المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

شرح التذكرة في علوم الحديث ج 06

عمر المقبل

صفحة ١ من ١

(الدرسالسادس) شرح التذكرة في علوم الحديث للشارح الدكتور عمر المقبل حفظه الله

عدد الصفحات ١

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين وصلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آلة وأصحابه أجمعين أما بعد قال رحمه الله تعالى : ] والشاذ: وهو ما روى الثقةمخالفاً لرواية الثقات[ ] والمنكر :وهو ما تفرد به واحدٍ غيرُ مُتقِن ولا مشهورٌ بالحفظ[ الشاذ والمنكر نوعان من أنواع علوم الحديث يكثر تَكرارهما في كلام العلماء والأئمة ولكن السؤال :أيهما أكثر ذِكراً في كلامهم الشاذ أم المنكر ؟ المنكر هو أكثر ما يستخدمه الأئمة في إعلال الأخبار أن يقولوا عنه " منكر " . لماذا طرحت هذا السؤال؟ لأنّ له صلة بما سنتحدث عنه وهو أن الأئمة –رحمة الله عليهم- قد يُطلقون هذا على هذا أي في مقام التعليل لأنّ في النهاية الخبر مردود سواء قلت شاذ أو منكر ، لكن كما ذكرنا المتأخرون كعادتهم في سبيل تقريب العلم حَرِصوا جداً على تحرير المصطلحات لكن هذا التحرير ينبغي أن لا يُلغي الاستعمال القديم لأنّ هؤلاء الأئمة هم الذين قعّدوا هذه العلوم ووضعوا أصولها وما دام أن المتن مختصر فمن الطبيعي أن يختار المصنف قولاً في تعريف الشاذ وليس المُختصر موضعاً لاستيعاب الأقوال في تعريف الشاذ ، فأختار المصنف -رحمه الله- قول جمهور المتأخرين من أن الشاذ : هو ما رواه فرد ثِقَة مخالفاً لغيره من الرواة، وهذا التعريف صحيح لكن السؤال :هل هذه هي صورة الشاذ الوحيدة في كلام الأئمة ؟ الجواب: لا، وهذا الذي يَهُمُنِي أن يفهمه طالب العلم في هذه المرحلة وهو أن مصطلح الشاذ يُطلق على هذه الصورة التي أطلقها المصنف

عدد الصفحات ٢

وهذا صحيح، ويُطلق على مطلق التفرد يعني أنه روى حديثاً انفرد به، لا يلزم أن يكون هناك مخالفة فهذا أيضاً يُعبر عنه العلماء بالشذوذ ،لكن ليس بالضرورة أن تسمع أو تقرأ كلمة شاذ، قد تجد شاذ ، قد تجد تفرد به فلان، قد تجد لا يُتابع عليه –أي: لا يوجد راويٍ أخر وافقه على هذا الحديث- وهكذا يُعبّ رون بعدة ألفاظ تدل على مُرادهم وأنّ هذا الراوي شذّ به . "ومبحث الشذوذ يدور في حديث الثقات" انتبهوا لهذه ومن الأمثلة على ذلك: أنّ الإمام النَسَائي في سننه روى من حديث سفيان ابن عُيينة عن عاصم الأحول عن الرباب بنت صليع عن سلمان بن عامر الضبّ ي -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:" إذا أفطر أحدكم فليفطر على تمر فإن لم يجد فعلى ماء-أو يفطر على ماء- فإنه بركة، فإن لم يجد التمر فعلى الماء فإن الماء طهور" الحديث هذا مداره على عاصم الأحول، عاصم يرويها عن الرباب عن سلمان، عاصم روى عنه هذا الحديث ثمانية من الرواة (رواه سفيان ابن عُيينة، ورواه غيره كـ الثوري، وأبي معاوية الضرير، وغيرهم من الرواة) ،كل الرواة يروون هذا الحديث عن عاصم عن الرباب عن سلمان بدون جملة "فإنه بركة " بل يقولون: "إذا كان أحدكم صائم فليفطر على تمر فإن لم يجد التمر فعلى ماء" بدون كلمة فإنه بركة. الإمام النَسَ ائي وهو أحد الأئمة الكبار المُطلعين قال في التعليق على هذا الحديث يقول : هذا الحرف فإنه بركة لا نعلم أحداً ذكره غير ابن عُيينة ولا أحسبه محفوظاً.

عدد الصفحات ٣

استفدنا من هذا النقد فائدتين مهمتين الأولى: أنّ التفرد لا يلزم أن تكون الزيادة مخالفة للمعنى لأن كلمة "فإنه بركة" مجرد تعليل للماء بمعنى أنه لو لم يذكر هذا التعليل فالمتن مُستقيم ولا يتأثر الحكم. الثانية: أنّ من عبارات العلماء بالتعبير عن الشذوذ أن يقولوا: (الحديث غير محفوظ ، تفرد به ،لا يُتابع عليه، لا نعلم أحداً روى هذا الحرف غير فلان ) ، كل هذه تصب في هذا المعنى وهو التعبير عن الحديث الشاذ بهذه العبارات وأقول خذها :]يقل في كلامهم أن تجد العالم يقول: هذا حديث شاذ للمتقدمين [ لكنهم يعبرون عن الشذوذ بهذا. من أشهر العلماء الذين شهروا هذا المعنى وانتصروا له الإمام الشافعي في الرسالة وغيرها فإنه نصّ على أن الشاذ ليس هو ما يتفرد به ثِقَة ، الشافعي طَرَدَ الصورة الأولى بل قال : هو ما يرويه الثقة مخالفاً . وانتصر له أيضاً الأثرم في كتابه (ناسخ الحديث ومنسوخه) والصحيح أن هذه صورة من صور الشذوذ، وليست هي الصورة الوحيدة للشذوذ هذه النقطة الأولى أمّا النقطة الثانية : أن مبحث الشاذ يدور في أخطاء الثِقَات وهذا سبب صعوبة هذا العلم وهو من أجل وأظهر صور الحديث المُعلل حينما يقول العلماء إن الحديث المعلل هو أغمض وأصعب أنواع علوم الحديث لماذا؟ لأنّه يبحث في أخطاء الثقات . قد تقول لماذا كان صعباً ؟ إليك مثالاً : لو أخبرك الشيخ ابن باز –رحمه الله- وقال لك: إن فلاناً قد مات، ثم اتصلت أنت بالشيخ ابن عُثيمين -رحمه الله- وقلت له: يا شيخ مات فلان، فرد الشيخ عليك وقال: لا لم يمت ،الآن عندك خبر ما يحتمل إمّا ميت أو حي، لا يوجد أحد في منزلة بين منزلتين، هنا الآن أنت أمام

عدد الصفحات ٤

جبلين ثقتين ضابطين فبد أنّ أحدهما أخطأ يقين فالرجل إما حي أو ميت. هذا وجه الصعوبة حينما تقول مثلا أنّ ابن باز وهن، في هذا الخطأ أو ابن عُثيمين، فماذا تصنع ولو كان الذي أخبرك ابن باز وطفل أو شاب صغير ،ما تلتفت إلى هذا الشاب لعلمك بأن الشيخ يتثبت ويتحر وإلى آخره، ولكن لمّا كانت المسألة بين جبلين وبين حافظين فأنت تحتاج إلى البحث عن القرائن التي تُرجِح لك من الذي وهن وما سبب الوهن، فهذا سبب صعوبة علم العلل ومن صوره تخطئة الثقة في حديثه لأنّ الأصل أنك تقبل حديث الثقة ،ما دام أنّ الحديث مُستقيماً وليس فيه علل ولا يُ قدح في قبولها هذا الأصل، ولا يُرد إلا ببينة وبرهان وهذا هو سبب صعوبة علم العلل ومن أفراده وصوره "مبحث الشاذ". المُصنف -رحمه الله- قلنا أنه أختار هذا التعريف وهو ما رواه الثقة مخالفاً لرواية الناس، وهذا صحيح كما قلنا لكنه ليس الإطلاق الوحيد في كلام الأئمة لمصطلح الشاذ، وهم يعبرون عن ذلك ولو لم تقع مخالفة وهذا المثال الذي ذكرناه واضح جداً في كلام النَسَائي . المنكر قرين الشاذ في كلام الأئمة -رحمة الله عليهم- ، يقول هنا: ]ما تفرد به واحد غير مُتقن ولا مشهور بالحفظ [ . إذاًفالشذوذ والنَكارة يشتركان في التفرد، ولكن يختلفان بأن المتفرد في الخبر المنكر أقل -حفظه مدخول أو ضعيف الحفظ- فهذا إذا تفرد ولو لم يُخالف ، لاحظ هنا المؤلف لم يتكلم عن المخالفة بل مجرد تفرده يجعل حديثه منكراً ، وهذا الإطلاق لتعريف المنكر صحيح لكنه أيضاً غير حاصر أيّ أن العلماء قد يطلقون المنكر على هذا ويطلقونه أيضاً على صورٍ أخرى منها شاذ ، يعني لو تفرد ثِقَة من الثقات بحديث ما ولاح

عدد الصفحات ٥

لئمة أنّه أخطأ فإنهم ينصّ ون على خطأه ويقولون: "حديث منكر " وأنا حينما أذكر هذا أذكره لتعرف أن المصطلحات ليس مصطلحات حسابية لا يمكن تداخلها ،لا، هذه مصطلحات كان الأئمة يطلقونها ليعبروا بها عن الخطأ الشديد الذي وقع فيه الراوي وهنا ينظر في منزلته ،أحيانا لا يحتملون الخطأ لشناعته ويعبّ رون بعبارة شديدة وأحيانا قد يكون هذا خطأ في سياق جملة كبيرة جداً من الأحاديث التي ضبطها وحفظها فَ هُ م يعبرون مرةً بغير محفوظ ،لا يتابعه عليه أحد ، منكر لا نعلم أحداً رواه غير فلان ،وهكذا إذاً بين الشذوذ والنَكَارة اشتراك في التفرد يغلب في التعبير عن خطأ الراوي الثقة التعبير بالشذوذ وقلنا إن التعبير بالشذوذ لا يأتي بهذه اللفظة كثيراً –المكونه من الشين والذال شذّ أو شذ ذ ،لا،- تأتي غالباً بعبارات أخرى مثل لا يتابع عليه ، غير محفوظ، أو لا نعلم أحداً رواه غير فلان، وهكذا فإذاً لو وجدت أو مر بك في كلام أبي حاتم وهو يكثر من استعمال هذا اللفظ "منكر" أو الذي أخطأ ثقة تقول نحن درسنا في علم المصطلح أنّ المنكر : هو ما تفرد به الضعيف وأنّ هذا الإمام أخطأ ،فنقول هذا أحد الإطلاقات وليس كلها ، هذا فقط يكفي أن تخرج بمثل هذه المدارسه المختصرة بأنّ هذه المصطلحات تتناوب عند الأئمة . وفي النهاية أن الحديث مردود وغير مقبول لكن يُنتبه إلى نقطة أيضاً وهي لماذا ينص الأئمة على هذا النوع من المصطلحات وهو لسبب مهم أخر ليست قضية مجرد الرد لأنّ الضعيف البيّن ضعفه أيضاّ يُ رد لكن إذا وجدتهم يقولون "منكر" فأعلم أن هذا عند الإمام خطأ أيّ لا يقبل الانجبار ونحن نعلم أن من الأحاديث ما في أسانيدها ضعف يسير منجبر، فإذا وجدت الإمام يقول "منكر" فهذا لا يقبل الانجبار ما معنى منكر ؟

عدد الصفحات ٦

الإمام أحمد-رحمه الله- يقول: (المنكر أبداً منكر) بعبارةٍ أوضح كأنه لم يُخلق أصلاً، هذا الإسناد إنما وُجد في رأس هذا الراوي على سبيل الوهن . خذْ مثالا : لو جئت أنا وقلت حدّثنا ابن باز قال : حدّثنا عبد الرحمن بن سعدي ،هما متعاصران لكن ما حدث وأن جلسا سوياً ، يأتي إمام ويقول حديث عمر هذا حديث منكر -أيّ ما وُجد إلا في ذهن ي أنا، أنا حصل مني وهن وأخطأت حينما قلت هذا الإسناد ، فلا يصلح أن يأتي أحد ويأتي بأسانيد أخرى فيها ضعف ويقول هذا ينجبر بهذا لأنّ المنكر باختصار عند هذا العالم غلط -غير موجود- إسناد لم يُخلق ولهذا قال أحمد –رحمه الله-: (المنكر أبداً منكر )أيّ لا يصلح للجبر ولا للاعتبار ولا يصلح أن تقوىّ به الروايات الأخرى . إذاً ماذا نصنع ؟ نبحث عن أسانيد أقل ضعفاً ولا يوجد فيها نَكَار، وهذا سبب عناية العلماء وحرصهم على إبراز هذه المصطلحات ( الشذوذ والنَكَارة ) بخلاف ما لو قالوا مثلاً: دلسه فلان، أو قالوا حديث ضعيف ، أو كذا من العبارات التي تدل على إمكان الباحث أن يجتهد في جمع الطرق حتى يجبر هذا الخلل الموجود ولهذا لمّا سُأل أحمد –رحمه الله – لماذا تكتب حديثاً مثل ابن لهيعة وأنت تضعّ فه ؟ قال: إنما نكتب حديث ابن لهيعة وأمثاله لنعتبر به أي أننا نُبقيه عندنا فإن وجدنا أحداً وافقه على هذه الرواية من أضرابه عرفنا أن لرواية ابن لهيعة أصلاً وأنّ هذا الحديث لم يتفرد به ابن لهيعة بينما المنكر خطأ. قام على التفريغ: الطالبة/ عائشة أحمد الحارون قام على التعديل: الطالبة/ رحاب أحمد الصفيان وتم التفريغ بإشراف مركز العروة الوثقى للعلوم الشرعية aslam4aa

عدد الصفحات ٧