فـي رح ـاب سـورة المـائدة د. إبراىيم عبد الحميد سلامو أسماؤها: لذذه السورة الكريدة ثلاثة أسماء :ػ 1 – الدائدة، وذلك لأف ا- جل في علاه - قص علينا فيها قوؿ الحواريتُ لعيسى عليو السلاـ: {هَ لْ َللْ َ ِ يُ رَ بُّ َ أَ لْ ـُ ـَ زِّ َ َ َ ـلْ َا َائِدَةً ِ َ اللسَّمَااِ ..}؟ وما جرى بتُ عيسى وبينهم، حيث نصحهم بتقوى الله، وأرشدىم إلى ترؾ اقتًاح الآيات الدادية على ربهم، وأنهم بينوا لو الغرض من طلبهم ىذا فقالوا: {نُرِ دُ أَ لْ نَألْكُ َ ِ ـلْهَا وَتَ لْمَئِ سَّ قـُ ُو ـُ َا وَنـَعلْ َمَ أَ لْ قَدلْ صَدَقـلْ ـَ َا وَنَكُو َ َ َ ـلْهَا ِ َ اللسَّاهِدِ َ } (الدائدة: من الآية113,) وىنا رفف عيسى أأك اللراعة إلى ربو قائلاً: {ال سَّهُمسَّ رَ ـسَّ َا أَنلْ ِ َ َ ـلْ َا َائِدَةً ِ َ اللسَّمَااِ تَكُو ُ لَ َا ِ داً َوسَّلِ َا وَ آِرِنَا وَ َ ً ِ لْ َ وَارلْزُقـلْ َا وَأَنلْ َ آَ ـلْرُ الرسَّازِقِ َ }1 . 2 - سورة العقود، وذلك لقوؿ الله في مطلعها : { َا أَ ـبُّهَا السَّذِ َ َ ُوا أَولْفُوا ِاللْعُقُودِ أُحِ سَّ لْ لَكُم َهِ مَ ُ ا َنـلْعَامِ إِلاسَّ َا ـُ ـلْ َى َ َ لْكُم..} الآية. (الدائدة: الآية:1) 3 – الدنقذة؛ لأنها تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب، يقوؿ القرطبي في تفستَه : "روى عنو صلى الله عليو وسلم أنو قاؿ: "سورة الدائدة تدعى 2 في ملكوت الله الدنقذة، تنقذ صاحبها من أيدي ملائكة العذاب"3 . ن ولها: ىي مدنية بالإجماع، فقد أخرج ابن الدنذر وابن جرير عن قتادة قاؿ : "الدائدة مدنية"4 . بل إفّ سورة الدائدة من أواخر سور القرآف نزولاً فقد أخرج أحمد والنسائي والدنذر والحاأم وصححو وابن مردوية والبيهقي في سننو عن جبتَ بن نفتَ قاؿ : "حججت فدخلت على عائشة فقالت لي: يا جبتَ، تقرأ الدائدة؟ فقلت : نعم فقالت: أما إنها آخر سورة نزلت، فما وجدتم فيها من حلاؿ فاستحلوه, و ما وجدتم من حراـ فحرموه "5 . 1 راجف الآيات : 112-115 من سورة الدائدة . 2 يبحث عن درجة ىذا الحديث . 3 تفستَ القرط : 6/30 وانظر الآلوسي: 6/47 . 4 فتح القدير للشوأا : 2/3، والقرط: 6/30 . 5 أخرجو أحمد والنسائي وابن الدنذر والحاأم وصححو، انظر فتح القدير : 2/3، وتفستَ ابن أث : 2/2 .
عدد الصفحات ١وأخرج أبو عبيد عن لزمد بن أعب القرظي قاؿ : " نزلت سورة الدائدة على رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم في حجة الوداع فيما بتُ مكة والددينة وىو على ناقتو، فتصدعت أتفها، فنزؿ عنها رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم وذلك من ثقل الوحي "6 . وإذاً فمدنية ىذه السورة بناء على أرجح مذاىب العلماء وأشهرىا من أف الددني ما نزؿ بعد الذجرة، ولو أاف نزولو بمكة أو في الطريق بتُ مكة والددينة، فالحد الفاصل بتُ الدكي والددني ىو وصوؿ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم إلى الددينة، فكل ما نزؿ قبلو من القرآف فهو مكي، وأل ما نزؿ بعده فهو مدني ولو أاف نزولو بمكة 7 . دد يـاتها: ىي مائة وعشروف آية عند الكوفيتُ، ومائة وثلاث وعشروف آية عند البصريتُ، ومائة وثنتاف وعشروف آية عند غتَىم. وسبب ىذا الاختلاؼ أف النبي صلى الله عليو وسلم أاف إذا قرأ على أصحابو السورة لأوؿ مرة - بعد أف يكتمل نزولذا - يقك على رأس أل آية للتوقيك وإعلامهم برؤوس الآيات والفواصل، فإذا قرأ السورة نفسها مرة أخرى فإنو قد يصل بتُ آيتتُ منها ؛ لأف الثانية تتم معتٌ الأولى، فيظن من لم يسمف القراءة الأولى لذذه السورة أف ىاتتُ الآيتتُ آية واحدة، فيتًتب على ىذا الاختلاؼ في عدد الآيات . وىناؾ سب آخر لاختلاؼ الكوفيتُ والبصريتُ وغتَىم في عدد الآيات القرآنية، ىو الاختلاؼ في البسملة وىل ىي آية من أل سورة أو لا؟ فمن عدّىا آية تكوف السورة عنده أزيد آية واحدة بالنسبة لغتَه الذي لا يعتبرىا أذلك 8 . وعلى أل فالخطب في مثل ىذا الاختلاؼ يستَ ىتُ، لأنو لا يتًتب عليو زيادة ولا نقص القرآف الكرنً، فمن قاؿ : إف سورة الدائدة مائة وعشروف آية، لا ينكر ثلاث آيات منها بناء على الرأي الآخر الذي يقوؿ: إنها مائة وثلاث وعشروف آية, وصاحب ىذا القوؿ الأختَ لا يليك إلى السورة ثلاث آيات، لا يقوؿ بها صاحب الرأي الأوؿ - وإذاً فلا ضرر في ىذا الاختلاؼ؛ لأنو لا يتًتب عليو زيادة ولا نقص في النص القرآني، وإنما ىو خلاؼ في عدد الآيات فقط وإف أاف الكل لرمعتُ على آيات أل سورة بلا خلاؼ . 6 تفستَ الآلوسي: 6/47، وفتح القدير: 2/3 . 7 راجف : مناىل العرفاف للشيخ الزرقاني : 1/186-188 . 8 انظر: الإتقاف للسيوطي: 1/67، والبياف للشيخ غزلاف : 223، ومناىل العرفاف للشيخ الزرقا : 1/337 .
عدد الصفحات ٢لاق ها لورة ال لاا: إف الدتأمل في ىاتتُ السورتتُ لتَى أف الثانية تناسب الأولى وترتبط بها من وجوه عديدة : ا و : أف سورة النساء قد اشتملت على عدة عقود، صراحة أو ضمناً , فالصريح : عقد النكاح والصداؽ والحلك والدعاىدة، واللمتٍ: عقد الوصية والوديعة والوأالة والعارية، وغتَ ذلك لشا ىو داخل في عموـ قولو تعالى: {إِ سَّ اللهَ َألْ ُرُكُملْ أَ لْ تـُؤَدبُّوا ا لَْ َانَاتِ إِلَى أَهلْ ِهَا ..}(النساء: الآية: 58,) فناسب ذلك أف تتبف ىذه السورة بما يناسب ذلك وىو الأمر بإيفاء العقود والحفاظ عليها والالتزاـ بموجبها وذلكم في قولو تعالى في مطلف سورة الدائدة : { َا أَ ـبُّهَا السَّذِ َ َ ُوا أَولْفُوا ِاللْعُقُودِ..} (الدائدة: الآية:1,) فكأنو قيل: يا أيها الناس أوفوا بالعقود التي فرغ من ذأرىا في السورة السابقة وإف أاف في ىذه أيلاً عقود، ذأر ىذا الوجو الآلوسي نقلاً عن الجلاؿ السيوطي9 . الثاني: أنو سبحانو لدا ختم سورة النساء آمراً بالتوحيد والعدؿ وإعطاء أل ذي حق حقو، حيث بتُّ أنصبة الورثة وحذّر من تجاوز ما شرعو وبينو حيث قاؿ : { ـُبـَ زِّ ُ اللهُ لَكُملْ أَ لْ تَضِ بُّوا} (النساء: الآية:176) ناسب ذلك أف تفتتح ىذه السورة بالأمر بالإيفاء بالعقود والدواثيق والحفاظ عليها، وعدـ التحلل منها بحاؿ. الثالث: أف سورة النساء مهدت السبيل لتحرنً الخمر، حيث جاء فيها قولو تعالى : { َا أَ ـبُّهَا السَّذِ َ َ ُوا لا تـَقلْرَ ُوا الصسَّلاةَ وَأَنـلْ ُملْ سُكَارَى حَ سَّى تـَعلْ َمُوا َا تـَقُولُو ..} الآية10 , وسورة الدائدة حرمتها ألبتة، فكانت متممة لشيء فيما قبلها، وذلكم في قولو تعالى في الدائدة : { َا أَ ـبُّهَا السَّذِ َ َ ُوا إِنسَّمَا اللْ َملْرُ وَاللْمَ لْلِرُ وَا لَْنلْصَابُ وَا َزلْلامُ رِالْ ٌ ِ لْ َمَ ِ اللسَّ لْ َا ِ فَاالْ َ ِبُووُ لَعَ سَّكُملْ تـُ لْ ِ ُو َ }11. الرا ي: أف معظم سورة الدائدة في لزاجة اليهود والنصارى، مف ذأر شيء من أمر الدنافقتُ والدشرأتُ، وذلك ما تكرر في سورة النساء، ولا سيما في آخرىا، فذلك من أقوى الدناسبات وأظهر وجوه الاتصاؿ بتُ السورتتُ، أأف ما جاء منو في الدائدة مكمل ومت ــ لدا جاء في النساء. ىذا وفي أل من السورتتُ - فوؽ ما تقدـ - طائفة من الأحكاـ العمؿية في العبادات، والحلاؿ والحراـ، أآيتي التيمم والوضوء، وحكم حل المحصنات من الدؤمنات، والأمر بالقياـ بالقسط، والشهادة بالعدؿ, من غتَ لزاباة لأحد، والوصية بتقوى الله تعالى. 9 الآلوسي: 6/48 . 10 النساء: 43 . 11 الدائدة: 90 . الخمر أل ما يخمر العقل أي يغطيو ويستًه . والديسر: القمار. والأنصاب: الأصناـ الدصنوعة للعبادة. والأزلاـ : قداح الديسر.
عدد الصفحات ٣وىنا سؤاؿ يفرض نفسو وىو: لداذا يحرص أثتَ من الدفسرين على ذأر العلاقات والدناسبات التي تربط بتُ سور القرآف الكرنً بعلها ببعض؟ وىل يلزـ وجود مثل ىذه العلاقات والدناسبات بتُ آيات القرآف بعلها مف بعض؟ على معتٌ أف تكوف ىناؾ مناسبة بتُ أل آية وسابقتها ولاحقتها ومناسبة وصلة بتُ أل سورة وسابقتها ولاحقتها أذلك؟ والجواب على ذلك: أف الدفسرين يحرصوف على ذأر ىذه الدناسبات، ليظهروا للناس ألهم وخاصة من عنوا بالدراسات القرآنية ما في ىذا الكتاب العزيز من أحكاـ وترابط وانسجاـ وتآلك فهو : {الر كِ َابٌ أُحلْكِمَ لْ َاتُ ُ ُمسَّ فُصزِّ َ لْ ِ لْ لَدُ لْ حَكِ مٍ آَبِ رٍ } (ىود:1) .أي أنو منظم رصتُ، متقن متتُ، لا يتطرؽ إليو خلل لفظي ولا معنوي , أأنو بناء مشيد لزكم، يتحدى الزمن , ولا ينتابو تصدع ولا وىن، مصداقاً ؿقوؿ الله فيو: {وَإِنسَّ ُ لَكِ َابٌ َ ِ ٌ, لا َألْتِ ِ اللْبَاطِ ُ ِ لْ ـَ لْ ِ َدَ لْ ِ وَلا ِ لْ آَ لْ ِ ِ تـَ لْ ِ ٌ ِ لْ حَكِ مٍ حَمِ دٍ }12 . وإذا أاف الأمر على ما ذأر فإنو يلزـ أف تكوف ىناؾ مناسبات وعلاقات بتُ الآي والسور القرآنية، ويتحتم أف يكوف ىناؾ ترابط وانسجاـ وتآلك بتُ أل آية وسابقتها ولاحقتها، وأل سورة وسابقتها ولاحقتها أذلك، لأنو ألاـ الله الدعجز للبشر الذي أعجز الفصحاء والبلغاء بأسلوبو الفذ، وأعياىم عن الإتياف بمثل أقصر سورة منو : {قُ لْ لَئِ ِ االْ َمَعَ ِ الإِنلْ ُ وَاللْجِ بُّ َ َى أَ لْ َألْتُوا ِمِثلْ ِ هَذَا اللْقُرلْ ِ لا َألْتُو َ ِمِثلْ ِ ِ وَلَولْ كَا َ ـَعلْضُهُملْ لِبـَعلْ ٍ َهِ راً }13 . ومن العجيب أف الإماـ الشوأاني وىو علَمٌ في التفستَ، يعيب على الدفسرين ىذا الدسلك، ويقلل من قيمة ىذا العمل، وىو بياف التزاـ الربط بتُ الآيات القرآنية وسورىا، بل إنو يصرّح بعدـ وجود العلاقة والدناسبة بتُ آيات نزلت في مناسبات لستلفة وظروؼ متباينة، ويستدؿ على قولو ىذا بأف ترتيب السور القرآنية في الدصحك مغاير لتًتيب نزولذا، وإذا أاف الأمر أذلك : "فأيّ معتٌ لطلب الدناسبة بتُ آيات نعلم قطعاً أنو قد تقدـ في ترتيب الدصحك ما أنزلو الله متأخراً، وتأخر ما أنزلو الله متقدماً، فإف ىذا عمل لا يرجف إلى ترتيب نزوؿ القرآف، بل إلى ما وقف التًتيب عند جمعو لشن تصدى لذلك من الصحابة، وما أقل نفف مثل ىذا وأنزر ثمرتو وأحقر فائدتو .."14 . والناظر في ألاـ الإماـ الشوأاني يجد أنو مبتٍ على أمرين اثن : هما نزوؿ القرآف مفرقا و ـلصماً حسب الحوادث والأسئلة والقلايا التي أانت تثار على رسوؿ الله 12 فصلت: 41-42 . 13 الإسراء : 88 . 14 انظر: فتح القدير للشوأاني : 1/72-73 .
عدد الصفحات ٤صلى الله عليو وسلم, وأف ترتيب الدصحك مغاير لتًتيب النزوؿ , وىو من عمل الصحابة رضواف الله عليهم أجمعتُ. والحق أف ذلك ألو لا يدنف من وجود التًابط والانسجاـ والتآلك بتُ الآيات والسور القرآنية، التي بلغت أعلى درجة في البلاغة والفصاحة والإحكاـ . ذلك أف القرآف الكرنً، وإف نزؿ منجماً ومفرقاً حسب الحوادث والوقائف إلا أف جبريل عليو السلاـ أاف يوقك رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم على موضف الآية من السورة، وأاف صلى الله عليو وسلم يرشد أصحابو وخاصة أتّاب الوحي إلى ذلك، فيقوؿ: "ضعوا ىذه الآية ىذا الدوضف من ىذه السورة "، أو بتُ آيتي أذا وأذا من سورة أذا , وذلك لأف ترتيب آيات القرآف من النظم الدعجز، ولذلك لم يقل أحد بأنو من صنف البشر. وإذا أاف ترتيب الآيات في سورىا توقيفاً - فإنو من غتَ شك - يكوف على أعلى درجات الإحكاـ والتًابط والانساج والتآلك. وأما ترتيب السور القرآنية في الدصحك وأونو من عمل الصحابة , فإف ذلك أيلاً لا يدنف من وجود الدناسبات والعلاقات بتُ السور القرآنية ؛ لأف الصحابة - رضواف الله عليهم أجمعتُ - أانوا في عملهم ملتزمتُ التًتيب الذي علموه من رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم، فقد أاف يتلو القرآف أمامهم في الصلاة وخارجها . وخلاصة ما تقدـ أف الآيات القرآنية قد رتبت في عهد رسوؿ الله وبتوقيت منو عن جبريل عليو السلاـ، حفظاً في الصدور وأتابةً في السطور، وأما السور فقد رتبت في عهده حفظاً فقط، ولم ترتب أتابة لعدـ جمف القرآف ألو في مصحك واحد في عهده صلى الله عليو وسلم ، فقاـ أصحابو رضواف الله عليهم بهذا العمل على النحو الذي أانوا يسمعونو من رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم . ولعل الإماـ الشوأاني يريد أف يقوؿ إف الدناسبة بتُ بعض الآيات قد لا تكوف واضحة، أو أف العقوؿ البشرية قد تقصر أو تعجز عن إدراأها , وفي مثل ىذه الحالات فإنو يحسن عدـ التكلك والتعسك في إظهارىا تنزيهاً لكلاـ الله تعالى عن لزض الرأي الدنهي عنو. والذي يدفعتٍ إلى ىذا الفهم من ألاـ الشوأاني أ را : ا و : أنو إماـ من أئمة التفستَ وعلم من أعلامو الدبرزين فيبعد على مثلو أف ينكر الدناسبات بتُ آيات القرآف الكرنً وسوره فيما يظهر لي ولو أف ألامو يبدو منو الإنكار . الثاني: أف الدارس لتفستَ الشوأاني يجد أنو أثتَاً ما يذأر الدناسبات والعلاقات التي تربط آيات القرآف الكرنً بعلها ببعض في عبارة واضحة لا لبس فيها ولا خفاء وأأتفي بذأر مثاؿ واحد يؤأد ىذه الحقيقة:
عدد الصفحات ٥عند شرحو لقولو تعا : {وَ َلزِّرِ السَّذِ َ َ ُوا وَ َمِ ُوا الصسَّالِ َاتِ أَ سَّ لَهُملْ اَ سَّاتٍ تَجلْرِي ِ تَ لْ ِهَا ا َنـلْهَار}.. (البقرة : الآية 25) ، ذأر علاقتو بما سبقو فقاؿ: " لدا ذأر تعالى جزاء الكافرين عقبو بجزاء الدؤمنتُ، ليجمف بتُ التًغيب والتًىيب والوعد والوعيد، أما ىي عادتو سبحانو في أتابو العزيز، لم ا في ذلك من تنشيط عباده الدؤمنتُ لطاعاتو، وتثبيط عباده الكافرين عن معاصيو "15 . إلى غتَ ذلك من الدثل العديدة البارزة في تفستَ الإماـ الشوأاني والتي جعلتنا نفهم ألامو على النحو السابق، وإف أانت عبارتو ظاىرة في إفادة عدـ التناسب بتُ الآيات حيث يقوؿ : ".. وإذا أانت أسباب النزوؿ لستلفة ىذا الاختلاؼ، ومتبانية ىذا التباين الذي لا يتيسر معو الائتلاؼ، فالقرآف النازؿ فيها ىو باعتباره نفسو لستلك ؾ اختلافها، فكيك يطلب العاقل الدناسبة بتُ اللب والنوف، والداء والنار, والدلاج والحادي، وىل ىذا إلا من فتح أبواب الشك، وتوسيف دائرة الريب على من في قلبو مرض؟ "16 . وفي ختاـ ىذه الدراسة لضب أف نقك وقفة متأنية مف قصة ولدي آدـ عليو السلاـ التي قصها ا علينا في ىذه السورة الكريدة لنقك عل ى بعض ما فيها من عظات وعبر، وإليك البياف:ػ قاؿ تعالى: {وَاتلْ ُ َ َ لْهِملْ نـَبَأَ ا ـلْ َيلْ دَمَ ِاللْ َقزِّ إِذلْ قـَرسَّ َا قـُرلْ َاناً فـَ ـُقُبزِّ َ ِ لْ أَحَدِهِمَا وَلَملْ ـُ ـَقَب ِ َ ااآَرِ قَا َ َقـلْ ـُ َ سَّ َ قَا َ إِنسَّمَا ـَ ـَقَبسَّ ُ اللهُ ِ َ اللْمُ سَّقِ َ , لَئِ لْ َلَ لْ َ إِلَيسَّ َدَكَ لِ ـَقلْ ـُ َ ِي َا أَنَا ِبَاسِطٍ َدِيَ إِلَ لْ َ َقـلْ ـُ َ َ إِنزِّي أَآَافُ اللهَ رَبسَّ اللْعَالَمِ ,َ إِنزِّي أُرِ دُ أَ لْ تـَبُواَ إِ لْمِي وَإِ لْمِ َ فـَ َكُو َ ِ لْ أَصلْ َابِ ال سَّارِ وَذَلِ َ اَ َااُ اللسَّالِمِ َ , فَ َوسَّ َ لْ لَ ُ نـَ لْلُ ُ قـَ لْ َ أَآِ ِ فـَقَ ـَ َ ُ فَأَصلْبَحَ ِ َ اللْ َاسِرِ َ , فـَبـَعَثَ اللهُ غُرَا اً ـَبلْ َثُ فِي ا َرلْضِ لِ ُرِ َ ُ كَ لْفَ ـُوَارِي سَولْاَةَ أَآِ ِ قَا َ َا وَ ـلْ َ َى أَ َجَ لْتُ أَ لْ أَكُو َ ِثلْ َ هَذَا اللْ ُرَابِ فَأُوَارِيَ سَولْاَةَ أَآِي فَأَصلْبَحَ ِ َ ال سَّادِ ِ َ }17 . عاني الم ردات: {اتلْ ُ}الأصل في ىذه الدادة التبف، فالتلو- بالكسر - ولد الناقة والشاة، إذا فطم وصار يتبعها، وأل ما يتبف غتَه في شيء يقاؿ لو تلوه، والتلاوة - بالكسر -: القراءة , ولا تكاد تستعمل إلا في قراءة ألاـ الله تعالى، وسميت قراءتو تلاوة لأنو مثاني، ألما قرئ منو شيء أتبف بقراءة غتَه أو بإعادتو أو لأف شأنو أف يُقرأ ليتبف بالاىتداء والعمل بو. {نـَبَأَ} :النبأ ىو الخبر العظيم الذي لو شأنو. { ِال ق} :أي تلاوة متلبسة بالحق والصحة، لأنها من عند ا. 15 الدرجف نفسو : 38 . 16 فتح القدير: 1/72-73 . 17 الدائدة: 27-30 .
عدد الصفحات ٦{قـُرلْ َاناً} :ىو اسم لدا تتقرب بو إلى الله من ذبيحة أو صدقة أو غتَ ذلك . { َلَ لْ َ إِلَيسَّ َدَكَ } :مددتها لقتلي وإراقة دمي . {تـَبُواَ إِ لْمِي وَإِ لْمِ َ} :أي ترجف بإثم قتلك لي، وإثمك الخاص بك، الذي أاف من شؤمو عدـ قبوؿ قُربانك. {فَ َوسَّ َ لْ لَ ُ نـَ لْلُ ُ قـَ لْ َ أَآِ ِ } :أي زينتو وسهلتو، وشجعتو عليو . {سَولْاَةَ أَآِ ِ } :أي جسده، وقيل: عورتو ؛ لأنها تسوء ناظرىا، وخصت بالذأر وإف أاف الدطلوب مواراة جميف الجسد لأف ستًىا آأد 18 . لاق اا ات ما قب ها: بعد أف ذأر - عز اسمو - موقك اليهود من رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم وإعراضهم عن دعوتو على الرغم من وضوح البراىتُ الدالة على صدقو، حتى ىمّ قوـ أف يبسطوا أيديهم لقتلو، وقتل أبار أصحابو، مصداقاً لقولو تعالى: { َا أَ ـبُّهَا السَّذِ َ َ ُوا اذلْكُرُوا نِعلْمَ َ اللهِ َ َ لْكُملْ إِذلْ هَمسَّ قـَولْمٌ أَ ـَبلْلُ ُوا إِلَ لْكُملْ أَ لْدِ ـَهُملْ فَكَفسَّ أَ لْدِ ـَهُملْ َ لْكُملْ }.19 وما ذاؾ إلا حسداً منهم لرسوؿ الله عليو الصلاة والسلاـ, على ما آتاه الله من الدين الحق، وذأر أذلك تمردىم على نبيهم موسى عليو السلاـ , ونكوصهم عن قتاؿ الجبارين , وذأر بعد ذلك قصة ولدي آدـ عليو السلاـ اللذين قتل أحدهما صاحبو، بياناً لكوف الحسد الذي صرؼ ىؤلاء عن الإيداف بمحمد صلى الله عليو وسلم , وحملهم على عداوتو عريقاً في الآدميتُ، فالداء قدنً والشر أصيل، وإف أاف ىؤلاء اليهود قد ورثوا عن أسلافهم من ىذا الداء الحظ الأوفر، والنصيب الأأبر مصداقاً لقولو تعالى فيهم : { ِئلْلَمَا اشلْ ـَرَولْا ِ ِ أَنـلْ ُلَهُملْ أَ لْ َكلْ ُرُوا ِمَا أَنـلْ َ َ ال سَّ ُ ـَ لْ اً أَ لْ ـُ ـَ زِّ َ ال سَّ ُ ِ لْ فَضلْ ِ ِ َ َى َ لْ َلَااُ ِ لْ ِبَادِوِ }20 .وقولو: {وَدسَّ كَثِ رٌ ِ لْ أَهلْ ِ اللْكِ َابِ لَولْ ـَرُدبُّونَكُملْ ِ لْ ـَعلْدِ إِ مَانِكُملْ كُ سَّاراً حَلَداً ِ لْ ِ لْدِ أَنـلْ ُلِهِملْ ِ لْ ـَعلْدِ َا تـَبـَ سَّ َ لَهُمُ اللْ َقبُّ }21 . قاؿ القرط : "وجو اتصاؿ ىذه الآية بما قبلها، التنبيو من الله على أف ظلم اليهود ونقلهم الدواثيق والعهود أظلم ابن آدـ لأخيو "22 . 18 انظر: الدنار: 6/340، والآلوسي: 6/314 . 19 الدائدة: 11 . 20 البقرة : 90 . 21 البقر: 109 . 22 تفستَ القرط : 6/133 .
عدد الصفحات ٧في لا ال ص الكر م: يأمر الله - جلّ في علاه - رسولو لزمداً صلى الله عليو وسلم أف يتلو على الناس عامة وأىل الكتاب خاصة, ذلك النبأ العظيم، نبأ ابتٍ آدـ, تلاوة متلبسة بالحق, مظهرة لو، لأنها من عند الله عالم الغيب والشهادة, مبينة لغرائز البشر وطبائعهم وأنهم جُبلوا على التباين والاختلاؼ, الذي يفلي إلى التحاسد والتقاتل، ليعلموا الحكمة فيما شرعو الله من عقوبات رادعة للبغاة الظالدتُ , الذين يحاربوف الله ورسولو , ويسعوف في الأرض فساداً، وليعلم أىل الكتاب صدؽ لزمد صلى الله عليو وسلم, وذلك لاشتماؿ أتبهم على ىذه القصة، وىو لم يطلف على ىذه الكتب، فتعتُ أف يكوف علمها عن طريق الوحي، فتقوـ بذلك الحجة عليهم ويعرؼ الجميف أنهم ضلوا على علم، وجحدوا عن بينة . وخلاصة نبأ ولدي آدـ أف ألا منهما قرب لربو قرباناً، فتقبل من أحدهما, لتقواه وإخلاصو وطيب نفسو بما قدـ، ورفض قرباف الآخر لأنو أاف على العكس من ذلك ألو، عندئذ ثارت ثائرتو ودب الحسد في قلبو، وحملو على البغي والعدواف فقاؿ مهدداً ومتوعداً أخاه الذي تقبل الله قربانو: { َقـلْ ـُ َ سَّ َ} فأجابو بقولو: {إِنسَّمَا ـَ ـَقَبسَّ ُ اللهُ ِ َ اللْمُ سَّقِ َ} أي: إنما يتقبل الله الصدقات وغتَىا من الأعماؿ, القبوؿ الحسن الدقتًف بالرضا والدثوبة من عباده الدتقتُ الدخلصتُ . فهذا الجواب يتلمن بياف سبب قبوؿ قرباف أحدهما ورفض قرباف الآخر، وأأف ىذا الابن البار يقوؿ لأخيو: إنتٍ لم أرتكب ذنباً في حقك لتقتلتٍ، فإف أاف الله تعالى لم يتقبل منك، فارجف إلى نفسك فحاسبها على السبب، فإنما يتقبل الله من الدتقتُ الذين يتقوف الله ولا يقعوف في الدعاصي , فاحمل نفسك على تقوى الله, والإخلاص لو في العمل، ثم تقرب إليو بصالح الأعماؿ فإنو عندئذٍ يتقبل أعمالك, ويرضى عنك، ويجزيك ختَاً 23 . ثم بتُ الابن البار لأخيو الحاقد حقيقة أخرى ىي حرمة إراقة الدماء فقاؿ : {لَئِ لْ َلَ لْ َ إِلَي َدَكَ لِ ـَقلْ ـُ َ ِي َا أَنَا ِبَاسِطٍ َدِيَ إِلَ لْ َ َقـلْ ـُ َ َ إِنزِّي أَآَافُ اللهَ رَبسَّ اللْعَالَمِ َ } أف يراني باسطاً يدي إلى الإجراـ وسفك الدـ بغتَ حق، فإف ذلك يسخطو ويوجب عقابو ونقمتو ؛ لأنو رب العالدتُ الذي يغذيهم بنعمو ويربيهم بفللو وإحسانو، فالاعتداء على أرواحهم أعظم مفسدة لذذه التًبية . وىذا الجواب من الأخ البار التقي يتلمن أبلغ موعظة، وألطك استعطاؼ لأخيو الحاقد العازـ على إراقة الدـ بغتَ حق, ثم يواصل الابن البار نصح أخيو وإرشاده علو أف يرعوي ويعود إلى رشده، فكيك عن تهديده وتوعده لو بالقتل، مذأراً إياه بعذاب الآخرة فيقوؿ: {إِنزِّي أُرِ دُ أَ لْ تـَبُواَ إِ لْمِي وَإِ لْمِ َ فـَ َكُو َ ِ لْ أَصلْ َابِ ال سَّارِ وَذَلِ َ اَ َااُ اللسَّالِمِ َ } . 23 انظر: تفستَ الدنار للشيخ رشيد رضا : 6/343 .
عدد الصفحات ٨قاؿ الفخر الرازي : "أيك يعقل أف يبوء القاتل بإثم الدقتوؿ مف أنو تعالى قاؿ: {وَلا تَ ِرُ وَازِرَةٌ وِزلْرَ أُآلْرَى}(الأنعاـ: الآية: 164) . والجواب منواه : ا و : قاؿ ابن عباس وابن مسعود والحسن وقتادة - رضي الله عنهم - معناه: "تحمل إثم قتلي، وإثمك الذي أاف منك قبل قتلي ". والثاني: قاؿ الزجاج : "معناه ترجف إلى الله بإثم قتلي، وإثمك الذي من أجلو لم يتقبل قربانك "24 . وىناؾ وجو آخر في الجواب , وىو أف القاتل يحمل في الآخرة إثم الدقتوؿ إف أانت لو آثاـ، وذلك يعارض قولو تعالى: {وَلا تَ ِرُ وَازِرَةٌ وِزلْرَ أُآلْرَى}؛ لأف تحمل القاتل لآثاـ الدقتوؿ إنما ىو بسبب قتلو لو، فالقاتل بهذا لا يحمل إلا أوزار نفسو . ونلاحظ من ىذه الدواقك أف الأخ التقي البار قد ترؽ ى في نصح أخيو الحاقد وصرفو عن عزمو على النحو التالي: 1 – بتُ لو أنو أُتيَ من قبل نفسو لعدـ تقواه{إِنسَّمَا ـَ ـَقَبسَّ ُ اللهُ ِ َ اللْمُ سَّقِ َ} . 2 – نزه نفسو عن مقابلة الجناية بمثلها : {لَئِ لْ َلَ لْ َ إِلَيسَّ َدَكَ لِ ـَقلْ ـُ َ ِي َا أَنَا ِبَاسِطٍ َدِيَ إِلَ لْ َ َقـلْ ـُ َ َ } . 3 – ذأره بما يجب عليو من خوؼ ربو واتقاء عذبو : {إِنزِّي أَآَافُ اللهَ رَبسَّ اللْعَالَمِ َ} . 4 – ذأره بأف الدعتدي يحمل وزر نفسو وأوزار الدعتدى عليو : {إِنزِّي أُرِ دُ أَ لْ تـَبُواَ إِ لْمِي وَإِ لْمِ َ } . 5 – ذأره بعذاب النار وأونها مثوى للظالدتُ الفجار {فـَ َكُو َ ِ لْ أَصلْ َابِ ال سَّارِ وَذَلِ َ اَ َااُ اللسَّالِمِ َ } . ولكن ىل أثرت ىذه الدواعظ وتلك النصائح الغالية في نفس ذلك الأخ الحاقد الباغي؟ ذلك ما بينو ربنا بقولو : {فَ َوسَّ َ لْ لَ ُ نـَ لْلُ ُ قـَ لْ َ أَآِ ِ فـَقَ ـَ َ ُ فَأَصلْبَحَ ِ َ اللْ َاسِرِ َ } لقد أاف بفطرتو البشرية يتخوؼ من قتل أخيو، ويتهيب ىذا الأمر العظيم، ولكن نفسو الأمارة بالسوء ما زالت بو تسهل لو ىذا الدنكر, وتزينو وتشجعو عليو، حتى تجرأ وأقدـ على ىذه الجريدة النكراء، جريدة قتل أخيو ظلماً وعدواناً، بلا تفكر ولا تدبر، فأصبح بعملو ىذا من الذي خسروا أنفسهم حيث عرضوىا لعقاب الله ونقمتو، وخسروا أقرب الناس إليهم , وأبرىم بهم، وخسروا نعيم الآخرة , إذ لم يعودوا أىلاً لدار الدتقتُ، بل صاروا 24 الفخر الرازي : 12/199 .
عدد الصفحات ٩أىلاً لجهنم وبئس مثوى الظا. قاؿ الشوأاني في تفستَه : "وقد ثبت في الصحيحتُ وغتَهما من حديث عبد الله بن مسعود قاؿ: قاؿ رسوؿ الله صلى الله عليو وسلم : " لا تقتل نفس ظلماً إلا أاف على ابن آدـ الأوؿ أفل من دمها، لأنو أوؿ من سن القتل"25 . ولدا أانت ىذه أوؿ جريدة قتل ترتكب على ظهر الأرض، فإف ىذا القاتل الأثيم لم يعرؼ أيك يتخلص من جثماف أخيو، فشاءت حكمة الله أف يكوف تلميذاً للغراب، حيث يتعلم منو سنة الدفن ومواراة جسد الديت في التًاب، فكاف ما قصو الله بقولو : {فـَبـَعَثَ اللهُ غُرَا اً ـَبلْ َثُ فِي ا َرلْضِ لِ ُرِ َ ُ كَ لْفَ ـُوَارِي سَولْاَةَ أَآِ ِ قَا َ َا وَ ـلْ َ َى أَ َجَ لْتُ أَ لْ أَكُو َ ِثلْ َ هَذَا اللْ ُرَابِ فَأُوَارِيَ سَولْاَةَ أَآِي فَأَصلْبَحَ ِ َ ال سَّادِ ِ َ } . وقوؿ ىذا الأخ القاتل: { َا وَ ـلْ َ َى}يدؿ على شدة تحسره وتألدو، لأف ىذه الكلمة لا تقاؿ إ عند حلوؿ الدواىي العظاـ، والدصائب الكبار، ولكن ىذا التحسر لم يكن ندماً وتوبة وخوفاً من الله، ولكنو أاف لإحساسو لأنو صار دوف الغراب علماً وتصرفاً، ولو أاف ندمو ندـ توبة لقبل الله توبتو، ولكن الله أخبر عنو أف صار بعملو ىذا من جملة الخاسرين , وأذلك دلت السنة الدطهرة على أنو سيحمل أفلاً من دـ أل نفس تقتل ظلماً وعدواناً، لأنو أوؿ من سن القتل، فدؿ ذلك ألو على عدـ توبتو. وإذاً فتحسر ىذا الأخ وندمو إنما أانا لعدـ انتفاعو بقتل أخيو, وإحساسو بأنو صار دوف الغراب علماً وتصرفاً أما أسلفنا. قاؿ الفخر الرازي : "فلما أاف من النادمتُ أاف من التائبتُ فلم تقبل توبتو؟ أجابوا عنو من وجوه : الوا ا و : أنو لدا لم يعلم الدفن إلا من الغراب صار من النادمتُ . الثاني: أنو صار من النادمتُ على قتل أخيو، لأنو لم ينتفف بقتلو، فللاً عن أف قتل الابن يثتَ غلب والديو وإخوتو فكاف ندمو لذذه الأسباب، لا لكونو معصية. الثالث: أف ندمو أاف لأجل أنو ترأو بالعراء استخفافاً بو بعد قتلو .. فكاف ندمو لذلك، لا لأجل الخوؼ من الله تعالى، فلا جرـ أف لم ينفعو ذلك الندـ"26 . وقد اختلك أىل العلم في ابتٍ آدـ الدذأورين، ىل أانا لصلبو أو لا ؟ فذىب الجمهور إلى الأوؿ، وذىب الحسن واللحاؾ إلى الثاني، وقالا: إنهما أانا من بتٍ إسرائي، فلر ب بهما الدثل في إبانة حسد 25 فتح القدير: 2/32، وانظر القرط: 6/140 . 26 الفخر الرازي : 6/202 .
عدد الصفحات ١٠اليهود، وؾانت بينهما خصومة فتقربا بقربانتُ، ولم تكن القرابتُ إلا في بتٍ إسرائيل، والحق أف ىذا ألاـ بعيد عن الصواب. قاؿ ابن عطية: "وىذا وىم، أي من الحسن واللحاؾ إذ أيك يجهل صورة الدفن أحد من بتٍ إسرائيل حتى يقتدي بالغراب في ذلك "27 . ولكن ما ىو سبب تقدنً ولدي آدـ عليو السلاـ لذذين القربانتُ، وىو قرباف أل منهما؟ وأيك علما أنو تقبل من أحدهما دوف الآخر؟ وأيك تم تنفيذ ىذه الجريدة وىي الأولى من نوعها على ظهر ىذه الأرض؟ ومتى وأين وقعت؟ وما ىو اسم أل من ىذين الاثنتُ؟ أسئلة أثتَة لم يعطها القرآف أدنى اىتماـ، لأنو لا تتعلق بها فائدة، وإنما رأز القرآف على مواطن العظة والاعتبار التي تفيد البشرية الدعذبة لو أنها أرادت لنفسها الذداية والاستقامة على الطريق بتطبيق شريعة الله . ولكن الدفسرين قد أثاروا بعض ىذه الأسئلة، وذأروا الإجابة عليها أقوالاً عديدة، واستندوا إلى روايات لا تعلم صحتها وجلها منقوؿ عن أىل الكتاب : فمثلاً يقوؿ صاحب روح الدعاني: "أخرج ابن جرير عن لراىد وابن جريج أف قابيل لم يدر أيك يقتل ىابيل، فتمثل لو إبليس اللعتُ في ىيئة طتَ فأخذ طتَاً فوضف رأسو بتُ حجرين فشدخو فعلمو القتل، فقتلو وىو مستسلم"، ويقوؿ أذلك : "واختلك في موضف قتلو، فعن عمرو الشيباني عن أعب الأحبار أنو قتل على جبل دير الدراف، وفي رواية عنو أنو قتل على جبل (قاسيوف) وقيل: عند عقبة حراء, وقيل: بالبصرة، في موضف الدسجد الأعظم "(28 ) . وأذلك ذأر الدفسروف روايات أثتَة أهذه يجيبوف بها على الأسئلة التي تثار حوؿ ىذه القصة القرآنية الدنزلة بالحق من عند الله رب العالدتُ، لبياف أف الحسد يجر على صاحبو خزي الدنيا وعذاب الآخرة، ويجر صاحبو على البغي وقتل النفس التي حرـ الله قتلها إلا بالحق . قاؿ صاحب الدنار: "ولكن ىذه الرواية من الأخبار الإسرائيلية، وقد اختلفت فيها روايات السلك، وبعلها يوافق ما عند اليهود، وبعلها يخالفو، وليس فيها شيء مرفوع إلى النبي صلى الله عليو وسلم يعوؿ عليو"29 . 27 انظر: فتح القدير: 2/30 . 28 الآلوسي: 6/114-115 . (29) تفستَ الدنار: 6/343 .
عدد الصفحات ١١ا ترشد إل القص لات و بر 1 - الناس جبلوا على التباين والاختلاؼ وذلك يفلي إلى البغي والحسد وإراقة الدـ ظلماً وعدواناً . 2 – أف الحسد مرتعو وخيم، ويجلب على صاحبو خزي الدنيا وعذاب الآخرة . 3 – أف الله لا يتقبل الأعماؿ إلا من عباده الدتقتُ الدخلص. 4 – أف خوؼ الله تعالى يحجز الإنساف عن لزارـ الله ومقابلة الشر بمثلو، ويلبط سلوأو وتصرفاتو وفق ما شرع الله . 5 – حرمة الدماء بغتَ حق، ووجوب الحفاظ عليها، وعدـ الاعتداء على أحد، لأف حياة الإنساف لذا حرمتها العظيمة في نظر الإسلاـ الحنيك . 6 – وجوب لسالفة النفس الأمارة بالسوء ؛ لأنها تزين لصاحبها الشرور، وتغريو بالنكرات , حتى تورده موارد الذلكة والبوار . 7 – في اشتماؿ القرآف على ىذه القصة دليل على صدؽ لزمد صلى الله عليو وسلم في دعوى الرسالة، فتكوف ىذه القصة حجة على أىل الكتاب الذي ضلوا على علم وجحدوا عن بينة مصداقاً لقوؿ الله فيهم: {السَّذِ َ تـَ ـلْ َاهُمُ اللْكِ َابَ ـَعلْرِفُونَ ُ كَمَا ـَعلْرِفُو َ أَ ـلْ َااَهُملْ وَإِ سَّ فَرِ قاً ِ ـلْهُملْ لَ َكلْ ُمُو َ اللْ َقسَّ وَهُملْ ـَعلْ َمُو َ } (البقرة :146) . 8 – أف الحسد الذي صرؼ اليهود عن رسوؿ الإسلاـ وحملهم على عداوتو، عريق في الآدمي فالداء قدنً والشر أصيل، وإف أاف اليهود الدعاصروف لرسوؿ الله صلى الله عليو وسلم قد ورثوا عن أسلافهم من ىذا الداء أأبر حظ وأوفر نصيب والله أعلم. وصلى الله على نبينا لزمد النبي الأمي، وعلى آلو وصحبو ومن دعا بدعوتو واىتدى بهديو إلى يوـ الدين.
عدد الصفحات ١٢