أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 1
عدد الصفحات ٢أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 2 ﷽ الحمدُ لله ربِّ العالمين، وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين؛ وبعد: الكلمة تقتل كالسيف وتبرئ كالدواء، وأحيانًا تكون كالعسل فتُستلذ، وتكون كالعلقم فتُهلك! بها تسير الجيوش وتخرج السيوف من أغمادها، بها ينمق الباطل فيقبل، ويهان الحق فيرفض. الكلمة إن كانت بليغة كانت سحرًا تأخذ بالقلوب والألباب، من هنا برز المبرزون الذين طارت الدنيا بكلماتهم، وسادوا أقوامهم بفصاحتهم، وأزهقوا الباطل بكلماتهم، وأظهروا الحق ببلاغتهم، بهم نفتخر، وبكلماتهم نهتدي، وعلى خطاهم نسير، ولعذوبة ألفاظهم نستمع. منهم الأحنف -الضحاك- بن قيس ¬، سيد التابعين، وبليغ أهل البصرة وحكيمهم وفخرهم، فتح الله على يديه البلاد، وأراح بكلماته قلوب العباد، إن نظر إليه العباد لم يُسروا، وإن سمعوا كلامه أذعنوا واستلذوا! لم يكذب ولم يخن ولم يغضب ولم يصخب ولم يجهل، ساد الناس بحلمه وتأنيه، وعلا عليهم بحسن خُلقه وحسن منطقه؛ فلله دره من بليغ عاقل رشيد. ومن أجل هذا راق لي أن أجمع كلماته، لكي نستوعب ألفاظها، ونسير في ظلالها، ونتأمل مغزاها ونقتفي أثرها، ونستمتع بجمالها، ونستنشق عطرها، ونعيش مع هذه الحِكَم الإنسية المخلوطة بالنفحات الربانية، فدونكم ما يكتب بماء الذهب؛ بل يسطر بماء العيون: - )خطب زياد فقال: "أيها الناس، إنَّا أصبحنا لكم سادة، وعنكم ذادة، نسوسكم بسلطان الله الذي أعطانا، ونذود عنكم بفيء الله الذي خولنا، فلنا عليكم السمع والطاعة فيما أخببنا، ولكم علينا العدل والإنصاف فيما ولينا، فاستو جبوا عدلنا وفيئنا بمناصحتكم لنا، واعلموا إني مهما قصَّرت عنه فلن أقصِّر عن ثلاث: لست محتجبًا عن طالب حاجة منكم ولو أتاني طارقًا بليل، ولا حابسًا عطاء ولا رزقًا عن إبانه، ولا مجمرًا لكم بعثًا، فادعوا الله بالصلاح لأئمتكم، فإنهم ساستكم المؤدبون، وكهفكم الذي إليه تأوون، ومتى
عدد الصفحات ٣أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 3 يصلحوا تصلحوا، ولا تشربوا قلوبكم بغضهم فيشتد لذلك غيظكم، ويطول له حزنكم، ولا تدركوا به حاجتكم، مع أنه لو استجيب لكم فيه لكان شرًّا لكم. أسأل الله أن يعين كلاًّ على كل. وإذا رأيتموني أنفذ فيكم الأمر فأنفذوه على إذلاله، وأيم الله أن لي فيكم لصرعى كثيرة، فليحذر كل امرئ منكم أن يكون من صرعاي". قال: فقام إليه عبد الله بن الأهتم فقال: أشهد أيها الأمير، لقد أوتيت الحكمة وفصل الخطاب، فقال له: "كذبت، ذلك نبي الله داوود ‘". فقام الأحنف بن قيس فقال: "أيها الأمير، إنما المرء بجدِّه، والجواد بشدِّه وقد بلغك جدك أيها الأمير ما ترى، وإنما الثناء بعد البلاء، والحمد بعد العطاء، وأنا لن نثني حتى نبتلي"، فقال زياد: صدقت ((1)ا. ه - )وقَالَ رَجُلٌ لِلأَحْنَفِ بْنِ ق َيْس : بَِِ سُدْتَ ق َوْمَكَ -وَأَرَادَ عَيْبَهُ - ؟، ف َقَالَ الأَحْنَفُ : "بِتََْكِي مِنْ أَمْرِكَ مَ ا لا ي َعْنِينيِ كَمَا عَنَاكَ مِنْ أَمْرِي مَا لا ي َعْنِيكَ ". وقال الأحنف بن قيس أيضًا: "مَا دَخَلْتُ بَينَْ اث ْنَينِْ قَطُّ حَتىَّ يَكُونَا هَُُا يُدْخِلانيِ فيِ أَمْرِهَُِا ، وَلا أُقِمْتُ مِنْ مجَْلِس قَطُّ وَلا حُجِبْتُ عَنْ بَاب "، ي َقُولُ : لا أُجَالِسُ إِلا مجَْلِسًا أَعْلَمُ أَنيِّ لا أُقَامُ عَنْ مِثْلِهِ ، وَلا أَقِفُ بِبَاب أَخَافُ أَنْ أُحْجَبَ عَنْ صَاحِبِهِ ((2)ا. ه - وقال: "يا معشر بني تميم، لا تسرعوا إلى الفتنة، فإن أسرع الناس إلى القتال، أقلُّهم حياء من الفرار "(3). (1) البيان والتبي 2 /42). (2) الأمثال، لابن سلام (ص: 212). (3) البخلاء، للجاحظ (ص: 27).
عدد الصفحات ٤أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 4 - ومرَّ الأحنف بعكراش ب ن ذؤيب، وقد كان شهد الجمل فعطبت يداه جميعًا، فلمَّا مر به الأحنف صاح: يا مخذِّل! فقال له الأحنف: أما إنَّك لو كنت أطعتني لا ستنجيت بشمالك، وأكلت بيمينك، ألا ترى أنَّ الشِّمال إنمَّا هي للاستنجاء، والمخاط، والأمور المرغوب عنها(4). - ولما خرج قطريُّ بن الفجاءة، أحبَّ أن يجمع إلى رأيه رأي غيره، فدسَّ إلى الأحنف بن قيس رجلاً، ليجري ذكره في مجلسه، ويحفظ عنه ما يقول، فلما فعل قال الأحنف: أما إنهَّم إن جنبوا بنات الصَّهَّال، وركبوا بنات الن َّهَّاق، وأمسوا بأرض وأصبحوا بأرض، طال أمرهم(5). - )ودخل الأحنف بن قيس على معاوية بن أبي سفيان، فأشار له إلى الوساد فقال له: اجلس. فجلس على الأرض، فقال له معاوية: وما منعك يا أحنف من الجلوس على الوساد؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، إن فيما أوصى به قيس بن عاصم المنقري ولده أن قال: "لا تغش السلطان حتى يملك، ولا تقطعه حتى ينساك، ولا تجلس له على فراش ولا وساد، واجعل بينك وبينه مجلس رجل أو رجلين، فإنه عسى أن يأتي من هو أولى بذلك المجلس منك فتقام له، فيكون قيامك زيادة له، ونقصانا عليك"، حسبي بهذا المجلس يا أمير المؤمنين، لعله إن يأتي من هو أولى بذلك المجلس مني"، فقال معاوية: "لقد أوتيت تميم الحكمة، مع رقة حواشي الكلم". وأنشأ يقول: ي ا أيه ا الس ائل عم ا مض ى وعل م ه ذا ال زمن العائ ب إن كن ت تبغ ي العل م أو أهل ه أو ش اهدا يخ بر ع ن غائ ب ف اعتبر الأرض بس كانها واعت بر الص احب بالص احب((6) - وعن عبد الملك بن عمير، قال: "قدم علينا الأحنف بن قيس الكوفة، مع المصعب بن الزبير، فما رأيت خصلة تذم في رجل إلا وقد رأيتها فيه: كان صعل الرأس أحجن الأنف، أغضف الأذن، متَاكب (4) البرصان والعرجان والعميان والحولان (ص 550،551). (5) البغال (ص29). (6) البيان والتبي 1 /66).
عدد الصفحات ٥أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 5 الأسنان، أشدق، مائل الذقن، ناتئ الوجنة، باخق العين، خفيف العارضين، أح نف الرجلين، ولكنه كان إذا تكلم جلى عن نفسه"(7). - )وقال يونس بن حبيب في تأويل قول الأحنف بن قيس أن ا اب ن الزافري ة أرض عتني بث دي لا أج د ولا وخ يم أتمت ني فل م ت نق عظ امي ولا ص و تي إذا ج د الخص وم قال: "إنما عنى بقوله عظامي أسنانه التي في فمه، وهي التي إذا تمَّت تمَّت الحروف، وإذا نقصت نقصت الحروف"((8)ا. ه - قالوا: وكان الأحنف بن قيس أشد الناس سلطانًا على نفسه(9). - ولم يقل عمر بن الخطاب ¬للأحنف بن قيس-بعد أن احتبسه حولاً مجرّمً ا، ليستكثر منه، وليبالغ في تصفح حاله والتنقير عن شأنه-: "إن رسول الله صلَّى الله عليه وآله قد كان خوَّفنا كل منافق عليم(10)، وقد خفت أن تكون منهم"؛ إلا لما كان راعه من حسن منطقه، ومال إليه لما رأى من رفقه وقلة تكلُّفه، ولذلك قال رسول الله صلّى الله عليه وآله: «إِنَّ مِنَ الب َيَانِ لَسِحْرًا »(11). - وقال الأحنف بن قيس"أسرع الناس إلى الفتنة أقلهم حياء من الفرار "(12). (7) البيان والتبي 1 /68). (8) المرجع السابق (1 /70). (9) المرجع السابق (1 /173). (10) ون الحديث«إِن أَخْوَفَ مَا أَخَاف عَلَى أ مَّتِي ك ل م نَافِق عَلِيمِ اللِّسَانِ »، أخرجه أحمد (1 /22) برقم 143. (11) البيان والتبي 1 /213)، والحديث أ خرجه البخاري (7 /19) برقم 5146. (12) البيان والتبي 2 /47).
عدد الصفحات ٦أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 6 - وخطب الأحنف بن قيس مرة فقال بعد أن حمد الله وأثنى عليه وصلَّى على نبيه "يا معشر الأزد وربيعة، أنتم إخواننا في الدين، وشركاؤنا في الصهر، وأشقا ؤنا في النسب، وجيراننا في الدار، ويدنا على العدو، والله لأزد البصرة أحب إلينا من تميم الكوفة، ولأزد الكوفة أحب إلينا من تميم الشام، فإن استشرى شنآنكم وأبى حسك صدوركم، ففي أموالنا وسعة أحلامنا لنا ولكم سعة" (13). - وقام الأحنف فقال: "يا أمير المؤمنين إن مفاتح الخير بيد الله، والحرص قائد الحرمان. فاتق الله فيما لا يغنى عنك يوم القيامة قيلا ولا قالا، واجعل بينك وبين رعيتك من العدل والأنصاف، سببا يكفيك وفادة الوفود، واستماحة الممتاح، فإن كل امرئ إنما يجمع في وعائه، إلا الأقل ممن عسى أن تقتحمه الأعين، وتخونهم الألسن، فلا يوفد إليك يا أمير المؤمنين"(14). - وكان الأحنف بن قيس يقول : "لا مروءة لكذوب، ولا سؤدد لبخيل، ولا ورع لسيء الخلق" (15). - وقال الأحنف بن قيس: "لا راحة لحسود" (16). - وذمَّ رجل عند الأحنف بن قيس الكمأة بالسمن، فقال عند ذلك الأحنف: "ربَّ ملوم لا ذنب له"(17). - قال صاحب الأهواز: "ما رأينا قومًا أعجب من العرب! أتيت الأحنف بن قيس فكلَّمته في حاجة إلى ابن زياد، وكنت قد ظلمت في الخراج، فكلَّمه فأحسن إليَّ وحطَّ عنيِّ، فأهديت إليه هدايا كثيرة فغضب وقال: إنَّا لا نأخذ على معونتنا أجرًا! فلمَّا كنت في بعض الطريق سقطت من ردائي دجاجة فلحقني رجل (13) البيان والتبي 2 /92). (14) المرجع السابق (2 /98،99) (15) المرجع السابق (2 /139). (16) المرجع السابق (3 /286). (17) الحيوان 1 /23).
عدد الصفحات ٧أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 7 منهم فقال: هذه سقطت من ردائك. فأمرت له بدرهم، ثمَّ لحقني بالأبلَّة فقال: أنا صاحب الدجاجة فأمرت له بدراهم؛ ثم لحقني بالأهواز فقال: أنا صاحب الدجاجة! فقلت له: إن رأيت زادي بعد هذا كله قد سقط فلا تعلمني، وهو لك!!"(18). - وعن هشام بن حسَّان، أنَّ أهل الأحنف بن قيس لقوا من النَّمل أذى، فأمر الأحنف بكرسيٍّ فوضع عند جحرهنَّ، فجلس عليه ثمَّ تشهَّد فقال: "لتنتهنَّ أو لنحرِّقنَّ عليكنَّ، أو لنفعلنَّ أو لنفعلنَّ! قال: فذهبن"(19). - والعاج متجر كبير، ويتصرَّف في وجوه كثيرة، ولولا قدره لما فخر الأحنف بن قيس فيما فخر به على أهل الكوفة، حيث قال: "نحن أكثر منكم عاجًا وساجًا، وديباجًا، وخراجًا"(20). - وقال: "لا تزال العرب بخير ما لبست العمائم وتقلَّدت السيوف وركبت الخيل، ولم تأخذها حميَّة الأوغاد، قيل: وما حميَّة الأوغاد؟ قال: أن يروا الحلم ذلاًّ ، والتَّواهب ضيمًا"(21). - ولما خرج قطر قطريُّ بن الفُجاءة، أحبَّ أن يجمع إلى رأيه رأي غيره، فدسَّ إلى الأحْنف بن قيْس رجُلاً، ليُجري ذكره في مجلسه، ويحفظ عنه ما يقول. فلما فعل قال الأحنف: "أما إنهَّم إنْ جنبوا بنات الصَّهَّال، وركبوا بنات الن َّهَّاق، وأمسوْا بأرض وأصبحوا بأرض ؛ طال أمرهم" (22). - وأتى الأحنف بن قيس مصعب بن الزُّبير فكلَّمه في قوم حبسهم، فقال، "أصلح الله الأمير: إن كانوا حبسوا في باطل فالحق يخرجهم، وإن كانوا حبسوا في حق فالعفو يسعهم، فخلاَّهم" (23). (18) الحيوان 2 /441،442). (19) المرجع السابق (4 /269). (20) المرجع السابق (7 /137). (21) الرسائل الأدبية (ص 384). (22) الرسائل ، للجاحظ (2 /228).
عدد الصفحات ٨أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 8 - وقال الأحنف بن قيس: "خير الإخوان من إن استغنيت عنه لم يزدك في المودَّة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن عثرت عضدك، وإن احتجت إلى مؤونته رفدك" (24). - يروى أنَّ الأحنف بن قيس رأى الناس بالبصرة يقصدون الحسن البصريَّ في أمورهم، ويسألونه عن أحوال دينهم، فقال: "كادت العلماء أن يكونوا أربابًا، وكلُّ عزٍّ لم يوطَّد بعلم فإلى ذلٍّ يصير" (25). - وقال مرة: "بئس الرفيقان الدراهم والدنانير فإنهما لا ينفعانك حتى يفارقاك (26). - وقال: "كثرة الضحك تذهب الهيبة، وكثرة المزح تذهب المروءة، ومن لزم شيئًا عرف به(27). - )وقال الأحنف بن قيس: "ألا أدلكم على المحمدة بلا مرزئة؟ الخلق السجيح (28)، والكف عن القبيح. ألا أخبركم بأدوإ الداء؟ الخلق الدنيء، واللسان البذيء". وقال الأحنف: "ثلاث في ما أقولهن إلا ليعتبر معتبر: ما دخلت بين اثنين حتى يدخلاني بينهما، ولا أتيت باب أحد من هؤلاء ما لم أدع، يعني السلطان ولا حللت حبوتي إلى ما يقوم إليه الناس" ((29)ا. ه - قال الأحنف: "يا معشر الأزد وربيعة من أهل البصرة، أنتم والله أحب إلينا من تميم الكوفة، وأنتم جيراننا في الدار، ويدنا على العدو، وأنتم بدأتمونا بالأمس، ووطئتم حريمنا، وحرقتم علينا فدفعنا عن أنفسنا ولا حاجة لنا في الشر ما أصابنا في الخير مسلكًا، فتيمموا بنا طريقة قاصدة" (30). = (23) عيون الأخبار1 /177). (24) المرجع السابق (3 /7). (25) الفاضل (ص1). (26) المرجع السابق (ص: 42). (27) الكامل في اللغة والأدب 1 /43). (28) الخلق السجيح: السهل (29) المرجع السابق (1 /107).
عدد الصفحات ٩أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 9 - وقيل للأحنف بن قيس أحد بني مرة بن عبيد بن الحارث بن كعب بن سعد : أي المجالس أطيب؟ فقال: "ما سافر فيه البصر، واتدع فيه البدن" (31). - ويروى عن الأحنف بن قيس أنه قال: "وما شاتمت رجلاً، ولا زحمت ركبتاي ركبتيه، وإذا لم أصل مجتدي(32) حتى ينتح جبينه عرقًا كما ينتح الحميت، فو الله ما وصلته(33). - وقال الأحنف بن قيس: "إني لأجالس الأحمق الساعة فأتبين ذلك في عقلي(34). - وذكر الحرمازي أن الأحنف بن قيس لما مات، وكان موته بالكوفة، مشى المصعب بن الزبير في جنازته بغير رداء، وقال: "اليوم مات سيد العرب" (35). - )وقال الأحنف: "تعتَف يرحمك الله! فما الحاجة؟ ومن سؤدده وحكمته قوله: السؤدد كرم الأخلاق وحسن الفعال. وقال: ثلاث ما أقولهن إلا ليعتبر بهن معتبر: لا أخلف جليسي بغير ما أحضره به، ولا أدخل نفسي في غير ما أدخل فيه، ولا آتي السلطان أو يرسل إلي". وقال له رجل: يا أبا بحر! دلني على محمدة بغير مرزئة. فقال: "الخلق السجيح، والكف عن القبيح. واعلم أن أدوي الداء اللسان البذي، والخلق الردي" ((36)ا. ه - قال: "إذا بصب الكلبُ لك فثق بودٍّ منه ولا تثق ببصاب ِ الناس فرُبَّ مبصب خوَّان" (37). = (30) الكامل في اللغة و الأدب (1 /117). (31) المرجع السابق (1 /142). (32) قوله: "مجتدي" يريد الذي يأتيه يطلب فضله . (33) الكامل في اللغة و الأدب (1 /197). (34) المرجع السابق (2 /115). (35) المرجع السابق (4 /74). (36) الفاخر (ص299).
عدد الصفحات ١٠أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 10 - وكتب الأحنف بن قيس إ صديق له: "أما بعد فإذا قدم عليك أ موافق لك، فليكن منك مكان سمعك وبصرك، فإن الأ الموافق أفضل من الولد المخالف" (38). - )وقال الأحنف بن قيس: "من فسدت بطانته كان كمن غ َّ بالماء، ومن غ بالماء فلا مساغ له، ومن خانه ثقاته فقد أتي من مأمنه". وقال الأحنف بن قيس لمعاوية حين شاوره في استخلاف يزيد، فسكت عنه، فقال: "مالك لا تقول؟"، فقال: "إن صدقناك أسخطناك، وإن كذبناك أسخطنا الله، فسخط أمير المؤمنين أهون علينا من سخط الله!"، فقال له: "صدقت". الأحنف بن قيس: "ما قلَّ سفهاء قوم قطُّ إلا ذلُّوا". وقال: "لأن يطيعني سفهاء قومي أحبُّ إليَّ من أن يطيعني حلماؤهم". وقال: "أكرموا سفهاءكم فإنهم يكفونكم النار والعار". وقال: "إن رأيت الشر يتَكك إن تركته، فاتركه". وقال: "ما ادَّخرت الآباء للأبناء، ولا أبقت الموتى للأحياء، شيئًا أفضل من اصطناع المعروف عند ذوي الأحساب". قال: قدم الأحنف بن قيس التميمي على عمر بن الخطاب ¢، في أهل البصرة وأهل الكوفة، فتكلموا عنده في أنفسهم وما ينوب كلُّ واحد منهم، وتكلم الأحنف فقال: = (37) فضل الكلاب على كثير ممن لبس الثياب (ص : 36). (38) الموشى = الظرف والظرفاء (ص 24).
عدد الصفحات ١١أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 11 "يا أمير المؤمنين، إن مفاتيح الخير بيد الله، وقد أتتك وفود أهل العراق، وإنَّ إخواننا من أهل الكوفة والشام ومصر نزلوا منازل الأمم الخالية، والملوك الجبابرة، ومنازل كسرى وقيصر وبني الأصفر، فهم من المياه العذبة والجنان المخصبة في مثل حولاء السَّلى وحدقة البعير، تأتيهم ثمارهم غضَّة لم تتغيرَّ؛ وإنا نزلنا أرضا نشاشة طرف في فلاة وطرف في ملح أجاج، جانب منها منابت القصب، وجانب سبخة ن شَّاشة لا يجف ترابها، ولا ينبت مرعاها، تأتينا منافعها في مثل مريء النعامة، يخرج الرجل الضعيف منَّا يستعذب الماء من فرسخين، وتخرج المرأة بمثل ذلك ترنِّق ولدها ترنيق العنز، تخاف عليه العدوَّ والسبع، فإلا ترفع خسيستنا، وتنعش ركيستنا، وتجبر فاقتنا، وتزيد في عي النا عيالاً، وفي رجالنا رجالاً، وتصفِّر درهُنا، وتكبرِّ قفيزنا، وتأمر لنا بحفر نهر نستعذب به الماء هلكنا". قال عمر: "هذا والله السيد! هذا والله السيد!"، قال الأحنف: "فما زلت أسمعها بعدها". وقال: "ربَّ ملوم لا ذنب له". وقال: "أحقُّ الناس بالعفو أقدرهم على العقوبة". وقال: "أنا للعاقل المدبر أرجى مني للأحمق المقبل". وقيل للأحنف بن قيس: ممن تعلمت الحلم؟ قال: "من قيس بن عاصم المنقري؛ رأيته قاعدا بفناء داره، محتبيا بحمائل سيفه يحدث قومه، حتى أتي برجل مكتوف ورجل مقتول؛ فقيل له: هذا ابن أخيك قتل ابنك. فو الله ما حلَّ حبوته ولا قطع كلامه. ثم التفت إلى ابن أخيه وقال له: يا بن أخي، أثمت بربِّك، ورميت نفسك بسهمك، وقتلت ابن عمِّك. ثم قال لابن له آخر: قم يا بنيَّ فوارِ أخاك، وحلَّ كتاف ابن عمك، وسق إلى أمِّه مائة ناقة دية ابنها فإنها غريبة". وقال: "السؤدد مع السواد".
عدد الصفحات ١٢أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 12 وهذا المعنى يحتمل وجهين من التفسير: أحدهُا أن يكون أراد بالسواد سواد الشعر، يقول: من لم يسد مع الحداثة لم يسد مع الشيخوخة؛ والوجه الآخر أن يكون أراد بالسواد سواد الناس ودهُاءهم، يقول: من لم يطر له اسم على ألسنة العامة بالسُّوؤدد لم ينفعه ما طار له في الخاصة. وقال: "خير الإخوان ما إن استغنيت عنه لم يزدك في المودّة، وإن احتجت إليه لم ينقصك منها، وإن كوثرت عضَّدك، وإن استَفدت رفدك". وصلى على حارثة بن قدامة السَّعدي، فقال: "رحمك الله، كنت لا تحسد غنيًّا، ولا تحقر فقيرًا". وقال: "رأس الأدب المنطق، ولا خير في قول إلا بفعل ولا في مال إلا بجود، ولا في صديق إلا بوفاء، ولا في فقه إلا بورع؛ ولا في صدق إلا بنيَّة". وأرسل معاوية إلى الأحنف بن قيس، فقال: "يا أبا بحر، ما تقول في الولد؟"، قال: "ثمار قلوبنا، وعماد ظهورنا، ونحن له أرض ذليلة، وسماء ظليلة، فإن طلبوا فأعطهم، وإن غض بوا فأرضهم، يمنحوك ودَّهم، ويحبوك جهدهم؛ ولا تكن عليهم ثقيلاً فيملوا حياتك، ويحبُّوا وفاتك". فقال: "لله أنت يا أحنف، لقد دخلت عليَّ وإني لمملوء غضبًا على يزيد، فسللته من قلبي". فلما خرج الأحنف من عنده بعث معاوية إلى يزيد بمائتي ألف درهم ومائتي ثوب، فبعث يز يد إلى الأحنف بمائة ألف درهم ومائة ثوب، شاطره إياها. وقيل للأحنف بن قيس: "ما أصبرك على هذا الثوب؟ فقال: أحق ما صبر عليه ما ليس إلى مفارقته سبيل. وقال: "جنِّبوا مجالسنا ذكر النساء والطعام، فإني أبغض الرجل يكون وصَّافًا لبطنه وفرجه"((39)ا. ه (39) العقد الفريد 1 /32) وبعدها.
عدد الصفحات ١٣أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 13 - وقال معاوية لحنف بن قيس: "يا أبا بحر بِ يسود الغلام فيكم؟"، قال: "إذا رأيته نشآن يتقي ربه ويطيع والده، ويستصلح ماله، ويقيم مروءته، ويبسط ضيفه ولا يغضب جاره، فقال معاوية: وفينا وأبيك"(40). - (وقال الأحنف بن قيس: "الكذوب لا حيلة له، والحسود لا راحة له، والبخيل لا مروءة ل ه، والملول لا وفاء له، ولا يسود سيئ الأخلاق، ومن المروءة إذا كان الرجل بخيلاً أن يكتم ذلك ويتجمل". وقيل للأحنف: بِ بلغت ما بلغت؟ قال: "لو عاب الناس الماء ما شربته". وقال: "من لم يسخ نفسًا عن الحظ الجسيم للعيب الصغير، لم يعد شفيقًا على نفسه، ولا صائنًا لعرض ه")(41)ا. ه - وقال: "إن الله جعل أسعد عباده عنده وأرشدهم لديه وأخطاهم يوم القيامة، أبذلهم للمعروف يدًا، وأكثرهم على الإخوان فضلاً، وأحسنهم له على ذلك شكرًا" (42). - (وعن رجل من بني تميم، قال: حضرت مجلس الأحنف بن قيس وعنده قوم مجتمعون فيِ أمر لهم، فحمد الله و أثنى عليه ثم قال: "إن الكرم، ومنع الحرم، ما أقرب النقمة من أهل البغي، لا خير فيِ لذة تعقب ندمًا، لن يهلك من قصد، ولن يفتقر من زهد، ربَّ هزل قد عاد جدًا، من أمن الزمان خانه، ومن تعظم إليه أهانه، دعوا المزاح فإنه يؤرث الضغائن، وخير القول ما صدَّقه الفعل، احتملوا لمن أدل عليكم، وأقبلوا عذر من اعتذر اليكم، أطع أخاك وإن عصاك، وصله وإن جفاك، أنصف من نفسك قبل أن ينتصف منك، وإياكم ومشاورة النساء، واعلم أن كفر النعمة لؤم، وصحبة الجاهل شؤم، ومن الكرم الوفاء بالمذمم، ما أقبح القطيعة بعد الصلة، والجفاء بعد اللطف، والعداوة بعد الودِّ، لا تكونن على الإساءة أقوى منك (40) أمالي الزجاجي (ص 207). (41) أمالي القا1 /231،232). (42) المرجع السابق (1 /241).
عدد الصفحات ١٤أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 14 على الإحسان، ولا إِلى البخل أسرع منك إِلى البذل، واعلم أن لك من دنياك ما أصلحت به مثواك، فأنفق فيِ حقٍّ، ولا تكونن خازنًا لغيرك، وإذا كان الغدر فيِ الناس موجودًا، فالثقة بكل أحد عجز، اعرف الحق لمن عرفه لك، واع لم أن قطيعة الجاهل، تعدل صلة العاقل". قال: فما رأيت كلامًا أبلغ منه، فقمت وقد حفظته)(43)ا. ه - وقال: "العقل خير قرين، والأدب خير ميراث، والتوفيق خير قائد" (44). - )وقال الأحنف بن قيس: "ما رأيت رجلاً تكلَّم فأحسن الوقوف عند مقاطع الكلام، ولا عرف حدوده إلا عمر و بن العاص ¢، كان إذا تكلم تفقد مقاطع الكلام، وأعطى حقَّ المقام، وغاص استخراج المعنى بألطف مخرج؛ حتى كان يقف عند المقطع وقوفًا يحول بينه وبين تبيعته من الألفاظ، وكان كثيرًا ما ينشد: إذا م ا ب دا ف وق المن ابر ق ائلاً أص اب بم ا ي ومي إلي ه المق اتلا"((45) - قال الأحنف بن قيس: "السخاء والبخل في الطعام لا في المال(46). - ودخل الأحنف بن قيس إلى معاوية بعدما تم له الأمر فقال له: أنت الخاذل لأمير المؤمنين ومقاتلنا بصفين؟ فقال: "يا أمير المؤمنين، إن القلوب التي أبغضناك بها لبين جوانحنا، والسيوف التي قاتلناك بها لعلى (43) أما القالي (2/ 20، 21) (44) المرجع السابق (2 /167). (45) الصناعتين: الكتابة والشعر (ص 438). (46) البصائر والذخائر 2 /34).
عدد الصفحات ١٥أَقْوالُ الأَحْنَفِ بْنِ قَيْسٍ وَحِكَمُه 15 عواتقنا، ولئن مددت شبرًا من غدر، لنمدن باعًا من ختَ، وإنك لجدير أن تستصفي قلوبنا وكدرها بفضل حلمك، قال: أفعل"(47). تمَّ والحمد لله رب العالمين وكتب: أبو ظافر الحَ نْبَلِي الثلاثاء 18 جمادى الآخر1439 ه - 6 مارس2018 م * * * (47) البصائر والذخائر (6 /232).
عدد الصفحات ١٦