الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 530 المقالة14 :إغارةٌ على حامية الفرقة15 رواية القائد "أخترجان228 كانَت الفرقةُ 15 للمُشاةِّ الأفغانية مُرابطةً في مَدينة قندهار، وكانَ لدينا فيها مجموعةٌ من المُخبرين. وفي خريف عام 1987م، دَعَانا المُخبرون لنأتيَ ونستوليَ على أسلحةٍ من سري َّةِّ الش ُّرطةِّ العسكري َّةِّ ال ت َّابعةِّ للفِّرقة، فجمَعْنا لهذه العملي َّةِّ 100 مجاهدٍ، وكنتُ أنا قائدَ مجموعةٍ مؤل َّفةٍ من 15 رجلاً من ضِّمنهم عَبرْنا نهرَ أرغنداب من قاعدتِّنا في "تشاهرقولبا" إلى "بابا ولي صاحب"، ومن هناكَ عَبرنا ضاحيةَ "تشاوناي" لِّنَصِّلَ أخيراً إلى حاميةِّ الفِّرْقة الر َّ ئيسية. انتظرْنا حت َّى بزوغِّ القمر قريباً من مُنتصفِّ الل َّيل، وكانَ مَبنى الش ُّرطةِّ العسكري َّةِّ في نهايةِّ المُجم َّعِّ الر َّئيسي، فَزَحفْنا مُتَسل ِّلينَ إلى المبنى، لنرى سُل َّماً على الس ُّورِّ وَضَعَه لنا المخبرون، فات َّخذَ 50 من رجالِّنا مواقعَ خارجَ المُجم َّع ، بينما تسل َّقت مجموعةُ الإغارةِّ المؤل َّفةِّ من 50 شخصاً الس ُّل َّمَ حت َّى وصلْتُ سطحَ المبنى، ثم َّ تَسل َّقْنا نزولاً لندخلَ ضمنَ سورِّ المُجم َّع كانَ بعضُ مُخ برينا في ذلكَ الوقتِّ ضِّمنَ نَوبةِّ الحِّراسة، فلم نواجِّهْ أي َّةَ مشاكل. التقيْنا بالمُخبرين، فقادُونا إلى مَبنى الث َّكنات، واجتَمَعْنا هناكَ في غرفةٍ فارغةٍ كبيرةٍ، ثم َّ أَخَذَنا المخبرون إلى عِّد َّةِّ غرفٍ تحوي كُل ُّ غرفةٍ منها خمسةَ أو ست َّةَ جنودٍ نائمين. كانت أسلحتُهم مُخز َّنةً في الغُرَفِّ فَأَخَذْناها، كما كانت توجدُ بجوارِّ الث َّكناتِّ مباشرةً غرفةُ أسل حةٍ كبيرةٍ، وبعدَ تجريدِّ الن َّائمين من أسلحتِّهم، أغرْنا على غرفةِّ الأسلحة، وأخَذْنا المئاتِّ من القطع. بَدَأْنا بحملِّ جميعِّ الأسلحة إلى الس َّطح لنمر ِّرَها إلى رفاقِّنا خارجَ أسوارِّ المُجم َّع. وبينما كن َّا نفعلُ ذلك، استيقظَ الض َّابطُ الس ِّياسي ُّ لسري َّةِّ الش ُّ رطة العسكري َّة، فرآنا 228 كان القائد أخترجان قيادي َّاً في الجمعي َّة الإسلامي َّة الأفغانية في م ديري َّة أرغنداب شمالَ غربَ قندهار. وكان طالباً في المدرسية الابتدائية حين انضم َّ إلى الجهادِّ وعمره 12 عاماً. وفي نهايةِّ الحرب أصبحَ قائداً وعمره 25 عاماً. وانضم َّ إلى الجهادِّ ل كون أخواه انضم َّا للجهاد وقتلا. وكانت تقاليدُ العائلة تُملي عليه أن يحل َّ محلهما . وعملَ تحتَ قيادة الملا نقيب، وهو أقوى قادةِّ الجماعة الإسلامي َّة في المنطقة. لا توجد خريطة لهذه المقالة، وورقة خريطة قندهار مرقمة 2180 .
عدد الصفحات ٥٣٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 531 وبدأَ بالص ُّراخ، فأسكتنَاه قتلاً بحرابِّنا، ثم َّ أكملْنا إخراجَ الأسلحةِّ وغادَرنا القاعدةَ، بينما هربَ مخ برُونا من الجيشِّ الأفغاني ِّ ليأتوا معنا. وكانَ مَعنا بعضُ العرب الط َّامح ين في سُمعةِّ الجهادِّ لتصويرِّ مقاطع مرئي َّة بكاميراتِّهم، ولم تكنْ لهم في الواقعِّ أي ُّ قيمةٍ على الأرض. التَّّعليق: كانَ اختراقُ المجاهدين للجيشِّ الأفغاني أَمراً أساسي َّاً في إنجاحِّ إغاراتٍ كهذه. إن َّ دخولَ مُجم َّعٍ وقتَ الن َّوم أمرٌ في غايةِّ الخطورة، حيثُ من المُتوق َّعِّ أن يكونَ سُك َّانُه مُستيقظين أو مُهي َّئين للاستيقاظِّ سريعاً، إضافةَ إلى وجودِّ الحُر َّاس. ومن الأمورِّ الأساسي َّةِّ لعصاباتِّ المدن أن يكونَ لديهم طريقُ اقترابٍ وطريقُ انسحابٍ آمنين، وبتحقيقِّ هذينِّ الش َّرطين، استطاعَ المجاهدون في هذهِّ العملي َّةِّ تأمينَ مجموعةٍ كافيةٍ لحملِّ الأسلحة، إضافةً إلى تأمينِّ أنفسِّهم من الوقوعِّ في كمينٍ أثناءَ العمل.
عدد الصفحات ٥٣١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 532 التَّّعليق على الفَصل إن َّ القتالَ الحضري صعبٌ على القُو َّاتِّ الن ِّظامي َّةِّ وقُو َّاتِّ العصابات على حُد ٍ سواء. وطوالَ الحرب، لم تستطعِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّة فرضَ سيطرتِّها الت َّام َّةِّ على قن دهار وهيرات. ل كن َّ الس ُّوفييت بعدَ ذلك تعاملُوا مع عصاباتِّ هيرات بقصفِّ المدينةِّ حت َّى حو َّلُوا 75% منها إلى أنقاض. ومعَ ذلك، فقد فشلُوا في إيقافِّ العصابات الحضري َّة. بينما حَق َّقَ الجيشُ الأفغاني ُّ نجاحاتٍ أكثرَ في الس َّيطرةِّ على كابول، إلا أن َّه لم يستطعْ إيقافَ أعمالِّ العصابات وهجماتِّها الص َّاروخية. أم َّا من الن َّاحيةِّ الأخرى، فقد كانَ من الص َّعبِّ علينا أن نجدَ الن َّاجين من أفرادِّ العِّصاباتِّ الحضري َّةِّ مِّم َّن لا يزالُ على قيدِّ الحياة، حيثُ كانَ يتوج َّبُ على فردِّ العصاباتِّ الحضري َّة أن يكونَ شَبَحَاً شَرِّسَ اً حت َّى يستطيعَ الن َّجاة. وقد رك َّزتِّ القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ والأفغاني َّةُ جزءاً كبيراً من جهودِّها في ال كشفِّ عن العصاباتِّ الحضري َّةِّ والقضاءِّ عليها.
عدد الصفحات ٥٣٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 533
عدد الصفحات ٥٣٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 534 الفصل15: الاستنتاجات (الخلاصة "إنَّّنا كأمَّّةٍ نؤمنُ بأنَّّ التَّّاريخَ يعيدُ نفسَه، فما لاقَاهُ الغُزاةُ البريطانيونَ في القرنِ التَّّاسعِ عَشَرَ سيلقاهُ حتماً الغزاةُ السُّّوفييت. غيرَ أنَّّ السُّّوفييت من النَّّاحيةِ الفَلسفيَّّةِ لا يُقرِّون بذلك، فهم يؤمنونَ بأنَّّ التَّّاريخَ أحاديُّّ الاتِّجاه وتقدميٌّ ولا يعيدُ نفسه. لـكنَّّ الذي حَصَل أنَّّ التَّّاريخَ أعادَ نفسَه وانتَصَرْنا في الحربِ مرَّّةً أخرى." 229 (الج نرال عبد الرحيم وردك) فَقِّه المجاهدون بأن َّ الحربَ الث َّوري َّةَ هي في الحقيقةِّ صراعُ الإراداتِّ الوطني َّةِّ والمصابرة، فلم يكن يَعنيهم غالباً الن َّصرُ في ساحةِّ المعركة، نظراً لأن َّ الث َّائرَ المسلمَ كانَ ينجو من معركة ِّواحدةٍ ليقاتلَ في ألفٍ غيرَها، ثم َّ يسل ِّمُ الر َّاية لأبنائِّه من بَعدَه. لقد قاتلَ المجاهدونَ في هذه الحرب لا لأن َّهم كانُوا يهدفون كَسبَها أساساً، ول كن لأن َّهم اعتقدُوا أن َّ القتالَ واجبٌ ديني ٌّ وَوَطني، م م َّا جعلَهم يَتَحم َّلون الخسائرَ الفادحةَ على مُستوى الأرواحِّ والبنيةِّ التحتي َّة، الأمرُ الذي أد َّى في آخرِّ المَطاف -على غيرِّ المُتوق َّع - إلى انسحابِّ الس ُّوفييت. إن َّ الت َّكتيكاتِّ التي طُب ِّقت في الحروبِّ الأفغاني َّةِّ الإنجليزي َّة ما بينَ الأعوام ِّ( 1839-1842، و1879-1880، و1919) لا يزالُ في الإمكانِّ تطبيقُها الآن في ال كثيرِّ منَ الجوانب. وصحيحٌ أن الت ِّقني َّةَ الحديثةَ قد عَز َّزت من دق َّةِّ الأسلحةِّ ومدَاها، إلا أن َّ الت َّضاريسَ بقيتْ هي مَن يُملي طبيعةَ الت َّكتيكات على واقعِّ المعركة. ومن جهةِّ المجاهدين، فقد كانُوا مسرورينَ بتطبيقِّ هذه الت ِّكتيكاتِّ العريقةِّ المجيدة ضد َّ خصمٍ حديث. ومعَ ذلكَ يجبُ أل َّا نغفلَ، أن َّ مَنظومتينِّ حديثتينِّ، تَسب َّبتا بخلقِّ مشاكلٍ تكتيكي َّةٍ للمجاهدين خارجَ إطارِّ خبرتِّهم الت َّاريخي َّة، وهما الألغامُ المُضاد َّةُ للأفرادِّ والمِّروحي َّات. 229 المركز: لقد أعادَ نفسَه مر َّة ثالثة، وانتصرَ المسلمون الأفغان مرةً أخرى في الحربِّ ضد َّ الغزاة، عندما اعترفت أمريكا بهزيمتها ضد الطالبان سنة 2020م
عدد الصفحات ٥٣٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 535 كانت مُحاولاتُ الإبداعِّ الت َّكتيكي ِّ أثناءَ الحربِّ تحدثُ عندَ الحاجةِّ إليها فَقط، وكانَت تَنتهي بإيجاد المجاهدين لِّطُرُقِّ عملٍ يلتف ُّونَ بها على المُعضلاتِّ التي خَلَقتْها تقني َّات العدو. أم َّا عندما لا تكونُ هناكَ حاجةٌ للإبداع، فعادةً ما كان المجاهدون يبقونَ على الأساليبِّ القديمةِّ المجر َّبةِّ والمَضمونة، إذ لم تتغي َّر أساسي َّاتُ كمائنِّ المجاهدين ومطارداتِّهم منذُ القرنِّ الت َّاسعِّ عَشَرَ وحت َّى اليومِّ إلا قليلاً، بينما كانت عملي َّاتُهم خلالَ الاقتحاماتِّ الجوي َّةِّ وضد َّ المراكزِّ الأمني َّةِّ تتطو َّرُ بسرعةٍ وفقَاً للض َّرورة. أولاً: التِّقنيَّّة في هذا الن َّوعِّ من الحروب، تمنحُ الت ِّقني َّةُ الحديثةُ صاحبَها تفو ُّقَاً وامتيازات، إلا أن َّها تبقى غيرُ قادرة بمفردِّها على حَسمِّ الحرب. لقد كانَ للقنابلِّ الذ َّكية الس ُّوفييتي َّ ةِّ أثرٌ لا شك َّ فيه على مُجرياتِّ المعركة، وذلكَ عندما كانَ يتم ُّ تحديدُ مجموعةِّ أهدافٍ مُناسبةٍ لها. ول كن َّ وصولَ الد َّعمِّ الأمريكي ِّ من الص َّواريخِّ المُضاد َّة للطيران من طِّراز ستينغر إلى أيدي المجاهدين؛ أحدثَ ذُعراً كبيراً لدى الس َّوفييت وتغي ُّراً بالغاً في تكتيكاتِّهم الجوي َّة. ومعَ ذلك ، لم يكن لأي ٍ من المَنظومتين أثرٌ حاسمٌ في كَسبِّ الحرب. بالن ِّسبةِّ للمُعد َّاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ فقد كانت مُصم َّمة لخوضِّ حربٍ مختلفةٍ على أرضٍ مختلفةٍ، وهذا ما جعلَها تفشلُ في تقديمِّ الأداءِّ الأمثلِّ بينَ جبالِّ أفغانستانَ وصحاريها. فلم تكنْ بنادقُ الكلاشنكوف الاقتحامي َّةُ أفضلَ من بنادقِّ الإنفيلد البريطاني َّةِّ التي كانت في زمنِّ الحربِّ العالمي َّةِّ الأولى، بل على العكس، لَقد كانَت طَلقاتُ الإنفيلد أكثرَ دقةً وخَرقاً للس ُّتَرِّ المُضاد َّةِّ للر َّصاص التي صُم ِّمَت أصلاً لإيقافِّ طلقاتِّ الكلاشنكوف. كانت قاذفاتُ الآر بي جي -7 سلاحَ المجاهدين المُفَض َّلَ لما امتازَت به تقني َّتُها القاتلةُ من خِّف َّةِّ الوزن وقدرتِّها على تدميرِّ الد َّب َّاباتِّ وناقلاتِّ الجُنود المُدر َّعة والش َّاحناتِّ والمِّروحي َّات. كما كانت القُو َّاتُ الس ُّوفييتي َّةُ تنتهجُ أسلوبَ الابتعادِّ عن المجاهدين بمس افةٍ لا تقل ُّ عن 300 مترٍ، تجن ُّباً لمدى الكلاشنكوف والآر بي جي -7. وقد دفعَ هذا الج ُبْنُ الت َّكتيكي ُّ المجاهدين لاقتناءِّ أسلحةِّ طواقمٍ ثقيلة
عدد الصفحات ٥٣٥الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 536 وبمرورِّ الوقت، أصبحَتِّ الر َّشاشاتُ الث َّقيلةُ والمدافعُ عديمةُ الارتدادِّ ومدافعُ الهاون وراجماتُ الص َّواريخ المت نق ِّلةُ جزءاً لا يتجز َّأُّ من تَرسَانة المجاهدين، يستخدمُها قسمٌ منهم لتثبيتِّ العدو ِّ في موقعِّه، بينما يقتربُ الجزءُ الآخرُ ليقتحمَ ببنادقِّ الكلاشنكوف والآر بي جي. ول كنْ ينبغي الت َّنبيهُ إلى أن َّ تلكَ الأسلحَةَ (أسلحة الطواقم) قد قي َّدت من حر ِّي َّةِّ الحركةِّ لدى العصابات. كانَ للمقاتلاتِّ الحربي َّةِّ عاليةِّ الأداءِّ والقاصفاتِّ الس ُّوفييتي َّةِّ دوراً إستراتيجي َّاً مؤثراً؛ وليس تكتيكي َّاً. فقد استخدمَ الس ُّوفييت القُو َّةَ الجوي َّةَ لتخريبِّ الر ِّيفِّ الأفغاني ِّ وإجبارِّ سُك َّانِّه على الهروبِّ بهدفِّ حرمانِّ المجاهدين من الغذاء، فقامُوا بتدميرِّ المزارعِّ والمحاصيلِّ وقطعانِّ المواشي والبساتين وأنظمةِّ الر َّي؛ ما أجبرَ ملايينَ الن َّاسِّ على الن ُّزوح، كما أجبرَ المجاهدين أيضاً على حَملِّ وجباتِّهم مَعَهم إضافةً لمستلزماتِّ الحربِّ الأخرى. وعلى الر ُّغم من كُل ِّ هذا، فنادراً ما كانَ ا لمجاهدون يقعونَ -كهدفٍ مؤث ِّرٍ على مُجريات القتالِّ الت َّكتيكي ِّ - تحتَ الضرباتِّ الجوي َّةِّ والمِّدفعي َّةِّ الس ُّوفييتي َّة. ضَاعَفت القدرةُ الت ِّقنية من قُو َّةِّ الس ُّوفييت، حيثُ مك َّنتهُم من إعادةِّ الإمدادِّ الجوي ِّ لفترةٍ غيرِّ محدودة في حالةِّ الحِّصار، كما ساعَدَ تهم "القنابل السج َّادية" 230 على منعِّ وقوعِّ إبادةِّ في صفوف قُو َّاتِّهم، وقامَتِّ المِّروحي َّاتُ الطبي َّةُ بإخلاءِّ الجرحى لإنقاذِّهم وإسعافِّهم ثم َّ ليعودوا إلى الخِّدمةِّ من جديد، كما تقد َّمُ المجس َّاتُ الت ِّقني َّ ةُ بياناتٍ استطلاعي َّ ةً في المناطقِّ المَعزولة. 230 المركز: هي عملية قصف كبيرة في منطقة واسعة. تحدث عادة عن طريق إسقاط كثير من القنابل غير الموجهة كالقنابل الجاذبية. والقصف البساطي أو السجادي هو تكتيك يهدف للتدمير الكامل للمنطقة المستهدفة، أو لتدمير الأفراد والعتاد، أو كوسيلة لإضعاف الروح المعنوية للعدو. وسميت بساطية لأن القنابل تغطي كامل المساحة بالطريقة ذاتها التي يغطي فيها البساط الأرضية.
عدد الصفحات ٥٣٦الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 537 ثانياً: تَشرذُمُ القيادة. بَدا المجاهدونَ في الظ َّاهرِّ منقسمينَ إلى سبعةِّ فصائلَ رئيسي َّةٍ، إلا أن َّ الت َّفَر ُّقَ بينهم كانَ أوسعَ من ذلك بكثيرٍ في الحقيقة، فَقَد كانَت هناكَ فصائلُ في قلبِّ الفصائل، وفوقَ ذلك كل ِّه كانت الخِّلافاتُ والن ِّزاعاتُ القديمةُ التي حَدَثَت قبلَ الحربِّ لا تزالُ مُؤث ِّرةً وموجودة، حيثُ تكر َّرت الص ِّداماتُ المُسل َّحةُ بين مختلفِّ فصائلِّ المجاهدين، بل إن َّ بعضَ الفصائلِّ المعينة قد اكتسبَت سُمعةً بأن َّها تُفض ِّل القتالَ الد َّاخلي َّ أكثرَ من قتالِّ الس ُّوفييت. ومع ذلك، فقد جَاهدتِّ المُخابرا تُ الباكستاني َّ ةُ لتنسيقِّ أعمالِّ مختلفِّ الفصائلِّ ووضعِّها في خط َّة شاملةٍ. غيرَ أن َّ الأمرَ لا يخلُوا مِّن استثناءات، ففي بعضِّ مناطقِّ القتالِّ مثلَ قندهار، كانَ هناكَ تنسيقٌ عالٍ بين المجاهدين مِّن مختلفِّ الفصائلِّ بِّغض ِّ الن َّظرِّ عن سياساتِّ قادتِّها. في الحربِّ الفيتنامي َّة، كانت قُو َّاتُ الفيتنام الش َّمالية والفيت كونغ يسيطرُ عليها تسلسلٌ قيادي ٌّ هرمي ٌّ صَارم، وقد مث َّل هذا الأمرُ نقطةَ قُو َّةٍ للقُو َّاتِّ الش ُّيوعي َّة، وقد بذلَت الولاياتُ المُت َّحدةُ ال كثيرَ من الجهودِّ في سبيلِّ العُثورِّ على هذه القيادةِّ المَركزي َّةِّ والقضاءِّ عليها. صحيحٌ أن َّه كانَ من الص َّعبِّ فرضُ هيكلي َّةٍ على المجاهدين الأفغان، وأن َّهم افتقدُوا للقيادةِّ المركزي َّةِّ التي كانَ لها دورٌ مفصلي ٌّ في نجاحِّ قضي َّتِّهم، إلا أن َّ هذا الت َّشرذُم رب َّما كانَ عاملَ قو َّةٍ أيضاً للمجاهدين، فمهما قُ تِّل من القياداتِّ العُليا أو الدنيا فلن يؤث ِّرَ ذلك على استمرارِّ القتال، ولن يُقَل ِّلَ من أعداءِّ الس ُّوفييت. على المُستوى الت َّكتيكي ِّ، كانَ المجاهدون مُستعدين لحربٍ طويلةٍ، وكانَ هدفُهم في كل ِّ قتالٍ أن يضربُوا وينجوا ليقاتلُوا في معركةٍ أخرى. ولهذا الس َّ بب، لم يكنِّ المجاهدونَ يستطيعونَ استغلالَ الن َّصر ِّ والث َّباتَ على الأرض، حيثُ كانُوا بعدَ كُل ِّ انتصارٍ يعودون إلى منازلِّهم. وبغض ِّ الن َّظرِّ عن ضعفِّ الت َّحالفاتِّ التي كانَت بينَ المجاهدين، فإن َّ قادةَ المجموعاتِّ أيضاً كانُوا لا يستطيعونَ الإبقاءَ على تماسكِّ القُو َّات لفترةٍ طويلةٍ بعدَ القتال. وكما لاحظ البريطانيونَ الذينَ قاتلُوا قبائلَ الجبال، فإن َّ طبيعةَ مُحاربي الجبالِّ تجعلُهم لا يستطيعونَ البقاءَ سَوي َّةً لا في حالةِّ الهزيمةِّ ولا في حالةِّ الن َّصر، وعلى هذا الأساسِّ لم يكن من المُمكنِّ تحويلُ الانتصاراتِّ الت َّكتيكي َّة إلى مكسبٍ عَمَلي َّاتي.
عدد الصفحات ٥٣٧الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 538 ثالثاً: دورُ العسكريين الأكاديميين لم تَتَعد َّ نسبةُ الضب َّاطِّ العسكريين ال 15% من مجموعِّ قادةِّ المجاهدين الت َّكتيكيين. ومعَ ذلك فقد استطاعَت هيئاتُ الض ُّباط لعبَ دورٍ كبيرٍ في شَل ِّ الغزوِّ الس ُّوفييتي ِّ وهزيمتِّه. ولعل َّ أهم َّ دورٍ لعبَه الض ُّب َّاطُ الأفغان مِّم َّن بقوا في الخدمةِّ أثناءَ الحرب هو عدمُ الت َّعاونِّ الكاملِّ معَ الحكومة، وتنفيذُ عملي َّاتِّ تخريبٍ موج َّهةٍ ضد َّ الن ِّظامِّ الش ُّيوعي ِّ وداعِّميه الس ُّوفييت من الد َّاخل. مَا بين عامي 1978 و1979م، نَظ َّمَ الضُب َّاطُ الأفغانُ عِّد َّةَ انتفاضَاتٍ عَفوي َّةٍ ضد َّ الحكومةِّ في هيرات وبكتيا وأسمار و"قلعة بالا حصار" في كابول وال كثيرِّ من المواقعِّ الأخرى، كما مَر َّر ال كثيرُ منهم معلوماتٍ للمجاهدين. وفي أواسطِّ الث َّمانينات، ألقى الن ِّظامُ القبضَ على كاملِّ قيادةِّ مديري َّةِّ استخباراتِّ وَزَارةِّ الد ِّفاع، بمن فيهم رئيسُ المديري َّةِّ الج نرال "خليل" –أعدَمَهُ الن ِّظامُ فيما بعد– بسببِّ تعاونِّهم الس ِّري ِّ معَ المجاهدين. لقد رفضَ معظمُ الضُب َّاط الأفغان العضوي َّةَ في الحزبِّ الش ُّيوعي، ولم يكن ال كثيرُ منهم مِّم َّن أُّجبِّر على الانضمامِّ يُكِّن ُّ الولاءَ للن ِّظام، بل كانَ العديدُ منهم يحملُ بطاقاتِّ عضوي َّةٍ سري َّةٍ تابعةٍ لإحدى فصائلِّ المجاهدين. وقد سَاهم ضعفُ الت َّعاونِّ هذا من قبلِّ الض ُّب َّاطِّ في إفشالِّ كُل ِّ جهودِّ الس ُّوفييت التي كانت تسعى إلى إنشاءِّ قُو َّةٍ عسكري َّةٍ محل ِّيةٍ يُعتَمَدُ عليها في أفغانستان. ومن ثم َّ اضطر َّ الس ُّوفييت إلى الاعتماد غالباً على جنودِّهم لقتالِّ المجاهدين. أما بالن ِّسبةِّ للضباطِّ الذي نَ انضم ُّوا علانيةً للمجاهدين، فقد واجهُوا العديدَ من الص ُّعوبات في الاندماجِّ مع قيادةِّ المقاومةِّ في باكستان، حيثُ رأى بعضُ قادةِّ الفصائل في هؤلاءِّ الض ُّب َّاطِّ الس َّابقين تحد ٍ لزعامَتِّهم ومصالحِّهم الفصائلي َّة، فعملُوا على تهميشِّهم. وكانت الفصائلُ ذاتُ الت َّ وَج ُّهِّ الإسلامي ِّ الأصولي ِّ بالعمومِّ أكثرَ معارضةً لقبولِّ هؤلاءِّ الض ُّب َّاط الذين تدر َّبُوا وخدمُوا في الن ِّظامِّ الس َّابق. ولذا، فقد تم َّ تنحيةُ ال كثيرِّ من الض ُّب َّاطِّ عاليي الت َّدريبِّ مِّم َّن كانُوا قادرينَ على فرضِّ القيادةِّ والت َّنظيمِّ في صفوفِّ المُقاو مةِّ بسببِّ السياسات الفصائلية. ومع ذلك، فقد أثبتوا أنفسهم بأن هم أكفأُّ القيادات التكتيكية والعملياتية التي حظيَ بها المجاهدون طوالَ سنواتِّ الحرب الط َّويلةِّ مع القُو َّاتِّ الس ُّوفييتي َّة.
عدد الصفحات ٥٣٨الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 539 رابعاً: اللُّّوجستيَّّات في البدايةِّ، عاشَ المجاهدون في القُرى التي يُداف عونَ عنها، فقد َّمَ لهم القروي ُّون الط َّعامَ والمأوى، بينما كانت الأسلحةُ والذ َّخائرُ والموادُ الأخرى تأتي إليهم عبرَ الأسواقِّ المحلي َّة أو من إيران أو من باكستان. وهنا قَر َّر الس ُّوفييت كسرَ الت َّرابطِّ بينَ الش َّعبِّ والعصابات، وذلك بطردِّ الش َّعبِّ من الر ِّي ف، فَقَصَفتِّ الط َّائراتُ والمِّدفعي َّةُ الس ُّوفييتي َّةُ القُرى والمَحاصيلَ الد َّائمةَ والبساتينَ وقطعانَ المواشي وصوامعَ الحبوبِّ وطواحينَ المياهِّ (الن َّواعير) وأنظمةَ الر َّي ِّ، مم َّا جعلَ الس ُّك َّان ينزحُونَ من المناطقِّ الر ِّيفي َّة، وهو ما أفقدَ المجاهدين الإمدادَ بالموادِّ المعيشي َّة. مع تدميرِّ أنظمةِّ الز ِّراعةِّ اضطر َّ المجاهدون لنقلِّ الط َّعامِّ والأعلافِّ معهم. ورد َّاً على هذهِّ الأزمة، أنشأَتِّ الفصائلُ قواعدَ إمدادٍ ثابتَةً في أفغانستان، فكانت ال كبيرةُ منها في الجبالِّ قربَ الحدودِّ مع باكستان، بينما كانتِّ الص َّ غيرةُ منها عبارةً عن مَخابِّئ مخفي َّةٍ خارجَ البلداتِّ والقرى. وعلى إِثْرِّ ذلك، رك َّزَ الس ُّوفييت على إيجادِّ هذه القواعدِّ (الص َّغيرةِّ وال كبيرة) وتدميرِّها. ولشد َّةِّ اعتمادِّ المجاهدين على قواعدِّ الإمدادِّ الث َّابتةِّ ال كبيرةِّ فقد أُّجِّبروا على الد ِّفاعِّ عنها، مِّ م َّا جعلَهم يمث ِّلونَ مجموعةَ أهدافٍ حيوي َّةٍ لسلاحَي الط َّيرانِّ والمِّدفعي َّة الس ُّوفييتي َّة. على الر ُّغمِّ منْ أن َّ الأسلحةَ والمواد كانت تصلُ للمجاهدين في ملاذاتِّهم الآمنةِّ الر َّئيسي َّةِّ في باكستان بالمج َّان، إلا أن َّ تكاليفَ إيصالِّها إلى المكانِّ الذي يح تاجُها فيه الث ُّوار كانت كبيرةً. لقد كانت الموادُ المُرسلَةُ غالباً مخالفةً لحاجةِّ القائد، وهو ما جعلَه يعملُ على مُقايضتِّها أو بيعِّها لشراءِّ ما يحتاجُه. ثم َّ إن َّ هذه الموادَ كانَ يجبُ نقلُها، وعادةً ما كانت عملي َّةُ الن َّقلِّ تَتِّم ُّ عبرَ الت ُّج َّارِّ مُست خدمين الحميرَ والبغالَ والجمالَ ونصفَ الش َّاحنات. 231 وقد اكتشفَ قادةُ الفصائلِّ الذينَ أنشؤُوا أنظمةَ نقلٍ بأن َّ الاعتمادَ 231 قدرات الحيوانات في الحمل: البغل يحمل ما بين250- إلى335 رطل110 -150 كغم H. W. Daly, Manual of Pack Transportation, Washington: Government Printing Office, 1917, page 18
عدد الصفحات ٥٣٩الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 540 على الت ُّج َّارِّ وسائسي الد َّواب والش َّاحنات كانَ أرخصَ وأسهلَ من إنشاءِّ هذهِّ الأنظمة. ولم ينته الد َّفعُ مع تحميلِّ الموادِّ ونقلِّها، بل هناكَ ضرائبُ وإتاواتٍ أخرى يجبُ دفعُها. حيثُ كانت هذه الإمداداتُ في كُل ِّ مَر َّةٍ تعبر إلى منطقةٍ قبيلةٍ أو فصيلٍ مختلفٍ يجبُ عليها دفعُ ضريبةٍ أو جُمركٍ مقدارُه غالباً 10% من البَضَائع، وكانت فصائلُ المجاهدين المتمركزُ معظمُها في أفغانستان نهايةَ خط الإمداد تكتشفُ بأن َّ 40% من موادِّها التي كانَ ينبغي أن تصلَ إليها قد ذهبَت إلى بقي َّةِّ مجموعات المجاهدين بين إيصالاتِّ تسليمٍ وفواتيرِّ عُبور. كانت الد ُّولُ الغربي َّةُ تفض ِّلُ إيصالَ المُساعدات كبضائعَ، بينما كانَ قادةُ المجاهدين (تحديداً من هم في الد َّاخل) يُ فض ِّلون المُساعداتِّ المالي َّة، حيثُ كان هذا سيساعدُهم على شراءِّ ما يَحتاجونهُ تحديداً من موادٍ وأطعمةٍ وذخائرَ وألغامٍ من الس ُّوقِّ المحل ِّي َّة، وقد كانت الس َّعودي َّةُ ترسلُ عادةً مساعداتِّها على شكلِّ أموالٍ. 232 والجديرُ بالذ ِّكرِّ أن َّ الموادَ المُرسَلة كانت غالباً لا تكفي حاجةَ المجاهدين، مِّم َّا يجعلُهم يجمعونَ الأموالَ بِّطُرُقهم الخاص َّة لشراءِّ بقي َّةِّ المواد، وذلك من الص َّادراتِّ الت َّاريخي َّةِّ التي كانت تَحظى بها أفغانستانُ والمتمث ِّلةِّ بالمخد ِّراتِّ والأحجارِّ الن َّفيسة وغيرِّها. الجمل 400 -600 رطل180-270 كغم [Lewis Burt Lesley, Uncle Sam's Camels: The Journal of May Humphreys Stacey Supplemented by the Report of Edward Fitzgerald Beale (1857 -1858), Cambridge: Harvard University Press, 1929, page 9]; والخيول الآسيوية الوسطى215 رطلٍ100 كغم William H. Carter, Horses Saddles and Bridles, Baltimore: The Lord Baltimore Press, 1902, pages 262-263 أما أرقام عن قدرة الحمير فلم نجد. 232 "The Logistics System of the Mujahideen", unpublished government contract study written in 1987.
عدد الصفحات ٥٤٠الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 541 مع حصولِّ المجاهدين على أسلحة الط َّواقمِّ الث َّقيلة، ازدادَت حمولةُ الذ َّخائر المطلوبةِّ زيادةً هائلةً. وفي الوقتِّ نفسِّهِّ كانَ القصفُ الجوي ُّ الس ُّوفييتي ُّ يقضي على قطعانِّ الد َّواب، بالإضافةِّ إلى الألغامِّ القابلةِّ للن َّثرِّ في المَمَر َّات الجبلي َّةِّ والطُرُقِّ الت ُّرابي َّة التي قَتَلَتِّ ال كثيرَ من دواب الن َّقل. ومع ازديادِّ الحاجةِّ لنقلِّ البضائعِّ، كانت حيواناتُ الن َّقلِّ تَقِّل ُّ شيئاً فشيئاً، فحاوَلت الولاياتُ المت َّحدةُ سَد َّ الن َّقصِّ على مُستوى البِّغال بإرسالِّ بغالِّ "ميزوري"، ول كن لسوءِّ الحظ ِّ، كانت هذه البغالُ تتطل َّبُ عَلَفاً أكثر، وتحملُ حِّمْلاً أقل، وتهلكُ أسرعَ من البغالِّ المحل ِّي َّة. كانت العنايةُ الطبي َّةُ والإخلاءُ الطبي ُّ نقطَتَا ضعفٍ للمجاهدين، فقد كانَ أطباؤُهم قليلون على الر ُّغمِّ من قيامِّ بعضِّ الأطب َّاءِّ المعروفين بمعالجتِّهم في ال كثيرِّ من الأحيان وتعريضِّ أمنِّهِّم الش َّخصي ِّ للخَ طر. كانت بعضُ مجموعاتِّ المجاهدين تضم ُّ طبيبينِّ خر ِّيج ين من دوراتٍ تستغرقُ ثمانيةَ أشهر إلى سنة من باكستان أو دولٍ أخرى، بينما كانت معظمُ المجموعاتِّ الأخرى مَحظوظةً إن كانت تضم ُّ خر ِّيجي دوراتِّ الإسعافِّ الأولي ِّ ذاتِّ الس ِّت َّةِّ أسابيع. وقد عملَ بعضُ الأطب َّ اءِّ الفرنسيون داخلَ أفغانستان، بينما عملَ معظمُ الأطب َّاءِّ الغربيون الآخرين في المناطقِّ الحدودي َّة لباكستان. وفي الحالات التي يَتَمك َّنُ فيها المجاهدُ الجريحُ من تجاوزِّ رحلتِّه المُرو ِّعةِّ إلى باكستانَ بِّسلام، فإن َّ مصيرَهُ كانَ غالباً الن َّ جاةَ، بينما كانَ يهلكَ عادةً أصحابُ الإصاباتِّ البليغةِّ الذينَ يفض ِّلونَ البقاءَ داخلَ أفغانستان.
عدد الصفحات ٥٤١الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 542 خامساً: التَّّكتيكات تَتَطل َّبُ طبيعةُ الحربِّ الث َّ وري َّ ةِّ من الط َّ رفينِّ المُتصارعين أعداداً كبيرةً من قُو َّاتِّ المُشاةِّ الخَفيفةِّ الن َّوعي َّة، وبالن ِّسبة للس ُّوفييت فإن َّهم لم ينشرُوا أعداداً كافيةً منها، أم َّا المجاهدون فقد كانُوا بطبيعتِّهم مُشاةً. لقد كانُوا شُجعاناً وأقوياءَ وجريئين، وكانُوا من سُك َّان المِّنطقة المحل ِّيين، فامتل َكُوا معنوي َّاتٍ عاليةً ورُوحاً قتالي َّةً صَلبةً، وكم َّاً كبيراً من المعلوماتِّ الاستخباراتي َّةِّ الت َّكتيكي َّةِّ المَوثوقة، وكانُوا ينف ِّذُونَ عملي َّاتِّ ال كمائن والمُطارداتِّ بالفطرة. لقد نشؤُوا منذُ طفولتِّهم معَ الس َّلاح، إلا أن َّ ما كان ينقُصُهم هوَ تدريباتُ الوحدةِّ العسكري َّ ةِّ والانضباط، حيثُ تفاوتَت الت َّدريباتُ التي كانُوا يخضعونَ لها من وادٍ إلى آخر، ومن قُوةٍ إلى أخرى. حاولَتِّ المُخابراتُ الباكستاني َّةُ تقديمَ دوراتٍ تدريبي َّةٍ، وحاولَ الض ُّب َّاطُ المنشق ُّونَ من الجيشِّ الأفغاني ِّ تدريبَ المجاهدين تدريباً مُوح َّداً، إلا أن َّ عمومَ المجاهدين رُغمَ ذلك لم يَتَلَق َّوا تدريباتٍ موح َّ دةً، فكانت نوعي َّاتُ المجموعاتِّ العسكري َّةِّ لكُل ِّ فصيلٍ نِّتَاجَاً لاهتمامِّ قيادتِّه. امتلكَ المجاهدون رُوحاً قتالي َّةً تجذبُهُم للمعاركِّ الحامية، وتنف ِّرهُم من أهدافِّ خطوطِّ الإمدادِّ الس َّهلة، فقد كانُوا يُحب ُّون الضجيجَ والإثارةَ والأمجادَ وغنائمَ الحرب، و كانَ من الص َّعبِّ على الاستخباراتِّ الباكستاني َّة إقناعَهم –سواءً بالت َّرغيبِّ أو الت َّرهيب – بالهجومِّ على أنابيبِّ الن ِّفطِّ الس َّهلةِّ والمُربحة إذا كانَ متاحاً لهم ضربُ بعضِّ المراكزِّ الأمني َّة. 233 كَما كانت هُناك أخطاءٌ تكتيكي ِّةٌ واضحةٌ لدى المجاهدين، ومنها أن َّ هم إذا كانُوا وحدَهم في مناطِّقِّهم، أهملُوا الت َّأمين المحل ِّي َّ وسَهُلت مباغتَتُهم، وكانت مكامِّنُهم ومرابِّضُهم المخص َّصَةُ للقصفِّ مُتوق َّعةً تماماً، إلا أن َّ الس ُّوفييت لم يَعُوا هذا الأمرَ، فعلى الر ُّغمِّ من اعتيادِّ المجاهدين على استخدامِّ الأماكنِّ نفسِّها مِّراراً وتَكراراً، إلا أن َّ هناكَ القليلُ من الأدل ِّةِّ 233 Mohammad Yousaf and Mark Adkin, The Bear Trap: Afghanistan's Untold Story, London: Leo Cooper, 1992, 36.
عدد الصفحات ٥٤٢الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 543 التي تشيرُ إلى أن َّ الس ُّوفييت قد استغل ُّوا هذه النمطي َّةُ بنشرِّ دوري َّاتٍ من المُشاة، وتنفيذِّ إغاراتٍ، وتلغيم تلكَ المواقعِّ أو التخطيطِّ لِّدَك ِّها بنيرانِّ المِّدفعي َّة. عانى الموقفُ الد ِّفاعي ُّ الجوي ُّ العام للمجاهدين من الض َّعف، وساعدَ إدخالُ صواريخِّ الستينغر الد ِّفاعي ِّةُ الجوي َّةُ المحمولةُ على ال كتفِّ المجاهدين قبلَ نهايةِّ الحربِّ بقليل، ل كن الس ُّوفييت كافَحُوا نظامَ الص َّواريخ هذا بتغييرِّ تكتيكاتِّهم الجوي َّة. وقد مث َّلَت عد َّةُ أسلحةٍ سُوفييتي َّةٍ ت هديداً تكتيكي َّاً للمجاهدين، وهي طائراتُ الإسنادِّ الجوي ِّ القريبِّ من طرازِّ سوخوي -25، والمِّروحي َّاتِّ الهجومي َّة، ومروحي َّاتِّ نقلِّ قُو َّات الاقتحامِّ الجوية. وقد دفعَ هذا المجاهدينَ إلى تطويرِّ رد ٍ ضد َّ هذه الت َّهديدات تَمَث َّلَ في "كمائنِّ الد ِّفاعِّ الجوي". كانت هناكَ نماذجاً مختلفةً من هذه ال كمائن، ل كن َّ فكرتَها العام َّةُ أن َّ المجاهدين كانوا يَضعُون أسلحةَ الد ِّفاعِّ الجوي ِّ في مواقعِّ الر ِّمايةِّ الأمثل، ثم َّ يُقد ِّمُون طعماً لاستدراجِّ الطائرةِّ إلى منطقةِّ قتلِّ الكمينِّ لتدخلَ الوادي، فتفتحُ عليها عد َّةُ رش َّا شاتٍ الن ِّيرانَ على مسارِّ طَيرانها. وأكثرُ مواقعِّ الر َّمي شُيوعاً تلك التي كانت تُحفَرُ كمغاراتٍ في جدرانِّ الأودية، بحيثُ تستطيعُ من خلالِّها الر َّش َّاشاتُ الث َّقيلةُ الر َّميَ أفقي َّاً عبرَ الوادي الضي ِّق، بينما تعجزُ الط َّائرات الأخرى عن الاشتباكِّ مع الر َّ ش َّاشاتِّ ل كونِّها كانت عاجزةً عن الر َّميِّ على ال كهوف. وقد اكتسبَ المجاهدون الخ برةَ في معرفةِّ أماكنِّ الهبوطِّ المُحتملةِّ للمِّروحي َّات وقامُوا بتلغيمِّها، كما وضعُوا رماةَ الر َّش َّ اشات والآر بي جي-7 حولَها، وعندما كانت تَهبطُ المِّروحي َّةُ يفتحُ الر ُّماةُ الن ِّي رانَ عليها ويمز ِّقونها إرْباً إرْباً. وكانَ المجاهدون يميلونَ أيضاً لضربِّ الط َّائرات في مدارجِّها، ويُعِّد ُّون لقصفِّ تلك الط َّائرات وهيَ على الأرض، مِّم َّا تسب َّب في تدميرِّ نسبةٍ عاليةٍ من الط َّائرات بنيرانِّ الهاونِّ والر َّاجماتِّ المُسل َّطةِّ على المَدارج. كانت الألغامُ المضاد َّةُ للأفراد تمث ِّل إحدى مشاكلِّ المجاهدين العَويصة، فقد زرعَ الس ُّوفييت الملايينَ منها في أفغانستان، ومد ُّوا منها حُقولاً عديدةً حولَ منشآتِّهم وحامياتِّهم ومراكزِّهِّم الأمني َّةِّ والمرافقِّ الحكومي َّة. وكانُوا يلغ ِّمُون أيضاً جوانبَ الأجزاءِّ ال حس َّاسةِّ من الط ُّرق، كما استخدمُوا الألغامَ القابلةَ للن َّثر في الط ُّرُقِّ الت ُّرابي َّةِّ والمَمَر َّات الجبلي َّة وحقولِّ الر َّعيِّ والز ِّراعة. ومم َّا صع َّبَ كشفَ هذه الألغامِّ
عدد الصفحات ٥٤٣الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 544 أن معظمَ مكوناتِّها كانت غيرَ معدنية، وقد صُم ِّمَتْ لتبترَ لا لتقتل. ولذا فإن َّ هذه الألغامَ ستقطعُ أرجُلَ المجاهدين وستجبِّرُهم على حَملِّ المقاتلِّ المُعاقِّ إلى باكستان. وحت َّى لو نَجى المُعاقُ من الر َّحلةِّ الط َّويلةِّ المؤلمةِّ، فالغالبُ أن َّه لن يعودَ للقتال، غيرَ أن َّ هذه الرحلةَ كانت تَتَطل َّبُ مساعدةَ ست َّةِّ مجاهدين أو ثمانية مِّم َّن كانُ وا قادرينَ على القِّتال. كان الإمدادُ بكاشفاتِّ الألغامِّ شحيحاً، وحت َّى معَ وجودِّها كانت غيرَ فع َّالةٍ في كشفِّ الألغامِّ البلاستيكي َّة، وهوَ مَا دفعَ المجاهدينَ لاختراقِّ حقولِّ الألغام بالعرباتِّ المُغتنمَة أو قطعانِّ الغنمِّ أو رميِّ قذائفَ مُتتابعةٍ من المدافعِّ عديمةِّ الارتداِّد أو بدحرجةِّ وإلقاءِّ الص ُّخورِّ لفتحِّ الط ُّرُق، ولم تكنْ أي ُّ واحدةٍ من هذهِّ الط ُّرُقِّ أسلوباً فع َّالاً 100.% على الر ُّغم من أن َّ المجاهدين نَفَرُوا من فكرةِّ حفرِّ الت َّحصيناتِّ الميداني َّة في الأرضِّ القاسيةِّ الص َّخري َّة لأفغانستان، إلا أن َّهم فيما بعد أدركُوا قيمتَها في الص ُّمودِّ ضد َّ القصفِّ المِّدفعي ِّ والجوي ِّ الس ُّوفييتي وإعاقتَها للعرباتِّ المُدر َّعة. وأصبحَ لهذه الت َّحصينات دورٌ مِّحوري ٌّ في الحربِّ بعد أنْ تمر َّسَ المجاهدون على بناءِّ أعدادٍ كبيرةٍ من الملاجئِّ المُحص َّنةِّ المنيعةِّ والمُمَو َّهة، وعلى بناءِّ المواقعِّ القتالي َّةِّ التي ضَمنَت نجاتَهم. وبالمجمل، فإن َّ المجاهدين قد مث َّلُوا قو َّةً تكتيكي َّةً موج َّهةً لتنفيذِّ أهدافٍ تكتيكي َّة، ول كن َّهم حينما يَستدعي الأمر، كانُوا يستطيعونَ القيامَ بأعمالٍ على مستوىً عملي َّاتي، وق د أظهرَت العملي َّ ات مثل "غاشاي" ومعركة "زَور الثانية" والد ِّفاعِّ ضد َّ عملي َّةِّ "الحزم" مَقدِّرَتَهم على ذلك، والجديرُ بالذكر أن َّ مثلَ هذه العملي َّات كانت تحتَ تخطيطِّ وقيادةِّ ضُب َّاطٍ مُنشقين من الجيشِّ الأفغاني. ما عجزَ عنه المجاهدون حقيقةً هو: "الت َّحو ُّلُ الس َّريعُ إلى قو َّةٍ نظاميةٍ"، فبعدَ الانسحابِّ الس ُّوفييتي حاولَ المجاهدون الاستيلاءَ على جلال آباد وكابول بهجومٍ نظامي ٍ ول كن َّهم فشلُوا في ذلك، وتحو َّلَت جهودُهم إلى فَوضى عارمةٍ في الوقتِّ الذي تشج َّعَ فيهِّ الن ِّظامُ الأفغاني ُّ الش ُّيوعي ُّ وخاضَ فيه المعاركَ بِّنجاح. وقد استغرقَ سقوطُ الن ِّظامِّ الأفغاني ِّ الش ُّيوعي ِّ عد َّةَ سنوات، بينما حاولَ المجاهدون الات ِّحادَ معَ بعضِّهم البعض لإعادةِّ بناءِّ أفغانستان.
عدد الصفحات ٥٤٤الجانب الآخر من الجبل: تكتيكات المجاهدين في الحرب الأفغانية السوفييتية مركز الخطّابي للدراسات. 545
عدد الصفحات ٥٤٥