان حزم.
عدد الصفحات ٢٢٦227 الفصل الثا أسماء المعت لة وسبب تلك التسميات يجد الباحث عن أسماء المعتزلة أن العلماء لم يتفقوا على تسمية واحدة للمعتزلة، ولم يقتصر كذلك المعتزلة على تسمية واحدة لهم. ومن أقوال العلماء في تسميتهم: 1. المعت لة : ويرجع سبب التسمية إلى اعتزال أول زعيم لهم وهو واصل ابن عطاء الغزالي إلى حلقة الحسن البصري حينما ألقي رجل سؤالا عن مرتكبي الذنوب فبادر واصل إلى الجواب قبل أن يجيب الحسن (1)، ومن هنا تطور الأمر إلى اعتزال واصل ومن معه حلقة الحسن البصري فسموا معتزلة على سبيل الذم من قبل المخالفين لهم، على أن هذا التعليل لتسميتهم ليس أمرا متفقا عليه بل هناك عدة تعليلات واعتراضات وأجوبة أخرى (2) . وقد أخذت المعتزلة مبادئ كثيرة عن الجهمية، فقد أخذت القول بنفي رؤية الله تعالى ونفي الصفات والقول بخلق القرآن. 2. تسمية المعت لة جهمية : ولهذا الاتفاق بين المعتزلة والجهمية في تلك المسائل العقدية، ولسبق الجهمية في الظهو ر، أطلق العلماء اسم الجهمية على المعتزلة، وذلك لأن المعتزلة هم الذين احيوا آراء الجهمية في مبدأ ظهورهم، حيث جاء المعتزلة ونفخوا في رمادهم وصيروها جمرا من جديد، ومن هنا استحق المعتزلة أن يطلق عليهم جهمية. فالجهمية أعم من المعتزلة فكل معتزلي جهمي، وليس كل جه مي معتزليا (3) . 3. تسميتهم بالقدرية بسبب موافقتهم القدرية في إنكار القدر وإسنادهم أفعال العباد إلى قدرتهم، وهم لا يرضون بهذا الاسم ويرون أنه ينبغي أن يطلق على الذين يقولون بالقدر (1) حيااث أجاااب بأنهاام في منزلااه بااين المناازلتين لا مؤمنااون ولا كااافرون، وفى الأخاارى هاام لاادون في النااار، الفااا بااذلك مااذهب الساالف القااائم علااى الحااق الموافااق للكتاب والسنة في أنهم تحت المشيئة. (2) أنظر : المعتزلة وأصولهم الخمسة وموقف أهل السنة منهم ص 14-21 . (3) أنظر : منهاج السنة1/344 .
عدد الصفحات ٢٢٧228 خيره وشره من الله تعالى لا عليهم، لأنهم لا يقولون بذلك، بل يقولون بان الناس هم الذين يقدرون أعمالهم. ولكن ابن قتيبة يرد عليهم ويرى أن نفي المعتزلة للقدر من الله تعالي وإضافته إلى أنفسهم يوجب أن يسموا قدرية، لأن مدعي الش يئ لنفسه أحق أن ينسب إليه (4)، وكان أول المتكلمين في القدر والمقررين له معبد الجهني وغيلان الدمشقي. 4. ومن أسمائهم الثنوية والمجوسية: وهم ينفرون من هذا الاسم، والذي حمل المخالفين لهم على تسميتهم به هو مذهب المعتزلة نفسه، الذي يقرر أن الخير من الله والشر من العبد، وهو يشبه مذهب الثنوية والمجوس الذي يقرر وجود إلهين: أحدهما للخير والآخر للشر. 5. الوعيديةوهو ما اشتهروا به من قولهم بإنفاذ الوعد والوعيد لا محالة، وأن الله تعالى لا خلف في وعده ووعيده، فلابد من عقاب المذنب إلا أن يتوب قبل الموت. 6. المعطلة : وهو اسم للجهمية أيضا ثم أطلق على المعتزلة لموافقتهم الجهمية في نفي الصفات وتعطيلها وتأويل ما لا يتوافق مع مذهبهم من نصوص الكتاب والسنة ، وإذا كانت تلك الأسماء لم يرتاحوا إليها ولا يحبون التسمية بها،فإن هناك أسماء أخر اختاروها لأنفسهم وأخذوا يدللون على الأفضل. وتلك الأسماء هي: 1. المعت لخخخخة : وقااااد ساااابق أنااااه اساااام ذم وهااااو كااااذلك إلا أن المعتزلااااة حينمااااا رأوا ولااااع الناااااس بتسااميتهم بااه أخااذوا ياادللون علااى أنااه اساام ماادح بمعاانى الاعتاازال عاان الشاارور والمحاادثات واعتزال الفتن والمبتدعين على حد قوله تعالى:﴿ واهجرهم هجرا جميلا ﴾ (1) . 2. أهل العدل والتوحيد أو "العدلية والعدل عندهم يعنى نفي القدر عن الله تعالى، أو أن تضااااف إلياااه أفعاااال العبااااد القبيحاااة، والتوحياااد عنااادهم يعااانى نفاااى الصااافات عااان الله تعالى، وتسميتهم بالعدلية اسم مدح اخترعوه لأنفسهم. (4) أنظر : تأويل تلف الحديث ص98 . (1) سورة المزمل 10 .
عدد الصفحات ٢٢٨229 3. أهل الحق لأنهم يعتبرون أنفسهم على الحق ومن عداهم على الباطل. 4. الفرقة الناجية لينطبق عليهم ما ورد في فضائل هذه الفرقة. 5. المن هخخون : لاازعمهم حااين نفااوا الصاافات أنهاام ينزهااون الله، وأطلقااوا علااى ماان عااداهم وخصوصا أهل السنة أسماء جائرة كاذبة مثل: القدرية – المجيازة – المشابه – الحشاوية – النابتة. سلطان المعت لة: ومهما كان، فلقد عظم أمر المعتزلة – الجهمية – واشتدت شوكتهم وقوى ساعدهم حينما استطاعوا اختطاف الخليفة العباسي المأمون إلى جانبهم، وحجبوا عنه كل فكر يخالف فكرهم، ووقع – رغم حبة للعلم والإطلاع – في يد أحمد بن ابي دؤاد، ومن ثم ناصر المعتزلة بكل ما لديه من قوة، بلا وأراد حمل كافة الناس على اعتناق المذهب المعتزلي، ورغب الناس فيه ورهبهم من تركه. ولقي المسلمون عنتا شديدا منه، وفتن كثير من الناس، وأوذي الكثير من العلماء الأجلاء وعلى رأسهم الإمام أحمد رحمه الله. " وتسمى هذه الفترة بمحنة خلق القرآن، وقد بلغوا الذروة ثم أخذوا ينحدرون عنها، فلما جاء المتوكل وجد نارا تتقد في كل مكان وامتحانات وضربا وتشريدا ونفيا، كل ذلك جلب السخط العام على رجال الدولة، فأبطل المتوكل القول بخلق القرآن وأبطل المحاكمات ليكتسب تأييد الر أى العام، وبذلك نصر المحدثين نصرا مؤزرا، ف أصبح القول بالاعتزال يتحدث به سرا بعد أن كان جهرا " (2) . الاتفاق بين المعت لة والقدرية ومن الجدير بالذكر أنه قد اتفقت مفاهيم المعتزلة مع القدرية في مسألة من أهم مسائل العقيدة، ألا وهى القدر وموقف الإنسان حياله، فذهبت المعتزلة والقدرية إلى القول بأن الله تعالى غير خالق لأفعال الناس، بل الناس هم الذين يخلقون أفعالهم بأنفسهم، وليس لله تعالى أي صنع في ذلك ولا قدرة ولا مشيئة ولا قضاء. وهذا تكذيب لله تعا لى ورسله عليهم الصلاة والسلام. (2) أنظر : أهم الفرق الإسلامية للنيفرص 34 .
عدد الصفحات ٢٢٩230 وقد حملهم على ذلك قلة علمهم وعدم تصورهم أن يكون الله تعا يأمر أو ينهى عن شيء وهو يعلم عاقبة ما سيئول إليه ذلك الش يء، فإن إثبات علم الله السابق ينافي أمره بالامتثال، وعلمه بالعصاة ينافى خلقه لهم وأمرهم بالطاعة كما يرى هؤلا ء. وكل هذا باطل، فإن الله تعالى يقول: والله خلقكم وما تعملون (1)، ويقول سبحانه وتعالى في نفاذ مشيئته: وما تشاءون إلا أن يشاء الله (2)، فمشيئة الإنسان ليست مستقلة عن مشيئة الله تعالى، والعبد مأمور بالامتثال ومنهي عن العصيان، وهو غير مسئول عن معرفة م ا في القدر والأمور المغيبة، وإثبات علم الله تعالى لا ينافى الأمر بالامتثال، وعلمه بالعصاة لا ينافى خلقه لهم وأمرهم بطاعته، فقد علم الله كل ما سيفعله إبليس، ولكنه أمره بطاعته وبالسجود لآدم، وعلم أن الناس سيكون منهم الطائع والعاصي ولكنه أمر الجميع بطاعته، والعباد أعجز من أن يخلقوا أفعالهم بأنفسهم دون قدرة الله ومشيئة وقضائه. * * * * * * * * * * * * * * * * ** (1) سورة الصافات 96 . (2) سورة التكوير 29 .
عدد الصفحات ٢٣٠231 الفصل الثالث مشاهير المعت لة القدرية الجهمية ظهر في المعتزلة الجهمية رجال كان لهم أثر بارز في انتشار أفكارهم وذيوعها بين الخاصة والعامة، فكان منهم المناظرون الخصمون والمؤلفون، بل ووصلوا إلى أخذ السلطة، واستجلاب الخلفاء إلى مبادئهم، كما سبق. ومن رجالهم المشاهير. 1- بشر بن السري 2- ثور بن زيد المد 3- ثور بن يزيد الحمصي 4- حسان بن عطية المحار 5- الحسن بن ذكوان 6- داود بن الحص 7- زكريا بن إسحاق 8- سالم بن عجلان 9- سلام بن عجلان 10- سلام بن مسك 11- سيف بن سليمان المكي 12- شبل بن عاد 13- شريك بن أبي نمير 14- صالح بن كيسان 15- عبد الله بن عمرو 16- عبد الله بن أبي لبيد 17- عبد الله بن أبي نجيح 18- عبد الأعلى بن عبد الأعلى 19- عبد الرحمن بن إسحاق المد 20- عبد الوارث بن سعيد الثوري 21- عطاء بنأبي ميمونة 22- العلاء بن الحا رث 23- عمرو بنأبي زائدة 24- عمران بن مسلم القص 25- عمير بن هاء 26- عوف الأعرا 27- كهمس بن المنهال 28- محمد بن سواء البصري 29- هارون بن موسى الأعور النحوي 30- هشام الدستوائي 31- وهب بن منبه 32- يحيى بن حمزة الحضرمي قال السيوطي: "هؤلاء رم و ا بالقدر وكلهم ممن روى له الشيخان أو أحدهما " (1) (1) انظر : تار يخ الجهمية والمعتزلة ص 76 – 77 .
عدد الصفحات ٢٣١232 وإضافة إلى ما ذكره السيوطي رحمه الله هنا، فإنه لم يقتصر خطأ المعتزلة الفاحش في مسألة القدر، إنما كان لهم خبط واضطراب في أهم قضية على الإطلاق ألا وهى توحيد الله عز وجل، في مذهبهم أن التوحيد هو نفى جميع الصفات التي وصف الله بها نفسه المقدسة، واستبدلوها بصفات يتنزه الله عن الاتصاف بها، وزعموا أنها هي الحق. وقد أورد الأشعري جملة اعتقاد المعتزلة في التوحيد وسرد عنهم عدة جمل يصفون بها الله عز وجل، زعموا أن ذلك هو توحيد الله تعالي وهو في الحقيقة إلحاد يؤدي إلى إنكار وجود الله تعالي، فقد وصفوة بصفات مبنية كلها على النفي المجرد، مملوءة بالتناقض والمستحيلات التي لا يمكن أن يوجد لها محل خارج الذهن لا تمت إلى توحيد الله بأ ى صلة، بل هي خيالات محضة وكذ ب على الله بغير دليل ولا أثاره من علم، ويمكن للقارئ أن يقف عليها في كلام الأشعري الآتي: " أجمعت المعتزلة على أن الله واحد ليس كمثله شيء وهو السميع البصير، وليس بجسم ولا شبح، ولا جثة ولا صورة، ولا لحم ولا دم ولا شخص، ولا جوهر ولا عرض، ولا بذي لون ولا طعم ولا رائحة ولا مجسة، ولا بذي حرارة ولا رطوبة ولا يبوسة، ولا طول ولا عرض ولا عمق ولا اجتماع ولا افتراق، ولا يتحرك ولا يسكن، ولا يتبعض، وليس بذي أبعاض وأجزاء وجوارح وأعضاء، وليس بذي جهات، ولا بذي يمين وشمال، وأمام وخلف، وفوق وتحت، ولا يحيط به مكان، ولا يجري عليه زمان، ولا تجوز عليه المما سسة ولا العزلة، ولا الحلول في الأماكن " (1) . من الواضح أن البخاري ومسلما رحمهما الله وغيرهما من علماء الحديث كانوا يروون عن أناس عرفوا بميلهم عن مذهب السلف، وذلك لأمور كثيرة مان أهمهاا : 1- ثقة أولئك وصدقهم في روايتهم 2- يروو ن عنهم ما لا يقو ي بدعتهم. 3- يروون عنهم حرصا على حفظ العلم وتدوينه. 4- يروون عنهم بسبب أن المسائل ال خالفوا فيها مما يتسامح في الخلاف فيه إلى حد ما، لغموضها ولقوة الشبهة التي دفعتهم إلى ذلك .. إلى غير ذلك من الأمور. كذلك فإن الأشخاص الذين روى لهم البخاري ومسالم لم يكوناوا ممان يتهماون بمحارباة الإسالام والكياد لاه، وإنماا كانات لهام أخطااء ظناا مانهم أنهام فيهاا علاى صواب، فقد اجتهدوا كغيرهم من طالبي الحق ولكن ليس كل من اجتهد في طلب شئ أصاب الحق فيه وأخذ العلماء عن هاؤلاء إنماا هاو دليال قاوى علا ى ذم التعصاب والتساارع في تكفااير المخااالفين وإخاراجهم ماان الملااة، ودلياال أخار علااى وجااوب الإنصاا اف، و أن الحاق ضااالة المااؤمن أينمااا وجاده أخااذه بغااض النظاار عاان حامله. (1) المقالات1/ 235 .
عدد الصفحات ٢٣٢233 إلى أخر تلك الأوصاف التي ملئوا بها كتبهم وحشوا بها أذهان الناس، والتي لا يخرج القارئ منها بثمرة ولا يست فيد السامع فائدة تنفعه في دينه أو في دنياه لأنها جهل وخبط واضطراب فكري أد ى إليه علم الكلام الذي جر على المسلمين الفتن وأنواع الشرور. * * * * * * * * * * * * * * * * **
عدد الصفحات ٢٣٣234 الفصل الرابع ذكر أهم عقائد المعت لة إجمالا وللمعتزلة - كغيرهم من الفرق الكلامية – آراء وأفكار ومعتقدات كثيرة تحتاج دراستها إلى مجلدات، غير أنه يمكن عرض أهم آرائهم بإيجاز في المسائل الآتية: 1 - اختلفوا في المكان لله تعا 1- فذهب بعضهم– وهم جمهورهم – إلى أن الله تعالى في كل مكان بتدبيره، وهذا قول أبي الهذيل والجعفرين، والإسكافي، ومحمد بن عبد الوهاب الجبائي. 2- وذهبآخرون إلى أن الله تعالى لا في مكان، بل هو على ما لم يزل عليه، وهذا هشام الفوطي وعباد بن سليمان و أبي زفر 2- ذهبوا إلى أن الاستواء هو بمعق الاستيلاء في قول الله تعا الرحمن على العرش استوى (1) . 3- اجمعوا على أن يرى بالأبصار. 4- اختلفوا في صفة الكلام لله تعا 1- فذهب بعضهم إلى إثبات الكلام لله تعا 2- وذهب بعضهم إلى إنكار ذلك ولهم اختلافات كثيرة في مسائل دقيقة من مسائل الصفات والعقائد (2)،يستدعي المقام الدخول في تفاصيلها ، وأهم ما أود التنبيه عليه هو أن أبرز سمات هذه الطائفة في باب الأسماء والصفات تظهر في: إنكارهم الصفات وتعطيلها. أنهم بنوا آراءهم ومعتقداتهم في أصول خمسة، لا يسمي الشخص معتزليا إلا إذا حققها واعتقد صحتها، وسوف نبين هذه الأصول مع الرد عليها، حسب ما يقتضيه المقام من الإيجاز المفيد إ ن شاء الله تعالى. (1) سورة طه 5 . (2) أنظر : المقالات : جا1، والفرق بين الفرق للبغدادي، والملل والنحل للشهر ستاني الجزء الأول
عدد الصفحات ٢٣٤235 وقبل بيان تلك الأصول أجدني على يقين من أن إنكار الصفات وتعطيلها في مفهوم الفكر المعتزلي أمر لا يجهله طلاب العلم، فقد استفاضت كتب الفرق والمقالات وكتب التاريخ والعقائد في بيان هذا الموقف الخاطئ للمعتزلة، وسموه مع ذلك توحيد الله تعالي، وتن زيها له. لقد لبس الشيطان عليهم " حتى رأوا حسنا ما ليس بالحسن"، لانسياقهم في فلك أهل الكلام المذموم والفلسفة الدخيلة الممقوتة، فسموا ذمهم لله تعالى بإنكارهم لصفاته تعالى باسم ظاهره فيه الرحمة وباطنة من قبله العذاب، أي أن ظاهرة التنزيه ولكن باطنه تمام التشب يه والتعطيل، ولكن التسمية لا تغير الحقيقة عند عقلاء بني أدم في المسائل الاعتقادية التي يتوجب بسببها الطاعة والمعصية والحق والباطل. وكل هذه المواقف إنما جرتها كتب اليونان الفلسفية، التي وصفها أحد علماء اليونان بأنها ما دخلت بلدا إلا وأفسدت أهله. لقد أساء ا لمأمون الخليفة العباسي إلى الإسلام والمسلمين حين شجع ترجمة تلك الكتب ونشرها في ديار المسلمين، وحينما تضلع منها المعتزلة بدأت أفكارهم في الاضطراب، ولا أدل على هذا من إقدامهم على إنكار صفات الله تعالى الذي نتج عن جمعهم بين التشبيه والتعطيل ثم نفي تلك الصفات وسنذكر مزيدا من الرد عليهم إن شاء الله تعالي في دراسة أصول المعتزلة في الأصل الأول. * * * * * * * * * * * * * * * * **
عدد الصفحات ٢٣٥236 الفصل الخامس الأصول الخمسة للمعت لة بيانها، والرد عليها الأصول الخمسة هي إجمالا: 1- التوحيد 2- العدل 3- الوعد والوعيد 4- القوللمنزلة بين المنزلتين. 5- الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر ويذكر العلماء أن ه لا يسمى الشخص معتزليا حتى يقول بهذه الأصول الخمسة. أ - أما الأصل الأول وهو التوحيد: فإنهم يقصدون به البحث حول صفات الله عز وجل وما يجب لله تعالي وما لا يجب في حقه. وقد حرص المعتزلة على إنكار صفات لله تعالى بحجة أن إثباتها يستلزم تعدد القدماء وهو شرك على حد زعمهم، لأن إثبات الصفات يوحي بجعل كل صفة إلها، والمخرج من ذلك هو نفى الصفات وإرجاعها إلى ذات الباري تعالي فيقال: عالم بذاته قادر بذاته.. الخ، وبذلك يتحقق التوحيد في نظرهم. الرد عليهم إن الرد على المعتزلة في نفى صفات الله عز وجل مما لا يجهله أي طالب علم، كما أن مذهب السلف في تقرير صفات الله عز وجل في أتم وضوح وأجلى حقيقة، فإن السلف رحمهم الله يثبتون صفات الله عز وجل كما جاءت في الكتاب والسنة دون تحريف أو تأويل، مع معرفتهم بمعانيها وتوقفهم في بيان كيفياتها، لأنهم يؤمنون بأن الكلام في صفة كل شيء فرع عن تصور ذاته، والله عز وجل له ذات لا تشبه الذات ولا يعلم أحد كيفيتها، وصفاته كذلك ثابتة على ما يليق بذاته جل وعلا. وهكذا ينبغي أن يكون معتقد المسلم، يصف الله بما وصف به نفسه في ك تابه الكريم، وبما وصفه به رسوله الأمين نفيا وإثباتا. ولا يقف ما ليس له به علم، وقد علم أن طريقة السلف
عدد الصفحات ٢٣٦237 تتلخص في إثبات أسماء الله وصفاته على وجه لا يوحي بأي نوع من المماثلة والمشابهة على ضوء قول الله عز وجل: ليس كمثله شيء وهو السميع البصير (1) المتضمن رد ال تشبيه والتمثيل ورد الإلحاد والتعطيل. ويقول الرسول صلى الله عليه وسلم اطبا أصحابه حينما كانوا يرفعون أصواتهم بالتكبير والتهليل: " أربعوا على أنفسكم فإنكم لا تدعون أصم ولا غائبا، تدعون سميعا بصيرا قريبا " (2) . وروى أبو هريرة رضي الله عنه أنه قال:رأيت رس ول الله صلى الله عليه وسلم يقرؤها - يعني قوله تعالى: سميعا بصيرا (3) ويضع أصبعيه، قالأبو يونس: وضع أبو هريرة إبهامه على أذنه والتي تليها على عينية (4)، وهذا زيادة تأكيد في إثبات صفات الله تعالي، قال البيهقي " وأراد بهذه الإشارة تحقيق إثبات السمع والبصر لله بيان محلهما من الإنسان " (1) وصفاته عز وجل قديمة قائمة بذاته زائدة على الذات (2)، على التفضيل الصحيح عند السلف، لا كما ترى الفرق المخالفة للحق بأنها ذاته وليست بزائد ة على الذات، لكي يتم لهم نفي الصفات مطلقا بزعم نفي التجزؤ أو التركيب أو تعدد القدماء وهو زعم باطل. 2- الأصل الثاني للمعت لة: العدل يقول القاضي عبد الجبار في بيانه لمعنى العدل ودلالاته، وفى سبب تأخيره الكلام عليه بعد إيراد بحث التوحيد – يقول: (1) سورة الشور ى : 11 . (2) فتح الباري 13 /372. باب : وكان سميعا بصيرا. (3) سورة النساء 58 . (4) أخرجه أبو داود 2/534، أنظر : فتح الباري 13 /373، قال ابن حجر عن سند الحديث : إنه قوى على شرط مسلم من رواية أبي يونس عن أبي هريرة. (1) فتح الباري 13 /373 . (2) هذا من الألفاظ المجملة عند السلف، فلا يطلقون على الصفات أنها غير الله تعالى ولا أنها ليست غير الله تعالى. فإن أريد أن هناك ذاتا بلا صافات فهاو غاير صااحيح، وإن أرياااد بااه أن الصااافات زائاادة علاااى الاااذات الااتي يفهااام ماان معناهاااا غاااير مااا يفهااام ماان معااانى الصاافة فهاااذا حاااق، ولكاان لااايس في الخااارج ذات مجاااردة عااان الصفات، فهو محال إلا في التصور الذهني. والله تعالى بصفاته حقيقة واحدة لا تجزؤ فيها. أنظر : شرح الطحاوية ص 71 .
عدد الصفحات ٢٣٧238 " وأما الأصل الثاني من الأصول الخمسة وهو الكلام في العدل. وهو كلام يرجع إلى أفعال القديم جل وعز وما يجوز عليه وما لا يجوز، فذلك أو جبنا تأخير الكلام في العدل عن الكلام في التوحيد " (3) . والذي يهمنا هنا هو بيات المراد بالعدل عندهم، حيث اتضح أنهم يريدون بالعدل ما يتعلق بأفعال الله عز وجل التي يصفونها كلها بالحسن ونفي القبح عنها – بما فيه نفي أعمال العباد القبيحة عن الله عز وجل رضاء وخلقا، لأن ذلك يوجب نسبة الفعل القبيح إلى الله تعالى وهو منز ه عن ذلك لأن الله تعالى يقول: والله لا يحب الفساد(4)،وما الله يريد ظلما للعباد (5)، ويقول تعالى: إن تكفروا فإن الله غني عنكم ولا يرضي لعباده الكفر وإن تشك روا يرضه لكم.. (5) الآية وفى هذا الفهم الخاطئ يقول القاضي عبد الجبار في شرح الأصول الخمسة: " أفعال العباد غير لوقة فيهم، وأنهم هم المحدثون لها " (6) . وقال في كتابه " المغ في أبواب العدل والتوحيد " تحت عنوان " الكلام في المخلوق ": " اتفق كل أهل ا لعدل على أن أفعال العباد من تصرفهم وقيامهم وقعودهم حادثة من جهتهم، وأن الله عز وجل أقدرهم على ذلك ولا فاعل لها ولا محدث سواهم. وأن من قال: إن سبحانه خالقها ومحدثها فقد عظم خطؤه (7) . فاتفق المعتزلة على أن الله تعالى غير خالق لأفعال العباد وأن العباد هم الخ القون لأفعالهم، مع أنهم يؤمنون بأن الله تعالي عالم بكل ما يعمله العباد وأن الله تعالي هو الذي أعطاهم القدرة على الفعل أو الترك. (3) أنظر : شرح الأصول الخمسة ص 301 . (4) سورة البقرة 205 . (5) سورة غافر 31 . (5) سورة الزمر 7 . (6) شرح الأصول الخمسة ص 323 . (7) المغنى في أبواب التوحيد والعدل 8/3 الكلام في المخلوق – ذكر اختلاف الناس في أفعال العباد ".
عدد الصفحات ٢٣٨