المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

قرينة السياق وأثرها في النص القرآني

عبد الباقي بدر الخزرجي

صفحة ١ من ٢

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 221 قرينة السياق وأثرها في النصّ القرآني أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي الجامعة المستنصرية / كلية الآداب المقدمة: النصّ القرآني معجز في كلّ جانب من جوانبه ويجذب الباحث جذبا مغناطيسيا نحوه لكي يتلمس مواطن الإشراق في مستوياته التعبيرية والإبداعية ولاسيما الجوانب التي تمنح الباحث مجالات واسعة وعميقة لكي ينهل ما يشاء من علوم القرآن الكريم ،ومن خلال متابعتي لموضوع دراسة القرائن اللفظية والمعنوية والحالية وغيرها في الجملة العربية تلمّست نوعا مهما من القرائن في الأثر والوظيفة وهو ما يعرف بقرينة السياق وتسمى كذلك بكبرى القرائن السياقية ،وهذا التلمس جعلني أتابع الموضوع وأفكر جديّا أن أبحث فيه لعلي أصل إلى ما أبتغي ؛فجاءت فكرة البحث وشرعت بالعمل بعد أن تابعت مفهوم القرينة لغة فوجدته أقرب إلى المصاحبة ومن ثمّ تابعته اصطلاحا وانتقلت بعد ذلك إلى معنى السياق لغة وقدمت ملخصا موجزا عن المعنى اللغوي للقرينة والسياق وسوف أسعى لأجد العلاقة ما بين الدلالة اللغوية لهما وما بين الدلالة القرآنية المستخدمة لهما إذ دلّت المعاني اللغوية لهما على المصاحبة والانزياح والتحول من مكان إلى آخر ؛ووجدت أن القرآن يستخدم مفهوم السياق بمعنى الحركة و الدفع والانزياح ،ولاحظت أن قرينة السياق من الأهمية بما لا ترتقي له أية قرينة أخرى من حيث الدلالة على المعنى لذا اهتم المفسرون والبلاغيون والدارسون بموضوع السياق اهتماما أعطى الموضوع عمقّا علميا وفكريا بعيدا وتناول البحث بعض آراء الدارسين المعاصرين في هذا ا لجانب ،وكشف عن الأهمية التي أناطتها الدراسات المعاصرة لقرينة السياق كونها من كبرى القرائن اللغوية بل اتجه المتحمسون لهذه النظرية إلى أن الكلمة لا معنى لها خارج السياق ،ومن ثم أخذت آراء بعض المفسرين في فهمهم وكيفية تعاملهم مع قرينة السياق ؛ولمست أنهم يولون قرينة السياق أهمية قصوى كونها تعمل على مساعدتهم في كشف أسرار الكثير من المعاني والخوض في اختيار الكلمات القرآنية إذ تعاملوا مع النص القرآني كونه نصّا مقدسا فاشترطوا في المفسر أن يراعي السياق اللغوي فيتم استحضار النص القرآني بأسره عند تفسير بعضه .وذكرت بعض المعطيات عن علاقة العلماء والمفسرين

عدد الصفحات ١

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 221 بالسياق ،وثم ذهبت لبعض التطبيقات والنماذج القرآنية لكي ألتمس أثر قرينة السياق على النص القرآني وكانت محاور التطبيق على ثلاثة هي :أثر السياق في ترجيح الألفاظ، وأثر قرينة السياق في الترادف ،وأثر قرينة السياق في تماسك النص وترابطه .وذكرت على كل نوع من الدراسة أمثلة تطبيقية من السور والآيات القرآنية ،وتوصلت إلى القدرات العالية التي تتمتع بها قرينة السياق في فضّ المعاني المشتركة وا حالاتها سياقيا إلى معان صغرى تكمن في اللفظة ويغذيها السياق؛فضلا عن كون السياق هو المعبر الرسمي ع ن الأعجاز القرآني فالمعاني تنشأ من التركيب والتركيب ينشئ جملا والجمل تصنف بحسب السياق الكلي للقرآن وتفهم كذلك بحسبه؛ويعمل على ربط وتماسك الأجزاء الخارجية للنص والأجزاء الخفية على نحو يوحي بأهمية وضرورة كبرى لهذه القرينة التي فيها جوانب كثيرة ومتنوعة لازالت بحاجة إلى متابعة ودراسة للبحث عنها من جميع الزوايا والجوانب الفكرية والعلمية وحاولت أن أقدم رؤية جديدة وقراءة تعبيرية لهذه القرينة المهمة أسأل الله السداد في التفكير والنية والحمد لله ربّ العالمين. القر ينة لغة: قارن :-(القرن) للثور وغيره ،والقرن الخصلة م ن الشعر ،ويقال للرجل قرنان أي ضفيرتان. وذو القرنين لقب الأسكندر الرومي و(القرن) ثمانون سنة وقيل ثلاثون.و(القرن)مث لك في السن تقول هو على قرني أي على سني .و(القرن) في الناس أهل زمان واحد قال الشاعر: إذا القرن الذي أنت فيهم وخلّفت في قرن فأنت غريب و(القرن): قرن الهودج ، والقرن جانب الرأس وقيل: منه سميّ ذو القرنين لأنه دعاهم إلى الله فضرب على قرنيه و(قرن) الشمس أعلاها وأول مايبدو منها في الطلوع و(القرن) بالتحريك موضع وهو ميقات أهل نجد ومنه أويس القرني(رض) و(القرن)أيضا مصدر قولك رجل أقرن بيّن (القرن) و هو (المقرون) الحاجبين وبابه طرب و(القرن) بالكسر كفؤك بالشجاعة و(القرنة) بالضم : الطرف الشاخص من كل شيء يقال قرنه الحبل وقرنه النصل ،و(قرن) بين الحج والعمرة يقرن بالضم والكسر (قرانا) أي جمع بينهما . وقرن الشيء بالشيء وصله به وبابه ضرب ونصر .و(قرنّت) الأسارى في الحبال شددّ للكثرة قال تعالى:’(مقرنين في الأصفاد) وأقترن الشيء بغيره( وقارنته قرانا) صاحبته ومنه قران الكواكب .و(القران) أن تقرن بين تمرتين تأكلهما وبابه باب قران الحج وقد ذكر وأقرن له أطاقه وقوي عليه قال الله تعالى :(وماكنا له مقرنين) أي مطيعين و(القرين) الصاحب و(قرينة) الرجل آمراته و(القرون)الذي يجمع بين تمرتين في الأكل يقال:أبرما قرونا .و(قارون) اسم رجل يضرب به المثل في الغنى لا ينصرف للعجمة والتعريف ( 1) القرينةاصطلاحا

عدد الصفحات ٢

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 221 هي عنصر من عناصر الكلام يستدل به على الوظائف النحوية2) وتقسم ال قرينة على أقسام متنوعة منها على سبيل المثال: القرينة اللفظية: وهي التي يتمكن القارئ من خلالها معرفة اللفظ وموقعه هذا فاعل وذاك مفعول به أو غير ذلك . أما النوع الآخر من القرائن فهو القرينة المعنوية :وهي العلاقة التي تربط ما بين عنصر من عناصر الجملة وبين بقية العناصر ومث ال ذلك علاقة الإسناد ، وعلاقة التعدية ،وعلاقة المصاحبة ،وعلاقة الغائية والظرفية إلى غير ذلك ( 3) وقبل الولوج في موضوع البحث وهو قرينة السياق أودّ أن أسلط الضوء على مصطلح (السياق) لغة واصطلاحا ومن ثم أبدأ ب دراسة قرينة السياق في القرآن الكريم السياق : لغة السياق: من (س و ق) و(الساق) ك السياق: والجمع (سوق) مثل أسد وأسد و(سيقان) وأسوق.و(ساق) الشجرة جذعها ( 4) وأصل السياق: سواق فقلبت الواو ياء" لكسر السين وهما مصدران للفعل ساق يسوق. (5) وساق الماشية يسوقها سوقا وسياقا ومساقا وأساقها فهو سائق وسوّاق وقد أسقته إبلا ،أي أعطيته إبلا يسوقها والسيقة ما يساق من الدواب (6) والرياح تسوق السحاب فهو سيّق وقد جاء هذا المعنى في القرآن الكريم في قوله تعالى في سورة السجدة الآية / 22(أولم يروا أنّا نسوق الماء إلى الأرض الجرز وفي حديث أم معبد : فجاء زوجها يسوق أعنزا ما تساق أي ما تتابع والمساوقه المتابعة كأن بعضها يسوق بعضا .(2) وقال الزمخشري :(ومن المجاز يسوق الحديث أحسن سياق وا ليك سياق الحديث ،وهذا الكلام مساقة إلى كذا ، وجئتك بالحديث على سوقه أي سرده.)( 8) ويقصد بالسرد التوالي والتتابع كما في قول ) سرد الحد يث والقراءة وجاء بهما على ولاء.)ونستطيع أن نبحث عن العلاقة ما بين الدلالة اللغوية لمفهوم السياق والدلالة الاصطلاحية له من الجوانب القرآنية،فنحن وجدنا أن دلالة السياق اللغوية تدل على الحركة والإنزياح من مكان إلى آخر مثل حث الماشية أو السحاب أو الناس على السير ومنه قوله تعالى في سورة فاطر الآية/ 9(والله الذي أرسل سحابا فتثير سحابا فسقناه إلى بلد ميت فأحيينا به الأرض بعد موتها) وقوله تعالى في سورة الزمر الآية/ 23 (وسيق الذين اتقوا ربهم إلى الجنة زمرا) ولو تمعنا النظر في الآيتين الكريمتين نجد معنى الحركة والانزياح المكاني جليّا واضحا إذ وجود التتابع والتناسق وهنا ربط ما بين الدلالة اللغوية واستخدام القرآن للمفهوم ولو رجعنا قليلا إلى استعمال السياق كونه مفهوما في التراث العربي فأننا نجد أن البلاغيين والمفسرين وغيرهم أن استعمالاتهم لمفهوم السياق أخذت تختلف

عدد الصفحات ٣

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 وتتنوع وبحسب فهمهم له وكيفية ت عاملهم مع النص كونه يتضمن سياقا داخليا أو خارجيا أو عاما . وبعد هذه النبذة الموجزة عن مفهوم القرينة والسياق لغة واصطلاحا وبيان المعنى اللغوي لهما أصل إلى نتيجة مفادها أن استخدام القرآن لمفهوم القرينة جاء بمعنى الصاحب أو الملازم وذلك من خلال بعض النصوص القر آنية مثلما جاء في سو رة ق الآية/ 22(قال قرينه ربنا ما أطغيته ولكن كان في ضلال بعيد) يقول صاحب تفسير الميزان :(المراد بهذا القرين قرينه من الشياطين بلا شك وقد تكرر في كلامه تعالى ذكر القرين من الشيطان والذي يلازم الإنسان ويوحي ما يوحي إليه من الغواية والضلال)(9)إذ يؤكد ذلك الله تعالى في سورة الزخرف الآية 38(ومن يعش عن ذكر الرحمن نقيّض له شيطانا فهو له قرين وا نهم ليصدونهم عن السبيل ويحسبون أنهم مهتدون حتى إذا جاءنا قال ياليت بيني وبينك بعد المشرقين فبئس القرين) . فقوله(قال قرينه) أي شيطانه الذي يصاحبه ويغويه (ر بنا) أضاف الرب إلى نفسه – والإنسان الذي هو قرينه لأنهما في مقام الاختصام وفي موضع آخر نؤ كد معنى القرينة من خلال السياق في قوله تعالى من سورة ق الآية/ 23 (وقال قرينه هذا ما لديّ عتيد يقول صاحب تفسير الميزان (لا يخلو السياق من أن المراد بهذا القرين المل ك الموكل به السائق كان معنى قوله (هذا ما لديّ عتيد ) هذا الإنسان الذي هو عندي حاضر ،وأن كان هو الشهيد كان المعنى هذا –وهو يشير إلى إعماله التي حمل الشهادة عليها –ما عندي من أعماله حاضر مهيأ وقيل :المراد بالقرين الشيطان الذي يصاحبه ويغويه ومعنى كلامه على هذ ا الإنسان الذي توليت أمر ه وملكته حاضر مهيأ لدخول جهنم ).(11) عنوان الدراسة قرينة السياق وهنا قدّمت ملخصا موجزا عن المعنى اللغويللقرينة والسياق وأود أن أجد العلاقة ما بين الدلالة اللغوية لهما ومابين الدلالة القرآنية المستخدمة لهما جاءت المعاني تدل على المصاحبة والحركة والانزياح والتحول من مكان إلى آخر ولو جعلنا موازنة مع استخدام القرآن لهما نجد أن القرآن استعمل مفهوم السياق بمعنى الحركة والدفع والانزياح مثلما ذكرت من أمثلة سابقة ،والواقع أن أهمية قرينة السياق لا ترتقي إليها أية قرينة أخرى من حيث الدلالة على المعنى فلذا اهتم المفسرون والبلاغيون والدارسون بموضوع السياق اهتماما أعطى الموضوع عمقا علميا وفكريا بعيدا وسوف أتطرق إلى بعض آراء الدارسين المعاصرين في هذا الجانب. السياق والدرس المعاصر :

عدد الصفحات ٤

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 212 الخطابيدل السياق في البحث اللغوي المعاصر على الإطار الذي جرى فيه ا لخطاب مابين شخصين أو أكثر ويشمل الزمن الذي دار فيه والمفاهيم المشتركة ما بين المتخاطبين والكلام السابق للمحادثة )(11) وللعرب والهنود سبق في مجال دراسة السياق اللغوي ، ولكن للغربيين الفضل في تحويل السياق إلى نظرية قابلة للتطبيق على جميع أنواع المعنى من صوتية وصرفية ونحوية واجتماعية ووضعوا لها من المعايير والإجراءات ما يجعلها تقف على قدم المساواة مع بقبة النظريات التي عالجت المعنى بالتحليل والتفسير.ومن الواضح وجود ملامح لدرس السياق في المتن اللغوي الغربي العام،يتحدد قبل أو بعد عالم اللغة الانكليزي (فيرث) على الرغم من أن نقطة الانطلاق الحقيقية لفيرث تجسدت في الإفادة من جهود (مالينوفسكي)( 12) يقول علي عزت (أن كلا من فيرث ومالينوفسكي يستخدمان هذه النظرية بطريقة مختلفة ويرجع هذا إلى كون أحدهما كان عالما أنثروبولوجيا وهو الثاني الذي أفضت به دراساته للأجناس إلى اهتمامه العارض باللغة بينما كان فيرث عالما لغويا مهتما بالثقافة الإنساني ة إلى الدرجة التي أعانته على تكوين نظرية لغوية)( 13) لقد قدم فيرث السياق على أنه أطار منهجي يمكن تطبيقه على الأحداث اللغوية أو كما يقول بالمر(جزء من أدوات عالم اللغة مثله مثل الفصائل النحوية التي يستخدمه ا ) ونجد أن مالينوفسكي استعمل مصطلح سياق الحال- الموقف كما مرّ -باعتباره الموقف الفعلي الذي حدث فيه الكلام وهو يقود إلى نظرة أوسع للسياق تشمل الخلفية الثقافية التي وضع الحدث الكلامي بإزائها .(14) أي أن معنى الجملة يتحدد بالسياق المعين والذي ترد فيه والسياق الذي قصده مالينوفسكي هو البيئة الطبيعية أو الواقع الثقافي للمجتمع وهو جزء ما يعرف الآن باللسانيات الحديثة بالتداولية وسّع فيرث هذا المفهوم ، فقال (أن الجمل تكتسب دلالاتها في النهاية من خلال ملابسات الأحداث ،أي من خلال سياق الحال كما أ، المعنى لا ينكشف إلا من خلال تسييق الوحدة اللغوية ،أي وضعها في سياقات مختلفة )(15). نخرج من هذا الكلام بتداخل سياق النص وسياق الموقف لغويا وهو ما أكده فيرث وأسماه بالتوازي ما بين السياقات الداخلية والخارجية للموقف . يرى فندريس أن السياق (هو الذي يعين قيمة الكلمة ، إذ أن الكلمة توجد في كل مرة تستعمل فيها في جو يحدد معناها تحديدا مؤقتا والسياق هو الذي يعرض قيمة واحدة بعينها على الكلمة ، على الرغم من أن المعاني المتنوعة التي في وسعها أن تدل عليها والسياق كذلك يخلص الكلمة من الدلالات الماضية تدعها الذاكرة تتراكم عليها و هو الذي يخلق لها قيمة معنوية )(16.)

عدد الصفحات ٥

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 و يختلف هذا الاتجاه عند عالم اللغة السويسري دي سوسير فهو يشير إلى أن السياق (يتركب دائما من وحدتين متتاليتين فأكثر والكلمة إذا وقعت في سياق ما لا تكتسب قيمتها إلا بفضل مقابلتها لما هو سابق ولما هو لاحق بها أو لكليهما معا )(12.) ومن هنا نتلمس الأهمية التي أناطتها الدراسات المعاصرة لقرينة السياق كونها تعد من كبرى القرائن اللغوية، بل اتجه بعض المتحمسين لنظرية السياق إلى أن الكلمة لا معنى لها خارج السياق وهو رأي ذا نزعة نافية للاحتمالات القائمة في الكلمة بتلاحمها مع قرائن د لالية أخرى يتكون السياق ويزداد وضوحا،هذه الأهمية لقرينة السياق أعطت للدراسة مسوغات التحليل والاستنتاج لجلي الجوانب المظلمة وتسليط النور والاستشراف فيها لكي نصل إلى نتيجة مفادها أن للنص القرآني معاني خاصة تتعلق بالألفاظ المفردة قد تختلف في دلالتها على المعن ى العام للنص القرآني إذا ما أخذنا بنظر الاعتبار المعنى العام للنص من خلال الفهم الدقيق الذي يمنحه السياق العام للنص القرآني وما يتعلق بالجو العام للسورة وظروفها السابقة للنص واللاحقة به وسوف يتضح جليا من خلال التحليل في ثنايا البحث . ونقف الآن على بعض آراء المفسرين في فهمهم وكيفية تعاملهم مع قرينة السياق . -*المفسرون وقرينة السياق نظرا لعلاقة أهل التفسير بالقرآن الكريم وتعاملهم المباشر معه جاء اهتمامهم بقرينة السياق والاستعانة بها في كشف إسرار الكثير من المعاني والخوض في اختيار الكلمات القرآنية وترك سواها أو استعمال كلمة في سياق قرآ ني معين . وتعامل المفسرون مع النص القرآني كونه نصّا مقدسا ، إذ تعاملوا معه كاللهب ،فاشترطوا على المفسر أن يراعي السياق اللغوي فيتم استحضار النص القرآني بأسره عند تفسير بعضه فمن (أراد تفسير الكتاب العزيز طلبه أولا من القرآن، فما أجمل منه في مكان فقد فسر في موضع آخر)(18).وكذلك اشترطوا معرفة السياق الحالي بمعرفة أسباب النزول والناسخ والمنسوخ .( 19) ويجب على المفسر أن يكون ذو معرفة واسعة بألفاظ اللغة العربية ودلالاتها وا لا دخل في باب الممنوع إذا ما فسر بالرأي، قال مالك بن أنس : لأوتي برجل يفسر كتاب الله غير عالم بلغة العرب إلا جعلته نكالا ،وعلى الرغم من نزعة التقديس والحذر البادية في التعامل مع النص القرآني،إلا أن المفسرين كانوا الأكثر تناولا للقرآن الكريم بالبحث فيما يتعلق بكل ما تناوله الآخرون من قرّاء ولغويين وبلاغيين وفقهاء. قال أبو حيان :إن التفسير (علم يبحث فيه عن كيفية النطق بألفاظ القرآن ومدلولاتها وأحكامها الأفرادية والتركيبية ومعانيها التي تحمل عليها حالة التركيب وتتمات ذلك)( 21)

عدد الصفحات ٦

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 حديث أبو حيان فيه إشارة ضمنيه إلى قرينة السياق وذلك عند كلامه عن التراكيب التي تنتج عن المعاني ،ويؤك د أن السياق يفسر المضمرات ،ففي قوله تعالى من سورة ص الآية/38(حتى توارت بالحجاب )نجد أن الضمير في (توارت) يعود إلى مضمر يفسره سياق الكلام والمعنى .(21.) أما الطبري فيرى وجوب مراعاة سياق الكلام وينص على أنه يجوز صرف الكلام كما هو في سياقه إلى غيره بحجة ... يجب التسليم من دلالة ظاهر التنزيل أو خبر عن الرسول تقول به حجة .( 22). يعتمد المفسرون في تفسير آي القرآن الكريم على طريقين ،الأول :التفسير بالمأثور والثاني: التفسير بالرأي ،فأما الأول فمصدره القرآن والسنة أقوال الصحابة ، يقول ابن كثير(أن أصح الطرق في ذلك أ ن يفسر القرآن بالقرآن فما أجمل في مكان فقد بسّط في موضع آخر، فأن أعياك ذلك فعليك بالسنة ،فأنها شارحة للقرآن وموضحة له )( 23) أما الطريق الثالث الذي يشير إليه ابن كثير هو معارف ألصحابه القرآنية واستقراؤهم للمسهد القرآني المستنبط من الفهم العام ، وهذه الطرق ا لثلاث للتفسير بالمأثور تعتمد في معظمها على السياق بنوعيه ، فهي تركز على استقراء النصوص (سياق القرآن) فأنه يفسر بعضه بعضا أو السنة فهي أن لم تكن فعلا أو تقريرا فهي قول أي نص ففي هذين الطريقين - استقراء النصوص والسنة -تناوب للقرآن الكريم بنصوص منه ومن السنة وهذا سياق النص . ومما فسر بالقرآن ما فسر الرسول قوله تعالى من سورة الأنعام الآية/ 2 (ولم يلبسواإيمانهم بظلم).لما نزلت سأل الصحابة ، فقالوا : أينا لم يظلم نفسه ؟ ،ففسره النبي بالشرك واستدل عليه بقوله تعالى من سورة لقمان الآية / 13 (إن الشرك لظلم عظيم )،أما سياق الموقف فيبدوا في أقوال الصحابة في التفسير ،لأنهم شاهدوا القرائن والأحوال ،وهذه القرائن تتمثل أولا : في أسباب النزول ،فكثير من الآيات ارتبطت بمواقف وأحوال اقتضت نزولها .ولعل سياق الحال أو الموقف- أو الفهم التداولي للنص ويحيل الإشكال في النص إلى نص آخر،وا ذا لم يسعفنا سياق القرآن في كشف الملتبس ومن ذلك ما روي عن مروان بن الحكم حول فهمه لقوله تعالى من سورة آل عمران الآية / 188 (ولاتحسبن الذين يفرحون بما أتوا ويحبون أن يحمدوا بما لم يفعلو ا فلا تحسبنهم بمفازة من العذاب ولهم عذاب اليم ).حيث قال :( 24) (لئن كان كل امرئ فرح بما أوتي وأحب أن يحمد بما لا يفعل معذبا ، لنعذبن أجمعون ،حتى بيّن له ابن عباس أن الآية نزلت في أهل الكتاب حين سألهم النبي عن شيء ، فكتموه إياه وأخبره غ يره وأروه أنهم أخبروه بما سألهم عنه واستحمدوا بذلك إليه ،ومن العناصر السياقية التي عني بها المفسرون وأولوها اهتماما عنصرا الزمان والمكان وأوضح تطبيقاته ،المكي والمدني وهما يصلحان للزمان والمكان ،باعتبار إن مكة غير المدينة مكانا كما إن إحداث مكة سابقة زمنيا أحداث المدينة

عدد الصفحات ٧

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 واعتمد المفسرون في معرفتهم للمكي والمدني طريقين ،الأول سماعي ومعرفته أسباب النزو ل ،والثاني قياسي مبني على دراسة نصية موضوعية لما ضمّه المسموع من المكي والمدني .(25 ) إن الفرق بين المكي والمدني فرق خطابي يعتمد الموضوعية التي تعتمد بدورها على الأحوال المكانية والزمانية أوبعض التراكيب الصياغية ’(26)وفي هذا إشارة واضحة عميقة لسياقي النص والحال عند المفسرين .وعند تتبع أحوال المفسرين نجد ملامح التحليل النصي واضحة لديهم والاعتماد على القرائن السياقية بائنة جلية،فالتناسب بين الآيات والسور ما هو إلا تجاوز للأسلوب التقليدي في فهم النص القرآني ،فهم للم يقفوا على اللفظ أو الأعراب أو العلائق النحوية وا نما تعدّوه إلى البحث في النظام القرآني وتحليله فالمختار –كما جاء في التعبير- في الصفات الواردة في القرآن إن تكون مناسبة لسياق ما قرنت به ، ولايخرج السياق في كلّ أحواله –الفهم القديم والحديث- عن توسيع للدلالات الأولى التي حفل بها السياق داخل النص وخارجه فيما بعد ، فالسياق أكبر القرائن الدلالية والمبنى الأكبر (22.)مثلما يرى تمام حسان ويقول الشيخ عزالدين :يرشد إلى تبين المجملات وترجيح المحتملات وتقرير الواضحات وكل ذلك بعرف الاستعمال ،فكل صفحة وقعت في سياق المدح كانت مدحا وأن كانت ذما بالوضع وكل صفحة وقعت في سياق الذم ذما وأن كانت مدحا بالوضع )(28).حتى وأن فرّقالأسلوبين كميا بين نوعين من السياقات الأسلوبية : أولهما ؛ السياق الصغير ويقصد به الجوار المباشر للفظ قبله وبعده وعنى أسلوبيا بدراسة الكيفيات التي تتفاعل بها الكلمات فيبرز بعضها بعضا ويؤثر بعضها في بعض. والآخر:السياق الكبير: ويقصد به أحيانا ما هو أكبر من الجوار المباشر للفظ كالجملة أو الفقرة أو الخطاب جملة وقد يتخذ هذا المصطلح أسلوبيا دلالة، تتجسد في جملة المعطيات التي تحفز القارئ وهو يتلقى النص بموجب مخزونه الثقافي والاجتماعي ).( 29) ويمكن لنا أن نخرج بم عطيات عن علاقة العلماء والمفسرين بالسياق: 1- إن العلماء العرب كانوا على وعي تام بمفهوم السياق وهم سبقوا علماء اللغة المحدثين بتأصيل نظرية السياق وأن لم تكن متكاملة . 2- يشمل السياق بمفهومه الحالي ؛السياق اللغوي وسياق الموقف أو الحال، أن السياق اللغوي هو الأرض ال خصبة التي تظهر فيها المباني بنوعيها ( الوظيفية والمعجمية)لأن السياق كما يرى هايمز يؤدي دورا مزدوجا ؛ إذ يحصر مجال التأويلات ويدعم التأويل المقصود ولذلك قال عنه أولمان أنه الحارس الأمين للمعنى. 3- لاتختلف آراء العلماء المعاصرين والقدامى في ضرورة الاستناد إلى دلالة السياق لتحديد المعنى.

عدد الصفحات ٨

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 4- إن العناصر السياقية تجعل من السياق تراكميا، متعدد الدلالة وهذا يكشف عن صلاحية السياق في إيجاد شكل آخر للتحليل. 5- إن النص القرآني يفهم من خلال ثلاثة سياقات ؛سياق النصّية ،وسياق الحال،وسياق القرآن نفسه . وبعد هذه المعطيات والاستنتاجات من علاقة العلماء العرب والمفسرين بالقرائن السياقية وكيفية التعامل معها كونها أحدى أبرز الوسائل المهمة التي توصل القارئ إلى المعنى الأشمل ،الأكمل للنص القرآني الذي عندما جاء عالج موضوعات اجتماعية وأخلاقية وسياسية لا يمكن إجمالها في لفظ معين أو في ألفاظ محدده بل كان في كثير من الأحيان المفهوم العام والكامل للنص القرآني هو الذي يمنح النص بعدا تصويريا متكاملا وسوف ننتقل بالدراسة إلى تطبيقات ونماذج من القرآن الكريم لنتلمس أثر قرينة السياق في جوانبه ا المتنوعة على النص القرآني . دراسة تطبيقية لنماذج نصّية حول قر ينة السياق في النصّ القرآني أولا: أثر السياق في ترجيح الألفاظ : جاء ترتيب الألفاظ في علاقة بعضها بب عض في القرآن الكريم على نحو معجز إ ذ وصل النص بصورة متماسكة ورصينة من حيث البناء والنظام مظهرة صورة وقدرة البارئ عزّ وجلّ في ذلك . إذ جاء اختيار الألفاظ بعناية وبناء الجمل لم يكن اعتباطيا بل ورد سرّا من أسرار الأعجاز القرآني،يرى عبد القاهر الجرجاني (إن لكل نوع من المعنى نوعا من اللفظ به أخصّ وأولى وضروبا في العبارة هو بتأديته أقوم ويرى أن اللفظة لا يحكم عليها إلا من خلال السياق لأن الألفاظ لاتفيد حتى تؤلف ضر با خاصا من التأليف ويعم دبها إلى وجه دون وجه من التركيب والترتيب ).( 31)ويشير الباقلاني إلى أن اختيار اللفظوا حلاله في الموقع المناسب في السياق هو أساس البلاغة لأن (إحدى اللفظتين قد تنفر في موضع وتزل عن مكان لا تزل عنه اللفظة الأخرى، بل تتمكن فيه ،وتعزب بج يرانها وتراها في مكانها وتجدها فيه غير منازعة إلى أوطانها وتجد الأخرى لو وضعت موضعها في محل نفار ومرمى شراد ونابية عن استقرار).( 31) إذن في القرآن نظام لغوي فريد ، يختار اللفظ بحسب مقتضيات السياق ويؤثر في اللغة بحسب البناء السياقي الذي يغلب على نسق الآي العام والخاص .فلو نظر نا في قوله تعالى من سورة الأنبياء الآية/21 (وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأخسرين ) وقوله تعالى في سورة الصافات الآية / 98(وأرادوا به كيدا فجعلناهم الأسفلين ) ولو نظرنا إلى استخدام لفظة (الأخسرين) في سورة الأنبياء لنجد أن السياق للآية كان يتكلم عن صراع ما بين نبي الله إبراهيم ‘ع‘ وقومه إذ كادهم بقوله (تالله لأكيدنّ أصنامكم) فحصل صراع بينهم وغلب إبراهيم وحطّم أصنامهم وكانت الغلبة له عليهم ،ولكنهم

عدد الصفحات ٩

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 احتالوا عليه ليطفئوا نوره ويبطلوا حجته فجعلناهم الأخسرين حيث خسروا ببطلان كيدهم وعدم تأثيره وزادوا خسا رة حيث أظهره الله عليهم بالحفظ وا لإنجاء.(32) أما في سورة الصافات استخدم لفظة (الأسفلين) نجد أن السياق العام للآية يعطي صورتين واحدة فوق والثانية أسفل منها وهنا كناية عن جعل إبراهيم ع فوقهم لا يؤثر فيه كيدهم شيئا .( 33) ونجد أن السياق هنا تحدث عن بنيان مرتفع من النار أعدّوه لكي يلقوا النبي إبراهيم فيه فرفعه الله فوقهم ونجاه منهم وجعلهم الأسفلين وكأنهم هم الذين أسقطوا في النار.(34) ولو انتقلنا إلىأنموذج آخر وهو استعمال لفظتي (جاعل) و(خالق) في سياقين قرآنيين مختلفين مع وحدة الموضوع، إذ قال تعالى في سورة البقرة الآية/31(وا ذا قال ربك للملائكة إني جاعل في الأرض خليفة ) . وقال تعالى في سورة الحجر الآية/28 (وا ذ قال ربك للملائكة إني خالق بشرا من صلصال من حمأ مسنون). وقال تعالى في سورة ص الآية / 21 (إذ قال ربك للملائكة أني خالق بشرا من طين نلاحظ أن الله سبحانه وتعالى ذكر في سورة البقرة كلمة (جاعل) .وفي سورتي (ص) و(الحجر) ذكر كلمة (خالق)والسبب في ذلك التحديد والترجيح هو السياق الم ختلف في السورتين ففي سورة البقرة لا يخبر الله الملائكة بخلق آدم فقط وا نما يتجاوز المستوى الإب لاغي للسياق إلى إخبار الملائكة أن آدم سوف يكون الخليفة فجاء السياق العام متلائما ومنسجما مع لفظة (جاعل)لأن الجعل إذا كان بمعنى الخلق فأنّه يستعمل في الشيء الذي يتجدد ويتكرر ومثال ذلك قوله تعالى في سورة الأنعام الآية / 11 (خلق السموات والأرض وجعل الظلمات والنور) .إذ استخدم لفظة (الجعل)مع الظلمات والنور لأنهما يتجددان زمانا بعد زمان وكذلك استخدم لفظة (الخلق) مع السموات والأرض لأن فيه دلالة على أن بعضها يخلق من بعض ، أما لفظة بشر فلا دلالة فيها على التجدد والتكرار ،بل أن السياق العام في سورة البقرة يدل على أن الخلافة المذكورة إنما كانت خلافة الله تعالى، لا خلافة من الموجود الأرضي كانوا في الأرض قبل الإنسان وانقرضوا ثم أراد الله تعالى أن يخلفهم بالإنسان وهناك تأييد لعموم الخلافة مثل قوله تعالى الأعراف / 69 (إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح) وقوله تعالى :يونس / 14 (ثم جعلناكم خلائف في الأرض ) وقوله تعالى النمل 62 (ويجعلكم خلفاء الأرض ). (35) أما قضية الخلقفالمراد به بدء خلق الإنسان وبدليل قوله تعالى:الم السجدة/ 8 (وبدء خلق الإنسان من طين ثم جعل نسله من سلالة من ماء مهين )فهو إخبار عن خلقة النوع وظهوره في الأرض فان خلق أول من خلق منهم ومنه خلق الباقي خلق الجميع .( 36) وقال تعالى في سورة غافر الآية 28 (فإذا جاء أمر الله قضي بالحق وخسر هنالك المبطلون ).وفي موضع آخر من السورة نفسها الآية/85 (وخسر هنالك الكافروننجد أن الذي جعل الأمر مختلف في الآيتين هو السياق العام ودلالة القرينة ففي الآية الأولى استخدم لفظة (المبطلون) لأن

عدد الصفحات ١٠

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 السياق كان يتحدث عن مجيء أمر الله بالعذاب وقضي بالحق فأظهر الحق وأزهق الباطل وخسر عند ذلك المتمسكون بالباطل في دنياهم بالهلاك وفي آخرتهم بالعذاب الدائم .( 32).أي أن السياق كان يجري عملية جدال ما بين المتمسكين بالحق والمتمسكين بالباطل فلذا جاء استخدام لفظة المبطلون . أما في الآية الأخرى فذكر لفظة (الكافرون )لماذا ؟ لأن سياق الآيات جاء أصدق شاهد على أنها سيقت لبيان حال الكفار بعد إتيان رسلهم بالبينات وكيف آلت إلى نزول العذاب ولم ينفعهم الإيمان بعد مشاهدة البأس ؟.فتوجب أن يذكر الكفار في مقابل الإيمان فلذا جاءت لفظة خسران الكفار ملائمة ومنسجمة مع السياق العام للآيات التي سبقتها .( 38) قال تعالى:في سورة النحل الآية 34 (فأصابهم سيئات ما عملوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ) وقال تعالى :في سورة الزمر الآية / 48 (وبدا لهم سيئات ما كسبوا وحاق بهم ما كانوا به يستهزئون ). فنجد أن الله أختار لفظ (العمل) في سورة النحل بينما أختار لفظ ( الكسب) في سورة الزمر ،ولو رجعنا إلى سبب ذلك ل وجدنا أن مقتضيات السياق دعت إلى ذلك والحديث في الآيات التي سبقت موضع الشاهد كله في أطار العمل والثواب والعقاب على أساس نوع العمل كان سلبا أم إيجابا في الدنيا ،يقول الله تعالى أن الظلم الذي وقع عليهم هو من أنفسهم وليس من الله وأنه أمهلهم مرة أو مرتين ولكنهم استمروا في ظلمهم وأصروا عليه فهنا أزم السياق من خلال القرائن بضرورة استعمال لفظ (العمل) فقال تعالى فحاق بهم أي حلّ بهم أو نزل بهم وأصابهم العذاب نتيجة لأعمالهم واستهزائهم بالرسل الذين كانوا ينذرونهم.( 39)أما في سورة الزمر فكانت قرائن السياق ):ام في الآيات التي سبقت النص كلها تدور وتتحدث عن الذين ظلموا والمراد بهم الذين ظلموا في الدنيا وهم المنكرين للمعاد أن لهم ضعفي ما في الأرض من أموال وذخائر وكنوز لجعلوه فدية من سوء العذاب وبعد ذلك تحول مجرى السياق إلى أنهم بدا لهم ما لم يكن بالحسبان أي الظن والتوقع ويتحو ل السياق العام بعد ذلك إلى المراد أنهم سيواجهون في يوم القيامة أمورا على صفة هي فوق ما تصوره وأعظم وأهول مما خطر ببالهم وأيضا مقتضى السياق أن البدو من قبيل الظهور بعد الخفاء والانكشاف بعد الاستتار كما يقول تعالى في سورة ق الآية /22 (فكشفنا عنك غطاءك فبصرك اليوم حديد ). ونصل إلى الشاهد (وبدا لهم سيئات ما كسبوا ) : أي ظهر لهم سيئات أعمالهم بعد ما كانت خفيّة عليهم.(41)ونجد هنا أن السياق حثّ على استخدام ألفاظ الكسب وما يناسبها من معاني سياقية وكان سببا رئيسا في اختيار اللفظ(41.) وفي تفضيل فعل على فعل دليل على ترجيح السياق لمفردات بعينها وا همالها في سياق آخر مع ثبات لزمن الفعل أو اختلافه مثلما يمكن أن السياق قد يرجح زمنا على آخر مع ثبات زمن الصيغة الفعلية ونأخذ مثالا على ذلك قوله تعالى على لسان زكريا في سورة آل عمران الآية

عدد الصفحات ١١

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 /41(قال ربّ أنّى يكون لي غلام وقد بلغني الكبر و امرأتي عاقر قال كذلك الله يفعل ما يشاء ). وقال الله تعالى على لسان مريم في السورة نفسها الآية / 42 (قالت ربّ أنّى يكون لي ولد ولم يمسسني بشر قال كذلك الله يخلق ما يشاء إذا قضّى أمرا فإنما يقول له كن فيكون).فنجد أن الخطاب الموجّه لنبي الله زكريا كان (كذلك يفعل الله ما يشاء) أما الخطاب الموجّه لمريم عليها السلام كان (كذلك يخلق الله ما يشاء ) والسبب الرئيس في هذا هو السياق الذي اقتضى مجيء كل فعل على النحو الذي جاء فيه ويتجلى ذلك في سبيلين: ( 42) الأول : إن لفظ (يفعل ) يأتي عن طريق الأسباب المعروفة فعبّر الله سبحانه وتعالى عن أيجاد (يحيى) لايتم إلا عن طريق زوجين بعد يأس ،وهذا الأمر وأن كان قليلا لكنه ممكن الحدوث والوقوع في الحياة ، أما لفظ (يخلق) لا يجري إلاّ في الإيجاد والإبداع ونبي الله عيسى عليه السلام وجد من غير أب . الثاني : إن لفظ (يفعل ) لا يناسب أن تخاطب به الأنثى ، لما يحمل من إيحاءات مموجة وا شارات غير مناسبة وربما أثار خواطر سيئة فناسب المقام لفظ (يخلق). لكن الزمن في الآيتين ثابت فالمستقبل هو الصيغة الزمنية التي طغت في الآيتين وهو ما يمتاز به الفعل على الرغم من إن معنى الصيغة الفعلية مزدوج فهي تدل على الحدث والزمن وهما معنيان وظيفيان لا ينفكان عن صيغة الفعل وا ن كان زمن الصيغة الوظيفي ما يلبث أن يخضع لسياق الجملة فيتحول من زمن صرفي هو وظيفة الصيغة الفعلية إلى زمن نحوي هو وظيفة سياق الجملة على النحو الذي نراه في قوله تعالى سورة النصر الآية /1 (إذا جاء نصر الله والفتح ) ، وقوله تعالى سورة النحل الآية / 1(أتى أمر الله فلا تستعجله) فجاء وأتى فعلان ماضيان ما داما خارج السياق لكنهما دالان على الاستقبال بقرينة (إذا) و(تستعجلوه) فأضحت وظيفة الزمن من شأن الجملة لا من شأن الصيغة يقول تمام حسان :(معنى الزمن يأ تي على المستوى الصرفي من شكل الصيغة وعلى المستوى النحوي من مجرى السياق ). (43) ثانيا : أثر قرينة السياق في الترادف عندما نريد أن نتحدث عن مفهوم الترادف ،نجد أن العلماء أرادوا أن يؤسسوا لمعنى فيه فجوات لتقبل معان أخرى أو إيراد مترادفات لمعاني في شكل واحد وت طويعها لمجاراة التعدد المضموني وأول من أشار إلى الترادف سيبويه في قوله معرفا الترادف (اختلاف اللفظين والمعنى واحد نحو : ذهب وانطلق )لكن اللغويين لم يضعوا قيودا تميز مفهوم الترادف ولذلك كان الأصوليون أدقّ من اللغويين في تحديد مفهوم الترادف وصياغة بعض شروطه فهم رأوا أن الترادف هو (الألفاظ المفردة الدالة على مسمى واحد باعتبار واحد )(44. )

عدد الصفحات ١٢

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 جمع المثبتون للترادف الألفاظ المترادفة ومنهم الأصمعي وابن خالويه والرماني وابن جني الذي عدّ الترادف من خصائص اللغة العربية وخصص فصلا في كتابه الشهير (الخصائص) أسماه (باب في تلاقي المعاني على اختلاف الأصول والمباني ). والسيوطي أيضا ومن المنكرين ،ابن الأعرابي الذي رأى (أن كل حرفين أوقعهما العرب على معنى واحد،في كل واحد منهما معنى ليس في صاحبه)ومنهم ابن درستويه وابوعلي الفارسي وابوهلال العسكري الذي ألف كتابا في الفروق اللغوية يقو م على إنكار الترادف ( 45)ويذهب صاحب الكتاب إلى الرأي القائل أن الترادف بمعنى التطابق التام في المعنى في السياقات المختلفة غير موجود في الواقع اللغوي،ولا يمكن أن نقر بالترادف إلا إذا كان بمعنى التقارب في المعنى . ولو تمعننا في القرآن الكريم لوجدناه دقيقا في اختيار الألفاظ ،فلكل لفظة دلالة خاصة لا يمكن أن يؤديها غيره فهو يستعمل كل لفظ حيث يؤدي معناه في دقة فائقة تجعل المخاطب يؤمن بأن هذا المكان لا يمكن أن يوضع فيه غير ذلك اللفظ (46) وسوف نأخذ قسما من التطبيقات على بعض الألفاظ التي قيل بترادفها في القرآن الكريم : 1- السنة/ العام لايفرق المعجميون وبعض المفسرين ما بين السنة والعام بل يفسرون أحدهما بالآخر،ويعني أنهم يرون أنهما مترادفان .( 42) وذكرت لفظة السنة في القرآن تسع عشرة مرة ،تسعا منها في القصص القراني (48).وقد استعمل فيها للدلالة على الجدب والقحط والشدة 49)وسوفنأخذ الأمثلة الآتية: قال تعالى في سورة المائدة/ 22(قال فأنها محرمة عليهم أربعين سنة يتيهون في الأرض)فلو رجعنا إلى سياق الآيات التي سبقتها وقرا ئنها لوجدنا أن السياق العام يدل على إن الله سبحانه وتعالى في صدد معاقبة قوم موسى عليه السلام بعد طلبه من الله سبحانه وتعالى أن يفرق بينه وبين القوم الفاسقين إذ قال المائدة /25(قال ربّ إني لا أملك إلا نفسي وأخي فأفرق بيننا وبين القوم الفاسقين ) فجاء جواب الله بمعاقبتهم بتلك السنين المجدبة التي يهيمون فيها ويتحيرون ولايعرفون واجهة لهم ولا سبيلا. وأخذت لفظة السنة معنا آخر في سورة نوح حيث دلّت على المدة التي قضاها نوح في دعوة قومه إذ قال تعالى في سورة العنكبوت / 14(ولقد أرسلنا نوحا إلى قومه فلبث فيهم ألف سنة إلا خمسين عاما فأخذهم الطوفان وهم ظالمون ) تدل قرينة السياق العام للنص بأن مدة الدعوة كانت مدة طويلة استعمل فيها نبي الله نوح عليه السلام كل الأساليب في دعوة قومه لكنه لم يفلح فدعا عليهم فاستجاب الله له فأغرقهم جميعا إذ قال تعالى نوح/ 26(وقال نوح ربّ لا تذر على الأرض من الكافرين ديّارا) ومن دلالة السنين على الشدة والعذاب هو ما

عدد الصفحات ١٣

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 جاء في سورة يوسف 42(وقال للذي ظنّ أنه ناج منهما اذكرني عند ربك فأنساه الشيطان ذكر ربّه فلبث في السجن بضع سنين) . وخلاصة الكلام أن السنة لا تأتي بمعنى العام بل يعود ذلك إلى السياق القرآني في تحديد مدلول كل لفظة منهما ، إذ نلاحظ غلبة مجيء لفظة ( السنة) للدلالة على المشقة والشدة والقحط والجدب ، بينما يغلب مجيءلفظة1 (العام)للدلالة على الرخاء والاستقراء وفسحة العيش.( 51) 2- بجس / فجر بجس :بجس الماء فانجس أي فجره فأنفجر و(بجس) الماء بنفسه يتعدى ويلزم وبابهما نصر(51) وفجر/ فجر الماء فانفجر أي بجسه فأنبجس وبابه نصر وفجّره تفجيرا فتفجّر شدّد للكثرة والفجر آخر الليل كالشفق في أوله وقد (أفجرنا)كأصبحنا من الصبح وفجر فسق وفجر كذب وبابهما دخل وأصله الميل والفاجر(المائل).(52) ذكر لفظ انبجس مرة واحدة في القرآن الكريم في قصة موسى عليه السلام أما لفظة (فجر)فجاءت خمس مرات في القرآن الكريم أربع منها في القصص القرآني.( 53) قال تعالى في سورة الأعراف/ 161(وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه أن أضرب بعصاك الحجر فانبجست منه أثنتا عشرة عينا).يقول صاحب تفسير الميزان :إن دلالة لفظة الأنبجاس هي خروج الماء بقلة والانفجار خروجه بكثرة وظاهر من قوله (فانبجست منه أثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشرب هم) إن العيون كانت بعدد الأسباط وا ن كل سبط أختصّ بعين من العيون وا ن ذلك كان عن مشاجرة بينهم ومنافسة .( 54) وقال تعالى في سورة البقرة 61 (وا ذ استسقى موسى لقومه فقلنا أضرب بعصاك الحجر فانفجرت منه أثنتا عشرة عينا قد علم كل أناس مشربهم ) .يقول صاحب تفسير الميز ان :عندما عبر موسى عليه السلام مع الأسباط البحر كان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر منها أثنتا عشرة عينا كما حكا الله فيذهب إلى كل سبط في رحله وكانوا أثني عشر سبطا ( 55).ويثير بعض الباحثين تساؤلا يبدو للوهلة الأولى مقبولا ومنطقيا .( 56)وهولماذا استخدم التعبير القرآني لفظة (انفجرت) في سورة البقرة ولفظة (انبجست) في سورة الأعراف والحادثة واحدة ؟ ويجيب الباحث عن هذا التساؤل بقوله : إن الفعلين وا ن تقاربا في المعنى فليسا سواء ؛لأن الانبجاس ابتداء الانفجار والأنفجار بعده وغاية له .وا ن التعبير القر آني المعجز يفرّق تفريقا دقيقا ما بين اللفظين ويضع كل لفظ في السياق الذي يناسبه إذ يدل السياق في سورتي البقرة والأعراف على أن الطلب الواقع في الأعراف هو طلب من بني اسرائيل للسقيا من موسى عليه السلام (وأوحينا إلى موسى إذ استسقاه قومه) الأعراف / 161

عدد الصفحات ١٤

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 212 والواقع في سورة البقرة هو طلب موسى من ربه (وا ذ استسقى موسى لقو مه)البقرة/ 61 .فطلبهم السقيا من موسى عليه السلام وهو ابتداء فناسبه اللفظ الذي يدل على ابتداء الأنفجار وهو (انبجست)، أما لفظ (انفجرت)فقد جاء بعد طلب موسى عليه السلام السقيا لقومه وطلبه غاية لطلب قومه ،لأنه واقع بعده ومترتب عليه فناسبه اللفظ الدال على الغاية وهو انفجرت ( 52).وأرى أن السياق العام في سورة الأعراف قائم على الحوار ما بين الأسباط ونبي الله موسى عليه السلام حول وسائل العيش الجديدة في المكان الذي وصلوا إليه ،ومن ثمّ طلبهم منه السقيا فكان الأنبجاس وهو خروج الماء على نحو بطىء لكي يتمكنوا من السقيا وا ن الآيات التي سبقت هذه الآية أكدت عدد الأسباط وتقسيمهم إلى أثني عشرة قطعة ومن إيحاء الله سبحانه وتعالى إلى نبيه أن يضرب العصا لكي يحقق لهم المعجزة بالسقيا فلجأ السياق إلى استخدام لفظة الأنبجاس .أما في سورة البقرة فلجأ إلى استخدام لفظة (انفجرت) لأن المعنى العام للآيات التي سبقت هذه الآية كان يدور حول موسى وقومه وكان الحوار تصاعديا وانفعاليا وسلبيا وقائما على الجدال والمحاججة فيما بينهم وا لى المستوى الذي جعل نبي الله موسى عليه السلام هو من يطلب السقيا لقومه وكان جواب الله سبحانه وتعالى فيه نوع من الشدّة والمناسبة مع السياق الحواري للنصوص القرآنية التي سبقت الآية التي استعملت لفظة (انفجرت) وكأنها جاءت جوابا انفجاريا على تعنت بني اسرائيل ورفضهم محاولات نبي الله موسى عليه السلام معهم،إذ تدخل السياق تدخلا أساسيا و كاملا في تحديد موضع ومكان كل من اللفظتين مع الانسجام الكامل والتام لنفس الحدث في كلا الآيتين . ثالثا : أثر قرينة السياق في تماسك النصّ القرآني . جاءت النصوص القرآنية على وفق الأحداث المكية والمدنية التي مرّ بها الرسول الأكرم عليه الصلاة والسلام وكانت تعالج موضوعات متنوعة وعلى اتجاهات مختلفة منها سياسية ومنها اجتماعية ومنها أخلاقية وأخرى أدارية وعلى هذا الأساس كان لزاما على النصّ بمستويات جلية مشرقة مرة ومرة خفية مستورة وأن هناك لكل نص قرآني مناسبة نزول مرتبطة ارتباطا وثيقا بتلازم وتماسك النصّ . وكذلك هناك علاقات خارجية ما بين دلالات النصّ وأخرى داخلية ،وذلك لأن النصّ القرآني يقدم نفسه بوصفه نصوصا متداخلة في أطار واحد ،فضلا عن كونه يقدم نفسه بوصفه نصّا واحدا في أطار السور المتعددة.(58.) ولو تطرقنا إلى بعض الأمثلة التطبيقية حول التماسك النصّي في القصص القرآني وعلاقاته بالتناسب في سورة يوسف عليه السلام ؛والقصة هي أطول قصة في القرآن الكريم ؛ لوجدناها تأتي كلها في موضوع واحد وعلى الرغم من تميزها بكثرة الأحداث واتصالها في حلقات مترابطة وهي قصة متكاملة تبدأ برؤية يوسف عليه السلام إذ

عدد الصفحات ١٥

قرينة ا لسياق وأثرها في النصّ القرآني .................................................أ.م.د. عبد الباقي بدر الخزرجي مجلة كلية التربية الأساسية العدد الثامن والستون 1122 211 قال تعالى1إذ قال يوسف لأبيه يا أبت إني رأيت أحد عشر كوكبا والشمس والقمر رأيتهم لي ساجدين) سورة يوسف / 4 .وتنتهي القصة برؤيا تتحقق إذ قال تعالى :(ورفع أبويه على العرش وخروا سجّدا وقال ي ا أبت هذا تأويل رؤياي من قبل قد جعلها ربي حقا )سورة يوسف/111(.59)وتتحرك القصة من بدايتها وحتى نهايتها في مجال رؤيا النبي يوسف عليه السلام طفلا ورؤياه وهو كبير وما بين هاتين الرؤيتين مجال تحركت فيه رؤى كثيرة كوّنت مسار الأحداث في داخل المجال الزماني والمكاني للقصة ومن خلال هذه الحركة نستشعر أن هناك خط ربط وتماسك ما بين الرؤيا الأولى التي جسّدت نقطة الانطلاق الفعلية والرئيسة لأحداث القصة وبين الرؤيا النهائية التي جسّدت ختام الأحداث وحصولها على أرض الواقع وما بين الرؤيتين جاءت رؤيتان كوّنت حلقات ربط نصّية تلازمية تماسكية في النصّ القصصي بحيث عمل السياق عملا فنيا متكاملا في ربط الأحداث السابقة واللاحقة وتصوير الم سار على نحو مجال حلمي غير واقعي من الناحية الظاهرية ، ولكنه واقعي من الناحية الباطنية الخفية كون الذي يتكفل بتحقيق الرؤيا على أرض الواقع هو الله سبحانه وتعالى.ورؤيا صاحبي السجن التي لفتت الأنظار نحو يوسف واللجوء إليه في تعبير الرؤيا الملكية ،وكان سبب نجاحه في التأويل من أخرجه من السجن وبدء مرحلة جديدة من حياته انتهت بتحقيق رؤياه. وا شار بعض الباحثين إلى مسألة مهمة جدا وهي وجود أشارات استباقية في السرد فقد كانت أشارة يعقوب عليه السلام إلى الذئب في قوله تعالى (وأخاف أن يأكله الذئب وأنتم عنه غافلون)يوسف/13 تميهدا لما صدر عن الأخوة في زعمهم أن الذئب أكله ،فلم تكن دعواهم مفاجأة حين قالوا:(قالوا ياأبانا إنّا ذهبنا نستبق وتركنا يوسف عند متاعنا فأكله الذئب)يوسف/ 12(61)إذن قرينة السياق قدّمت لنا دلالات استباقية وا شارات تمهيدية لأحداث لما تحصل بعد ويمكن للذهن أن يصل إليها من خلال مساعدة قرينة السياق التي تمكنت على نحو خفيّ من الربط والتماسك ما بين الأحداث والمناسبة المنتمي إليها الحدث. الهوامش -------------------- 1- مختار الصحاح : ص532 – 533 2- روائع البيان : ص 11 3- المصدر نفسه :ص11 4- مختار الصحاح :ص322 5- لسان العرب :مادة (سوق) 6 /435

عدد الصفحات ١٦