لا تَغْلُو في دِيْنِكُم محمد محيي الدين حمادة الدمشقي الميداني
عدد الصفحات ١مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 2 عناصر الخطبة وخطتها مهما اشتد البلاء بالأمة فلن تزول، وستعود من جديد بعزِ عزيزٍ أو بذلِ ذليل .. مرور سريع ععداء الصليبين للمسلمين قديماً وحديثاً . وعيد البعثيين ي سوريا –قديماً - بهدم مساجدها. الغلو ي الدين مرفوض ي شرعنا، والوسطية سِ مة بارزة من سمات شرعنا الحنيف. إنتفجير ونبش القبور يفتح على الأمة ويلات كبرى هم ي غنىً عنها . إنَّ فقه الأولويات والنَّ ظر ي المآلات يُلزمنا ن بْذ وترك المسائل الخلافية التي تشق صفَّ المسلمين ي هذا الوقت العصيب. إنَّ الذين يُنفِّرون من الإسلام بأفعالهم هم أسوأُ من حيث النتيجة -لا من حيث الجوهر- من أعداء الإسلام أنفسهم.
عدد الصفحات ٢مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 3 ا لحمدُ لله، الحمدُ لله ثمَّ الحمدُ لله، الحمدُ لله الذي هدانا لهذا وما كنَّ ا لنهتدي لولا أنْ هد انا الله، وما توفِ يقنا ولا اعتصامنا إلاَّ بالله، وما توكُ لنا وما اعتمادِ نا إلاَّ على الله. وأشهد أن لا إله إلا الله وحدة لا شريك له: القائل ي كتابه: { ي ا أ هْل الْكِت ابِ لا ت غْلُوا ي ِ دِينِكُمْ و لا ت قُولُوا ع لى اللهِ إِ لاَّ الحْ قَّ } [النِّس اءِ : 171 ]. وأشهدُ أنَّ سيدنا وعظيمنا وحبيبنا وقائدنا محمد-صلى الله عليه وسلم-: ع بْ دُ الله ورسوله ، أدَّ ى الرسالة وبلَّ غ الأمانة ، ون ص ح الأمة ، وجاهد ي الله حقَّ جهادِهِ ، فجزاهُ اللهُ خير ما جزى نبيًا عن أمَّ تِ ه، القائلُ ي ما صحَّ عنه : (إِنَّ مِنْكُمْ مُن فِّرِين (1)). أمَّا بعدإخوة الإيمانِ والعقيدة: أوصيكُ مْ ونفس المخطئة المذنبة بتقوى الله عزَّ وجل، وأحثُّكُم على طاعته، وأحذِّركم وبال عصيانه ومخالفة أمره، و أ سْت فْتِحُ بِالَّذِي هُو خ يرْ ... إخوة الإيمانِ ... مِ ن م ركزٍ مِ نْ م ر اكزِ الحفاظِ على الهويةِ الإسلامية لأبناءِ الشام، نقولُ لكم (1) صحيح البخاري 1/842 .برقم (076 . )تحقيق: د. مصطفى ديب البغا. الناشر: دار ابن كثير ، اليمامة – بيروت- الطبعة الثالثة ، 1467 هـ- 1827م
عدد الصفحات ٣مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 4 نخاطبُ بكم أنفسنا : إنَّ الله عزَّ وجل ا قتضت حكمتهُ أن ت ظلَّ هذه الأمة باقية إلى قيامِ الساعة بعزِ عزيزٍ أو بذلِ ذليل، وإنَّ الله عزَّ وجل اقتضت حكمته أن ي نزِ ل البلاءُ بهذه الأمة ، وأنْ تحيط بها الخطو ب من كلِّ ح دبٍ وص وبٍ ، ثمَّ بعد ذلك أنْ تبقى وأنْ لا تموت وأن تقف على قدميها ، وأن تؤدي رسالت ها، لكن ما بين السُّ قوطِ والوقوفِ لا بُ دَّ للدعاةِ من مراجعات... ي يومٍ من الأي امِ ... جاءتْ أولى الحملاتِ الصليبيةِ إلى بلادِ الشام ي القرنِ العاشرِ الميلادي قبل ألفِ عامٍ من الآن تقريبً ا، جاءتنا عن طريقِ القسطنطينية إلى أنطاكيا ثمَّ شقَّ تْ طريق ها إلى القُ دسِ ، وي القدسِ حص لتْ معركة كبيرة ... غاص تْ خيولُ الصليبين ي دماءِ المسلمين ي المسجد الأقصى، بعد أن احتمى هؤلاء ي بيتِ الله، بلْ ي مسجدٍ يدَّعي هؤلاء أنهم جاؤوا ليحرروه ، و يحافظوا على قدسيته، ولكن سرعان ما دنَّ سوه...، دنَّ سوه بالإرهابِ ..، ودنَّ سوهُ بالقتلِ .. ودنَّ سوه بالخيول... وفعلوا فيه الأفاعيل... قلنا حينئذٍ إنهَُّ م صليبيون ..، إنهَّ م أعداء لهذهِ الأمَّ ة...، فعلوا ما فعلوا لأجلِ الحقدِ الذي ا سْت ع ر ي قلوبهِ م؛ لأجل جاهليَّ تِ هم، لأجلِ انتسابهِ م لعيسى -عليه السلام -، وعيسى -صلواتُ اللهِ وسلامه عليه - من فعلِ هم براء، وقد جاء برسالةِ السَّ لام، برسالةِ الإسلام، وسينزلُ بها ي آخرِ الزمان ليقتدي بمحمد -صلى الله عليه وسلم-، ويصلي صلاته، ويسير على دينه،
عدد الصفحات ٤مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 5 وينطلق من خلالِ كتابه القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة ؛ ليعلن تعانق النصرانية أو المسيحية الذي جاء بها مع الإسلام..، حيثُ الرسولُ - صلى الله عليه وسلم- هو الرافع لرايتها: {إِنَّ الدِّين عِنْد اللهِ الإِسْلا مُ }. قُلْ نا إنهَّ م صليبون..... بعد خمسين سنة من ذلك الوقت جاء من دنَّ س مساجد المسلمين من قبائلِ التتار.. قُ لْ نا إنهَّ م مجْْ ..... قُ لْ نا إنهَّ م حاقدون ، قُ لْ نا إنهَّ م مغول، قُ لْ نا إنهَّ م لا حضارة عندهم، قُ لْ نا إنهَّ م أصحابُ إقصاء للآخر... أيَّ اً كان هذا الآخر..فقد دنَّ سوا مساجد نا وبلاد نا..، دنَّ سوا كُ تُ بنا.. حوَّ لوا نهر دجلة إلى جسِ من كتب المسلمين وحضارتِِ م، حتى بقي اللون الأسود لهذا النهر ثلاثة أيام.. واستمرت الأيامُ والسِّ نون...ومشت عجلة الزمان سريعاً ، وسقطت الخلافةُ العثمانيَّةُ التي نشأتْ بعد كلِّ تلك الخطوب، وانتصب ت رايةُ الإسلام، ودخل الإسلام إلى أوروبا ، ثمَّ سقطت رايةُ الخلافةِ لحِ كمةٍ أرادها الله عزَّ وجل، ودخلت جحافل الصليبين الجُ دد إلى بلاد المسلمين، ودخل "غورو" الفرنس الصليبي فدنَّ س قبر صلاح الدين بقدميه القذرتين ..، وقال متبجحاً : "ها قد عُ دنا يا صلاح الدين" وفعل غيره ي بلاد المسلمين أكثر من ذلك، والوقتُ ضيِّ ق لا ي سعُ فيه الاسترسال والاستقصاء، ثمَّ بعد ذلك
عدد الصفحات ٥مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 6 جاء نا جاء نا ي سوريا البعثيُّ ون الحاقدون فدنَّ سوا مساجدنا ، وهدَّ دوا باستئصالهِ ا، وقال صلاح "الجديد" ي يوم من الأيام للشيخ سارية الرفاعي -حفظه الله وعافاه- الذي كان معت قلاً ي سنة ( 1776 م) أترى إلى هذه المساجدُ ي دمشق ..؟ سنُزيلُ ها من سورية كلِّ ها ي يومٍ من الأيام ، أعْ لنُوا حربهم على الإسلام، وقالوا: آمنَّا بالبعث ربًا لا شريك له ، وبالعروبة دينً ا ماله ثاني، ثمَّ جاء تْ ثورتنا التي شرَّ فن ا اللهُ عزَّ وجل بها ...التي قامت من المساجد ورفعتْ شعار : ((ما ل ن ا غيرُ ك يا الله)) وبدأت الانتصارات.. وبدأ التراجع عند أعداءِ اللهِ عزَّ وجل، الذين زرعوا ي هذه البلاد زرعًا خبيثاً تحت راياتٍ متعددةٍ، وبأسماء كثيرة، وهم والأسماء منهم براء، وارتفعتْ رايةُ الإسلام... وفجأة وجدنا أنْ بوصلة الثورة -عند بعضهم ولا أقول عند الجميع - بدأت تنحازُ يمنةً ويسةً تحت ذرائع مختلفة، فبدأنا نسمع بتدمير بعض المساجد..ف دُ مِّ ر مسجد الشيخ (عقيل المنبجي)وهو قريب من هذا المكانالذي نقيم فيه ي منبْ السورية، دُ مِّ ر وفُجِّر تمامً ا بالديناميت..، تحت ذريعةِ أنَّ فيه وليَّ اً مِ ن أولياءِ الله، وأنهم لا يريدون لعبادةِ الله أنْ تكون لغيرِ الله، وفُجرت القبور.. وكلمة تفجير... ليست مصطلحًا إسلاميًا -كلمة تفجير كلمة بعيدة كل البُعد عن الرحمةِ المهداة...إنهُ لشيء عُجاب ... مساجدُ المسلمين تُ فجَّ ر بيد
عدد الصفحات ٦مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 7 من ي دَّ عي الإسلام ورفع رايته. أين قدسية المساجد ..؟!، أين قدسية بيوت الله عزَّ وجل..؟! عندما قام الصليبيون يوماً بما قاموا قُ لْ نا: إنهَّ م صليبيون.. وعندما قام المغول بما قاموا به؛ قُ لْ نا: إنهَّ م تتار جاهلون .. وعندما قام الاستعمار الجديد بما قام به؛ قُ لْ نا: لقد أعلنوا صراحة ب أنهَّ م الصليبيون الجدد... وعندما قام النصيريون والبعثيون ي بلادنا وم نْ ورائِ هم مِ ن الحاقدين بما قاموا...؛ قُ لْ نا إنهَّ م امتداد لهؤلاء مييعًا ، باعوا انتسابهم لوطنهم وأمتهم بعرضٍ من ال دنيا قليل... وعندما دُ مر تْ مئذنة ي سوريا انتفضنا لها مييعًا...؛ لكن عندما يأتي إنسان يحملُ شعار الإسلام ويفجِّ رُ مقام الإمام النووي م ثلاً فماذا نقول؟؟! لماذا عندما يفعلُ أعداء الإسلام هذا الفعل نستنكرُ وننتفض، وعندما يفعله رجل أو مياعة تنتسب إلى الإسلامِ نقولُ : إنهَّ ا مياعة إسلامية ؟! هل الانتساب إلى الإسلام يُ بيح لأحدٍ ما .. أنْ يُ فجر المساجد والأضرحة وما إلى ذلك مما نسمع وتسمعون ونرى وترون. ؟! إنَّ الإسلام يجعلُ الجميع على بعدٍ متساوٍ منْ ه، الإسلام صاحب الموضوعية، وصاحب الشفافية ، وصاحبُ منهاجٍ قوي ، مسجد يدمر ي منبْ، ومسجد يُ دمر ي حلب، ومسجد يُ دمر ي كذا وكذا، ما هذا..؟!
عدد الصفحات ٧مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 8 ما هذه المصطلحات.. وما هي هذه الأفعال التي ما جاءتنا إلا من تطرُّ ف المتطرفين ي العراق وغيرها... إنَّ ني لا أذكر ي تاريخنا الإسلامي -وقد قرأتُ الكثير من ه فقد أُكرمت بالتخصُّص فيه- أنَّ مسلماً ق ام بهدم مسجدٍ من المساجد ، فما بال أولئك الذين هدموا ويهدمون باسم الإسلام وباسم تطبيق شرعه، بالأمس القريب هدموا ضريح الإمام النووي –عليه سحائب الرحمة والرضوان- الرجل الذي عُرف بغزارة علمه و بإنصافه، وقد أميعتِ الأمةُ الإسلاميةِ على إمامته وفضله. تُ رى ألا يعلم هؤلاء أنَّ تفجير القبور اعتداء على الأموات...، وهو تمامًا كالاعتداء عليهم وهم أحياء، وقد جاء ي الحديث الشريف: (ك سُْ ع ظْمِ المْ يِّتِ ك ك سِْهِ ح يًّا (1) )حتىقالالحافظ ابن حجر –رحمه الله - معقباً على الحديث بقوله :"ويستفاد منه أن حرمة المؤمن بعد موته باقية كما كانت ي حياته(2)" تفج...وهدم....ونبش...ما هذه الأ فكار..ما هذه الأفعال ؟! ما هذا الذي لا يريدُهُ إسلامُنا ؟ ما هذا التطرف الذي يسعى إليه زيد أو عمر؟ الحمدُ (1 )سنن أبي داود 2/231.برقم(3227 )بإسناد صحيح. تحقيق: محمد محيي الدين عبد الحميد . الناشر: دار الفكر (2 )فتح الباري شرح صحيح البخاري 6/ 113 .النا: دار المعرفة – بيروت-
عدد الصفحات ٨مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 7 لله أن بعضهم استنكر م ن فعل هذا ي نوى ، لكن نريدُ أنْ يحُ اسب من فعل هذا حتى لا يتكرر الأمر ي مكان آخر ، نريدُ أن يفهم هؤلاء وأمثالهم فقه الأولويات ي ديننا الحنيف ..، فقد نس هؤلاء أنَّ الطُ غاة الذين حكموا سورية خمسين سنة جهَّ لوها ونشروا التَّبرُج والإلحاد ي ربوعها ، فينبغي أن يُ علَّ م النَّاسُ قبل أن ننسِب هُم إلى الكُفُر والشرك والتبديع وإلى ما هنالك.. إنَّ فقه الأولوياتِ والنظر ي المآلات يُ لزمنا ن بْ ذ وترك هذه المسائل الخلافية جانباً ي الوقت الذي يتَّ حدُ فيه عدو نا مِ ن أجل القضاء علينا، و على هذه الثورة المباركة التي انطلقت من بيوت الله... ولاشك أنه لا بُّ د لنا من معرفة هذا الأصل لنعرف متى نُ قدم؟ ومتى نُ حجم؟ متى نُ صرِّ ح؟ ومتى نُ ل مِّ ح؟ حتى لا نكون عبئًا على الأمة الإسلامية أو ثغرة تُ ؤتى من قبلها!(2). ومن يتأمل ما جرى على الإسلام ي الفتن الكبار والصغار يرى أن هذه الأفعال الرعناء كلها من إضاعة هذا الأصل ، ويـرى مدى الحاجة إلى تلك القواعد الشرعية لتخليص الفكر والواقع الإسلامي من النزعة الشكلية التي أعجزته وشغلته عن القضايا الجوهرية. (8 )يقول الإمام الشاطبي رحمه الله : "النظر في مآلات الأفعال معتبر مقصود شرعًا سواء كانت الأفعال موافقة أو مخالفة...، وهو مجال للمجتهد صعب المورد إلا أنه حلو المذاق، محمود الغب (العاقبة)، جار على مقاصد الشريعة " (الموافقات الشاطبي (4/184 .)
عدد الصفحات ٩مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 12 ونحن نقول لهؤلاء وأمثالهم... أنتم لا تعرفون سوريا.... أهل سوريا لا يعبدون القبور.... أهلُ الشامِ لا يعبدون القُبور... أهل الشام ..على منهْ السلف ي حُبهم وتقديرهم وإجلالهم للعلماء العاملين الذين هم ورثة الأنبياء والمرسلين... وإنَّ هذه القبور كثيرُ منها هو أشبه بقبرِ رسولِ اللهِ -صلى الله عليه وسلم-، حيث دُفِن ي بيتِ أم المؤمنين السيدةِ عائشة -رضي الله تعالى عنها، ثمَّ توسع المسجد فصار ي دائرةِ المسجد لكنَّهُ ليس من المسجد ، كثيرًا من هذه القبور كانت لأصحابها فوقفوها لله ، وجعلوا قبورهم إلى جانبِ المسجد، هذه القبور شأنهُا شأنُ قبرِ سيدنا خالد بن الوليد -رضي الله تعالى عنه- فعندما ضرب النُصيريون ق بر خالد قامت الدنيا ولم تقعد ، وعندما ضرب حزبُ اللهِ قبر خالد ودنَّ سوه وحطَّ موه قامتْ الدنيا ولم تقعُدْ ؛ لكن عندما يفعلُ ذلك جهة ما... تتبنى رفع راية إسلامية فنحن نسكتْ .. لماذا ؟! لماذا....؟! هذا اعتداء على سيدنا خالد ، وهذا اعتداء على الإمام النووي... فالاعتداء هو الاعتداء.. من أيِّ جهةٍ كان الاعتداء ولأي فصيل انتسب. أيها السادة الكرام: ينبغي علينا نبذُ هذه القضايا الخلافية التي تمُ زقنا وتُ فرقنا وتزيدُ من الشرخ
عدد الصفحات ١٠مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 11 فينا، ف فِ قْ هُ الأولويات يُ وجب علينا أنْ نُ ع لِّ م الناس ما هم بحاجة إليه وهم غارقون بمحنهم، وأن نُ ع لِّ م أولئك الذي يفجِّرُ ون القبور علم أصحاب هذه القبور؛ لأنَّ مشروعنا الإسلاميُّ مشروع عطِ ر كريم لا غلو فيه... فالوسطية سِ مة بارزة من سمات الشرع الحنيف، فهذه الشريعة الرب انية متسمة بأنها شريعة السماحة، ورفع الحرج؛ لأنها موافقة للفطرة السليمة للمرء. والإسلام وسط ي كلِّ القضايا الدينية، والدنيوية، والعبادات، والمعاملات، ولذا بينَّ الله - عز وجل – ي كتابه أنه جعل هذه الأمة أمة وسطاً، ومنهجها منهْ وسطي لا إفراط فيه ولا تفريط فقال: {و ك ذ لِك ج ع لْن اكُمْ أُمَّةً و س طاً }، فالذين يفعلون هذا إنَّما يُ سيئون للإسلام وللمشروع الإسلامي باسم الإسلام. أيهُّ ا الأحبةُ الكرام: إنني هنا وي هذا المقام لا أتحدَّ ثُ عن ت سوية القبورِ على عهد النبي محمد- ص لىَّ اللهُ ع ل يْهِ و س لَّم -، فقد أمر الحبيب يوماً علي بن أبي طالب أن ألاَّ يدع قبرًا مُ شرفًا إلاَّ سوَّ اهُ (1)؛لكنْ تسوية القبورِ على الأرض اليوم ينبغي أن تجري (1) رواهالإمام مسلم ع نْ أ بيِ الهْ يَّاجِ الأْ س دِيِّ ق ال : ق ال لِِ ع ليُِّ بْنُ أ بيِ ط الِبٍ : أ لا أ بْع ثُك ع لى م ا ب ع ث نِي ع ل يْهِ ر سُولُ اللهَِّ ص لىَّ اللهَُّ ع ل يْهِ و س لَّم : ( أ نْ لا ت د ع تمِْث الاً إِ لاَّ ط م سْت هُ و لا ق برًْا مُشرِْفًا إِلاَّ س وَّيْت هُ ) صحيح مسلم 2/666 .برقم(767. ) قال النووي -رحمه الله - ي شرح ه على صحيح مسلم : " وفِيهِ أ نَّ السُّنَّة أ نَّ الْق برْ لا يُرْف ع ع لى الأْ رْض ر فْعًا ك ثِيرًا ، و لا يُس نَّم ، ب لْ يُرْف ع ن حْو شِبرْ و يُس طَّح ، و ه ذ ا م ذْه ب الشَّافِعِ ي و م نْ و اف ق هُ ،==
عدد الصفحات ١١مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 12 على نحو ما جرت ي بلاد الحجاز ي المدينة المنورة ، حيث سُ وِّ يتِ القبورُ باليد مع تقدير أهل القبور وتكريمهم، أي: تسوَّ ى باليد...، بأن نهدم ما على وأشرف شيئًا فشيئًا مع تقديرنا واحترامنا لهذا البيت ؛ سواء كان عالمًا أو صالحًِا أو من عامة المسلمين ؛ لأنَّهُ مسلم وبذلك يتم تطبيقُ حديثِ النبي - ص لىَّ اللهَُّ ع ل يْهِ و س لَّم -، ومع ذلك ففقه الأولويات يقول : إنَّ هذا ي هذه المرحلة ليس مطلوبًا؛ لأنَّ المطلوب ي هذه المرحلة أن ي سقُط الطُّغاة الذين نشروا الإلحاد والإباحية ي بلادِنا ونشروا التَّ جهيل، ثمَّ بعد ذلك أن نبدأ بمشروعٍ علمي لكافة المسلمين على وسطية الإسلام، ثمَّ بعد ذلك نبدأ بتطبيقاته التي لا تُ ؤدي إلى امتداداتٍ زلزالية تُ سءُ لمشروعِنا الإسلامي العظيم المرتقب. ويرحم الله شيخ الإسلام ابن تيمية حيث قال :"مررت أنا وبعض أصحابي ذات يوم زمن التتار بقوم منهم م ن يشرب الخمر، فأنكر عليهم من كان معي.. فأنكرتُ عليه.. وقلت له: إنما حرم الله الخمر لأنها تصد عن ذكر الله وعن الصلاة، وهؤلاء يصدهم الخمر عن ق تل النفوس وسبي الذرية وأخذ الأموال فدعهم(1)" ==الْق اضيِ عِي اض ع نْ أ كْث ر الْعُل ما ء أ نَّ الأْ فْض ل عِنْدهمْ ت سْنِيمه ا و هُو م ذْه ب م الِك " انتهى . (المنهاج شرح صحيح مسلم بن الحجاج 7/36) (1 )أعلام الموقعابن القيم 3/5.
عدد الصفحات ١٢مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 13 وهنا يشير ابن تيمية -رحمه الله- إلى ضرورة مراعاة مآلات الأفعال؛ فإن كانت تُ ؤدي إلى مطلوب فهي مطلوبة، وإن كانت لا تؤدي إلاَّ إلى شرِّ فهي منهي عنها، و يشير أيضًا -رحمه الله- أنَّ الغاية من إنكار المنكر هي حدوث المعروف، فإذا كان إنكار المنكر يستلزم ما هو أنكر منه فإنه لا يسوغ إنكاره، لذلك وضع الفقهاء -رحمهم الله - قواعد مهمة ي الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فقالوا: درءُ المفاسد أولى من جلب المصالح، والضرر لا يزال بمثله أو بالضرر الأشدِّ . ولذا قال -صلى اللهُ عليه وسلم - لعائشة -رضي الله عنها - ذات يوم ي ا ع ائِش ةُ :(ل وْلا أ نَّ ق وْم كِ ح دِيثُ و ع هْدٍ بِج اهِلِيَّةٍ لأ م رْتُ بِالْب يْتِ ف هُدِم ، ف أ دْخ لْتُ فِيهِ م ا أُخْرِج مِنْهُ، و أ لْز قْتُهُ بِالأ رْضِ، و ج ع لْتُ ل هُ ب اب ينِْ، ب ابًا شر ْقِ يًّا، و ب ابًا غ رْبِيًّا، ف ب ل غْتُ بِهِ أ س اس إِبْر اهِيم (1)) فجعل-صلى اللهُ عليه وسلم- الفتنة المترتبة على الهدم وإعادة البناء-وهي مفسدة واضحة بلا شك- مانعًا من إعادة بنائها على القواعد الصحيحة التي ينبغي أن تُ بنى عليها، وإنَّ م نع هدم القبور الآن عملاً بهذه القاعدة من باب أولى لاقتران المصلحة الشرعية بذلك. وإنَّ مِ ن شرُ وطِ إنكارِ المُنكر أنْ يكون هذا المُ نك رُ " متفق على تحريمه بغير (1) صحيح البخاري2/147. برقم: (1586 )
عدد الصفحات ١٣مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 14 خلافٍ" كما نصَّ الإمام النووي (1) –رحمه ا- وأذكركم أخيراً بأنَّ الإسلام أمانة ي أعناقِنا...، وبأنَّ الإسلام ي وجهِهِ (1 )قالالنووي–رحمه الله-: «ثم العلماء إنما ينكرون ما أُميع على إنكاره، أما المختلف فيه فلا إنكار فيه..." (روضة الطالبين وعمدة المفتين 12 /217) وهذه المسألة اختلف بها الفقهاء قديماً بين م ن (م ن ع وكرَّ ه وأجاز) حسب فهمهم للنصوص الواردة. وإليكم بعض ما ذكره الفقهاء ي هذه المسألة: 1- قالالفقيه المحقق سليمان الجمل–رحمه الله- ي حاشيته على المنهْ: " و اعْل مْ أ نَّهُ ل وْ وُجِد بِن اء ع لى ق برٍْ ي ِ م قْبر ةٍ ج ر تْ ع اد ةُ أ هْلِ الْب ل دِ بِالدَّفْنِ فِيه ا ... ف الْو جْهُ الَّذِي لا يج ُوزُ غ يرُْهُ أ نَّهُ لا يج ُوزُ ه دْمُهُ و لا التَّع رُّضُ ل هُ؛ لأِ نَّ الأْ صْل احْترِ امُهُ .."ا.هـ (فتوحات الوهاب بتوضيح شرح منهْ الطلاب 2/ 228 المعروف بحاشية الجمل (منهْ الطلاب اختصره زكريا الأنصاري من منهاج الطالبين للنووي ثم شرحه ي شرح منهْ الطلاب ) 2- وقال العلامة ابن مفلح الحنبلي ي الفروع : " و يُكْر هُ الْبِن اءُ ع ل يْهِ - ع لى الق برْ -وأ طْل ق هُ أ حمْ دُ و الأْ صْح ابُ، لا ص ق هُ أ وْ لا -أي: لا فرق بين أن يكون البناء ملاصقاً للقبر أو غير ملاصق-، و ذ ك ر ص احِبُ المُْسْت وْعِبِ و المُْح رَّرِ : لا ب أْس بِقُبَّةٍ و ب يْتٍ و ح صِير ةٍ ي ِ مِلْكِهِ )، ونص على مثل ذلك الإمام المرداوي ي الإنصاف. ا.هـ (كتاب الفروع ومعه تصحيح الفروع لعلاء الدين علي بن سليمان المرداوي 3/382) 3-وقال العلامة ابن عابدين ي حاشيته: و ي ِ الأْ حْك امِ ع نْ ج امِعِ الْف ت او ى :( و قِيل لا يُكْر هُ الْبِن اءُ إذ ا ك ان المْ يِّتُ مِنْ المْ ش ايِخِ و الْعُل ما ءِ و السَّاد اتِ )، قُلْت: ل كِنْ ه ذ ا ي ِ غ يرِْ المْ ق ابِرِ المُْس بَّل ةِ ك ما لا يخ ْف ى )، وبهذا أفتى مياعة كثيرة من علماء المالكية والشافعية المتأخرين.ا.هـ -والمراد بالمسبلة هي التي اعتاد أهل البلد الدفن فيها- فيحرم البناء ي الموقوفة اتفاقاً وي المسبلة على الصحيح . ا.هـ (رد المحتار على الدر المختار 2/237) 4-وقال العلامة الحطاب المالكي ي مواهب الجليل:" قال ابْنُ رُشْدٍ الْبِن اءُ ع لى الْق برِْ ع لى و جْه ينِْ : أ ح دِمجِ ا : الْبِن اءُ ع لى ن فْسِ الْق برِْ، و الثَّانيِ : الْبِن اءُ ح و ال يْهِ ف أ مَّا الْبِن اءُ ع لى الْق برِْ ف م كْرُوه بِكُلِّ ح الٍ، و أ مَّا الْبِن اءُ ح و ال يْهِ ف يُكْر هُ ذ لِك ي ِ المْ قْبر ةِ مِنْ ن احِي ةِ التَّضْيِيقِ فِيه ا ع لى النَّاسِ و لا ب أْس بِهِ ي ِ الأْ مْلا كِ ". ا.هـ ( مواهب الجليل ي شرح مختصر خليل 2/242)
عدد الصفحات ١٤مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 15 الرَّ حيبِ الشَّ فافِ الصاي الرَّ اقي النَّضرِ النقي أمانة ي أعناقِنا، وأذكركم بأن الذين يُ نفِّ رون من الإسلام هم أسوأُ من حيث النتيجة -لا من حيث الجوهر- من أعداء الإسلام أنفسهم، ألا فلنتقِ الله ي إسلامنا ... ألا فلنتقِ الله ي نبيِّنا، ألا فلنتقِ الله ي منهِْ قر ئاننا.. إنيِّ داعٍ فيأمنوا ... اللهم اهدنا ي من هديت، وعافنا ي من عافيت، وتولَّنا فيمن توليت، وبارك لنا فيما أعطيت، وقِنا واصرِف عنَّا شرَّ ما قدرت وقضيت ... يا ربَّ العالمين ..، ويا أكرم الأكرمين ...قيِّد لثورتنا ي الشام صلاح دين جديد..، وعماد دين جديد..، ونور دين جديد..، وفاتحاً عمرياً يأتي ويحمل راية الإسلام من جديد، على الوسطية وعلى الاعتدال وعلى الفهم الصحيح للإسلام، لا يُكفر..ولا يُ نفر..ولا يقصي.. اللهم يا صريخ المكروبين، ويا مجيب دعوة المضطرين، ويا كاشف الكرب العظيم، أدْ رِ كِ الشَّ ام وأهل الشَّ ام ... يارب.. لقد رمانا الأعداءُ عن قوس واحدة وزحفوا إلينا من كل حدب وصوب ليطفئوا شعلة الإسلام ي بلاد الشام، اللهم فأدركِ الشَّ ام وأهل الشام..واحفظهم بحفظك ورعايتك وعنايتك، اللهم أقم راية الإسلام من جديد على يد المؤمنين المجاهدين الصادقين، اللهم هيئ لثورتنا ي الشام قادةً تجتمع تحتهم الرَّ ايات، رايات الإسلام..، وتنضبط تحت رايتهم كل التصرفات، وننطلق بهم من دمشق إلى
عدد الصفحات ١٥مختارات من خطب الجمعة لا تَغْلُو في دِيْنِكُم 16 القدس...وإلى عزِّ الإسلام والمسلمين، إنك خير مسئول وخير مأمول... وآخرُ دعوانا أنِ الحمدُ لله ربِّ العالمين . أقول قولِ هذا وأستغفر الله لِ ولكم فيا فوز المستغفرين(1). والحمد لله رب العا (1 )ألقى الشيخ الداعية -حفظه الله- هذه الخطبة ي مركز البيت الشامي الدعوي ي غازي عنتاب- تركيا- يوم الجمعة ي 3 /ربيع الثا/ 1436 هـ الموافق: 23 /21 /2215.
عدد الصفحات ١٦