أطيب النشر في تفسير الوصايا العشر الدكتور مرزوق بن ىياس آل مرزوق الزىراني أستاذ مساعد بكلية الحديث الشريف والدراسات الإسلامية الجامعة الإسلامية المدينة المنورة الوصيـة الخامسـة قولو تعالى: {وَ تـَ قْتـُلُوا النـلَّفقْ َ اللَّتِي َرلَّ َ الللَّوُ إِ بِالقْحَ قِّ ذَلِكُ قْ وَصلَّاكُ قْ بِوِ لَعَللَّكُ قْ تـَعقْ ِلُووَ} . المناسبـة: قد يتلمس الباحث ما يربػط بو بتُ ابؼعاني أو الأوامر أو النواىي، وقد يكوف ما يصل إليو أمراً واضحػاً يتأيد بالأسلوب وابؼقاـ، وقد يكوف فيو تكلف وبعد. ولعل الناظر في ىذه الوصايا الكريدة يجد أف اللّو عز وجل حرـ قتل القلوب بعبادة غتَ اللّو عز وجل، أيَّ نوع كاف من أنواع العبادة، وصاف بعػد ذلك الوالدين وبضاهما من جهل ابعهلبء، وبضاقة السفهاء، فالإساءة إليهما أو إلى أحدهما قتل للراوبط الأسرية، وقضاء على الإحساف الذي أمر اللّو بو، ثم أحكم علبقة الأباء بالأبناء، ورسم حدوداً لا يجوز لأي من الأبوين بذاوزىا، وصرح عز وجل بتحػرنً قتل الأولاد، لأف قتلهم قتل للمجتمعات، وقضاء على تتابع الأجياؿ، ويدخل في ىذا الفساد ارتكاب الزنا فهو يقتل المجتمعات حساً ومعتٌ. وتلب ذلك النهي عن قتل النفس عامة، وىػذا العمػوـ يوحي بتضمن ما سبق، فإف كل قتلٍ فردي إنما يقع على جنس النفس في عمومو، يؤيد ىذا الفهم قولػو تعػالى:{ مِنقْ أَجقْلِ ذَلِكَ كَتَبـقْنَا عَلَى بَنِي إِسقْرائيلَ أَنلَّوُ مَنقْ قـَتَلَ نـَفقْساً بِغَيقْرِ نـَفقْ ٍ أَوقْ فَسَااٍ فِي ااَرقْ ِ فَكَ َنلَّمَا قـَتَلَ النلَّاسَ جَمِيعاً وَمَنقْ أَ قْيَاىَا فَكَ َنلَّمَا أَ قْيَا النلَّاسَ جَمِيعاً ...}1 الآية. فالاعتداء إنػما يقع على حق ابغياة ذاتها، وعلى النفوس البشرية في عمومها، والآية الكريدة دليل على أف اللّو عز وجل كفل حرمة النفس ابتداء2 . البحث اللغـوي: أ- في النحـو: قولو: (إلا بابغق) استثناء مفرع ولعلو من أحد ثلبثة أمور : 1 -من أعم الأحػواؿ، أي لا تقتلوىػا في حاؿ من الأحػواؿ، إلا حاؿ ملببستكم ابغق، الذي ىو أمر الشرع بقتلها . 2 -أومن أعم الأسباب، أي لا تقتلوىا بسبب منِ الأسباب إلا بسبب ابغق. 1 الآية(32) من ابؼائدة. 2 ىذا ابؼعتٌ مستفاد من(الظلبؿ 424/3)
عدد الصفحات ١3 -أومن أعم ابؼصادر، أي لا تقتلوىا قتلبً إلا قتلبًًَ كائناً بابغق. وقد رجح في الفتوحات أف قولو : {إِ بِالقْحَ} مفعوؿ مطلق، أي إلا القتل ابؼتلبس بابغق3 . قولػو: {ذَلِكُ} إشارة إلى الوصايا ابؼتقدمة . والكاؼ وابؼيم: للخطاب، ولا حظّ بؽما من الإعراب. قولو: {النـلَّفقْ َ} أي جنس نفس الإنساف، فالألف واللبـ لتعريف ابعنس، كقوبؽم : أىلك الناس حب الدرىم والدنيا . واللّو عز وجل يقوؿ: {إِولَّ الإنقْسَاوَ ُلِ َ ىَلُوعاً}4 فابؼراد ابعنس. الضمتَ في قولو: {وَصلَّاكُ} بؿلو النصب، لأنو ضمتَ موضوع بؼخاطبة ابعمع . وفى وصى ضمػتَ تقػديره : ىو، فاعل يعود على لفظ ابعلبلة أي: وصىّ اللّو تعالى عباده بذلك. ب- ا لمفراات: الح : واحد ابغقوؽ، ىو ضد الباطل5 . تع لوو: من العقل، وابؼراد في الآيػة العلم6 الذي يستفيده الإنساف من التأمل في ىذه الوصايا. الإيضـاح إف ابؼتأمل للآيػة الكػريدة يجد أف قتل النفس المحرمة من بصلة الفواحش، وقد أفرده رب العزة فهو من باب ذكر ابػاص بعد العاـ، وقد أجاب العلماء ربضهم اللّو عن ىذا منهم الإماـ الػرازي ربضػو اللّو قاؿ: اعلم أف ىذا داخػل في بصلة الفواحش، إلا أنو أفرده تعالى بالذكر، لفائدتتُ : 1 -أف الإفراد بالذكر يدؿ على التعظيم، والتفخيم كقولو تعا : {وَمَلائِكَتِوِ وَرُسُلِوِ وَجِبقْرِيلَ وَمِيكَالَ }7 . 2 -أف الفواحش لا يستثتٌ منها فلب يقاؿ: لا تقربوا الفواحش إلا بابغق. وىو وارد في القتػل فجاء إفراده لفرض الاستثناء أيضا 8 وإذا تدبر الإنساف كتاب اللّو عز وجل يجد بكثرة ورود النهي عن ىذه ابؼنكػرات الثلبث متتابعاً، النهي عن الشرؾ، والنهي عن الزنا، والنهي عن قتل النفس ولعػل في ىذا توجيهاً 3 انظر(الإرشاد 3 /199، والفتوحات 2 /09 1.) 4 الآية(19) من ابؼعارج . 5 انظر(الصحاح 1 /281 واللساف0 1 /49 .وابؼفردات ص 341 ) 6 انظر(الآية 98 من البقرة ). 7 انظر(ترتيب القاموس 3 /277 .وابؼفردات ص 341 ) 8 الرازي 13/233.
عدد الصفحات ٢للؤنظار إلى أف ىذه الأمور الثلبثة تشتًؾ في صفة القتل، فإذا نظرنا إلى جريدة الشرؾ بقد أنها قتل للقلوب وإماتة للفطرة التي فطر اللّو الناس عليها. فالقلوب التي لا تعيش على التػوحيد قلوب ميتة، قد قضي على ما فيها من فطرة يؤيػد ىذا الفهم قولو تعالى : {أَوَمَنقْ كَاوَ مَيقْتاً فَ َ قْيـَيـقْنَاهُ وَجَعَلقْنَا لَوُ نُوراً يَمقْشِي بِوِ فِي النلَّاسِ كَمَنقْ مَثـَلُوُ فِي الظُّلُمَاتِ لَيقْ َ بِخَارِجٍ مِنـقْهَا }9 الآية. فليس ابؼراد موت الأجساد بخروج الأرواح منها، بل ابؼراد موت القلوب بخلوىػا من نور ابغق، وبرىػاف الشرع، والشرع لا يقوـ إلا على اعتقاد سليم وبرىػاف قونً . وجريدػة الزنا قتل للجماعة حساً ومعتًٌ، فابعماعة التي تشيػع فيها الفاحش بصاعة ميتة معنوياً من حيث عدـ وجود الغتَة التي من أعظم الأسباب في بضاية المجتمع من ىذا الوباء القاتل ولذلك وصف بها النبي ربو عز وجل فقاؿ : "ما من أحد أغتَ من اللّو عز وجل"10 فإذا قتلت الغتَة في ابعػماعة استشرى ابػطر، وعم البلبء، أما قتلها حساً فإف مصتَىا إلى الفناء والدمار لا بؿالة لاندفاعها خلف ىذه الشهوة المحرمة حتى بلغت مستوى الدواب بل ىم أضل سبيلب . وقد جاء في بلبغات الإماـ مالك عن ابن عباس أنو قاؿ: "… ولا فشا الزنا في قوـ قط إلا كثر فيهم ابؼَوت..."11 قاؿ ابن عبد ال: "قد رويناه متصلبً عنو، ومثلو لا يقاؿ بالرأي "12 .ويؤيد قولػو ىذا أف ابن ماجة قاؿ: حدثنا بؿمود بن خالػد الػدمشقي13، حدثنا سليماف بن عبد الربضن أبو أيوب 14، عن ابن أبي مالك15 عن أبيو16 عن عطاء بن أبي رباح 17، عن عبد اللّو بن عمر قاؿ: أقبل علينا رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم فقاؿ: "يا معشر ابؼهاجرين، بطس إذا ابتليتم بهن، وأعوذ باللّو أف تدركػوىن، لم تظهر الفاحشة في قوـ قط حتى يعلنوا بها، إلا فشا فيهم الطاعوف والأوجػاع، التي لم تكن مضت في أسلبفهم الذين مضوا ..."18 ابغديث. ولو شاىد من حديث ميمونة أخرجو الإماـ أبضد ربضو اللّو19 .وفي نظري أف ىذا ابػبر لا يقل عن درجػة ابغسن لغػتَه وأنو كػما قاؿ ابن 9 الآية(122) من الأنعاـ. 10 الصحيح مع الفتح13/383، وصحيح مسلم4/2113. 11 ابؼوطأ2/460. 12 قالو بؿمد فؤاد تعليقاً على ابؼصدر السابق. ولا أراه إلا في التمهيد . و لم أقف عليو. 13 ثقة، مات سنة سبع وأربعتُ ومائت . 14 صدوؽ يخطئ من رجاؿ البخاري مات سنة ثلبث وثلبثتُ ومائت . 15 خالد بن يزيد بن عبد الربضن ضعيف، مع كونو فقيهاً، قد اتهمو ابن معتُ، مات سنة بطس وبشان. 16 يزيد بن عبد الربضن بن أبي مالك، صدوؽ ربدا وىم، مات سنة ثلبثتُ ومائة أو بعدىا . 17 ثقة، كثتَ الإرساؿ، مات سنة أربع عشرة ومائة . 18 ابن ماجو2 /1332. 19 ابؼسند6 /333.
عدد الصفحات ٣عبد الػبر ربضو اللّو: "مثلو لا يقاؿ بالرأي "، والواقع يؤيػده بعػد مضي أكثر من ألف وأربعػمائة سنة، يظهر الوباء الذي لم يعهد من قبل، ويهدد العػالم الػذي فشػا فيو الزنا ولا ريب أنو ابؼوت الذي ذكره ابن عباس وىوا لطاعوف الذي ذكره ابن عمر من قوؿ رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم وىو العقاب الذي ذكره الإماـ أبضد من حديث ميمونة رضي اللّو عنها، وىو (الإيدز)20 كػما يسميو عالم ابغضارة اليوـ، فهل آف الأواف لأبناء الإسلبـ أف يرجعوا إلى بضى الإسلبـ فيحتموا بو من قتل القلوب والمجتمعات . وجاء النهي الثالث يحرـ الاعتداء على جنس النفس البشرية يجعل قتلها بغتَ حق فاحشة عظيمة وكبتَة، يعاقب اللّو عليها بأشد العقاب، ولػذلػك أبصػع ابؼسلموف على بررنً القتل بغتَ حق اعتمادا على كتاب اللّو عز وجل وسنة رسولو صلى الله عليو وسلم، فاللّو عز وجل يخاطب عباده في ىذه الوصية بأف لا تقتلوا النفس التي حرـ قتلها بالإسلبـ، أو عقد الذمة، أو العهد، أو الاستئماف، فيدخل في عموـ النفس كل أحػد إلا ابغػربي، ففي ىذه الػوصيػة حرـ قتػل النفس عامة . وكػذلك في قولو تعػالى : {وَ تـَ قْتـُلُوا النـلَّفقْ َ اللَّتِي َرلَّ َ الللَّوُ إِ بِالقْحَ قِّ وَمَنقْ قُتِلَ مَظقْلُوماً فـَ َدقْ جَعَلقْنَا لِوَلِيقِّوِ سُلقْ َاناً فَلا يُسقْرِ قْ فِي القْ َتقْلِ إِنلَّوُ كَاوَ مَنقْ ُوراً }21 .وأكد على النفس ابؼؤمنة تكريداً بؽا وتنويها بشأنها وإلا فهي داخلة في العموـ قاؿ تعالى: {وَمَا كَاوَ لِمُؤقْمِنٍ أَو يـَ قْتُلَ مُؤقْمِناً إِ َ َ ً }22 الآيػة وقػاؿ تعػا: {وَمَنقْ يـَ قْتُلقْ مُؤقْمِناً مُتـَعَمقِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنلَّ ُ َالِداً فِيهَا وَ َضِبَ الللَّوُ عَلَيقْوِ وَلَعَنَوُ وَأَعَدلَّ لَوُ عَ َاباً عَظِيماً }23 .كػما نصت السنػة ابؼطهرة على بررنً قتل ابؼعاىد، تنويهاً بدبػادئ الإسلبـ، وتربية لأمة الإسلبـ على حفظ العهود وابؼواثيق والعهد يشمل الأمرين السابقػتُ، عقػد الػذمة، والاستَئػماف، قاؿ رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم: "من قتل نفساً معاىداً لم يرح رائحػة ابعنػة، وإف ريحها ليػوجػد من مستَة أربعتُ عاما "24 .وأخرج التًمذي بسنده من حديث أبي ىريرة، عن النبي صلى الله عليو وسلم قاؿ: "ألا من قتل نفسا معاىداً لو ذمة اللّو وذمة رسولو، فقػد أخفػر بذمة اللّو، فلب يرح رائحػة ابعنػة، وإف ريحها ليوجد من مستَة سبعتُ خريفا ". قاؿ: "حديث أبي ىريرة حديث حسن صحيح"25 .وىذا غيض من فيض. 20 وباء ىذا العصر نتيجة ابػروج عن الآداب الإسلبمية . والإنسانية والابكطاط إلى مستوى ابغيواف بل أدنى من ذلك وقد نشرت جريدة الشرؽ الأوسط في عددىػا 3413 الصادر في يوـ السبَت08/8/1408 ىػ أف عدد الإصابات بهذا الوباء والذي تم إبلبغ منظمة الصحة العابؼية بها وصل إلى 85273 إصابة في العا. وما خفي أعظم. 21 الآية33 من الإسراء . 22 الآية(92،93) من النساء. 23 الآية(92،93) من النساء. 24 الصحيح مع الفتح12/259. 25 ابعامع4 /20.
عدد الصفحات ٤قولو: {إِ بِالقْحَ} . ابؼراد بو ما يبيح قتل النفس التي حرـ اللّو قتلها شرعاً. ومنو ابؼذكور في الأسباب الآتية : 1 -النفس بالنفس قاؿ تعػا: {وَكَتَبـقْنَا عَلَيقْهِ قْ فِيهَا أَولَّ النـلَّفقْ َ بِالنـلَّفقْ ِ}26 الآية وقاؿ تعا: {وَلَكُ قْ فِي القْ ِ َااِ َيَاةٌ يَا أُولِي ااَلقْبَابِ لَعَللَّكُ قْ تـَتـلَّ ُووَ } 27 . 2 -الػوقػوع في الزنػا بعد الإحصاف . وقد جاء في كتاب اللّو عز وجل بفا بقي حكمو ونسخت تلبوتػو "الشيػخ والشيخػة فَأربصوهما البتة"28 يعتٍ إذا زنيػا فذاؾ عقابهما وجاء في ابغػديث ابؼتفق عليػو أف النبي صلى الله عليو وسلم قاؿ: " لا يحػل دـ إمرىء مسلم يشهد أف لا إلو إلا اللّو، وأني رسوؿ اللّو إلا بإحدى ثلبث، الثيب الزاني، والنفس بالنفس، والتارؾ لدينو ابؼفارؽ للجماعة "29 . 3 -ابؼرتد عن الدين، التارؾ بعػماعة ابؼسلم . كػما ورد في ابغديث آنفا . 4 -المحاربوف لشػرع اللّو الذين يسعوف بالفساد في الأرض. ومنهم قطاع الطرؽ، ومػا يسموف بالإرىابيتُ اليوـ، والساطوف على أعراض الناس، ودمائهم، وأموابؽم . قاؿ تعالى: { إِنلَّمَا جَزَاءُ اللَّ ِينَ يُحَارِبُووَ الللَّوَ وَرَسُولَوُ وَيَسقْعَوقْوَ فِي ااَرقْ ِ فَسَاااً أَوقْ يـُ َتـلَّلُوا أَوقْ يُ َللَّبُوا أَوقْ تـُ َ لَّعَ أَيقْدِيهِ قْ وَأَرقْجُلُهُ قْ مِنقْ ِلا ٍ أَوقْ يـُنـقْفَوقْا مِنَ ااَرقْ ِ }30 الآية. ثم إنػو تعػالى بؼا بتُ أحػواؿ ىذه الوصايا ابػمس أتبع ذلك اللفظ الذي يقرب إلى القلوب القبػوؿ فقاؿ: {ذَلِكُ قْ وَصلَّاكُ قْ بِوِ} بؼا فيو من الشموؿ للؤمر والنهي، وبؼا فيو من اللطف والرأفػة، كل ذلػك ليكػوف القلب أقرب إلى القبػوؿ، ثم أتبعػو عز وجػل بقولو : {لَعَللَّكُ قْ تـَعقْ ِلُووَ} ولعل ىنا ليست على بابها، أي لكي تعقلوا فوائد ىذه الوصايا في الدين والدنيا. ومن تأمل قولو: {ذَلِكُ قْ وَصلَّاكُ قْ بِوِ} يجد أف استخداـ اسم الإشارة للبعيد لو دلالة تنبئ عن عظمػة ىذه الػوصايا وبعػد ما ترمي إليو من إصلبح الدين والدنيا، وما فيها من ابغكم والأحكاـ الإبؽية التي تضمنت الكماؿ ابؼطلق في ابؽداية والتوجيو، وإصلبح الإنسانية في كل زماف ومكاف إلى أف يرث اللّو الأرض ومن عليها. وبؼا كانت الوصية ابػامسة تنهى عن القتل بغتَ حق فإنو يحسن الكلبـ عن القتل وأقسامو . إف الدارس بؽذه القضية يجد أف الأكثرين من العلماء يروف القتل أقساماً ثلبثة: 26 الآية(45) من ابؼائدة. 27 الآية(179) من البقرة . 28 انظر(ابؼوطأ 2 /824.) 29 انظر(الصحيح مع الفتح 12 /201 وصحيح مسلم3 / 1302 .) 30 الآية(33) من ابؼائدة. ولتماـ الفائدة انظر (الرازي 13/233.)
عدد الصفحات ٥1 -العمد2 -شبو العمد3 -ابػطأ. وبفن يرى ىذا التقسيم عمر بن ابػطاب، وعلي بن أبي طالب رضي اللّو عنهػما وبؽػما فيػو قضػاء31 وبػو قاؿ الشعبي، والنخعي، وقتادة، والثوري، والإماـ الشافعي،ِ والإماـ أبضد، وأىل العراؽ، وأصحاب الرأي رحم اللّو ابعميع، ونقل عن الإماـ مالك ربضو اللّو أنو أنكر شبو العمػد وقاؿ: "ليس في كتاب اللّو عز وجل إلا العمد، وابػَطأ"، فهو لا يعمل بشبو العمد، وجعلو من قسم العمد . وحكى عنو مثل قوؿ ابعػماعة32 . ويؤيد ما ذىب إليو ابعمهور ما أخرجو أبو داود وقاؿ : حدثنا سليماف بن حرب 33ومسدد34 قا: حدثنا بضاد35، عن خالد36، عن القاسم بن ربيعة 37، عن عقبة بن أوس38، عن عبد اللّو بن عمرو أف رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم قاؿ: "… ألا إف دية ابػطأ شبو العمد، ما كاف بالسوط والعصا، مائة من الإبل، منها أربعوف في بطونها أولادىا "39 .وىذا ابغديث الذي لا يقل عن درجػة ابغسن نص يصد ما نقل عن الإماـ مالك ربضو اللّو من إنكاره شبو العمد، وقد زاد أبو ابػطاب قسماًًَ رابعاًًَ، وبظاه (ما أجري بؾرى ابػطأ ) بكو أف ينقلب نائم على شخص فيقتلو، أو يقع عليػو من علو، ومنػو القتل بالسبب، كحفر البئر، ونصػل السكتُ، ومنو قتػل غتَ ابؼكلف، فقػد أجري بؾرى ابػطأ، وإف كاف عمداً، لكن ىذه الصػورة التي ذكػرىا أبو ابػطاب ربضو اللّو ىي عن الأكثرين من قسم ابػطأ، لأف صاحبها ليس من أىل القصد الصحيح، ولذلك أعطوه حكم ابػطأ لأنو خطأ في الواقع. ويحسن في ىذه العجالة إعطاء فكرة مبسطة عن كل قسم. 1 -العمـد: ىو أف يقصػد شخػص قتػل آخر بدا يراه قاتػلب في العػادة كالسيف، وابػنجر، والطلقات النارية وغتَىا من الأمور القاتلة . وىذا القسم ثبت بكتاب اللّو عز وجل قاؿ اللّو تعالى: {وَمَنقْ يـَ قْتُلقْ مُؤقْمِناً 31 انظر سنن أبي داود4/ 685. 32 ابؼغتٍ مع الشرح الكب 9 / 322. 33 البصري، إماـ حافظ ثقة، مات سنة أربع وعشرين ومائت . 34 ابن مسرىد، البصري، ثقة، حافظ، أوؿ من صنف ابؼسند مات سنة بشاف وعشرين ومائت . 35 ابن زيد، البصري، ثقة، ثبت فقيو، مات سنة تسع وسبعتُ ومائة . 36 ابن مهراف، ابغذاء، ثقة، يرسل، من كبار ابػامسة . 37 ابن جوشن، البصري، ثقة، من الثالثة . 38 البصري، صدوؽ من الرابعة . 39 أبو داود4 /711-712.
عدد الصفحات ٦مُتـَعَمقِّداً فَجَزَاؤُهُ جَهَنلَّ ُ}40 الآية. 2 -شبو العمد: ىو أف يقصػد شخػص ضرب آخر بػما لا يقتػل غالباً، إما لقصد العدواف عليو، أو لقصد التأديب لو فيسرؼ فيو، ويتجاوز ابغد ابؼعقوؿ في ذلك، كالضرب بالسوط، والعصا، وابغجر الصغتَ وبكو ذلك. وىػذا القسم ثبت بسنػة رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم. فقد ذكرنا آنفاً حديث عبد اللّو بن عمرو بن العػاص رضي اللّو عنهػما أف رسػوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم قاؿ: "ألا إف ديػة ابػطأ شبػو العمػد، ما كػاف بالسػوط، والعصػا، مائة من الإبل، منها أربعوف في بطونها أولادىا "41 .وقد قضى فيو رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم فقػد أخػرج الإمػاـ البَخػاري بسنػده من حديث أبي ىريرة رضي اللّو عنػو قاؿ: "اقتتلت امرأتاف من ىذيػل فرمت إحداهما الأخرى بحجر فقتلتها وما في بطنها، فاختصموا إلى النبي صلى الله عليو وسلم فقضى أف ديػة جنينهػا غرة، عبػد أو وليدة، وقضى أف ديػة ابؼػرأة على العاقلة "42 .فاعتبره صلى ا عليو وسلم شبو عمد إذ أوجب الدية على العاقلة، ولو اعتبره عمداً بؼا بضلت العػاقلة الػديػة، لأنها لا برمػل العمد. وقاؿ أبو داود: حدثنا بؿمد بن يحي بن فارس43، حدثنا بؿمد بن بكار بن بلبؿ العاملي44، أخبرنا بؿمد- يعتٌ ابن راشد45 -عن سليماف- يعتٍ ابن موسى46 -عن عمر وبن شعيب47، عن أبيػو48، عن جده49، أف النبي صلى الله عليو وسلم قاؿ: "عقل شبو العمد مغلظ، مثل عقل العمد، ولا يقتل صاحبو"50 .فهذه نصوص من السنة صحيحة تثبت شبو العمد، خلبفاًًَ بؼا نقل عن الإماـ مالك ربضو اللّو. 3 -الخ ـ: ىو أفٍ يفعل الشخػص فعلبً لا يريد بو الاعتداء علىِ أحد من البشرِ فيخطئ ىدفو 40 الآية(93) من النساء. 41 أخرجو أبو داود 4 /711-712. 42 ابغديث متفق عليو وىذا لفظ البخاري (الصحيح مع الفتح 12 /252 .) 43 الذىلي، ثقة، حافظ، جليل، مات سنة بشاف وبطستُ ومائت. 44 صدوؽ، مات سنة ست عشرة ومائت . 45 ابؼكحولى، صدوؽ يهم، مات بعد ستتُ ومائة. 46 الأموي، الأسدؽ، صدوؽ فقيو، في حديثو بعض لتُ، من ابػامسة. 47 ابن بؿمد بن عبد الله بن عمرو بن العاص، صدوؽ، مات سنة بشاف عشرة ومائة . 48 شعيب بن بؿمد، صدوؽ، من الثامنة. 49 عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله عنو. 50 سنن أبي داود4 /694.
عدد الصفحات ٧ويصيب إنساناً فيقتلو، مثالو. أف يرمي صيداً فيصيب إنساناًًَ، أو يلقي شيئاًًَ فيقع على مارٍ، أو يقود سيارة فيعتًضو شخػص فيدىسو وبكو ذلك . وابػطأ على قسمتُ أيضاً : 1 -أف يفعػل الشخػص ما يجوز لو فعلو بفا سبقت الإشارة إليػو وبكػو، فيؤؿ ذلك إلى إتلبؼ إنساف حر، مسلماً كاف أو كافراً . 2 -أف يكػوف في أرض العدو فيقتل من يظنػو كافرا . فيصبح ابؼقتوؿ مسلماً . فهذا قسم من ابػطأ وإف كانت الصورة صورة عمد لعدـ قصد قتل ابؼسلم . وقد ثبت القتل ابػطأ بكتاب اللّو عز وجل قاؿ اللّو تعالى: {وَمَا كَاوَ لِمُؤقْمِنٍ أَوقْ يـَ قْتُلَ مُؤقْمِناً إِ َ َ ً وَمَنقْ قـَتَلَ مُؤقْمِناً َ َ ً فـَتَحقْرِيرُ رَقـَبَةٍ مُؤقْمِنَةٍ وَاِيَةٌ مُسَللَّمَةٌ إِلَى أَىقْلِوِ }51 الآية. وىذه التقسيمات مستفادة من ابؼغتٍ والشرح الكبتَ 52 . 5 -الامتناع عن أداء حق واجب الأداء من حقوؽ اللّو عز وجل ومنو الزكاة مثلبً فإف أبػا بكر رضي اللّو عنػو لم يتًدد في قتاؿ مانعي الػزكػاة، بل أخذ ذلك بحزـ وشدة، أخرج الإماـ البخاري بسنده من حديث أبي ىريرة رضي اللّو عنو قاؿ: "بؼا توفي رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم، وكَاف أبو بكر رضي اللّو عنو53، وكفر من كفر من العرب، فقاؿ عمر رضي اللّو عنو54 :كيف تقاتل الناس وقد قاؿ رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم: "أمرت أف أقاتل الناس حتى يقولوا لا إلو إلا اللّو، فمن قابؽػا فقػد عصم متٍ مالو ونفسو إلا بحقو، وحسابو على اللّو". فقاؿ55" :واللّو لأقاتلن من فرؽ بتُ الصلبة والزكاة، فإف الزكاة حق ابؼاؿ، واللّو لو منعوني عناقاً كانوا يؤدونها إلى رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم لقاتلهم على منعها، قاؿ عمر رضي الله عنو : فو اللّو ما ىو إلا أف قد شرح اللّو صدر أبي بكر رضي اللّو عنػو، فعػرفت أنػو ابغق"56 .وىذا بفا سنو أبو بكر رضي اللّو عنو ووافقو أصحػاب رسػوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم، وسػرعػاف ما شرح اللّو صدر عمر رضي اللّو عنو وعرؼ أنو ابغق، وبكن مأموروف بإتباع ابػلفاء الراشدين قاؿ أبو داود ربضو اللّو: حدثنا أبضد بن حنبل، حدثنا الػوليد بن مسلم، حدثنا ثور بن يزيد 57 قاؿ: حدثتٍ خالد بن معداف58 51 الآية(92) من النساء. 52 9 /338. 53 يعتٍ خليفة بعد رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم . 54 بـاطباً أبا بكر رضي اللّو عنو بؼا أمر بقتاؿ ابؼرتدين وابؼانعتُ للزكاة. 55 أبو بكر رضي الله عنو، 56 انظر(الصحيػح مع الفتػح 3 /262،322،2 1 /275،13 /250،)غتَ أنػو قاؿ (عقالا) وبؼزيػد الفائدة انظر (البداية والنهاية 6 /311.) 57 أبو خالد، ابغمصي، ثقة.
عدد الصفحات ٨قاؿ: حدثتٍ عبد الربضن بن عمرو السلمي 59، وحجر بن حجر 60 قا: أتينا العرباض بن سارية 61، وىو بفن نزؿ فيو { وَ عَلَى اللَّ ِينَ إِذَا مَا أَتـَوقْ َ لِتَحقْمِلَهُ قْ قـُلقْ َ أَجِدُ مَا أَ قْمِلُكُ قْ عَلَيقْوِ }62 فسلمنا وقلنا: "أتيناؾ زائرين، وعائدين، ومقتبستُ "، فقاؿ العرباض : "صلى بنا رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم ذات يوـ، ثم أقبل علينا، فوعظنا موعظة بليغة، ذرفت منها العيوف .." فذكر ابغديث وفيو "فعليكم بسنتي وسنة ابػلفاء ابؼهديتُ الراشدين، بسسكوا بها وعضوا عليها بالنواجذ .."63. 6 -قد يجب قتاؿ غتَ من سلف ذكرىم . وذلك في أحواؿ كمن قصد قتل رجل، أو أخػذ مالػو، أو الاعتداء على عرضو، فيجوز قتلو على سبيل الػدفػاع عن النفس وابؼاؿ والعرض يؤيد ىذا ما أخرجو الإماـ البخاري بسنده من حديث عبد اللّو بن عمر رضي الله عنهػما قاؿ: بظعت رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم يقػوؿ: "من قتل دوف مالو فهو شهيد"64 وأخرجو الإماـ التًمذي وزاد في رواية : "ومن قتل دوف دينو فهو شهيد، ومن قتل دوف دمو فهو شهيد، ومن قتل دوف أىلو فهو شهيد" قاؿ التًمذي: "ىذا حديث حسن صحيح"65 .قاؿ النووي ربضو اللّو: "فيػو جواز قتل من قصد أخػذ ابؼاؿ بغتَ حق، سواء كاف ابؼاؿ قليلبً أو كثتَاً، وىو قوؿ ابعمهور، وشذ من أوجبو"، قاؿ ابن ابؼنذر: والذي عليو أىل العلم أف للرجل أف يدفع إذا أريد ظلماً، بغتَ تفصيل، إلا أف كل من يحفظ عنو من علماء ابغديث كالمجمعتُ على استثناء السلطاف للآثار الواردة بالأمر بالصبر على جوره، وترؾ القياـ عليو . قاؿ ابن بطاؿ: "إنما أدخل البخاري ىذه التًبصة في ىذه الأبواب ليبتُ أف للئنساف أف يدفع عن نفسو، ومالو ولاشيء عليو، فإنو إذا كاف شهيداً إذا قتل في ذلك فلب قود عليو، ولا دية إذا كاف ىو القاتل"66 .ويؤيد ىذه الأقواؿ ما أخرجو الإماـ مسلم بسنده من حديث أبي ىريرة قاؿ : جاء رجل إلى رسوؿ اللّو صلى الله عليو وسلم فقاؿ: يا رسوؿ 58 أبو عبد الله، ابغمصي، ثقة، يرسل كثتَا . 59كلبهما مقبوؿ، وتابعهما يحي بن أبي ابؼطاع وىو صدوؽ، أخرج حديثو ابن ماجة 1/ 15 وىو عند التًمذي من طريق السلمي وحده (ابعامع 5 /44.) 60كلبهما مقبوؿ، وتابعهما يحي بن أبي ابؼطاع وىو صدوؽ، أخرج حديثو ابن ماجة 1/ 15 وىو عند التًمذي من طريق السلمي وحده (ابعامع 5 /44.) 61 صحابي من أىل الصفة. 62 الآية(92) من التوبة. 63 أبو داود5/ 13-15. 64 الصحيح مع الفتح5/ 123 وأخرجو الإماـ مسلم 1/ 125. 65 ابعامع4/ 29-30 وأخرجو أبو داود 5/ 128وىو عند النسائي وأبن ماجة. 66 ذكر ىذه النقوؿ ابغافظ في الفتح5/ 124.
عدد الصفحات ٩اللّو: "أرأيت إف جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قاؿ : "فلب تعطو مالك" قاؿ: أرأيت إف قاتلتٍ؟ قاؿ : "قاتلو" قاؿ: أرأيت إف قتلتٍ؟ قاؿ : "فأنت شهيد" قاؿ: أرأيت إف قتلتو؟ قاؿ : "ىو في النار"67 قاؿ التًمذي ربضو اللّو: "وقد رخص بعض أىل العلم للرجل أف يقاتل عن نفسو ومالو "، وقاؿ ابن ابؼبارؾ : "يقاتل عن مالو ولو درهمتُ "68 .وإذا كاف ىذا مقابل ابؼاؿ الذي يدكن تعويضو، فلب ريب أنو آكد مقابل النفس والعرض والدين، فإف النفس إذا تلفت لا يدكن تعويضها، والعرض إذا خدش لا يدكن جبره، والدين فوقهما، ولا يليق بابؼسلم أف يستسلم ويكوف جباناًًَ وفي مقابل أعز ما يدلك نفسو ودينو وعرضو. فيكوف الصائل ابؼعتدي إذا بلغت مقاومتو حد قتلو فإنو مباح الدـ لا قود فيو ولا دية، وىذا ىو ابغق إف شاء اللّو. وابغاصل أف الأصل في قتل النفس ابغرمة، وحلو لا يثبت إلا بدليل منفصل كما جاء في كتاب اللّو وسنة رسولو صلى الله عليو وسلم . اا كـا قولو تعالى: {لَعَللَّكُ قْ تـَعقْ ِلُووَ} . قاؿ الرازي ربضو اللّو معللبً سبب ختم الآية بهذا: "لأف التكاليف ابػمسة ابؼذكورة في الآية (ىذه) أمور ظاىرة جلية فوجب تعقلها وتفهمها "69 . دلت الػوصية الكػريدة على بزرنً قتل النفس ابؼعصومة بالإسلبـ أو بعقد الذمة إلا بحق يوجب ذلػك . وىػذا أمر بؾمع عليو بتُ أمة الإسلبـ، فإف فعلو إنساف متعمداً فسق، وأمره إلى اللّو عز وجل إف شاء عذبو، وإف شاء عفا عنو، وتوبتو مقبولة في قوؿ أكثر أىل العلم. 67 صحيح مسلم1/124 . 68 ابعامع4 /29. 69 الرازي 13 /235.
عدد الصفحات ١٠