المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

هل مكة محفوظة من الطاعون والأوبئة

عمار أحمد الصياصنة

صفحة ١ من ١

1 هل مكة محفوظة من الطاعون والأوبئة؟ د. عم ار الصياصنة الحمدُ لله حمدًا كثيرًا طيبًا مباركًا فيه، وأفضلُ الص لاة وأتمُّ التسليم على نبينا محم دٍ خاتمِ الن بيين وإمام المرسلين، المبعوث رحمةً للعالمين، وعلى آله وصحبه أجمعين. وبعد: ذهب بعض أهل العلم إلى أن مكة -حرسها الله تعالى- محفوظة من الطاعون. وعمدتهم في ذلك: ما رواه الإمام أحمد في مسنده، قال: حدثنا س ريج، قال: حدثنا ف ليح، عن عمر بن العلاء الثقفي، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: ( المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقبٍ منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون)(1) . (1) مسند أحمد10265.)

عدد الصفحات ١

2 وهذا القول ليس بصحيح، وفيما يلي بيان ذلك: أولاً: أن هذا الحديث ضعيف لا حج ة فيه. ففي إسناده: 1- عمر بن العلاء بن جارية الثقفي وأبوه، وهما مجهولان. ذكرهما البخاري وابن أبي حاتم (1)، وسكتا عنهما، وذكرهم ا ابن حبان في الثقات( 2). ولم أقف على من وثقهما من أهل العلم قال ابن أبي حاتم: "عمر بن العلاء الثقفي مديني، روى عن أبيه عن أبي هريرة، روى عنه فليح بن سليمان، سمعت أبي يقول ذلك". وقال: "وقلت لأبي: هو أخو الأسود بن العلاء، فقال: لا أدر ي، هو شيخ مديني"(3). (1) ينظرالتاريخ الكبير للبخاري ( 6/180)، (6/510)،الجرح والتعديل لابن أبي حاتم (6/362)، تعجيل المنفعة (2/47). (2) ينظرالثقات لابن حبان (5/249)، (7/173). (3) الجرح والتعديل لابن أبي حا 6/125).

عدد الصفحات ٢

3 2- فُليح بن سليمان المدني، متكل م في حفظه وضبطه، وضع فه كثير من الأئمة. فهو وإن أخرج له الأئمة الستة، فقد ت كلم فيه، "فضعفه: النسائي، وابن معين، وأبو حاتم، وأبو داود، ويحيى القطان ، والساجي، وقال الدارقطني وابن عدي: لا بأس به"( 1) . وقال الحافظ ابن حجر: "أخرجه عمر بن شبة في كتاب مكة ، عن شريح ( 2) عن فليح عن العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه عن أبي هريرة عن النبي صلى عليه وسلم بهذا، ورجاله رجال الصحيح" (3) . (1) نصب الراية 1/381)، و ينظر: الجرح والتعديل لابن أبي حاتم ( 7/85)، الكامل في ضعفاء الرجال لابن عدي (8/602)، تهذيب التهذيب (8/303)، تحرير تقريب التهذيب ( 3/165). (2) كذا في المطبوع، والصواب: س ريج. (3) فتح الباري 10/191.)

عدد الصفحات ٣

4 وتعقبه محققو المسند بقولهم كذا قال في إسناده (العلاء بن عبد الرحمن عن أبيه)، وهو وهم ، إما من صاحب كتاب مكة (1)، أو من الحافظ ابن حجر، فالحديث لا ي عرف إلا عن عمر بن العلاء، عن أبيه"( 2) . ثانياًأن الحديث رواه الشيخان والإمام مالك في الموطأ من حديث ن عيم بن عبد الله الم ج م ر عن أ بي هريرة بلفظ : (على أنقاب المدينة ملائكة لا يدخلها الطاعون ولا الدجال) (3) . ورواه أحمد من حديث ذكوان السمان عن أبي هريرة بلفظ: (على أبواب المدينة ملائكة، لا يدخلها الطاعون، ولا الدجال)( 4) . ورواه البخاري من حديث أنس بن مالك عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (المدينة يأتيها الدجال، فيجد الملائكة يحر سونها، فلا يقربها الدجا ل، قال: ولا الطاعون إن شاء الله) ( 5) . (1) إن كان عمر بن شبة رواه كما ذكر الحافظ فهو خطأ منه بلا شك، فقد خالفه في ذلك: الإمام أحمد، وسعيد بن منصور، وابن أبي خيثمة، وإن لم يكن رواه كذلك، فيكون الحافظ وهم من اسم عمر بن العلاء إلى العلاء بن عبد الرحمن . (2) مسند أحمد16/185.) (3) موطأ مالك3320)،صحيح البخاري ( 1880)،صحيح مسلم (485). (4) مسند أحمد8917). (5) صحيح البخاري 7134) .

عدد الصفحات ٤

5 ولذا قال الحافظ ابن كثير عن رواية أحمد: "هذا غريب جد ا، وذِ ك رُ مكة في هذا ليس بمحفوظ، أو ذ ك ر الطاعون، والله أعلم"( 1) . وقال ابن الملقن: "ورد بإسناد ضعيف أنها لا يدخلها طاعون أيض ا"(2) . ثالثاًأن الحديث –على فرض ثبوته- لي س صريً ا في نفي دخول الطاعون إلى مكة. فقد تابع الإمام أحمد في روايته عن سريج بن النعمان: ابن أبي خيثمة، ولكن بلفظ: (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، المدينة على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون) ( 3) . وهيظاهرة في أن النفي خاص بالمدينة. وأما ر و اية أحمد فمحتملة، ولفظها: (المدينة ومكة محفوفتان بالملائكة، على كل نقب منها ملك لا يدخلها الدجال ولا الطاعون) ( 4) . (1) البداية والنهاية19/189.) (2) التوضيحلشرح الجامع الصحيح ( 12/531.) (3) تاريخ ابن أبي خيثمة - السفر الثالث- (1 /146.) (4) وكذا رواه سعيد بن منصور عن فليح بن سليمان، كما تاريخ دمشق لابن عساكر ( 14 /308).

عدد الصفحات ٥

6 فيتحمل أن يكون الضمير عائدا للمدينة فقط، بدلالة إفراد كلمة ( منها) ولم يقل منهما. قال السمهودي: " كذا هو لا يدخلها بالأفراد، فيحتمل عودها للمدينة فقط"( 1) . رابعاًأن الواقع يؤكد ضعف هذا الحديث ، فقد وقع الطاعون في مكة في بعض الأزمنة، خلاف ا للمدينة فلم يقع فيها الطاعون قط. قال ابن تغري بردي: "فيها أعني (سنة تسع وأربعين (2)) كان الوباء العظيم ... وعمّ الدنيا حتى دخل إلى مكّة المشرّفة، ثم عمّ شرق الأرض وغربها، فمات بهذا الطاعون بمصر والشام وغيرهما خلائق لا تحصى( 3) . وقال برهان الدين الحلبي عن المدينة: "ولم يتفق دخول الطاعون بها في زمن من الأزمنة، بخلاف مكة فإنه وجد بها في بعض السنين ، وهي سنة تسع وأربعين وسبعمائة"(4) . (1) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى1/158). (2) (749هـ . (3) النجوم الزاهرة فى ملوك مصر والقاهرة ( 10 /233) . (4) السيرة الحلبية2 /119.)

عدد الصفحات ٦

7 وقد أقر الحافظ ابن حجر بوقوع هذا الطاعون في هذا العام، ونقل عن شهاب الدين بن أبي حجلة قوله: "أن مكة لم يدخلها الطاعون قط، إلا هذه المرة، فمات بها خلق كثير من أهلها والمجاورين بالطاعون، وتواتر النقل بذلك"( 1) . لكنه في الفتح حاول التشكيك في تسميته طاعون (2) . خامساً: المنفي في هذه الأحاديث هو دخول الطاعون لا الوباء، والطاعون أخص من الوباء، فكل طاعون وباء، وليس كل وباء طاعون ، ولذا فالنصوص الشرعية لا تدل على امتناع دخول الأوبئة إلى المدينة النبوية حفظها الله من كل سوء. قال الحافظ ابن حجر: "وقد وقع فيها الوباء بالموت الكثير في زمن عمر رضي الله عنه، ففي صحيح البخاري من طريق أبي الأسود الدؤلي قال: ( أتيت المدينة وقد وقع بها مرض، وهم يموتون موتا ذريع ا) ...، وأما الطاعون فلم ي نقل قط أنه وقع بها من الزمان النبوي إلى زماننا هذا ، ولله الحمد"(3) . قال ابن القيم: "الطاعون - من حيث اللغة -: نوع من الوباء، قاله صاحب الصحاح، وهو عند أهل الطب: ورم رديء قت ال يخرج معه تله ب شديد مؤلم (1) بذل الماعون في فضل الطاعون (ص379) . (2) فتح الباري 10 /191). (3) بذل الماعون (ص104.)

عدد الصفحات ٧

8 جدا يتجاوز المقدار في ذلك، ويصير ما حوله في الأكثر أسود أو أخضر أو أكمد، ويئول أمره إلى التقر ح سريع ا، وفي الأكثر يحدث في ثلاثة مواضع: في الإبط، و خلف الأذن والأرنبة ، وفي اللحوم الر خوة... قال الأطباء: إذا وقع الخراج في اللحوم الرخوة، والمغابن، وخلف الأذن والأرنبة، وكان من جنس فاسد : سم ّ ي طاعون ...". ثم قال: " ولما كان الطاعون يكثر في الوباء، وفي البلاد الوبيئة، ع بّّ عنه بالوباء، كما قال الخليل: (الوباء: الطاعون، وقيل: هو كل مرض يعم). والتحقيق: أن بين الوباء والطاعون عموم ا وخصوص ا، فكل طاعون وباء ، وليس كل وباء طاعون ، وكذلك الأمراض العام ة أعم من الطاعون فإن ه واحد منها"(1) . والحاصل أن الثابت في السنة النبوية الصحيحة: نفي دخول الطاعون إلى المدينة، "فلم تزل محفوظة منه مطلق ا في سائر الأعصار، كما جزم به ابن قتيبة، وتبعه جمع جم من آخرهم النوويّ "(2) . وأما الأوبئة فلا يوجد ما يدل على امتناع دخولها للمدينة. (1) زاد المعاد في هدي خير العباد4/35). (2) خلاصة الوفا بأخبار دار المصطفى1 /155.)

عدد الصفحات ٨

9 وليس في النصوص الشرعية ما يدل على امتناع دخول الطاعون -فضلا عن الأوبئة- إلى مكة. نسأل الله أن يحميها وسائر بلاد المسلمين من الطاعون ومن ك ل وباء. والله أعلم

عدد الصفحات ٩