نقد دعوى وجود الإسرائيليات في الصحيحين إعداد د. علي صالح مصطفى كلية الإلهيات، جامعة حران شانلي أورفة، تركيا الملخص تهدف هذه الدراسة إلى النظر في طعن بعض المعاصرين في كثير من أحاديث صحيحي البخاري ومسلم بدعوى وجود كثير من الإسرائيليات فيهما، واعتمدت الدراسة على نقد مفهوم الإسرائيليات عندهم، ونقد الواقع التطبيقي لهذا المفهوم من خلال بعض الأحاديث التي كذبوها اعتمادا على كونها من الإسرائيليات. وخلصت الدراسة إلى أن هؤلاء اضطربوا في ضبط مفهوم الإسرائي ليات ولم يستطيعوا تعريف المصطلح تعريفا علميا دقيقا، ولم يستطيعوا أيضا الاستدلال على صحة دعواهم تكذيب كثير من أحاديث الصحيحين بناء على تلك الشبهة.
عدد الصفحات ١Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 236 مقدمة إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. "يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله حق تقاته ولا تموتن إلا وأنتم مسلمون"،"ياأيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساءً . واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيباً "،"يا أيها الذين آمنوا اتقوا الله وقولوا قولاً سديداً يصلح لكم أعمالكم ويغفر لكم ذنوبكم ومن يطع الله ورسوله فقد فاز فوزاً عظيماً ". أما بعد: فإن أصدق الكلام كلام الله تعالى، وخير الهدي هدي محمد – صلى الله عليه وسلم – وشر الأمور محدثاتها، وكل محدثة بدعة، وكل بدعة ضلالة، وكل ضلالة في النار . وبعد : فهذه دراسة نقدية أتناول فيها رد بعض الكاتبين المعاصرين كثيراً من أحاديث الصحيحين لأنها من الإسرائيليات، وقد أردت من هذه الدراسة التحقيق في أمرين اثنين : الأول : نقد مفهوم الإسرائيليات عند منتقدي الصحيحين من المحدَثين ومناهجهم في إعلال الأحاديث بها. الثاني : دراسة نماذج من الأحاديث التي انتقدها بعض المحدَثين لأنها من الإسرائيليات رغم أنها في الصحيحين أو أحدهما. وقد جاءت الدراسة في مقدمة وثلاثة مطالب وخاتمة كما يأتي : المقدمة : عرّفت فيها بموضوع الدراسة وخطتها. المطلب الأول : نقد مفهوم الإسرائيليات عند المعاصرين.
عدد الصفحات ٢Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 237 المطلب الثاني: نقد مناهج المخالفين في إعلال أحاديث الصحيحين لأنها من الإسرائيليات. المطلب الثالث : دراسة نماذج من أحاديث ا لصحيحين المنتقدة عند المحدَثين كونها من الإسرائيليات. المطلب الأول نقد مفهوم الإسرائيليات عند المحدَثين بعد الوقوف على عدد من الدراسات المعاصرة في نقد الصحيحين لاحظت أن هناك ثلاثة اتجاهات ذهب إليها المعاصرون في تعريف الإسرائيليات، وهي : (1) اتجاه يرى أن الرواية الإسرائيلية هي الرواية المكذوبة الموضوعة على رسول الله _صلى الله عليه وسلم_من قبل اليهود، ويعرف الوضع بمخالفة القرآن، أو الزيادة عليه، أو الطعن في الإسلام، أو مخالفة العقل أو الحس والعادة أو العلم، أو ما ليس فيه فائدة دينية . ويمثل هذا الاتجاه السيد ص الح أبو بكر 1، وجمال البنا 2، وعدد آخر من الناقدين في شبكة المعلومات الدولية. (2) اتجاه الشيعة الإمامية الذين يتفقون مع الاتجاه الأول ويزيدون عليه ما يخالف مذهبهم في الإمامة والصحابة وغير ذلك3. (3) الاتجاه الثالث يرى أن وجود معنى الحديث في مصادر أهل الكتاب دليل على أنهم أدخلوه في الإسلام، ونسبوه إلى الرسول _صلى الله عليه وسلم_كذباً، ويمثل هذا الاتجاه نيازي 1ـ انظر، السيد صالح أبو بكر، الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها، ص(1،9،11،12،15، 123،...). 2ـ انظر، جمال البنا، إسرائيليات في البخاري. 3ـ انظر، حسين غيب غلامي، البخاري وصحيحه،ص(41)، جاسم الحاذري، الصحيحان أم السقيمان روائع الإسرائيليات في البخاري ومسلم.
عدد الصفحات ٣Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 238 عز الدين1 الذي يرى أن القرآن فقط هو دين الرحمن أما الأحاديث فهي دين السلطان الذي جند المحدّثين للكذب على النبي _صلى الله عليه وسلم_لإخضاع الشعوب وإسكاتها عن المطالبة بحقوقها2. قبل مناقشة هذه الاتجاهات يحسن أن نقف على مفهوم الإسرائيليات عند أهل العلم المتخصصين بعلوم الرواية ونقدها، فأقول : لم أقف على تعريف معين للإسرائيليات عند المتقدمين رغم انتشار الرواية الإسرائيلية منذ عهد مبكر، ولعل وضوح المصطلح وانتشار ه أغنى عن تكلف وضع تعريف نظري له، والناظر في كلام أهل العلم عن الإسرائيليات في الجانب التطبيقي والنقدي يدرك بسهولة أنهم يقصدون تلك الروايات المنقولة عن أهل الكتاب مما يتعلق بهم، سواء التي نقلها مسلمة أهل الكتاب مثل كعب الأحبار أو وهب بن منبه، أو ما نقله عن هم بعض الصحابة أو التابعين ومن بعدهم، وغالب الروايات تكون موقوفة على ذلك الصحابي أو التابعي مثلاً ولا ينسبها إلى مصدرها الإسرائيلي لكن المتن يبين مصدرها، وقد يغلط بعض الرواة فيرفعون هذه الموقوفات إلى النبي _صلى الله عليه وسلم_فيجعلونها من كلامه، وللنقاد مسالك في كشف هذا الوهم باعتمادهم أمارات في السند أو المتن تبيّن مصدر الرواية، ويمكن أن تندرج هذه الأمارات في مباحث العلل مثل تعارض الرفع والوقف أو الأشباه في العلل. وبعد هذا التوضيح أسجل الملاحظات التالية : (1) يلاحظ الخلط عند المعاصرين بين الإسرائيليات و الموضوعات، فليس كل رواية إسرائيلية موضوعة مكذوبة، والوضع في الحديث له صوره وأسبابه وأنواعه المختلفة عن الإسرائيليات وإن اتفقت الموضوعات والإسرائيليات في بعضها، أستحضر منها الآن صورتين : الأولى : أن يكون إسناد الرواية موضوعا لا يثبت عن كعب أو أبي هريرة مثلاً ؛ فتكون الرواية 1ـ انظر، نيازي عز الدين، دين السلطان( البرهان)، ص(165.) 2ـ انظر، المصدر السابق، ص(24،25)، وللمؤلف كتاب بعنوان دين الرحمن ويقصد به القرآن فقط .
عدد الصفحات ٤Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 239 الإسرائيلية موضوعة، الثانية: أن يكون متن الرواية منكراً يتعارض مع ما ثبت في الإسلام أو العقل الصريح؛ فيكون مما حرفه أهل الكتاب ووضعوه، فمثل هذه الروايات مردودة بلا شك، أما الروايات ذات المصدر الإسرائيلي الموافقة لديننا فكيف تكون كذباً وقد دل الدليل على صحتها ؟ وكذا الروايات التي لا يوجد دليل على صدقها من كذبها كيف نجزم بوضعها بلا دليل نقلي أو عقلي ؟! ولو كان المخالفون يحتجون بالسنة لكان يكفي الاستدلال بقول أبي هريرة رضي الله عنه : " كان أهل الكتاب يقرءون التوراة بالعبرانية ويفسرونها بالعربية لأهل الإسلام فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم لاتصدقوا أهل الكتاب ولا تكذبوهم وقولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا الآية"1 .وكـذا قوله صلى الله عليه وسلم :" بلغوا عني ولو آية وحدثوا عن بني إسرائيل ولا حرج ومن كذب علي متعمدا فليتبوأ مقعده من النار"2 .فالحديثان يدلان على جواز التحديث عن أهل الكتاب؛ إذن من رواياتهم ما ليس بكذب لأن النبي _صلى الله عليه وسلم_لا يجيز التحديث بالكذب، وفي رواياتهم ما لا نملك تصديقه ولا تكذيبه لعدم الدليل3. (2) يلاحظ أيضاً الخلط بين الوضع ومختلف الحديث، والفرق بينهما واضح عند أهل العلم، ثم هم لا يميزون بين المعقولات الصريحة وغير الصريحة، ولا بين ما يخالف القرآن وما سكت عنه، وسأذكر أمثلة عند نقد المنهج في المطلب الثاني إن شاء الله. (3) لا يجوز أن يكون المذهب أصلاً والنصوص الشرعية تبعاً يردّ منها ما خالفه ويقبل ما وافقه، ويظهر عند الإمامي ة أن مذهبهم لا يقوم على أصل عقلي ولا نقل صحيح، فهم يردون أحاديث الصحيحين بدعوى مخالفة العقل أو العلم رغم أن مذهبهم يقوم على ما يخالف العقل والعلم والحس والنص. 1ـ البخاري، الجامع الصحيح، كتاب تفسير القرآن، باب قولوا آمنا بالله وما أنزل إلينا . 2ـ المصدر السابق، كتاب أحاديث الأنبياء، باب ما ذكر عن بني إسرائيل . 3ـولم ينفرد المخالفون بالخلط بين الموضوعات والإسرائيليات، فقد سبقهم عدد من المدافعين عن السنة كالدكتور الذهبي في كتابه الإسرائيليات في التفسير والحديث، ص(13)، والدكتور رمزي نعناعة في كتابه الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، ص ( 44 .)
عدد الصفحات ٥Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 240 (4) وأبعد الاتجاهات عن الصواب ما ذهب إليه نيازي عز الدين؛ لأن مجرد التشابه في أصل القصة والاتفاق في بعض المعلومات والتفاصيل بين الحديث النبوي ومصادر أهل الكتاب لا يعني بالضرورة أن الحديث مكذوب على رسول الله – صلى الله عليه وسلم – ومأخوذ عن أهل الكتاب، ويدل عليه ما يلي : أولاً : من المقطوع به أن جميع الأنبياء مرسلون من الله تعالى، وإذا اتحد المصدر الذ ي ينهل منه الأنبياء جميعاً فلا بد أن تتشابه الموضوعات وأصول المعلومات عند جميع الأنبياء. ثانياً : لا يتصور أن التحريف الذي أصاب الكتب السماوية السابقة والضياع الذي حل بها قد غيّر كل ما فيها وذهب بمعالمها كلمةً كلمةً وحرفاً حرفاً . نعم أصابها التحريف والضياع وأدخلت فيها الخرافات وعقائد الشرك، لكن موضوعاتها الرئيسة ومعالمها البارزة لا تزال موجودة، ولو أردنا تكذيب كل ما يتشابه مع مصادر أهل الكتاب لكذبنا أكثر أصول الإسلام . ثالثاً : لو عرضنا القرآن على ما ابتدعه نيازي لكذبنا كثيراً من القرآن خاصة ما يتعلق بقصص السابقين والأنبياء الماضين؛ لأن الأسفار والأناجيل ذكرتها كقصة آدم وموسى وعيسى إلخ … وهذا لا يقوله نيازي ولا غيره وهو لازم مذهبه. (5) لا ينكر المحدثون وقوع الوهم في نسبة الحديث إلى النبي – صلى الله عليه وسلم – فقد يهم الراوي فيرفع ما سمعه موقوفاً من الإسر ائيليات كما سبقت الإشارة، لكنهم لا يعلون الحديث بهذا إلا إذا دل الدليل على أن هذه الرواية المرفوعة وهم، وإذا ثبت أن الرفع وهم فليس بالضرورة أن يكون الراوي كذاباً كما هو مقرر في علم العلل، أما المخالفون فيردون كثيراً من الأحاديث الصحيحة بدعوى أنها من الإسرا ئيليات من غير أن يدل الدليل على أنها كذلك من حيث الأسانيد فهي لا تنتهي بأحد رواة الإسرائيليات من كلامه ولا يوجد في الأسانيد ما يشير إليه، ومن حيث المتن يعتمدون في رد الروايات على معقولات غير صريحة غيرها أولى منها. (6) رغم ادعاء المخالفين أنهم يعتمدون نقد المتن أساساً في دراساتهم إلا أنني لاحظت أن لا بضاعة عندهم في علوم المتن من مطلق ومقيد وعام وخاص وناسخ ومنسوخ والنص والظاهر
عدد الصفحات ٦Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 241 واللفظ المشترك والصريح والكنائي إلخ ... ويعتمدون في الفهم على ثقافتهم اللغوية المتواضعة وأساليب العامة في التعبير، فلا هم أتقنوا نقد الإسناد ولا نقد المتن. المطلب الثاني نقد مناهج المخالفين في إعلال أحاديث الصحيحين لأنها من الإسرائيليات سأتناول في هذا المطلب نقد أبرز المعالم المنهجية في رد أحاديث الصحيحين بدعوى كونها من الإسرائيليات عند السيد صالح ونيازي، أما الشيعة الإمامية فدراساتهم في نقد الصحيحين تتسم بالكثرة والشمول وتتركز في رد ما يخالف المذهب، أما ما يتعلق بالإسرائيليات فهم يستعيرون طريقة العقلانيين والقرآنيين في النقد فيلزمهم ما يلزمهم. أولاً نقد المنهج عند "السيد صالح أبي بكر " في كتاب "الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها" وقع المؤلف في كثير من الأخطاء المنهجية أثناء مناقشته أحاديث البخاري وردّها، وسأكتفي في هذا المقام بالإشارة إلى الأخطاء المتكررة كثيراً مكتفياً بمثال واحد طلباً للاختصار. (1) الأحاديث التي ساقها المؤلف غير مرتبة، مما أدى إلى كثرة التكرار في الأحاديث والردود، وأكثر الأمثلة وضوحاً أحاديث التبرك بالنبي – صلى الله عليه وسلم – وآثاره، فقد ذكر عدة أحاديث في مواضع مختلفة وتكلم عليها في كل موضع باختصار أو توسط أو إطالة مكرراً كلامه في كل مرة، وكان يكفيه جمعها في موضع واحد وتركيز الكلام علي ها1. 1ـ انظر، ص(144،151،164،113 .)
عدد الصفحات ٧Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 242 (2) يرد المؤلف عددا من الأحاديث لبعض الشبه التي تطرأ له، ويغفل أن رده للحديث يلزم منه رده لآية في القرآن للتماثل في موطن النقد ، ومن أمثلة هذا ردّه لحديث " الفتنة ههنا من حيث يطلع قرن الشيطان "1 باعتراضه على"التعبير الغامض الذي يرهب النفوس بخوف خيالي، وهل يصدق عاقل أن يكون النبي خيالي التعبير والبيان وقد بعثه الله موضحا ومعلما كريما "2، يقول هذا وقد غفل عن قول الله تعالى وهو يصف شجرة الزقوم بقوله " طلعها كأنه رؤوس الشياطين "3 فهل يرد الآية أم يتراجع عن اعتراضه؟! (3) يكثر من رد الحديث لأن العالم المتطور اليوم والعلم الحديث والعقلاء لا يقبلونه، وسيكون الإسلام بسببه مدعاة للسخرية والتهكم، مثل رده حديث كلام الحجارة مع المسلمين في حربهم مع اليهود في آخر الزمان4، ولو أردنا رد كل ما يخالفنا فيه الفرنجة ماذا يبقى لنا من الإسلام ؟! (4) كثيراً ما يرد الأحاديث لأنه لم يفهمها بشكل صحيح، وبناء على فهمه المغلوط يدعي تعارضها مع القرآن أو العقل إلخ...، ومن أمثلة هذا رده حديث الصادق المصدوق " إن أحدكم يجمع خلقه في بطن أمه... 5، فاعترض على عبارة" فيسبق عليه الكتاب " وكتابة أعمال الإنسان قبل ميلاده؛ لأنها توهم الجبر، وهو مخالف للقرآ ن، قلت : إن من مبادئ العقيدة أن العلم المسبق بالشيء لا يقتضي الجبر، وما يكتب هو علم الله بما سيختاره العبد في قابل أيامه فهو اختار الإيمان ثم اختار الكفر فيجازى على اختياره. والعجيب أن المؤلف يقرر أن عدالة الله تقتضي جبر الإنسان الطائع على عدم الارتكاس في الكفر آخر حياته، وأن ارتكاس الطائع في الكفر آخر 1ـ البخاري، الصحيح، كتاب بدء الخلق، باب صفة إبليس وجنو ده. ومسلم، الصحيح، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب الفتنة من المشرق. 2ـ ص(216 .) 3ـ سورة الصافات، آية(65 .) 4ـ البخاري، الصحيح، كتاب الجهاد والسير، باب قتال اليهود . ومسلم، كتاب الفتن وأشراط الساعة، باب لا تقوم الساعة حنى يمر الرجل بقبر الرجل .. 5ـ البخاري،كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة، ومسلم، كتاب القدر، باب كيفية خلق الآدمي .
عدد الصفحات ٨Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 243 حياته صورة مجافية للعدل والرحمة مع عباده، يقول : " ولهذا فإن عدالته هي الكفيلة بهداية من قطع الشوط الطويل من عمره في طاعته حتى ينتهي إلى الجنة التي عاش يعمل من أجلها..." 1، وبعد فمن الذي يقرر عقيدة الجبر المؤلف أم الحديث ؟! ثانيا نقد المنهج عند "نيازي عز الدين" في كتاب "دين السلطان (البرهان)" تقوم فكرة الكتاب على أن الإسلام هو القرآن وحده، وهو ما عبر عنه بعنوان كتابه " دين الرحمن "، أما الحديث فهو مكذوب على رسول الله صلى الله عليه وسلم، أما الذين عملوا على وضع الحديث فهم بنو أمية بشكل أساسي وبنو العباس أكملوا المشوار، وكان الدافع لهم إلى هذا توطيد أركان ملكهم وإخضاع الشعوب المقهورة وإقناعها بعدم المطالبة بحقوقها التي يتمتع بها الحكام، وكانت المصادر الإسرائيلية هي الينبوع الأكبر الذي يستقي منه الوضاعون لحساب الحكام2.وهو لا يعزو هذا الفهم لنفسه فقط وإنما يزعم أن الإمام البخاري نفسه يرى هذا الرأي لكنه خشي على نفسه فلم يصرح بهذا الرأي وإنما أرسل في صحيحه رسائل سرية بين السطور من خلال جمع الأحاديث المتناقضة مع بعضها ومع صريح القرآن3، ثم يقول: " إن الإمام البخاري – رحمه الله – حاول أن ينبهنا ويهيء لنا كل الوثائق التي تدين عصره مبيناً كل ما فعلوه بالدين الإسلامي ولكن دون أن تكون لديه القدرة على الإفصاح وقول الحقيقة علناً . ومن المحزن والمؤسف معاً وبشكل مأساوي أن يمرّ ألف ومئة عام وأكثر على إرساله تلك الرسالة قبل أن يفك رموزها باحث إسلامي حتى الآن "4 .قلت: إن سرد هذا الكلام يغني عن رده، ويكفي أن يقال : من تكلم في غير فنه أتى بالعجائب. 1ـ ص(215.) 2ـ ص(165،161،141 .) 3ـ انظر، ص(159،161 .) 4ـ ص(161 .)
عدد الصفحات ٩Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 244 أما ما يتعلق بمنهجه في رد الأحاديث فهو يرد كل حديث لم يوجد في القرآن ما يؤيده 1، وإذا لم يؤيده القرآن فمصدره إسرائيلي، لكن القرآن نفسه يرد هذا الضابط في الآيات التي تأمر بطاعة النبي بعد الأمر بطاعة الله، وتأمره بتبيين القرآن للناس، وتميز بين الكتاب والحكمة، كقوله تعالى : " ويعلمهم الكتاب والحكمة "2 وقوله:" من يطع الرسول فقد أطاع الله "3 وقوله:" لتبين للناس ما نزّل إليهم "4 وقوله:" و أطيعوا الله وأطيعوا الرسول "5وقوله:" وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ومن يعص الله ورسوله فقد ضل ضلالا مبينا "6. وقد أخذت على المؤلف سوء فهمه لعدد من الأحاديث التي يردها؛ فيعلق على حديث الشفاعة الذي ينص على أن النار لا تأكل أثر السجود من عصاة الموحدين فيقول : " فهل يعبد الإنسان الله ويطيعه من أجل إنقاذ نفسه أو من أجل إنقاذ أثر السجود في جبهته ؟ ". هذا القول يدل على عدم فهمه الحديث لان هؤلاء هم عصاة الموحدين الذين يدخلهم الله النار لتطهيرهم من معاصيهم لكن الله عز وجل لا يساويهم بالكفار فتبقى آثار السجود لا تمسها النار إكراما وتمييزا حتى يأذن الله بخروج الموحدين إلى الجنة فتعرفهم الملائكة بهذه العلامة . وانظر إلى تعليقه على حديث الدجال " إن الله لايخفى عليكم إنالله ليس بأعور وأشار بيده إلى عينه وإن المسيح الدجال أعور العين اليمنى كأن عينه عنبة طافية"7، قال: " سؤال إلى كل المسلمين : من هي الأمة التي تسكن الأرض الآن ويخشون أن يخلطوا بين المسيح الأصلي والمسيح الدجال فيقول لهم رجال دينهم : انتبهوا هناك علامة وميزة كبرى حتى لا تخلطوا بين الاثنين وهو أن الدجال أعور والمسي ح الأصلي ليس 1ـ ص(144،419.) 2ـ سورة الجمعة آية رقم2 . 3 ـ سورة النساء، آية رقم11 . 4ـ سورة النحل، آية رقم44 . 5ـ سورة المائدة، آية رقم 92 . 6ـ سورة الاحزاب، آية رقم36 . 7ـ البخاري، الصحيح، كتاب التوحيد، باب قول الله تعالى ولتصنع على عيني . ومسلم، الصحيح، كتاب الإيمان، باب ذكر المسيح الدجال.
عدد الصفحات ١٠Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 245 بأعور، ومن من شعوب الأرض يقول عن المسيح هو الله أو هو الرب إلا أهل المسيح ؟ إذاً فكيف وعلى أي أساس تريدون أن نصدق أن رسولنا محمد – صلى الله عليه وسلم – يظن أو يعتقد أن المسيح هو الله ؟". قلت : يلجأ المؤلف إلى الربط بين المتباعدات ويترك المعنى الواضح من أجل الخروج بمغالطات تسوّغ رد الحديث. وقد شطح الخيال بالمؤلف بعيداً كعادته، فالحديث يبين كذب الدجال في ادعائه الألوهية ودليل كذبه صفة النقص الظاهرة فيه وهي العور، أما الإله الحق فصفاته كلها كمال مطلق . وبعد، فهذه ليست كل الانتقادات الموجهة إلى السيد صالح أو نيازي، وإنما هي إشارات لبعض أهم السمات المنهجية التي وقع فيها الخلل في دراستيهما، وهما تحتاجان إلى دراسة موسعة لنقد جميع عثراتهما وهي كثيرة . المطلب الثالث دراسة نماذج من أحاديث الصحيحين المنتقدة عند المحدَثين كونها من الإسرائيليات إذا سلمنا بصحة النقد الذي وجهه السيد صالح لصحيح البخاري فإن الروايات الإسرائيلية تعد مئة وعشرين فقط بالتكرار، ونسبة هذه الأحاديث إلى مجموع أحاديث البخاري البالغة بالتكرار قريبا من (0577 )تكون(716 )%ونسبتها بلا تكرار (4777 )تكون(73 )%وهذه قمة الكمال البشري ونسبة تدل على العبقرية المطلقة، فكيف إذا كانت هذه الانتقادات غير مسلّمة ولا يسلم منها إلا النـزر اليسير ؟! ومع ذلك سأتناول بالدراسة عدة نماذج من كتابي السيد صالح ونيازي مبيناً وجه النقد والرد عليه باختصار. (1) قال السيد صالح: " وينسب إلى أبي هريرة أن النبي ص قال : إن في الجنة باباً يقال له الريان لا يدخل منه إلا الصائمون. وفي الرواية الثانية وباب خاص يدعى منه المصلون وباب
عدد الصفحات ١١Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 246 لأهل الجهاد وباب لأهل الصدقة"1.ثم رد الحديث لأنه يعني أن المصلي يدخل من باب الصلاة ولو لم يصم، ومن يصوم يدخل من باب الصوم ولو لم يصل وإذا ثبت أنه لا قيمة لعمل بغير الآخر فما قيمة هذه الأبواب وما السبب في تنوعها إلا أن دساً رخيصاً يغري من يصلي وهو يترك الصيام ويشجّع الصائم الذي يترك الصلاة ويغرر بمن يترك الفرائض اعتماداً على تقديمه للصدقات؛ فيعمل كل واحد ما يهوى ويترك ما لا يعجبه2 .قلت: الحديث يدل على أن الله عز وجل يكرم عباده الطائعين الذين أدوا الفرائض وتميّزوا بطاعات معينة فيكافئهم على تميّزهم بأجور زائدة على أجور عباده الآخرين، أما المعنى الذي فهمه الكاتب فهو باطل لا يدل الحديث عليه من قريب ولا من بعيد، والمعنى الصحيح للحديث ليس غريبا عن واقع الناس؛ فكثيرا ما يكرم المدير موظفيه الذين قدموا أعمالاً مميزة فوق واجباتهم الوظيفية، أما من يقوم بواجب واحد ويهمل باقي واجباته فهو مهمل يستحق الطرد لا التكريم، ولله المثل الأعلى. (2) اعترض السيد صالح على حديث شق الصدر وغسله بماء زمزم3 بقوله:" إذا كان الله قد خلقه بريئاً طاهراً وجعل صدره صندوقاً محكم الإغلاق على فطرة طاهرة بريئة لم يدنسها شرك ولا إلحاد فما هو مبرر الغسل وإذا كان جوفه المغلق على تلك الفطرة أطهر وأنظف من ماء زمزم المعرض لكل تلوث والمورد العام لكل الحشرات فكيف يعقل أن يغسل القلب الطاهر الذي لم يمس بما تمسه وتصل إليه الأيدي المختلفة والحشرات المتنوعة ؟.."4 .قلت: إذا صح هذا التعليل فيلزم منه أن يرد الكاتب "السنة العملية المتواترة" التي تقول : إن النبي – صلى الله عليه وسلم – كان يتطهّر للصلاة بالماء العادي ويغتسل به من الجنابة. 1ـ السيد صالح، الأضواء القرآنية، ص(194 .)الحديث الأول عند البخاري من رواية سهل بن سعد، كتاب الصوم، باب الريان، والثاني عن أبي هريرة في الباب نفسه. 2ـ المصدر السابق، ص(195.) 3ـ الحديث عند البخاري، كتاب الصلاة، باب كيف فرضت الصلاة . 4ـ السيد صالح، الأضواء القرآنية، ص(211 .)
عدد الصفحات ١٢Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 247 (3) رد السيد صالح حديث رهن درع النبي – صلى الله عليه وسلم – عند يهودي في طعام اقترضه منه1 بقوله يتعارض هذا الحديث مع الآية" ووجدك عائلاً فأغنى " وقوله " ولله العزة ولرسوله وللمؤمنين "، وإذا كان لا يجد ما يأكله فكيف كان يطعم دواب الحرب التي " يملكها " !؟ وأين كان أصحابه الأغني اء الذين يفدونه بالنفس والمال ؟! وأين بركته في تكثير الطعام ؟ وكيف يقترض من عدوه ؟! قلت : الآية الأولى تقرر واقعاً عاشه النبي – صلى الله عليه وسلم – في مكة حيث ولد يتيماً بلا معيل فكفله جده ثم عمه، ولا تعني الآية بحال أنه سيبقى غنياً كثير المال دوما، أما العزة فلا تتنافى مع الفقر وهذا مشاهد في حياتنا، ثم إن الآية وصفت المؤمنين بالعزة أيضاً مع أن عدداً منهم واقع في الدين وقد أنزل الله آية الدين لبيان مشروعيته وأحكامه، أما دواب الحرب فهو لا يملكها خلافاً لزعم الكاتب لأنها ملك للمسلمين، أما أصحابه الأغنياء فإن عزة نفسه تأبى عليه أن يسألهم وهو العالم بأنهم يفدونه بأموالهم لو أراد لكنه يذهب إلى تاجر يشتري منه نسيئة وهي معاملة تجارية لا تنقص من قدر أحد، أما بركته فهي من معجزاته، والمعجزة تتنزل بأمر الله لحكم أرادها الله وليست هي حال النبي – صلى الله عليه وسلم – دو ما، أما اليهودي فهو ذمي لا حرج في التعامل معه، وقد تعامل معه في ما هو أكبر الاشتراك في سكنى المدينة وما يستلزمه هذا السكن من حقوق وواجبات. خاتمة (1) الرواية الإسرائيلية هي الروايات المنقولة عن أهل الكتاب مما يتعلق بهم سواء التي نقلها مسلمة أهل الكتاب أو التي نقلها بعض الصحابة والتابعين عنهم. (2) اختلف الطاعنون المعاصرون في مفهوم الإسرائيليات، وأخفقوا في ضبط المصطلح ضبطا يعتمد على أسس علمية. 1ـ البخاري، الصحيح، كتاب البيوع، باب شراء الإمام الحوائج بنفسه .
عدد الصفحات ١٣Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 248 (3) من أهم مظاهر الخلل في مفهوم الإسرائيليات عندهم : الخلط بين الإسرائيليات والموضوعات، وبين الوضع ومختلف الحديث ومشكله، واعتماد المذهب والرأي المجرد في صياغة المفهوم النقدي. (4) يظهر بوضوح الضعف العلمي في علوم متن الحديث عندهم؛ فلا يفرقون بين النص والظاهر، والمنطوق والمفهوم، والصريح والكنائي، إلخ ...ولذلك عجزوا عن فهم الحديث فهما صحيحا؛ فلجأوا إلى ثقافتهم المتواضعة في اللغة فوقعوا في الخطأ والتناقض في التنظير والتطبيق معا. (5) تبين أنهم يجعلون آراءهم وثقافتهم التي جمعوها من هنا وهناك أصلا يحاكمون إليه الأحاديث الصحيحة، فإذا عجزوا عن الفهم أو رأوا أن الحديث لا يروق لأذواقهم ردوه بحجة أنه من دسائس اليهود، وتكلفوا الاستدلال بالقرآن على رد الحديث، وهم في سيبل هذا يخطؤون في فهم الآيات أو الأحاديث أو في كليهما . فهرس المراجع 1. إسرائيليات في البخاري، جمال البنا، موقع ولاد البلد على شبكة المعلومات الدولية. 2. الإسرائيليات في التفسير والحديث، د . محمد حسين الذهبي، مكتبة وهبة، القاهرة،ط 5، 1425هـ. 3. الإسرائيليات وأثرها في كتب التفسير، د . رمزي نعناعة، دار القلم، دمشق، دار الضياء، بيروت، ط1،1331هـ،1391م. 4. الأضواء القرآنية في اكتساح الأحاديث الإسرائيلية وتطهير البخاري منها، السيد صالح أبو بكر. بلا معلومات طبع. 5. البخاري وصحيحه، حسين غيب غلامي، شبكة الشيعة العالمية على شبكة المعلومات الدولية. 6. دين السلطان( البرهان)، نيازي عز الدين، مكتبة مدبولي، القاهرة، ط2،2116م. 9. الصحيحان أم السقيمان روائع الإسرائيليات في البخاري ومسلم، جاسم الحاذري، شبكة الشيعة العالمية على شبكة المعلومات الدولية.
عدد الصفحات ١٤Harran Üniversitesi İlahiyat Fakültesi Dergisi, Yıl: 18, Sayı 30, Temmuz–Aralık 2013 249 8. الجامع الصحيح، محمد بن إسماعيل البخاري، ت(256)هـ، مطبوع مع فتح الباري بشرح صحيح البخاري، أحمد بن علي بن حجر العسقلاني، ت(852 )هـ، تحقيق محب الدين الخطيب، دار الريان، القاهرة، ط1، 1419هـ، 1386م. 3. صحيح مسلم، مسلم بن الحجاج النيسابوري، ت(261)هـ، تحقيق الشيخ خليل شيحا،مطبوع مع شر ح النووي، دار المعرفة، بيروت، ط4،1418هـ، 1339م. .
عدد الصفحات ١٥