159 الفصل الثا الأساس الذي قام عليه مذهب المرجئة الأساس الذي قام عليه مذهب الإرجاء هو الخلاف في حقيقة الإيمان ومم يتألف، وتحديد معناه، وما يتبع ذلك من أبحاث. وهل الإيمان فعل القلب فقط أو هو فعل القلب واللسان معا ؟ أي والعمل غير داخل في حقيقته، وبالتالي لا يزيد الإيمان ولا ينقص؛ إذا التصديق واحد لا يختلف أهله فيه، هذه أهم ميزات بحوث هذه الطوائف المرجئة ،وإلى كل قسم من تلك الأقسام ذهب فريق من المرجئة. إلا أن أكثر فرق المرجئة على أن الإيمان هو مجرد ما في القلب ولا يضر مع ذلك أن يظهر من عمله ما ظهر، حتى وإن كان كفرا وزندقة، وهذا مذهب الجهم بن صفوان، ولا عبرة عنده بالإقرار باللسا ن ولا الأعمال أيضا ؛ لأنها ليست جزءا من حقيقة الإيمان. وذهبت الكرامية إلى أن الإيمان هو القول باللسان، ولا يضر مع ذلك أن يبطن أ ي معتقد حتى وإن كان الكفر. وذهب أبو حنيفة رحمة الله إلى أن الإيمان هو التصديق بالقلب والإقرار باللسان، لا يغنى إحداهما عن الآخر؛ أي فمن صدق بقلبه و أعلن التكذيب بلسانه لا يسمى مؤمنا . وعلى هذا قام مذهب الحنفية وهو أقرب مذاهب المرجئة إلى أهل السنة لموافقتهم أهل السنة في أن العاصي تحت المشيئة، وأنه لا يخرج عن الإيمان. وخالفوهم في عدم إدخال العمل في الإيمان يزيد وينقص، فلم يقولوا بذلك . هذا هو المشهور عن أهل الفقه و العبادة من المرجئة، وهو ما ذهب إليه أبو حنيفة ومن قال بقوله من فقهاء الكوفة الذين أخروا العمل عن حقيقة الإيمان وماهيته. على أن في نسبة الإرجاء إلى أبى حنيفة من الخلاف الكثير بين العلماء ما لا يخفى، هل كان أبو حنيفة من المرجئ ة كما وصفه كتاب المقالات والفرق، أم كان ضد الإرجاء كما يصفه المدافعون عنه؛ لأن الإرجاء يتميز بالتساهل في الأعمال وتأخيرها من منزلة الإيمان، وأبو حنيفة رحمة الله تعالى بلغ حدا كبيرا في الاهتمام بالفروع، مما يدل على أنه يهتم بالعمل، وهذا عكس الإرجاء، فكيف يوصف بالإرجاء حسب هذا الدفاع عنه!!
عدد الصفحات ١٥٩160 وأما ماجاء في الكتاب المنسوب إليه الفقه الأكبر، من عبارات تدل دلالة واضحة على إرجائه – فقد شكك هؤلاء المدافعون عنه في صحة نسبة هذا الكتاب إليه، بل كذبوا نسبته إليه. ودافع عنه الشهرستاني وذهب إلى أن نسبة الإرجاء إلى أبي حن يفة إنما كان سببه في رأيه - المعتزلة والقدرية - عن سوء فهم منهم لرأي أبي حنيفة الذي يرى بأن الإيمان هو التصديق بالقلب، وأنه لا يزيد ولا ينقص، فظنوا أنه يؤخر العمل عن الإيمان، إضافة إلى أن المعتزلة -كما يرى الشهرستاني - كانوا يسمون كل من خالفهم مرجئا (1). والواقع أن النقول بإرجاء أبي حنيفة كثيرة، وعلماء الفرق أغلبهم يقرنسبة الإرجاء إليه بالمعنى الذي قدمنا ذكره. وهذا هو الثابت، ولا يقال: إن أبا حنيفة كان من غلاة المرجئة بالجهمية مثلا ، وذلك لموافقته أهل السنة والاعتقاد السليم في جوانب كثيرة في باب الإيمان وإن خالف هم فيما ذكر. ولقد بذل كثير من علماء الأحناف جهدهم ليجعلوا الخلاف بينهم وبين أهل السنة في حقيقة الإيمان لفظيا ، فلم يتم لهم ذلك مع أنهم يستندون إلى جعل الخلاف لفظيا على الاتفاق الحاصل فعلا بينهم وبين أهل السنة في مرتكب الكبيرة عند الله؛ إذ لا يسمى كافرا ولا يحكم له بالخلود في النار يوم القيامة، بل هو تحت المشيئة إن شاء الله عفى عنه بفضله وإن شاء عاقبه بعدله. وكذلك اتفاقهم على أن الأعمال لا بد منها، وأن العبد لو صدق بقلبه وأقر بلسانه ولكن امتنع عن العمل فلم يقم به-أنه يستحق اللوم والعقوبة، وأنه من العصاة. إلا أن كل هذه الحجج لا تجعل الخلاف لفظيا ؛ وذلك أن أهل السنه لايخرجون الأعمال عن مسمى الإيمان، فالتفرقة بين الأعمال والإيمان لا يقول بها السلف. كما أن السلف لا يرون أن الناس على درجة واحدة في الإيمان والتوحيد، كذلك حكم الأحناف للعصاة بالإيمان الكامل لم يو افقهم فيه السلف، كما أن السلف لا يوافقونهم في القول بعدم زيادة الإيمان ونقصانه. (1) الملل والنحل1/141.
عدد الصفحات ١٦٠161 والحاصل: أن المرجئة أقسام كثيرة وأنهم يختلفون في بعض أسس الإرجاء، كما سيتضح ذلك إن شاء الله. * * * * * * * * * * * * * *
عدد الصفحات ١٦١162 الفصل الثالث كيف نشأ الإرجاء وكيف تطور إلى مذهب عرفنا مما سبق في التعريف بالمرجئة أن الإرجاء في بدء الأمر كان يراد به في بعض اطلاقاته أولئك الذين أحبو السلامة والبعد عن الخلافات وترك المنازعات في الأمور السياسية والدينية، وخصوصا ما يتعلق بالأحكام الأخروية من إيمان وكفر وجنة ونار، وما يتعلق كذلك بأمر علي وعثمان وطلحة والزبير وأم المؤمنين عائشة وغيرهم. وما جرى بين علي ومعاوية من أحداث - كما مثله الحسن بن محمد بن الحنفية ومن جاء على طريقته - إلا أنه من الملاحظ أنه بعد قتل عثمان رضي الله عنه وبعد ظهور الخوارج والشيعة أخذ الإرجاء يتطور تدريجيا . فظهر الخلاف في حكم مرتكب الكبيرة ومنزلة العمل من الإيمان، ثم ظهر جماعة دفعوا بالإرجاء إلى الحد المذموم والغلو، فبدأ الإرجاء يتكون على صفة مذهب، فقرر هؤلاء أن مرتكب الكبيرة كامل الأيمان وأنه لا تضر مع الإيمان معصية، ولاتنفع مع الكفر طاعة، وأن الإيمان في القلب. فلا يضر الشخص أي شيء بعد ذلك ولو تلفظ بالكفر والإلحاد، فإنه يبقى إيمانه كاملا لايتزعزع. وهذا بلا شك غلو وتطرف مذموم. وأهل هذه المرحلة ممقوتون ومذهبهم يفضي إلى درجة الإباحية والتكاسل والتعويل على عفو الله وحده دون العمل لذلك. وهو أمر تأباه الشريعة الإسلامية. ولقد احتدم النزاع بين أهل السنة والخوارج والمعتزلة من جانب، وبين المرجئة من جانب آخر في دخول الأعمال في مسمى الإيمان، ويظهر أثر ذلك في مرتكب الكبيرة هل هو مؤمن بإيمانه فاسق بكبيرته وأمره في الآخرة إلى الله وإلى مشيئته - كما يقول السلف- أم هو كافر في الدنيا و لد في الآخرة في النار - كما تقول الخوارج - لأنه أخل بالعمل فكفر؟ أم هو في منزلة بين المنزلتين في الدنيا لا مؤمن ولا كافر، وفي الآخرة هو لد في النار - كما تقول المعتزلة -؟ أم هو مؤمن كامل الإيمان لم يتأثر إيمانه بالكبيرة مطلقا - كما تقول المرجئة - لأنه مصدق بقلبه فلا مجال لأن يتأثر إيمانه؛ لأن الإيمان عندهم- على هذا المفهوم- لا يزيد ولا ينقص بل يبقى
عدد الصفحات ١٦٢163 إيمانه كاملا إذا كان التصديق موجودا في قلبه. وفي الحقيقة أن مذهب المرجئة تطور على هذا المفهوم حتى صار من أوسع المذاهب وأكثرها تساهلا . فبينما الخوارج يرون أن مرتكب الذنب ك افرا لد في النار، والمعتزل ة تراه في منزلة بين المنزلتين في الدنيا، وفي الآخرة مصيره النار، ثم تزعم هاتان الطائفتان أن الناس كلهم كفار إلا من كان خارجيا ، وتزعم المعتزلة أن الناس كلهم كفار إلا من كان معتزليا ، فضاقت نظرتهم إلى غيرهم، فإذا بالمرجئة توسع المج ال، فزعمت أن كل طائفة تنسب نفسها إلى الإسلام، وتصدق به تعد من المؤمنين الخل ص بغض النظر عن عملها بعد ذلك، بالخوارج والشيعة والمعتزلة وسائر الطوائف في نظر المرجئة هم من أهل الإيمان الكامل. * * * * * * * * * * * * * *
عدد الصفحات ١٦٣164 الفصل الرابع بيان أول من قال بالإرجا ء وبيان أهم زعماء المرجئة تطورت فكرة الإرجاء حتى وصلت في دورها المتأخر إلى الحد الذي يصدق عليها أنها ظاهرة بدعية خطيرة بعد أن تضاربت الأفكار، وتعصب كل فريق لفكره ولرأيه من خوارج وشيعه ومعتزلة وجهمية وأشعرية وغيرهم كما تقدم، ولك ن من الذي بدأ بهذه الفكرة التي تطورت بعد ذلك إلى أن وصلت على ما هي عليه اليوم. يذكر العلماء أن الحسن بن محمد بن الحنفية هو أ و ل من ذكر الإرجاء في الم دينة بخصوص على وعثمان وطلحة والزبير، حينما خاض الناس فيهم وهو ساكت ثم قال: قد سمعت مقالتكم ولم أر شيئا أمثل من أن يرجأ علي وعثمان وطلحة والزبير، فلا يتولوا ولا يتبرأ منهم (1). ولكنه ندم بعد ذلك على هذا الكلام وتمنى أنه مات قبل أن يقوله، فصار كلامه بعد ذلك طريقا لنشأة القول بالإرجاء، وقد بلغ أباه محمد بن الحنفية كلامُ الحسن فضربه بعصا فشجه، وقال: لاتتولى أباك علي ا؟ ولم يلتفت الذين تبنوا القول بالإرجاء إلى ندم الحسن بعد ذلك، فإن كتابه عن الإرجاء انتشر بين الناس وصادف هوى في نفوس كثيرة فاعتنقوه (2) . ولكن ينبغى معرفة أن إرجاء الحسن إنما هو في الحكم بالصواب أو الخطأ على من ذكرهم، و يتعلق إرجاؤه بالإيمان أم عدمه كما هو حال مذهب المرجئة أخيرا . فأصبح هذا الموقف يناقض ما عليه الخوارج من تكفيرهما والبراءة منه ما، وما عليه الشيعة من الغلو في علي والحط من شأن عثمان وتكفيره، ويخالف أيضا موقف أهل السنة والجماعة منهما من وجوب موالاتهما والترضي عنهما والشهادة لهما بالجنة، كما هو مذهب السلف فيهما إلا أ نه يعتبر كالخطوة الأولى إلى مذهب الخوارج والتمهيد له. وقيل: إن أول من قال بالإرجاء على طريقة الغلو فيه هو رجل يسمى ذر بن عبد الله الهمداني وهو تابعي، وقد ذمه علماء عصره من أهل السنة، بل كان بعضهم - مثل إبراهيم النخعي- لايرد عليه إذا سلم، وكذلك سعيد بن جبير. (1) انظر: ظاهرة الإرجاء في الفكر الإسلامي ص 244. (2) لم يكن ما كتبه الحسن كتابا حسب ما يتبادر إلى الذهن، وإنما كان بمنزلة منشور
عدد الصفحات ١٦٤165 والجمع بين هذا القول والذي قبله يتضح باختلاف حقيقة الإرجاء عند الحسن وعند ذر بن عبد الله؛ إذ الإرجاء عند الحسن ترك الحكم على أولئك الأشخاص. وأما الإرجاء عند ذر فهو إخراج العمل عن مسمى الإيمان. وهناك أقوال أخرى في أول من دعا إلى الإرجاء فقيل: إن أول من أحد ثه رجل بالعراق اسمه قيس بن عمرو الماضري. وقيل: إن أول من أحدثه حماد بن أبي سليمان وهو شيخ أبي حنيفة وتلميذ إبراهيم النخعى، ثم انتشر في أهل الكوفة، وقد عاصر حماد بن ذر بن عبد الله. و يذكر شيخ الإسلام عن نشأة الإرجاء بالكوفة أن أول من قال فيهم حماد بن أبي سلي مان(1). وقيل: إن أول من قال به رجل اسمه سالم الأفطس، ويطلق على إرجاء هؤلاء أنه إرجاء الفقهاء، ويظهر أن تلك الأقوال لاتباعد بينها؛ لأن هؤلاء كانوا في عصر واحد، وكانوا أيضا على اتفاق في إرجائهم. ولقد نسب الإرجاء إلى علماء مشاهير، وقد عد الشهرستاني جماعة من هؤلاء ومنهم: الحسن بن محمد بن علي بن أبي طالب، وذكر أنه أول من قال بالإرجاء، ولكنه لم يجزم بذلك فيما يبدو من تعبيره، حيث ذكر ذلك بصيغة التمريض"قيل"، ثم ذكر أنه كان يكتب فيه الكتب إلى الأمصار ثم قال: "إلا إنه ما أخر العمل عن الإيمان كما قالت المرجئة اليونسي ة والعبيدية، لكنه حكم بأن صاحب الكبيرة لا يكفر؛ إذ الطاعات وترك المعاصي ليست من أصل الإيمان حتى يزول الإيمان بزوالها". كما عد منهم سعيد بن جبير(2)، وطلق بن حبيب وعمر بن مرة ومحارب ابن زياد ومقاتل بن سليمان وذر، وعمرو بن ذر، وحماد بن أبي سليمان وأبو حنيفة وأبو يوسف ومحمد بن الحسن وقديد بن جعفر، ثم قال: "وهؤلاء كلهم أئمة الحديث لم يكفروا أصحاب الكبائر بالكبيرة، ولم يحكموا بتخليدهم في النار؛ خلافا للخوارج والقدرية". (1) انظر: مجموع الفتاوى 7/297، 311. (2) هكذا ذكر عن سعيد بن جبير أنه من رجال المرج ئة، وسيأتي أن سعيد بن جبير ممن كان يذم الإرجاء ويمقته.
عدد الصفحات ١٦٥166 إلا أنه ذكر عن مقاتل قوله: "ويحكى عن مقاتل بن سليمان: أن المعصية تضر صاحب التوحيد والإيمان ، وأنه لا يدخل النار مؤمن" ثم قال: " والصحيح من النقل عنه أن المؤمن العاصي ربه يعذب يوم القيامة على الصراط وهو على متن جهنم يصيبه لفح النار وحرها ولهيبها فيتألم بذلك على قدر معصيته ثم يدخل الجنة، ومثل ذلك بالحبة على المقلاة المؤججة بالنار" (1). ومن كبار ا رجئة ومشاهيرهم: الجهم بن صفوان، وأبو الحسين الصالحى، ويونس السمري، وأبو ثوبان، والحسين بن محمد النجار، وغيلان، ومحمد بن شبيب، وأبو معاذ التومني، وبشر المريسي، ومحمد بن كرام، ومقاتل ابن سليمان المشبه لله عز وجل بخلقه ومثله الجواربي وهما من غلاة المشبهة(2). * * ** * * * * * * * * * * (1) انظر: الملل والنحل1/139،146. (2) انظر: مقالات الإسلامي1/213.
عدد الصفحات ١٦٦167 الفصل الخامس أصول المرجئة تكاد فرق المرجئة تتفق في أصولها على مسائل هامة هي: تعريف الإيمان بأن ه التصديق بالقول أو المعرفة أو الإقرار. وأن العمل ليس داخلا في حقيقة الإيمان، ولا هو جزء منه، مع أنهم لا يغفلون منزلة العمل من الإيمان تماما إلا عند الجهم ومن تبعه في غلوه. وأن الإيمان لا يزيد ولا ينقص؛ لأن التصديق بالشيء والجزم به لا يدخله زيادة ولا نقصان. وأن أصحاب المعاصي مؤمنون كاملوا الإيمان بكمال تصديقهم وأنهم حتما لا يدخلون النار في الآخرة. ولهم اعتقادات أخرى: كالقول بأن الإ نسان يخلق فعله، وأن الله لا يرى في الآخرة، وقد تأثروا في هذه الآراء بالمعتزلة، وكذا رأيهم في أن الإمامة ليست واجبة، فإن كان ولا بد فمن أي جنس كان ولو كان غير قرشي، وقد تأثروا بهذا الرأي من الخوارج الذين كانوا ينادون به ولم يطبقوه. ومن عقائد المرجئة الجهمية أن الكفر بالله هو الجهل به- وهو قول جهم -، وأن الإيمان هو المعرفة بالله فقط وأنه لا يتبعض، ومنها أن الجنة والنار تفنيان وتبيدان ويفنى أهلهما ولا خلود لأحد فيهما. وبعضهم ذهب إلى أن كل معصية فهي كبيرة، وبعضهم يذهب إلى أن غفران الله الذنوب بالتوبة تفضل من الله، وبعضهم إلى أنه باستحقاق، وبعضهم جوز على الأنبياء فعل الكبائر، وبعضهم ذهب في إثبات التوحيد إلى قول المعتزلة، وبعضهم إلى قول المشبهة، ومنهم من أثبت رؤية الله تعالى في الآخرة، ومنهم من نفاها كالمعتزلة، واختلفوا في القول بخلق القرآن، فمنهم من قال: إنه لو ق. ومنهم من قال: غير لوق. ومنهم من توقف. واختلفوا في القول بالقدر فبعضهم نفى القدر وقال بأقوال المعتزلة، وبعضهم أثبته، واختلفوا في أسماء الله وصفاته، فبعضهم قال بأقوال عبد الله ابن كلاب، ومنهم من قال بأقوال المعتزلة (1). (1) انظر: مقالات الإسلامي1/213/234.
عدد الصفحات ١٦٧168 وفيما يلي تفصيل واضح لأقسام اتجاهات الناس في حقيقة الإيمان كما رتبها الدكتور/ سفر الحوالي: أن الإيمان يكون بالقلب واللسان والجوارح: 1- أهل السنة2- الخوارج 3- المعتزلة أنه بالقلب واللسان فقط: مرجئة الفقهاء الحنفية. ابن كلاب، وكان على عقيدة المرجئة الفقهاء، وقد انقرض مذهبه. أنه باللسان والجوارح فقط: الغسانية. فرقة مجهولة لم يصرح العلماء بتسميتها، ولعلها الغسانية. أنه بالقلب فقط: 1- الجهمية2- المريسية 3- الصالحية 4- الأشعرية 5- الماتريدية أنه باللسان فقط: الكر امية: وقد انقرضوا، وقد ذكر عنهم شيخ الإسلام أنهم يقولون: المنافق مؤمن وهو لد في النار؛ لأنه آمن ظاهرا لا باطنا ويدخل الجنة من آمن ظاهرا وباطنا . أ- الذين قالوا: إنه بالقلب واللسان والجوارح: 1- الذين قالوا: الإيمان فعل كل واجب وترك كل محرم، ويذهب الإيمان كله بترك الواجب أو فعل الكبيرة: 1-الخوارج؛ مرتكب الكبيرة عندهم كافر 2-المعتزلة؛ مرتكب الكبيرة عندهم في منزلة بين المنزلتين؛ يعني في الدنيا، وأما في الآخرة فقد وافقوا الخوارج في الحكم.
عدد الصفحات ١٦٨169 2- الذين قالوا: الإيمان قول وعمل– أي عمل القلب والجوارح – وكل طاعة هي شعبة من الإيمان أو جزء منه. والإيمان يكمل باستكمال شعبه وينقص بنقصانها، لكن منها ما يذهب الإيمان كله بذهابه؛ ومنها ما ينقص بذهابه. فمن شعب الإيمان أصول لا يتحقق إلا بها، ولا يستحق مدعيه مطلق الاسم بدونها،ومنها واجبات لا يستحق الاسم المطلق بدونها، ومنها كمالات يرتقي صاحبها إلى أعلى درجاته. "وتفصيل هذا كله بحسب النصوص". كما هو مذهب أهل السنة والجماعة. ب- الذين قالوا: إنه يكون بالقلب واللسان فقط: الذين يدخلون أعمال القلب – يعنى في حقيقة الإيمان – وهم بعض قدماء المرجئة الفقهاء، وبعض محدثي الحنفية المتأخرين. الذين لا يدخلون أعمال القلب، وقد تطور بهم الأمر إلى إخراج قول اللسان أيضا من الإيمان وجعلوه علامة فقط، وهم عامة الحنفية "الماتريدية". ج- الذين قالوا: إنه يكون بالقلب فقط: الذين يدخلون فيه أعمال القلب جميعا ، وهم سائر فرق المرجئة: كاليونسية والشمرية والتومنية. الذين يقولون: هو عمل قلبي واحد – المعرفة – الجهم بن صفوان. الذين يقولون: هو عمل قلبي واحد – التصديق – الأشعرية والماتريدية * * * * * * * * * * * * * *
عدد الصفحات ١٦٩170 الفصل السادس أقسام المرجئة انقسمت المرجئة في اعتقاداتها إلى أقسام كثيرة وفرق كثيرة وفرق يطول ذكرها، ويمكن الإشارة هنا إلى رؤوس تلك الفرق، وهى كما يذكرها علماء الفر ق: مرجئة السنة: وهم الأحناف: أبو حنيفة وشيخه حماد بن أبى سليمان ومن أتبعهما من مرجئة الكوفة وغيرهم، وهؤلاء أخروا العمل عن حقيقة الإيمان. مرجئة الجبرية: وهم الجهمية أتباع جهم بن صفوان، وهم الذين اكتفوا بالمعرفة القلبية وأن المعاصي لا أثر لها في الإيمان، وأن الإقرار والعمل ليس من الإيمان. مرجئة القدرية: الذين تزعمهم غيلان الدمشقي، وهم الغيلانية. مرجئة خالصة: وهم فرق اختلف العلماء في عدهم لها. مرجئة الكرامية : أصحاب محمد بن كرام، وهم الذين يزعمون أن الإيمان هو الإقرار والتصديق باللسان دون القلب. مرجئة الخوارج: الشبيبية وبعض فرق الصفرية الذين توقفوا في حكم مرتكب الكبيرة. وعد الأشعري في مقالاته المرجئة وأوصالهم في اثنتي عشر فرقة(1.) ولهم فروع كثيرة، وبين العلماء اختلافات كثيرة أيضا في عد هم لأقسام وطوائف المرجئة، و أي الفرق أصلية وأيها فرعية، وأيها يصدق عليه الإرجاء وأيه ا لا يصدق عليه. ولا ضرورة تدعوا إلى تفصيل الكلام هنا في كل طائفة من هذه الفرق الفرعية وذلك لاتحادهم العام في مذهبهم وقيامه على الإرجاء. و لما حصل أيضا من رجوع بعض فرقهم إلى الفرق الأخرى واندماجهم بعد ذلك في فرقة واحدة، ولدقة الخلاف في بعض المسائل الفرعية، وموضع استقصاء ذلك كله الكتب المطولة في التاريخ والفرق. (1)في كتابه مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين من ص 213 إلى ص234، أول فرقهم الجهمية وآخرهم ا لكرامية -الفرقة الثانية عشر منهم - كما ذكر الأشعري، وذكر البغدادي أنهم ثلاثة أصناف قائلون بالجبر والقدر، ومن خرج عن القول بهما صاروا خمس فرق. انظر: الفرق بين الفرق ص 302، والشهر ستا في الملل والنحل 1/139، ذكر أنهم أربعة أصناف ثم ذكر مقالات المرجئة الخالصة وعد هم ست فرق.
عدد الصفحات ١٧٠171 الفصل السابع أدلة المرجئة لمذهبهم والرد عليها تلمس المرجئة في الاستدلال لمذهبهم نصوصا وشبهات، أو لوا النصوص ونصروا الشبهات بتكلفات غير صحيحة، وخرجوا بنتيجة،هي أن العمل ليس من حقيقة الإيم ان، وأخ روا جميع أعمال الجوارح عن الإيمان، وقالوا: يكفي في دخول الإيمان والفوز برضى الله أن يحتوي القلب على المعرفة والتصديق كما سبق، وفتحوا بذلك بابا واسعا لأهل البطالة والكسل والمغرمين بالأماني دون العمل، والذين يحبون التفلت عن ما تقضيه النصوص الشرعية، ولهذا تجد المرجئة الغلاة منهم أكسل الناس في العبادة وأضعفهم في الالتزام، وقد تلمسوا لما يذهبون إليه بعض الأدلة من القرآن الكريم ومن السنة النبوية وزعموا أنها تدل على مذهبهم. فمن القرآن الكريم: استدلوا بقول الله تعالى: { دون ذلك لمن يشاء(1.) { إنه هو الغفور الرحيم (2.) كما اهتمت الجهمية بجمع النصوص التي تجعل الإيمان أو الكفر محله القلب. كما في قول تعا}(3.) {(4.) {(5.) إلى غير ذلك من الآيات التي يوحي ظاهرها بهذا المفهوم المتكلف للمرجئة (1) سورة النساء 48 . (2) سورة الزمر 53. (3) سورة المجادلة 7 . (4) سورة النحل 106 . (5) سورة البقرة 7.
عدد الصفحات ١٧١172 أما من السنة النبوية: فقد استدلوا بما يلي بعض الأحاديث والآثار التي يدل ظاهرها على الاكتفاء بالبعد عن الشرك ووجود ا لإيمان في القلب للفوز برضى الله، مثل: قول الرسول صلى الله عليه وسلم: "من مات يشرك بالله شيئا دخل النار".قال ابن مسعود: "وقلت أنا من مات لا يشرك بالله شيئا دخل الجنة"(1.) وقوله صلى الله عليه وسلم فيما يرويه عن ربه أنه قال: "يا ابن آدم إنك لو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة"(2.) وقوله صلى الله عليه وسلم: "اللهم ثبت قلبي على دينك(3.) وكذا حديث الجارية التي سألها الرسول عليه الصلاة والسلام بقوله: "أين الله؟ فقالت السماء. فقال لمولاها: اعتقها فإنها مؤمنة" (4.) وقوله صلى الله عليه وسلم: "التقوى ها هنا، ويشير إلى صدره ثلاث مرات" (5.) ومن أدلتهم كذلك ما جاء في أحاديث شفاعة المصطفى صلى الله عليه وسلم في أقوام فيخرجهم الله من النار حتى لا يبقى من في قلبه ذرة أو برة أو شعيرة من الإيمان، وفيه: "فيقول الله عز وجل: شفعت الملائ كة وشفع النبيون وشفع المؤمنون ولم يبق إلا أرحم الراحمين، فيقبض قبضة من النار فيخرج م نها قوما لم يعملوا خيرا قط، قد عادوا حمما ، فيلقيهم في نهر في أفواه الجنة يقال له نهر الحياة فيخرجون كما تخرج الحبة في حميل السيل إلى أن قال: فيخرجون كاللؤلؤ في رقابهم الخ واتم يعرفهم أهل الجنة، هؤلاء عتقاء الله الذين أدخلهم الله الجنة بغير عمل عملوه ولا خير قدموه"(6.) وقد استدل بهذا الحديث لإرجائهم من العبارات السابقة (1) أخرجه البخاري 3/110، ومسلم1/94 في الايمان (2) أخرجه مسلم 4/2068 بلفظ: "ومن لقيني بقراب الأرض خطيئة لا يشرك بي شيئا لقيته بمثلها مغفرة"واللفظ السابق للترمذي وحسنه. (3) أخرجه أحمد 2/454 . (4) أخرجه مسلم 1/382 رقم 537، وأحمد في المسند5/447. (5) أخرجه مسلم 4/1986 رقم 2564. (6) أخرجه مسلم 1/170.
عدد الصفحات ١٧٢173 لم يعملوا خيرا قط هؤلاء عتقاء الله الذين أ دخلهم الجنة بغير عمل عملوه. فقالوا: إذا لم يكن لهم عمل خير قط فما الذي بقي معهم؟ والجواب –كما يزعمون- أنه بقي معهم التصديق فقط ونفعهم دون النظر في العمل، لأن حقيقة الإيمان –كما يزعمون- لم تتوقف على العمل. ومن الشبهات التي تعلق بها المرجئة أيضا على أن العمل ليس من الإيمان قولهم: إن الكفر ضد الإيمان فحيثما ثبت الكفر نفي الإيمان، والعكس. ومنها ما جاء في نصوص كثيرة فيها عطف العمل على الإيمان. ومن أدلة الأحناف على أن الإيمان قول واعتقاد فقط، وأن الأعمال ليست داخلة فيه وإنما هي شرائع الإسلام فإذا عمل معصية نقص من شرائع الإسلام وليس من التصديق بالإسلام – من أدلتهم على ذلك قولهم: إن الإيمان في اللغة المقصود به التصديق فقط، والعمل بالجوارح لا يسمى تصديقا فليس من الإيمان. لو كانت الأعمال من الإيمان والتوحيد لو جب الحكم بعدم الإيمان لمن ضيع شيئا من الأعمال، وفي ذلك يقول أبو حنيفة في كتابه الوصية: ثم العمل غير الإيمان، والإيما ن غير العمل، بدليل أن كثيرا من الأوقات يرتفع العمل من المؤمن ولا يجوز أن يقال يرتفع عنه الإيمان، فإن الحائض ترتفع عنها الصلاة، ولا يجوز أن يقال: ارتفع عنها الإيمان، إلى غير ذلك من النصوص التي استدل بها المرجئة عموما والأحناف بخصوصهم، والتي فهموا منها ما يدل على صحة مذهبهم، ثم نتج عن صنيعهم هذا تضارب الأدلة في مدلولاتها -أمامهم- لعدم وقوفهم على ما تقتضيه من الفهم السليم الذي هدى الله إليه أهل السنة، بل ذهبت كل طائفة من طوائف المرجئة الكثيرة إلى الاستدلال لما تزعمه بنصوص قد لا تستدل بها الطوائف الأخرى.
عدد الصفحات ١٧٣174 قال ابن أبي العز الحنفي: "فمن أدلة الأصحاب لأبي حنيفة رحمة الله: أن الإيمان في اللغة عبارة عن التصديق، قال تعالى برا عن إخوة يوسف: وما أنت بمؤمن لنا(1) أي بمصدق لنا، ومنهم من أدعى إجماع أهل اللغة على ذلك، ثم هذا المعنى اللغوي - وهو التصديق بالقلب-هو الواجب على العبد حقا لله، وهو أن يصدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما جاء به من عند الله، فمن صدق الرسول فيما جاء به من عند الله فهو مؤمن فيما بينه وبين الله تعالى. والإقرار شرط إجراء أحكام الإسلام في الدنيا، هذا على أحد القولين كما تقدم. ولأنه ضد الكفر وهو الت كذيب والجحود، وهما يكونان بالقلب فكذا ما يضادهما، وقوله: إ من أكره وقلبه مطمئن بالإيمان (2 )يدل على أن القلب هو موضع الإيمان لا اللسان، ولأنه لو كان مركب من قول وعمل لزال كله بزوال جزئه، ولأن العمل قد عطف على الإيمان والعطف يقتضي المغايرة، قال الله تعا { :لى(3)،وغيرها في مواضع من القرآن" (4.) الرد على أدلة المرجئة والواقع أن تلك النصوص التي تقدمت في استدلال المرجئة على إخراج العمل عن حقيقة الإيمان لا يسلم لهم فهمهم لها من أنها على إخراج الأعمال الظاهرة عن أعمال القلب، فإن إيمان القلب وإن كان الأساس وعليه الاعتماد الأول ولكن لا ينفي هذا أثر إيمان القلب يظهر على الجوارح بل هو الحق، والنصوص كما هو الواضح منها لا تدل على تصديق القلب وحده، وإنما تدل على أن الإيمان له دلالات لا تتضح إلا بالأعمال الظاهرة، والذين أحجموا عن إدخال الأعمال الظاهرة في حقيقة الإيمان نتج عن ذلك تساهل عندهم في الحكم حتى على الفجار الذي لا شك في ظهور فجورهم. فتجد منهم من لا يكفر بالأعمال الظاهرة حتى وإن كانت توحي بكفر صاحبها علانية، فهم لا يجرءون على تكفيره حتى يتأكدوا من مصداقية قلبه بالإيمان، لأنه لو صدق بشعائر الإ سلام فلا يكفر مهما عمل إلا إذا ارتفع التصديق عن قلبه ف هنا يجرءون على تكفيره. (1) سورة يوسف 17 (2) سورة النحل 106 (3) سورة البقرة 25. (4) شرح الطحاوية ص 319.
عدد الصفحات ١٧٤