آلام المحارب 177 أقنعة الصحراء - 20 - خيم الصمت في أرجاء العنابر، و غط الجرحى ب المخيم في النوم، تقلبت حبيبة كي تريح م ن وضعها، استيقظت لتجد نفسها في أحضان مصطفى، قبلت ساعده القوى، وأناخت رأسها على صدره العارى ثم عادت تغط في النوم ثانية. فتحت ل يلي عين اها للحظة حدقت من خلال نافذتها في سماء الصحراء كانت صافية مزينة باللآلئ، ابتسمت لجمالها، قبل أن تعود للنوم ثانية هاجمها ال قلق بجيوشه، تقلبت في فراشها وهي تترك لجسدها حريته و هي تتذكر حديث الملازم الفرنس ى عن خداع الصحراء. قيس الذي قفز من فراشه مستيقظا على حين غرة، دار حول نفسه في أرجاء العنبر، ارتطم بفراش فهد وهو يلهث استيقظ الجميع وهم يعنفونه، كان ينظر إليهم نظرة الطريدة التي لا ترى شيئا، بين فراش الأربعة جلس القرفصاء كمن يبحث عن مأوى للهرب وهو يتألم.
عدد الصفحات ١٧٧آلام المحارب 178 أقنعة الصحراء من الصحراء اقتربت الطائرة المروحية ، ومعالمها تضح ل طائرة عسكرية مجهولة الهوية. قبل أن تهبط على مبعدة تل من مخيم الصليب الأحمر قفز من بابها ملثمون في ملابس عسكرية سوداء، انطلقوا يعد ون بخفة الضباع الجائعة باتجاه المخيم. ش يء ما أيقظ إلياس، أوقد النور وهو يشعر بالحاجة للتبول، غادر غرفته في طريقه لدورات المياه، بينما كانت الضباع الملثمة تعبر الساحة إلى البوابة الداخلية. تلقى الحارس ضربة بعنف المحترفين فسقط على الأرض دون أن ينبث بحرف، تقد موا في الممرات إلى عنبر الجرحى. أنهي إلياس حاجته من دورة المياه، متوجها إلى ممرات العنبر عائدا لغرفة نومه حيث كان قدره ينتظره. حركة غ ريبة في الأمام، توقف لحظة حدق في الفراغ بقلق، تقدم ثانية حيث كانت الضباع تعبر الطرقة الداخلية لعنبر الجرحى، لمح قائدهم الل بنانى الشاب، أعطى إشارة بالتوقف، اختفوا جانبا بلمح البصر بانتظار إشارة القنص. ظهر إلياس قادما بطمأنينة، نهشته قبضة وحشي ة قاصمة من قائد هم المدربة على كل أنواع القتل القذر في مؤخرة الرقبة أعقبتها دفقة هواء مكتومة من إلياس سقط بعدها صريعا والدماء تتدفق من أنف ه وعينيه. استيقظت ليلي وقد شعرت بخيالات وحوش سوداء تعبر زجاج غرفتها، صرخت صرخة مكتومة: قيس. قفزت ترتدى ملابسها على عجل وعلى وجه ها كل ملامح الرعب. في الطرقة الداخلية لعنبر الجرحى كان عدد من الضباع ترتدى ببرود وثقة عدد الأقنعة الواقية من الغاز، من خلف زجاج ا لعنبر الداخلى ظهر اللون الأبيض لغاز ينتشر من قنبلة غاز ألقيت لتوها بداخله. إلى داخل العنبر تسلل المهاجمين ، كان كل جرحى العنبر م غشيا عليهم. اجتمعوا حول الجسد الغائب عن الوعى، في ثوان نهشوا
عدد الصفحات ١٧٨آلام المحارب 179 أقنعة الصحراء ملابسه، أخرج ثالث ج هاز سكانر ضوئى خاص برفع البصمات، قام بمضاهاتها في جهاز كمبيوتر دفترى. عندما انتهي الملثم، تحدث بصوت خافت: أنه هو. أحضروه؟ في الطرقة الخارجية كانت ليلى قادمة من الاتجاه المضاد. تعثرت في سلة مهملات. فأحدثت صوت خفيف، أعطى القائد إشارة الصمت وتوارى المقنعون ثا نية، عبرت الفتاة قادمة من الاتجاه المقابل وهي تستكمل ارتداء ملابسها. أشار قائدهم لملثمين. ضربة عنيفة في الظهر سقطت ليرتطم رأسها بالأرض مغشيا عليها. من عنبر الجرحى غادرت المجموع ة الأول ى المقنعة مخيم الصليب الأحمر حاملين جسده، بينما كانت مجموعة أخرى تقتحم حج رة مصطفى، لم يجدوه، اندفعوا يفتحون الحجرات واحدة تلو أخرى، وجدوه بين يدى حبيبة، ضربة في مؤخرة الرأس ثم انطلقوا به صوب الحوامة، نادى قائدهم: حصلنا عليهما. في جحيم الليل اندفعت ا لمجموعت ان، قفز ا داخل الحوامة واحدا خلف الأخر والمروحية تصعد للسماء، ولم تلبث أن غابت إلى قلب الظلمة. * * * *
عدد الصفحات ١٧٩آلام المحارب 180 أقنعة الصحراء - 21 - ملتحفة بالظلمة ارتفعت من الأفق الشاحب المروحي ة متجهة إلى موقع غامض يقبع في قلب الصحراء، قلعة حجرية قديمة تنتمي لعصور موغلة في القدم، أخفيت بمهارة في ضباب ليل دائم الحلكة، يسمع عنها أولئك الذين أعطوا مصيرهم وسلموا قدرهم للحرية، ولا يدرك مكانها إلا رحال الأمن الخاص بالأباطرة والرؤساء المتيمين بالسلطة والقبضة الغاشمة، ومخابرات الأحزاب التي تظل على سدة الحكم حتى اغتيال السيد الر ئيس. كانت تقف في فراغ كرتونى تحيط بها أسلاك شائكة ومقاومات أرضية، ومدرعات من صلب فضائى متعدد الطبقات وجنود حراسة نسخوا من ملف ات وطبعات مكررة لأنماط استخرجت بعناية من سدة العنف والكراهية؛ وجوه مستديرة تبك بالدم الأسود، مطعجة من كاوتشوك الشاحنات العسكرية ال ثقيلة، وشفاه غليظة تغطيها شوارب سوداء شديدة الكثافة، تتدلى من فوق رؤوسها وتغط ى أقفيتها العقال العربى، يتحركون في الأنحاء في خطوات ميكانيكية مثل ريبوت ألعاب الفيديو.
عدد الصفحات ١٨٠آلام المحارب 181 أقنعة الصحراء ثمة قاعدة جوية دمرتها قوات التحالف، فأطاحت بمنشآتها عن أخرها، وهشمت طائرتها الحربية وجعلت م نها تماثل مستودعا لسيارات المتهالكة، و تحولت مم راتها إلى غابة من الحفر وكتل الإ سمنت الناجمة عن انفجار القنابل المضادة للممرات. وعلى مبعدة كيلومترات قليلة من هذا الخراب وقفت القلعة القديمة شامخة دون أن تمس وكأنها تراث إنسانى اجتمعت جميع الأطراف المتحاربة في اتفاق غير مكتوب على الحفاظ عليه، وحمايته من الدمار الذي تخلفه الحروب. ولو أن أحد تمكن من التدقيق قليلا لشاهد كيف كانت القلعة تمد بكافة المنتجات العادية والخاصة وتذود بالتقنيات العالية من جميع أنحاء العالم وبموافقة جميع الأطراف. من وراء الأفق اقتربت المروح ية ح ثيثا، توقفت في الفضاء فوق الساحة الداخلية للقلعة وشرعت في الهبوط، ق فزت الضباع الملثمة يدفعون أمامهم بكعوب بنادقهم بضراوة ا لفتى الذي كان يحلم في قميصه المفتوح وبنطاله الكا كي معصوب العينين، ربما كي يتوقف عن الحلم، قيد ساعديه للوراء، ومن خلفه مصط في معصوب العي نين، لا يدرك شيئا عن ما يدور حوله، سمع قائدهم يصرخ: عجلوا... بسرعة. انهال الملثمين بكعوب بنادقهم على ظهره، تعثر الفتى وخلف ه مصطفي في طريقهم لداخل القلعة يخترقون عدد من الممرات الحجرية، انشقت النهاية عن باب حديدى، عندما فتح كشف عن معمل حديث لإحدى محطات الأبحاث البيولوجية. خلف حائط من زجاج سميك وقف كائن خرافي خلف نظارة سوداء يرتدى بزة عسكرية خالية من الرتب، يحمل على جسده نسخة م عدلة من وجوه عساكره، سوبر في وحشيتها تعبر عن مكانته المهيمنة التي تحمل سلطة إله وطاغية؛ وجه مستدير يحيط به العقال العربى، يبك منه دم م فصود من جروح الضحايا وعقليته النتنة، جلد سميك مطعج من كاوتشوك الشاح نات العسكرية الثقيلة، شفاه غليظة
عدد الصفحات ١٨١آلام المحارب 182 أقنعة الصحراء يغطيها شارب أسود كث، ت كشف عيونه الغائرتين مثل بئرين نضبا من الماء وقد التمعت كل منهم بما حوت من عقارب وحيات وعناكب سامة تخوض حرب داخلية لا تنت هي معبرة ر غم ك ل ضراوتها عن سادية عاجزة عن الإشباع، وماشوسية غير قادرة عن الاعتراف أو جذب الانتباه للون الوجه الطحلبى الشديد الاخضرار. خل فه انتصب الضباع في عقالها العربى وملامحها الزجاجية يبدون كنوع من ألعاب الحرب. أ لقى بالفتى على منضدة معدنية، بينما دفع مصط في بإهمال إل ى أحد الأركان، يشاهد قيود جلديه تثبت جسد الفتى في مكانه بحنكة ومهار ة المحترفين، تقدم نحوه أشخاص نزعت ملامح وجوههم، جرى توص يل أطراف الفتى ودماغه بعدد من الأسلاك الكهربية الدقيقة، ثبتت بلواصق طبية خاصة ، أظلمت الحجرة، أشار الطاغية الواقف خلف الزجاج السميك لمع اونيه، ضوء باهر سقط على وجه الفتى، خلع المهيمن قفازه وصوته يهز أركان المعمل: ما أسمك؟ - قيس بن الملوح - ها... جنسيتك؟ - عر بى من تهامة - عمرك؟ - عمر الزمن الضائع - لماذا هربت من مركز الأبحاث؟ - أبحث عن العامرية. - أين كنت تنوى الهرب؟ - حيث التقى بحلمى. - أى حلم؟ غير مسموح لأحد بالحلم خارج حلم الزعيم القائد.
عدد الصفحات ١٨٢آلام المحارب 183 أقنعة الصحراء - رأى مصطفي شاشة ضخمة تدلى من السقف، تترى عليها صورة الفتى، يحدثه الر جل: أهذا أنت؟ - ... - تتوالى الصور على الشاشة: - الفتى يبدو في مبنى جامعى، حاملا كتبه. - الفتى على باب منزله عدد كبير من السيارات العسكرية، والجنود شاهرى السلاح، الفتى يندفع إلى الداخل. - صورة للفتى يقف بين عائلته. - الفتى يندفع إلى الداخل. - رجل في منتصف الأربعينات يبدو وكأنه الأب يحتضن زوجته وطفل صغير. - الرجل الأخضر يشير إلى الرجل الواقف بالصورة: ما الذي تعرفه عن هذا الرجل.؟ - ... - ألا تتذكر وجه والدك؟ - الرجل يشير إلى صورة فتى يحتضن والد ه: ما الذي تعرفه عن هذا الفتى؟ - ... - أنه أنت... ألا تتعرف على نفسك؟ - … يشير المطلق القدرة إلى معاونيه لرفع مستويات الطاقة الكهربائية ... الفتى يعوى، مصطفي يحتضن نفسه وهو يتألم.
عدد الصفحات ١٨٣آلام المحارب 184 أقنعة الصحراء - ألم تتعرف عل ى نفسك؟ - ... عواء الطاغية يشير إلى معاونيه لرفع قوة الشحنة الكهربائية ثانية ... الفتى يعوى في عواء حاد. - هاذا هو أنت. - لا فقد مت في الزمن القديم. - ما الذي تعرفه عن الحاضر؟ - آ ه ه ه ... قبل أن تزيد شحنة التعذيب مصط في يضم رأسه ويب كي، يسرع الفتى بالقول: - لا أعرف، كل ش ئ غريب عنى ... - ما الذي تعرفه عن الدكتور المشد؟ - ... - أنس ى أوهامك وألعابك الصغيرة وانتبه لما سيحدث لك. اخت في المهيمن ذو السطوة والقدرة الكلية تاركا استكمال عمليات التعذيب لمعاونين أكفاء، ظهر فجأة أمام مصطفى، أرتعد فرقا، أشار إليه، قام مصط ف ي خلفه تاركا الفتى وقد تحلق حوله جمع من الزبانية . بعد مدة كان العرق البارد يغمر وجه الفتى، وقد نزعت عنه عصابة العينين، كان لا يزال جالسا القرفصاء على المنضدة المعدنية، تمسك الأسلاك برأسه وأطراف جسده العارى تمزقه آثار التعذيب المضنية؛ جروح غائرة تطفو فوقها الدماء، وضباع تنهش أصابع كفه المفرودة بأنيابها، تتحول الأصابع لكتلة من اللحم الدامى، والفتى يطلق صرخات موجعة بالألم الحاد، و في الجهة المقابلة كمن عدد من
عدد الصفحات ١٨٤آلام المحارب 185 أقنعة الصحراء الضباع تدفن حريق سجائرها المتوهجة في أجزاء حساسة من جسده، فتح الفتى فاه من الرعب، ارتفع رأسه لأعلى، فو هة ت نفتح فوق رأسه بالمياه المثلجة، يشهق الفتى وهو يشعر بالمياه المثلجة تمحو الألم بموجات تالية من آلام لا نهاية لها. في غرفة جانبية نزع الرجل قناعه الكاوتشوك كاشفا عن وجه بيضاوى أملس وعيون زجاجية، ابتسامة واسعة وشفتين رفيعتين رحلت شواربهما وكأنها لم تنبت قط. عاد الرجل حاملا الوجه الصريح الأملس ولونه الأ خضر الطحلبى للماسك، وخلفه خرج مصط في يتقيأ الدماء، وقد شوهت معالم وجهه، وقفت ش رزمة الضباع مشدودى القامة، أشار إليهم: - نشطوا الذاكرة. شاهد مصط في موجات كهربائية تزحف متلاحقة ناحية قيس، تلامسه، تتغلغل داخل عقله الفتى، موجات متلاحقة من الارتعاشات تنشر في أرجا ء الجسد الضعيف، وفي فضاء المعمل تصاعد من الفتى عواء خالص. ثوان من الصمت شاعت في فضاء غرفة التعذيب، قبل أن يعود صوت الطاغية: أسمك؟ - قيس بن الملوح - جنسيتك؟ - عربى من تهامة - عمرك؟ - عمر الزمن الضائع. - لماذا هربت من مركز الأبحاث ؟ - أبحث عن العامرية.
عدد الصفحات ١٨٥آلام المحارب 186 أقنعة الصحراء - أين كنت تنوى الهرب؟ - حيث التقى بحلمى. - ما الذي تعرفه عن البرنامج النووى العراقى؟ - أرض العراق عراقى. - هل لك صلة بالمخابرات المصرية؟ - وفي مصر مهدى ورقادى. - ما الذي تعرفه عن مشروع الدكتور المشد السرى؟ - وسر س ريرت ى نقائى. أضيئت الشاشة مرة ثانية، تابع مصطفي صور عائلة الفتى تستعد للسفر وأمامها تجمعت حقائبها كاملة، رأى الفتى صورته وهو ي عانق سيدة عجوز تبدو أمه، وهلة وظهرت صور الرجل ذو الشوارب الكثة يقوم على استجوابه الفتى. - هل ستتركنا وترحل دون أن تخبرنا؟ - ... - أين هرب زملائك؟ - لا أعرف لقد افترقنا في النجف. - لماذا هربوا؟ - أسالوه بأنفسكم. سيدى من أنت؟ - أنا الرجل ذو القناع. ألا تعرف نى؟ - أنت رجل الكارتون. - أنت فتى ذ كي... ساعدنا وأخبرنا عن المكان الذي هرب إليه أصدقائك.
عدد الصفحات ١٨٦آلام المحارب 187 أقنعة الصحراء - ما علاقة رجل الكرتون بالبرنامج النووى العر اقى. ضحك الرجل الماسك وضحك وضحك ... امتد وجهه ليسع المكان بأكمله... طار وصعد في فضاء غرفة التحقي ق، أشار إليه ثم فجأة انقض عليه كي يتلامس الوجهين: أسئلتك تنم عن غباء حاد... - ألن تخبرنى؟ - برنامج ناجح عن زرع بكتريا مضادة تجعل الأشخاص المهمين عملاء جيدين لنا، أصبحنا قادرين على إجراء تعديلات وطرق لا نهاية لها تتفق جميعها على تنفيذ سياستنا في النهاية، الآن أخبرنا لماذا هرب أصدقائك؟ - اكتشفوا أشياء غريبة فهربوا ... - يجب أن تجدهم. - لن يقبلوا تنفيذ سياستكم. - لا. العرب بيئة مدهشة لهذا النوع من البكتريا. لم يسبق هم في وداعتهم سوى هنود أمريكا الجنوبية، استقبلوا الرجل الأبيض استقبال الفاتحين، ثم لعقوا أحذيتهم مثل كلاب جائعة. وقدموا نحورهم قربان لنصاله على مذبح السيد المسيح، في الوقت الذي كانت نسائهم تتمدد على مذبح فرا شه ابتهاج بسطوته. اذهب وقل له كما قال نزار قب انى لنسائه؛ أرجع إلى فأن الأرض واقفة كأنما الأرض فضت من ثوانيها... هها هها هها. - لن يقبلوا قط . أنظر حولك لن ترى سوى قادة وزعماء مختلفين بين معادى ومؤيد ولهذا يتقاتلون ضد بعضهم البعض بشراسة نادرة، لكن الجميع ينفذ مصالحنا العليا تطبيقا لقواعد التنوع الخلاق ، ماذا لو ساعدتنا أنت على تفهم الخطأ الذي ارتكبناه.
عدد الصفحات ١٨٧آلام المحارب 188 أقنعة الصحراء - عندما اشتركنا في البرنامج النووى العراقى كان البرنامج موجه لإسرائيل، لم تكن الكويت على اللائحة. ولهذا لم يستطيعوا البقاء من اجل أحلام مجنونة. عاد القناع ذو الوجه الكاوتشوك والشوارب والشفاه الغليظة: حسنا هذا أمك، وأنت لن تغادرنا، لديك عقلية علمية نادرة، نحن في حاجة إليها؟ - لكنى اتبع ما أومن به. - وأنا الرب الذي يؤمن به الشعب العربي. - أنت الطاغية الذي قتل أطفال الشعب الذي أمن بك، أرحل عنا واذهب للجحيم فهو في انتظارك. على الشاشة تظهر صورة علماء يعدمون بالرصاص . تنقلت عينا مصطفي بذهول بين صورة الشاب الملقى على الشاشة والشاب الملقى أمامه في قيوده على المنضدة الباردة …عبرت ذهنه كالب رق خطرات ... حقيقته الشاب العابث مع الفتاة الفرنسية تتكشف له …سلوكه معه، غمره ال خجل و التضاؤل، انكمش على ذاته، صوت إطلاق رصاص صادر م ن ال شاشة. السيدة تترنح، اندفع الفتى يحمى أمه، شهق الفتى، رصاصة أخرى تصيب طفل صغير، الصوت المطلق القوة يهدر في غرفة التعذيب يعي ده إلى اللحظة الحاضرة: ألم تنشط ذاكرتك بعد. المهيمن يشير لمساعده تندف ع شحنات الكهرباء تسرى في الجسد المتهاوى، يمتلئ فضاء الغرفة بعوا ء عات مجدول من الألم والحزن، يسقط الفتى مغشيا عليه. صوت يحدث الرئيس: سيدى ... إنه يعانى من حالة هروب في الذاكرة. إنه يحلم ا لآن. المهيمن المطلق القوة ينشطر شطرين في سماء قاعة التعذيب بين القناع صاحب الشوارب والماسك الأخضر يصرخ بغضب: لا مكان للأحلام في الشرق الأوسط... لا مكان لأنبياء جدد...
عدد الصفحات ١٨٨آلام المحارب 189 أقنعة الصحراء النصف الثانى الواقف على أرضية القاعة في عقاله العربى يصيح بلهجة آمرة: انزعوا عيونه لا مجا ل لأحلام الحمقى. * * * * ساق الملثمون الفتى عبر ممرات حجرية متآكلة تشع منها الرطوبة، تهرع في أرجاءها الجرذان والحشرات، باب حديدى تتوسطه ثلاث حلقات حديدية. تئز أرجاء الزنزانة بصوت المزلاج الحديدى. رفعت الحشرات والهوام والزواحف التي تتسلق جدران ا لقبو الحجرية رؤوسها تتطلع في وجوم للزائر الجديد، وأمام عينيه لمح الفتى المنهك ثعبان هائل يحدق في وجهه، لحظات قبل أن ينقض مباشرة بج واره ليلتهم أحد الجرذان المذعورة. ألقى بالفتى داخل الزنزانة، سقط يتلوى على قاع ليس له قرار، هل كان يحلم ؟ لا يدرك، هل كان ما ير اه حقيقة ؟ لا يدرى، فقط لم يكن للزنزانة الحجرية قا ع، كان يهوى وهو يترنح لأسفل بلا توقف داخل جب عميقة لا نهاية لها، على جدرانها توالت صو ر ... جولدا مائير ، السادات يخطب تحت العلم الإسرائيلى بخطيه الأزرقين الذين يمثلا نهرى النيل والفرات، معلنا حلول السلام النهائى بين إسرائيل والعرب ... يسقط الفتى في هاوية الم اض ى وتتوالى الصور ؛ حرب أكتوبر يرى ذاته ضابط يطل من إحدى المدرعات المصرية يعبر قنا ة ال سويس، يهبط الفتى يقبل أرض سيناء المحررة. يسقط الفتى في بئره وتتوالى الصور، المدرعات الإسرائيلية تنهب صحراء النقب والضفة تق ف على مشارف قناة السويس، مظاهرات الطلاب في الجامعات المصرية تطالب بالحرب، آلاف اللاجئين الفلسطينيين يعبرون نهر الأردن، موس ى ديان ي جوب أرجاء القدس الشرقية في لباس الحرب يبتسم في سعادة بالغة، عبد الناصر في
عدد الصفحات ١٨٩آلام المحارب 190 أقنعة الصحراء خطاب التنحى، المدرعات الإسرائيلية تنهب سيناء في 1956، المظليين البريطانيين والفرنسيين يسقطون بالمئات على بور سعيد، بينما تتلقاهم المقاومة بالرصاص، الجنود الإنجليز يفتحون النار على الطلبة فوق كوبرى عباس، تختلط الصور وتتداخل، قيس يقف خلف عرابى أمام الخديو ي توفيق في قصر عابدين، يحفر بين الفلاحين قناة السويس، س ياط المماليك والأتراك تطارد الفلاحين، نابليون بونابرت ... المطبعة الفرنسية وهي تعمل، سليم الأول يدخل مصر، أسواق النخاسة، قيس مغنى على الربابة يقف وسط الفلاحين يغنى لعلى الزئبق وطومان باى المعلقة جثته على باب زويلة. جوارى يرقصن في قصور العباسيين، يمد الثعبا ن لسانه يجذبه نحوه ويلقى به مكورا أمامه ، ينم وجهه عن ابتسامة فاجرة، تعلوه عمامة ضخمة ليبدو الوجه القبيح للحجاج بن يوسف الثقفى، من المؤ خرة تقدم عقرب عملاق، كان المنصور السفاح، اشتبكا في عراك دموى عنيف، تقطعت أشلاء كل منهما، يغوصا كل منهم في لحم الأخر ، كانا يتوحدان وكلاهما يضحكان كالصدى، ثم صار الصوت واحدا . يصعد من اتحاد وجهيهما وجه معاوية يفح في وجهه: - أو تهرب منى ولم يستطع ذلك لا ع لى و لا الحسن والحسين، هدمنا الكعبة على رؤوس المصلين بها، فمحونا وجودا وأوجدنا وجودا، وجعلنا سيوفنا على رقاب الناس فصار الهواء يتنفس بنى أمية. في مؤخرة الثعبان نبت عنكبوت أحتوى بنسيجه الرخو القاتل جسد الفتى، تسللت أطراف العنكبوت إلى عينى الفتى، اخترقتهما سا ل خيط رفيع من الدم وجحيم من الألم، عواء حاد يلف أرجاء الزنزانة. * * * *
عدد الصفحات ١٩٠آلام المحارب 191 أقنعة الصحراء - 22 - عائدا من هاويته المضنية، تق لب الفتى على أرض الزنزانة الحجرية، يمسك بعيونه المقتلعة متألما، لا يرى ش يء ، كان يبكي دون صوت، بينما جرذ يقرض أنامله. تحامل مصط في على آلامه دفع عنه الجرذان، فتح باب الزنزانة، دخلت ضباع حيوانية مقنعة ، سحلوه على الأرض الحجرية عائدين به إلى غرفة التعذيب، فتح م صطفي عينيه بصعوبة، كان الرجل الماسك وتوأمه الطاغية يطلا ن عليه من نافذة الزنزانة ، تابع الفتى يغادر الزنزانة منهار، تحدث بصعوبة: إلى أين تأخذونه، كفاكم به عذابا؟ * * * * سألته النسخة ذات الشارب الكث للمرة الأخيرة: هل أن ت مدرك لوضعك الحرج؟ بتواضع بليغ غمغم الفتى: الحق أقول لكم بالحب أبشركم. انطلقت قهقهات مجنونة في أرجاء القاعة، مد مخالبه، شق بطنه، قبض على كبده، نزعه وغاص فيه بأنيابه، تساقط الدم من شاربه
عدد الصفحات ١٩١آلام المحارب 192 أقنعة الصحراء وهو يقهقه: تخليت عن شعر قيس ، وارتديت مسوح عيس ى، مرحى بالمجنون وما اسمك الآن؟ - حلم - وماذا عن قي س وليلى العامرية وماذا عن الفرنسية الحلوة الصغيرة. - كلهم أحياء في جسدى. - حسنا سنضيف أشياء أخرى لجسدك !! أح كي لنا عن معتقداتك؟ - عربى من تهامة؟ حسنا عربى من تهامة، كلنا عرب من تهامة، ولكن إلى أى عقيدة تنتمي، شيوعى قومى منشق، ناصرى، أصولى إرهابى؟ ارتفع الف تى في الفضاء كحلم، فال بعذاب: أنا إنسان في مقتبل العمر يستطيع أن يحلم. أمنيتى لو لم أتوقف عن الحلم. قهقهت النسختين للفكاهة: رفعت النسخة ذات العق ال إصبعها وأشارت لمعاونيها واختفت وهو تقول: ولدينا للحالمين كوابيسهم. * * * * فتحت الأبواب الحديدية ، قفز إلى القاعة عدد من النسح المعدلة لضباط الصف المنتمين لأجهزة الأمن السرية، وجوه كاوتشوك ، شوارب وشفاه نمطية غليظة كثة تدور مقلت يها في عيونها ب حثا عن فرائسها، دفعوا الفتى وألقوا به أرضا ينفذون الأوامر؛ وبينما كان ينوء بين سواعدهم الفظة، بدءوا في خلع سراو يلهم كأول طقوس الاغتصاب .* * * *
عدد الصفحات ١٩٢