مكان وذلك من علامات المتواضعين السابعة أنه إذا طرده أحد من مكان وانصرف عنه عاد إليه وذلك من صفات الراضين الثامنة أنه إذا ضرب وطرد ثم دعي أجاب بلا حقد وذلك من صفات الخاضعين التاسعة أنه إذا حضر شيء للأكل جلس من بعيد وذلك من صفات المساكين العاشرة أنه إذا حضر رجل من مكان لا يرحل معه شيء يلتفت إليه وذلك من صفات المتجردين )34/1( وفاء الكلب للكاتب الإجتماعي رمزي نظيم ... أصبح الغدر لأبن آدم دينا ... وله فيه مذهب وكتاب ... وعجيب أن تعرف الناس بالغدر ... وتختص بالوفاء الكلاب ... شارك الناس كثير من أنواع الحيوان في صفاتهم وطبائعهم فاشتهر الأسد بالحياء والثعلب بالتحيل والقرد بالتقليد والهر بالتلصص ووالذئب بالحرص والكلب بالوفاء وهكذا ووفاء الكلب لكل من أحسن إليه ولو مرة في حياته وخصيصا لمن يكرم عشرته مشتهر بين الناس والحكاية التي أقصها تمثل أرهب صور الوفاء وأجملها وقعا من النفوس حدثني صديقي فقال إن في هيكل الكرنك الفخم وبين تلك الآثار الخالدة بصعيد مصر يسكن الآن رمز من الثعابين والحيات تروح وتغدو على أعين حراس الآثار وتنظر إليهم إذا مرت بهم نظرات من تمر من طريق مخوف ولكنه اعتاده فأطمان إليه وأبقى على شيء من الحذر عدة للطوارىء ر35/1) وكأن تلك الحيات وهي تدل في زحفها تشعر بأنها نزلت منازل الفراعنة الأقدمين واحتلت هياكلهم العظيمة التي أودعوها مهارة صناعهم وبراعة مهندسيهم وقد غرر بها أنها تستطيع أن تنفث سمومها القتالة في وجه من يناوئها العداء ويحاول جلاءها عن منازلها المقدسة ورأى أحد حراس الهيكل وكان حديث العهد بالحراسة ثعبانا هائلا فوق أحد الشرفات فسدد إليه النار فلحظه الثعبان وسرعان ما حاد عنها وأخطأته الرمية وانصرف الحارس في المساء إلى سكنه في وحشته بالليل غير كلب وقد رباه صغيرا فلزمه لزوم الصديق الأمين وكان كلما رقد سيده في فراشه يرقد هوتحت سريره مستيقظا لكل حركة غريبة تحدث في الغرفة وتكدر صفاء سكينتها وفي تلك الليلة نام الحارس نوما عميقا وسمع الكلب حركة غريبة تحت الحجرة فأرسل ببصره الحاد فوجد ثعبانا يزحف إليها فأخذ ينبح نبحا هادئا لطيفا لأيقاظ سيده بغير أن يزعجه وتلك نهاية الوداعة والحنو ولكن سيده أثرت فيه متاعب
عدد الصفحات ١٧النهار ولو خر فوق رأسه السقف لآثر أن يذهب إلى الآخرة على أن يستيقظ من نومه الحلو وراحته الناعمة )36/1( ودنا الثعبان من سرير الحارس يريد الأنتقام منه غوقف الكلب في سبيله وبصبص بذنبه ورفع الثعبان رأسه والتهبت عيناهما بنار الحقد وتطاير الغضب منهما ونشب العراك بينهما فلدغه الثعبان وانطوى حول جسده حلقات متصلة وأنشب الكلب أنيابه في جسده ولم يشأ أن يتركه مخافة أن يموت قبله فيغدر الثعبان بسيده ثم أخذ يودع الحياة وينظر إلى الحارس نظرات حنو وانعطاف وهو راقد في سريره وكأنه يقول له نم مطمئنا واقطف أزاهير أحلامك المفرحة فقد انتقمت لك وذهبت فداءك ثم لمع نور في سماء الغرفة هو سر حياتهما وخر الاثنان صريعين وأبرد الموت حرارة الانتقام منهما وضم بينهما كأنهما محبان معتنقان واسيقظ الحارس في الصباح فوجدهما على تلك الصورة الرهيبة ووجد عيني كلبه المسكين متجهتان إلى سريره جامدتين في محجريهما ولم يعد يلمع فيهما سناء ذلك الحب الظاهر ونور ذلك الإخلاص المبين وعرف أن هذا الثعبان هو الذي أطلق عليه غدارته بالأمس فانهلت دمعة شكر وأسف حارة على جثة كلبه الوفي الصريع فكانت كوسام الشرف الذي تعلقه الحكومات على صدر الجندي الشجاع الذي يظهر بلاء في ساحة القتال وبروح شهيد ولم يستنكف الحارس أن تقدم فزود كلبه الوفي بقبلة بين عينيه )37/1( وشهد كثير من الناس صورة ذلك الصراع العجيب فضربوه مثلا للوفاء وحب الانتقام وقال أحمد أفندي محفوظ الشاعر يمدح كلبا ... تماض الوفاء وعز في الإنسان ... وأراه بين طبائع الحيوان ... فالكلب يحمل للصديق مودة ... بيضاء يحفظها مدى الأزمان ... لا ينمحي عند الشدائد حلوها ... أو تنتهي بطوارق الحدثان ... سيان في القصر المشيد وفاؤها ... أو بين متربة بدارهوان ... الكلب في نظر الفقهاء الكلاب كلها نجسة المعلمة وغيرها الصغير والكبير وبه قال الأوزاعي وأبوحنيفة وأحمد بن حنبل وإسحاق وأبو ثور وأبو عبيدة ولا فرق بين الكلب المأذون في اقتنائه وغيره ولا بين كلب البدوي والحضري وقال الزهري ومالك بن أنس وداود الظاهري أنه طاهر وإنما يغسل الإناء من ولوغه تعبدا ويحكى هذا أيضا عن الحسن البصري وعروة بن الزبير متحجين بقوله تعالى
عدد الصفحات ١٨فكلوا مما أمسكن عليكم ولم يذكر غسل موضع إمساكها وبحديث ابن عمر قال كانت الكلاب ر38/1) تقبل وتدبر في سجد رسول الله ص - وتبول فلم يكونوا يرشون شيئا من ذلك ذكره البخاري في صحيحه ولكن الحاكمين بنجاسة الكلب قالوا لعل حديث ابن عم كان قبل الأمر بالغسل من ولوغ الكلب أو أن بولها خفي مكانه فمن تيقنه لزمه غسله والله أعلم ر39/1)
عدد الصفحات ١٩