مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 4 إسهام القراءات والتجويد في الدرس الصوتي العربي على المستوى المصطلحي والموضوعي والتحليلي د. غنية بوحوش ملخص : للقراءات القرآنية والتجويد الفضل الأول ، والعظيم في نشأة وتطور الدرس الصوتي العربي ، فهي التي كانت سببا في وجوده ، وهي التي أمدته بالمصطلح ، والموضوع والمادة العلمية ، وهي التي أمدته بعد ذلك ، بالحياة ، وضمنت له الخلود ، لاتصاله المباشر بالقرآن الكريم وقراءاته المتعددة . والذي يطالع كتب الأولين من علماء القراءات والتجويد ليقف منبهرا ، وهو يراها طافحة بالمصطلحات الصوتية الدقيقة ، والمادة العلمية العميقة الشاملة : وصفا وتفسيرا وتعليلا وتحليلا ، كل ذلك في غياب تام للأجهزة والتقنيات الحديثة ، ما يدل على امتلاكهم لحس صوتي مرهف ، جعل الآخرين يسيرون على خطاهم ويفيدون من جهودهم . Abstract : Readings and Quranic recitation have the first and the Great role in the origins and evolution of the Arab voice lesson. They were the main cause of its existence. They gave it the term,the subject, the scientific article and life after that, and they ensured its immortality for their direct contact with the Holy Quran and its multiple readings. Anyone who reads the ancient scientists’s books of readings and intonation, will be really impressed, seeing them full of exact phonetic terms and global,deep scientific article in description, explanatio n, justfication and analysis. All this in complete absence of computers and modern technologies. This indicates their possession of a sensible phonetic sensation. That what Made others precisely suit them and benefit of their efforts. العلاقة بين الدراسات الإسلامية عموما والقرآنية خصوصا واللغة العربية ، علاقة وطيدة ، بل إنها تكاد تكون علاقة عضوية ، بحيث لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر ، فإن كان القرآن الكريم لغة ال عربية الأول ، فهو من جهة أخرى الكتاب الذي ، لا يمكن فهمه والوقوف على عجائبه كلها بعيدا عن فهم اللغة العربية ، والتمكن منها بجميع مستوياتها . وعليه فإنه ليس من العجيب أبدا أن تنشأ العديد من الدراسات اللغوي ة وتترعرع في ظلال القرآن الكريم ، ومن ذلك الدراسات الصوتية ، التي نشأت خدمة للقرآن الكريم وحفظا له من التحريف والتبديل ، واتسمت بسبب ذلك بقدر كبير من الدقة والعمق والشمول . ولم يكن للدراسات القرآنية ممثلة في علم القراءات والتجويد إسهام في الدرس الصوتي الحديث فحسب ، بل كان لها فضل السبق والتأسيس ، والإمداد بالمصطلح والموضوع والمادة العلمية ؛ ووصف الظواهر الصوتية وتعليلها ، ولقد ظهر الدرس الصوتي العربي مبكرا جدا سابقا بذلك الدرس الصوتي الغربي ، _وهي حقيقة يتردد علماء الغرب في الاعتراف بها _،ومنهم المستشرق الألماني " برجشتراسر " الذي قال : " لم يسبق
عدد الصفحات ١مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 5 الأوروبيفي هذا العلم إلا قومان العرب والهنود"1 ، وقال فيرث: " إن علم الأصوات نما وشب في خدمة لغتين مقدستين هما السنسكريتية والعربية "2 . وتعود تباشير نشأة الدرس الصوتي العربي إلى ما قام به أبو الأسود الدؤلي ، وهو يصف وضعية الفم والشفاه عند النطق بالحركات ، ولئن عُدَّ فعله ذلك فعلا نحويا ، فإنه لم يكن فعلا نحويا صرفا ، بل كان أيضا فعلا صوتيا بامتياز ، إذ كان يصف هيئة أعضاء النطق خصوصا الشفتين ، واختلافها عند النطق بالحركات الثلاث 3 ، والخليل وضع معجمه على أساس صوتي محض ، ويتلوه كتاب سيبويه ؛ فيصول ويجول في ميدان الأصوات معللا ومفسرا للعديد من الظواهر الصوتية، والاتجاه الصوتي في مؤلفات ابن جني _سر صناعة الإعراب والخصائص والمحتسب _؛ لا تخفى على أحد ، فهو الذي لم يكتف فقط بوصف مخارج الحروف وتعليل بعض الظواهر الصوتية وتحليلها ، بل راح يلتمس العلاقة بين الأصوات والمعاني ، وقد عقد لذلك بابا كاملا سماه : " باب تصاقب الألفاظ لتصاقب المعاني "4 . وتوالت المؤلفات والمصنفات بعد ذلك ؛ وكثرت ، ورأى بعضهم ، أن يخصوا أحكام القراءات والتجويد بالتأليف، فاستلت موضوعات عديدة كانت تحفل بها كتب اللغة كالإدغام والإمالة وغيرها ، لا لإحداث القطيعة مع اللغة ؛ وإنما لتنحو تلك المؤلفات منحى الاختصاص ، فكان أن أَث ْرَت الدرس اللغوي الصوتي على المستوى المصطلحي والموضوعي والتحليلي والتعليلي . و هذا مقال ، حاول بيان بعض تجليات هذه الحقيقة الساطعة ، وذلك من خلال : أولا : أثر علم القراءات والتجويد في الدرس الصوتي العربي على المستوى المصطلحي : إن الدارس لما ألف في القراءات والتجويد ليقف بوضوح على ثرائها فيما يتعلق بالمصطلح الص وتي ، وهذه نماذج مبينة : أ_تسمية جهاز النطق : ولأن عملية التصويت تقوم بها مجموعة من الأعضاء ، فقد أطلق بعض علماء التجويد عليها مصطلح "آلة النطق " ؛ كما فعل عبد الوهاب القرطبي ( ت 264 ه) إذ قال : " فأما وجوب إظهار النون عند حروف 1 _التطور النحوي للغة العربية ، برجشتراسر ، أخرجه وصححه وعلق عليه ، رمضان عبد التواب ، مكتبة الخانجي ، القاهرة ، ط 3 سنة4241 ه/ 4991 م ،ص 44 . 2 _اللغة وأنظمتها بين القدماء والمحدثين ، نادية رمضان النجار ، مراجعة وتقديم عبده الراجحي ، دار الوفاء لدنيا الطباعة والنشر ، د ط د ت ، ص 31 . 3 _ينظر المحكم في نقط المصاحف ، أبو عمرو الداني ، تح عزة حسن ، دمشق سنة 4961 م ، ص 6 . 4 _الخصائص ، أبو الفتح عثمان بن جني ، دار الكتب العلمية ، بيروت– لبنان ، ط 4 سنة4242 ه/ 4113 م، ج 4، ص 299 .
عدد الصفحات ٢مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 6 الحلق فلأن حروف الحلق تباعدت عن مخرج النون ، وهي محتاجة إلى تمكن آلة الن طق بها "1 ، وسماها بعضهم آلةَ المنطق ، وهو فعل ابن البنا 2 (ت214 ه) ، والأعضاءَ كما فعل مكي بن أبي طالب ، وهو القائل :" والألف أخفى هذه الحروف ، لأنها لا علاج لها اللسان فيها عند النطق بها ، ولا لها مخرج تنسب على الحقيقة إليه ... ولا يعتمد اللسان عند خر وجها على عضو من أعضاء الفم " 3 . ويسمي المحدثون أعضاء النطق بجهاز النطق أو الجهاز النطقي ، وهي تسمية غير بعيدة عن الأولي ن ، فالجهاز والآلة كلمتان متقاربتان معنى ، غير أن الجهاز يتكون من مجموعة من الآلات4 ، ومن جمال اللغة العربية أن اللفظ المفرد قد يطلق ويراد به الجمع ، وعليه فإطلاق لفظ آلة النطق عندئذ تكون والجهاز بمعنى واحد تماما . ب_تسمية الأصوات اللغوية" الصوامت " بالحروف ، والصوائت بالحركات : سمى علماء القراءات والتجويد الأصوات اللغوية بالحروف ، جاء في الرعاية : " الحروف التي يؤلف منها الكلام تسعة وعشرون حرفا ... "5 ، وفي التمهيد: " فالتجويد هو حلية التلاوة ، وزينة القراءة ، وهو إعطاء الحروف حقوقها"6 . في حين سموا الصوائت " حركاتٍ " ، قال مكي : " باب معرفة ما السابق من الحروف والحركات وعلل ذلك"7. ج_ذكر مخارج الحروف وصفاتها وتلقيبها بحسب ذلك : أطلق علماء القراءات والتجويد على الموضع الذي ينشأ ويولد منه الصوت اللغوي مصطلح : 1 _الموضح في التجويد ، عبد الوهاب القرطبي ، تح غانم قدوري حمد ، دار عمار عمان الأردن ، ص 411 . 2 _الدراسات الصوتية عند علماء التجويد ، غانم قدوري حمد ، دار عمار ، عمان _الأردن ، ط 3 سنة4241 ه/ 4111 م ،ص 43 . 3 _الرعاية لتجويد القراءة وتحقيق لفظ التلاوة ، مكي بن أبي طالب القيسي ، دار الصحابة للتراث ، ط سنة 4344 ه/ 4114 م ،ص 24 _23 .ويذكر أن مكيا عد كتابه الرعاية الأول في موضوعه ، ونسب لنفسه فضل السبق في التأليف التجويد فقال : " وما علمت أن أحدا من المتقدمين سبقني إلى تأليف مثل هذا الكتاب ، ولا إلى جمع ما جمعت فيه من صفات الحروف وألقابها ومعانيها ... " الرعاية ، ص 3 ، في حين نسب ابن الجزري السبق في التأليف في التجويد لأبي مزاحم موسى بن عبيد الله الخاقاني ، وكان مؤلفه قصيدة رائية شرحها أبو عمرو الداني . ينظر غاية النهاية في طبقات القراء ، محمد بن الجزري ، دار الكتب العلمية بيروت - لبنان ، ط 3 سنة 4214ه /4914 م ، ج 4 ص344 . 4 _ينظرالمصطلح الصوتي في الدراسات العربية ، عبد العزيز الصيغ ، دار الفكر بيروت ، ط 4 سنة4244 ه/ 4111 م ، 43 . 5 _الرعاية ، مكي ، ص 42 . 6 _التمهيد في علم التجويد ، محمد بن الجزري ، تح غانم قدوري حمد ، مؤسسة الرسالة ، بيروت ، ط 4 سنة4244 ه/ 4114 م ، ص 99 . 7 _الرعاية ، مكي ، ص 41 .
عدد الصفحات ٣مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 7 "المخرج " ، قال مكي : " الحروف ... لها مخارج تخرج منها عند النطق بها من آخر الصدر الأعلى وما يليه من الحلق والفم إلى أطراف الشفتين وإلى الخياشيم ، لا يخرج حرف من مخرج غير مخ رجه إلا بتغير لفظه "1 . والمتقدمون كلهم اتفقوا على هذا المصطلح - وتبعهم المحدثون - غير أنهم اختلفوا في عددها ، فالخليل - ومن تبعه كابن الجزري - جعلوها سبعة عشر مخرجا ، في حين هي عند سيبويه والشاطبي ستة عشر مخرجا ، وعند الفراء ويحيى وقطرب أربعة عشر مخرجا 2 . وبعد بيان عدد المخارج ؛ راح علماء القراءات والتجويد يوزعون الحروف عليها ، ويلقبونها وفق تلك المخارج ، قال ابن الجزري : " ويحصر المخارج الحلق واللسان والشفتان ، ويعمها الفم "3 ، وقال أيضا: " اعلم أن ألقاب الحروف عشرة ، لقبها بها الخليل بن أحمد في أول كتاب العين : الأول منها : الحروف الحلقية وهي ستة : الهمزة والهاء والحاء والعين والخاء والغين ، هذه الحروف تخرج من الحلق فنسبهن إلى الموضع الذي يخرجن منه ... الثاني : اللهوية وهما حرفان القاف والكاف سميا بذلك لأنهما منسوبان إلى اللهاة ... الثالث : الشجرية ، وهي ثلاثة أحرف الجيم والشين والياء ، سمين بذلك لأنهن نسبن إلى الموضع الذي يخرج منه ، وهو مفرج الفم ، قال الخليل الشجر مفرج الفم أي مفتحه ... الرابع : الأسلية ، وهي ثلاثة أحرف الصاد والسين والزاي ، سموا بذلك لأنهن نسبن إلى الموضع الذي يخرجن من ه، وهو أسلة اللسان ، أي مستدقه ... الخامس : النطعية وهي ثلاثة الطاء والدال والتاء ، سموا بذلك لأنهن يخرجن من نطع الغار الأعلى ، وهو سقفه ، فنسبن إليه . السادس : اللثوية وهي ثلاثة الظاء والذال والثاء ، سماهن بذلك الخليل ، نسبهن إلى اللثة ، لأنهن يخرجن منها ... السابع : الذلقية ... وهي ثلاثة الراء واللام والنون ، سماهن الخليل بذلك لأنهن ينسبن إلى الموضع الذي منه مخرجهن ، وهو طرف اللسان ، وطرف كل شيء ذلقه . الثامن : الشفهية ويقال الشفوية ، وهي ثلاثة الفاء والباء والميم ، سموا بذلك لأنهن ينسبن إلى الموضع الذي منه مخرجهن، وهو بين الشفتين . التاسع الجوفية وهي ثلاثة الواو والألف والياء سموا بذلك لأنهن ينسبن إلى آخر انقطاع مخرجهن وهو الجوف ... 1 _الرعاية ، مكي ، ص 3 . 2 _ينظر التمهيد ، ابن الجزري ، ص 443 ،والجامع لأحكام روايتي ورش وقالون عن الإمام نافع ، مصطفى أكرور ، دار الإمام مالك ، الجزائر ، ط 4 سنة4244 ه/ 4114 م ، ص 424 . 3 _التمهيد ، ابن الجزري ، ص 443 .
عدد الصفحات ٤مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 8 العاشر: الهوائية ، وهي الجوفية ، وتقدم شرحها "1 . وكما لقبوا الحروف نسبة إلى مخارجها ، فقد لقبوها أيضا نسبة إلى صفاتها ، وعقدوا لذلك أبوابا عنونوها بنحو ما جاء في الرعاية : " باب صفات الحروف وألقابها وعللها "2 . وقال مكي متحدثا في صفات الحروف: " لم أزل أتتبع ألقاب الحروف التسعة والعشرين وصفاتها وعللها ، حتى وجدت من ذلك أربعة وأربعين لقبا ... وهذه الصفات والألقاب إنما هي طبائع في الحروف خلقها الله عز وجل على ذلك ، فسميت تلك الطبائع التي فيها بما نذكر من الألقاب اصطلاحا ، ولقبت به اتفاقا ... الأول : الحروف المهموسة ، وهي عشرة أحرف ، يجمعها هجاء قولك : " ... سكت فحثه شخص " ... الثاني : الحروف المجهورة ، وهي أقوى من المهموسة المذكورة ... الثالث : الحروف الشديدة ، وهي ثمانية أحرف يجمعها هجاء قولك : " أجدك قطبت " ... الرابع : الحروف الرخوة ، وهي ثلاثة عشر حرفا ، يجمعها قولك : " ثخذ ظغش زحف فصه ضس " ، وهي ماعدا الشديدة المذكورة وماعدا هجاء قولك : " لم يرعونا " ... الخامس : الحروف الزوائد ، وهي عشرة أحرف ، يجمعها هجاء قولك : " سألتمونيها " ... السابع : حروف الإبدال ، وهي اثنا عشر حرفا يجمعها هجاء قولك : " طال يوم أنجدته " ... التاسع : حروف الإطباق ، وهي أربعة أحرف الطاء والظاء والصاد والضاد ... العاشر : الحروف المنفتحة وهي خمسة وعشرون حرفا ، وهي ماعدا حروف الإطباق المذكورة ... الحادي عشر : حروف الاستعلاء ، وهي سبعة منها الأربعة الأحرف التي هي حروف الإطباق المذكورة ، والغين والخاء والقاف ... الثاني عشر : الحروف المستفلة وهي اثنان وعشرون حرفا ، وهي ماعدا الحروف المستعلية المذكورة ... الثالث عشر : حروف الصفير ، وهي ثلاثة الزاي والسين والصاد ... الرابع عشر : حروف القلقة ... وهي خمسة أحرف يجمعها قولك : " جد بطق " ... الخامس عشر : حروف المد واللين ، وهي ثلاثة أحرف الألف والواو ساكنة التي قبلها ضمة ، والياء الساكنة التي قبلها كسرة ... الحادي والعشرون : حروف الإمالة ، وهي ثلاثة أحرف : الألف والراء وهاء التأنيث ... الثاني والعشرون : الحروف المشربة ، ويقال لها المخالطة بكسر اللام وفتحها وهي ... نحو : الصاد بين الصاد والزاي ، وهمزة بين بين ... الثالث والعشرون : الحرف المكرر ، وهو الراء ... 1 _التمهيد ، ابن الجزري ، ص 99 _96 . 2 _الرعاية ، مكي ، ص 36 .
عدد الصفحات ٥مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 9 الرابع والعشرون: حرفا ا لغنة ، وهما النون والميم الساكنتان ... الخامس والعشرون : حرفا ا لانحراف ، وهما اللام والراء ... السادس والعشرون : الحرف الجرسي ، وهو الهمزة ... السابع عشر : الحرف المستطيل ، وهو الضاد ... الثامن والعشرون : الحرف المتفشي ، وهو الشين ... "1 . ولم يك تف علماء القراءات والتجويد بتسمية الحروف نسبة إلى مخارجها وصفاتها ، وإنما قاموا بعد ذلك بتصنيفها، فسموا ما اتحد منها مخرجا وصفة بالمتماثلة ، وما اتحد صفة واختلف مخرجا ، أو اتحد مخرجا واختلف صفة بالمتجانسة ، وما قربت مخارجها بالمتقاربة ، وما تباعدت مخرجا بالمتباعدة2 . فأغنوا بذلك المعجم الصوتي بمصطلحات هامة ؛ توظف في التحليل الصوتي ، وبيان علاقة الأصوات بعضها ببعض ، وهي : التماثل والتجانس والتقارب والتباعد . د _تسمية الظواهر الصوتية: لاحظ علماء القراءات والتجويد العلاقة بين الحروف تقاربا وتباعدا ، وتأثير بعضها في بعض ، وما ينشأ عن ذلك من ظواهر صوتية ، وكل ذلك مما له صلة بقراءة القرآن الكريم ، ثم أبدعوا في تسميتها ، قال ابن الجزري جامعا معظمها : " الباب الثالث : في أصول القراءة الدائرة على اختلاف القراءات : وهي التسمية والبسملة ، والمد واللين والمط و القصر ، والاعتبار والتمكين ، والإشباع والإدغام والإظهار والبيان والإخفاء والقلب ، والتسهيل والتخفيف ، والتشديد والتثقيل ، والتتميم والنقل والتحقيق ، والفتح ، والفغر ، والإرسال والإمالة والبطح والإضجاع ، والتغليظ والترقيق ، والروم والإشمام والاختلاس "3 . وفضلا عما ذكره ابن الجزري ، فهناك أسماء لظواهر صوتية أخرى وهي : التقليل وهي الإمالة الصغرى ، والتفخيم ، والإدغام الكبير والصغير ، والقلقة الكبرى والمتوسطة والصغرى ، والتقريب والإتباع ، والتحريك والإسكان ، والوقف والسكت والقطع . وهكذا فقد بدا واضحا كيف أن ا لمصنفاتِ القرائيةَ والتجويديةَ طافحة بالمصطلحات الصوتية . ثانيا : أثر علم القراءات والتجويد في الدرس الصوتي العربي على المستوى الموضوعي والتحليلي : لم يكن الدرس الصوتي عند علماء القراءات والتجويد ثريا على مستوى المصطلحات فحسب ، بل كان غنيا أيضا في موضوعاته وتحليلاته وتعليلاته ، لقد تناولوا الظواهر الصوتية ذات الصلة بقراءة القرآن وتفننوا في 1 _الرعاية ، مكي ، ص 36 ...21 . 2 _النشرفي القراءات العشر ، محمد بن الجزري ، دار الكتب العلمية بيروت لبنان ، ط 4 سنة4243 ه/ 4114 م ، ج 4 ص441 . 3 _التمهيد ، ابن الجزري ، ص 61 .
عدد الصفحات ٦مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 10 تفسيرها وتعليلها، ولم يفتهم أبدا الحديث عن الأصوات اللغوية وبيان علاقة بعضها ببعض ، وكل مصطلح صو مما تقدم هو وعاء يحمل موضوعا ومادة صوتية ؛ من الأهمية بمكان . ولقد وعى علماء القراءات والتجويد أهمية تفسير الظواهر الصوتية ذات الصلة بقراءة القرآن الكريم ، كوسيلة لبلوغ المرام في الوصول بالتلاوة إلى درجة الجودة والإتقان ، قال مكي : " وهذه الصفات من علامات الضعف ، كالهمس والخفاء ، فاعرف الصفات الضعيفة والصفات القوية ، ت َقْ وَ بذلك على تجويد لفظك بكتاب الله جل جلاله "1 ، وبين ابن الجزري ثمرة تصحيح القراءة وإتقانها وهي تحصيل التدبر المطلوب ، نافيا بذلك الزعم بأن العناية باللفظ انصراف عن المعنى ، بل إن العناية باللفظ الصحيح سبيل لتحصيل المعاني المرادة ، قال ابن الجزري بعد أن جع ل كلامه في فصل سماه ب " فيما يستفاد بتهذيب الألفاظ وما تكون الثمرة الحاصلة عند تقويم اللسان " : " اعلم أن المستفاد بذلك حصول التدبر لمعاني كتاب الله تعالى ، والتفكر في غوامضه ، والتبحر في مقاصده ، وتحقيق مراده جل اسمه من ذلك ، فإنه تعالى قال : ﭽ ﭲ ﭳ ﭴ ﭵ ﭶ ﭷ ﭸ ﭹ ﭺﭼ2 "3 . ووعيا منهم_علماء القراءات والتجويد _بدوائر الاشتراك والاختلاف بين العلوم ، فقد سموا ما تخصص وتمحض في بيان وذكر الحروف المختلف فيها بين القراء بكتب الرواية ، وما عللها وفسرها بكتب الدراية ، قال مكي : " فتلك كتب رواية ، وهذا كتاب دراية "4 . ودلائل منحى" الدراية " في كتب القراءات أجملها في الآتي : أولا : بيان العلاقة بين الحروف والحركات ، أي بين الصوامت والصوائت تحدث علماء القراءات والتجويد في الحروف والحركات ، وحاولوا تبيين أيهما أصل ، قال مكي : " اختلف النحويون وأهل النظر في الحرف والحركة أيهما قبل الآخر ؟ أو لم يسبق أحدهما الآخر في قوة النظر ؟ فقال جماعة : الحروف قبل الحركات ، واستدلوا على ذلك بعلل منها : ... وقال قوم : الحروف بعد الحركات ، والحركات أول ... وقال جماعة : الحروف والحركات لم يسبق أحدهما الآخر في الاستعمال ... "5 ، وبعد أن ساق أدلة كل فريق ، انتصر للرأي الأخير مقدما حججه ، وأنهى بقوله : " وهذا القول أولى من غيره "6 . وهكذا فواضح جدا كيف أنهم كانوا يحللون ويعللون ويحتجون ثم يرجحون . ثانيا : وصف مخارج الحروف وصفاتها بدقة متناهية ، وتصنيف الحروف وفقا للمخارج و الصفات . 1 _الرعاية ، مكي ، ص 31 . 2 _سورة ص الآية 49 . 3 _التمهيد ، ابن الجزري ، ص 91 _91 . 4 _الرعاية ، مكي ، ص 412 . 5 _الرعاية ، مكي ، ص 41 . 6 _الرعاية ، مكي ، ص 41 .
عدد الصفحات ٧مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 11 أولى علماء القراءات والتجويد مخارج الحروف والصفات عناية فائقة ، فقد حددوا موضع ولادة كل حرف من حروف العربية التسعة والعشرين _وقد تقدم ذكر ذلك_، واعتبرها ابن الجزري أول ما يجب أن يحرص قارئ القرآن على إتقانه فقال : إِذْ وَاجِب عَلَيْهِمُ محَُتَّمُ ق َبْلَ الشُّرُوعِ أَوَّلا أَنْ ي َعْلَمُوا مخََارِجَ الحُرُوفِ وَالصِّفَاتِ لِي َلْفِظُوا بِأَفْصَحِ اللُّغَاتِ 1 وبالغوا في الوصف الدقيق لمخرج كل حرف على حدة ، كي يتميز كل حرف عما سواه ، وتسلم بذلك المعاني ، قال مكي : " لا يخرج حرف من مخرج غير مخرجه إلا بتغير لفظه ..." 2 ، وهو نص صريح في الدلالة على المعرفة الدقيقة بخصائص الصوت اللغوي ، فمتى تغير موضع الولادة تغير الصوت على مستوى النطق والسماع ، وتغيرت المعاني أيضا . وكما اعتنوا بمخارج الحروف اعتنوا أيضا بصفاتها وصفا وتحليلا ، وما يترتب عنه ا ، وبيان أهميتها وصلتها بالمعاني، قال ابن الجزري : " ولذلك اختلف الصوت باختلاف المخارج واختلاف صفاتها ، والاختلاف هو خاصية حكمة الله تعالى المودعة فينا إذ بها يحصل التفاهم ، ولولا ذلك لكان الصوت واحدا بمنزلة أصوات البهائم التي هي من مخرج واحد على صفة واح دة فلم يتميز الكلام ولا يعلم المراد ، فبالاختلاف يعلم وبالاتفاق يعدم "3 ، وفي كلامه بيان لأهمية العناية بالمخارج والصفات ؛ فبها تتميز الألفاظ والمعاني ، وقال مكي : " ومعنى الحرف المهموس ، أنه حرف جرى مع النفس ، عند النطق به لضعفه ، وضعف الاعتماد عليه عند خ روجه ... وبعض هذه الحروف المهموسة أضعف من بعض ، فالصاد والخاء أقوى من غيرهما ، لأن في الصاد إطباقا واستعلاء وصفير ا ، وكل هذه الصفات من صفات القوة ، وفي الخ اء استعلاء "4 ، إنه هنا يصف صفة الهمس_وقد قدم ذكر الحروف التي تتصف بها _، وصنفها بكونها من صفات الضعف ، ثم فاضل بين الحروف المهموسة ، فلم يجعلها كلها على درجة واحدة من الضعف بناء على اتصافها بصفات أخرى مصنفة في صفات القوة . وهكذا فقد تفنن علماء القراءات والتجويد في وصف الحروف مخرجا وصفة ، وتصنيفها قوة وضعفا وفقا لذلك، وكذا بيان العلاقة بين الحروف مناسبة ومباينة ، قال مكي : " قويت نيتي في تأليف هذا الكتاب وجمعه في تفسير الحروف ومخارجها ، وصفاتها وألقابها وبيان قويها وضعيفها ، واتصال بعضها ببعض ، ومناسبة بعضها لبعض ، ومباينة بعضها لبعض "5 ، وقال في موضع آخر: " فالحروف تكون من مخرج واحد ، وتختلف صفاتها ، 1 _المقدمةفيما يجب على قارئ القرآن أن يعلمه ( متن الجزرية )، محمد بن الجزري ، منشورات مكتبة اقرأ ، قسنطينة ، ط 4 سنة4234 ه/ 4141 م ، ص49 . 2 _الرعاية ، مكي ، ص 3 . 3 _التمهيد ، ابن الجزري ، ص 444 . 4 _الرعاية ، مكي ، ص 36 . 5 _الرعاية ، مكي ، ص 2 .
عدد الصفحات ٨مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 12 ، فيختلف لذلك ما يقع في السمع من كل حرف ، وهذا تقارب بين الحروف من جهة المخرج ، وتباين من جهة الصفات ، وتكون الحروف من مخرجين مت فقة الصفات ، فهذا أيضا تقارب بين الحروف من جهة الصفات وتباين من جهة المخرج ، فافهم هذا فعليه مدار الحروف كله ا "1 . ثالثا: وصف الظواهر الصوتية وتفسيرها وتعليلها . تحفل كتب القراءات والتجويد بوصف الظواهر الصوتية وتعليلها ، وفي الآتي بيان لذلك : أ_تعريف وتعليل ظاهرة الإدغام : من الظواهر الصوتية التي اهتم بها علماء القراءات والتجويد ؛ ظاهرة الإدغام ، وأفردها بالتأليف أبو عمرو البصري 2 ، وأبو عمرو الدا 3 ، وعرف ابن الجزري الظاهرة فقال : " الإدغام هو اللفظ بحرفين حرفا كالثاني مشددا"4، ثم واصل حديثه عنالإدغام ؛ فذكر أقسامه وأسبابه وشروطه وموانعه ، فقال : " وينقسم إلى كبير وصغير ، فالكبير ما كان الأول فيه متحركا ... والصغير هو الذي يكون الأول منهما ساكنا"5، ولا يكتفي ببيان الفرق بينهما بل يسترسل في تعليل تسمية الكبير فيقول : " وسمي كبيرا لكثرة وقوعه إذ ا لحركة أكثر من السكون ، وقيل لتأثيره في إسكان المتحرك قبل إدغامه ، وقيل لما فيه من الصعوبة ... "6 ، ويقول في موضع آخر: " وأما أحكام الإدغام فإن له شرطا وسببا ومانعا ... "7 ، ثم يعرض لها واحدا واحدا مع التمثيل، ليقدم بذلك صورة كاملة عن ظاهرة ، هي من أهم الظ واهر في اللسان العربي ، ظاهرة شاعت وذاعت عند العرب ، حتى قال فيها قال أبو عمرو البصري : " الإدغام كلام العرب الذي يجري على ألسنتها ولا يحسنون غيره "8 . وقال السيرا_معللا بعض أوجه الإدغام في قراءة أبي عمرو البصري المتواترة _ " :ومما يحتج به لأبي عمرو و غيره ممن أدغم الراء في اللام أن الراء إذا أدغمت في اللام صارت لاما ولفظ اللام أسهل وأخف من أن 1 _الرعاية ، مكي ، ص 91 . 2 _وكتابه بعنوان الإدغام الكبير في القرآن الكريم . 3 _وكتابه أيضا بعنوان الإدغام الكبير في القرآن الكريم . 4 _النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص449 . 5 _النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص446 . 6 _النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص449 . 7 _النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص441 . 8- النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص446 .
عدد الصفحات ٩مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 13 تأتي براء فيها تكرير وبعدها لام وهي مقاربة للراء فيصير كالنطق بثلاثة أحرف من مخرج واحد فطلب التخفيف بذلك"1 ، وقال في موضع آخر: " وإدغام الضاد في الشين عندي ليس بالمنكر لأنها مقاربة للشين في المخرج والشين أشد استطالة من الضاد وفي الشين تفش ليس في الضاد وعلى أن سيبويه قد حكى (اطجع) بإدغام الضاد في الطاء فدل ذلك في 2 جواز إدغامها في الشين لأنها أقوى منها وأفشى "3. ب_تعريف الهمز تحقيقا وتخفيفا وتعليل ذلك: من الظواهر التي شغلت حيزا كبيرا في كتب القراءات والتجويد ، ظاهرة الهمز ، فقد كان الهمز حاضرا فيها من حيث بيانُ مخرجها وصفاتها وما تؤول إله حال التغيير ، قال مكي : " الهمز حرف ثقيل ، فغيرته العرب لثقله ، وتصرفت فيه ما لم تتصرف في غيره من الحروف ، أتت به على سبعة أوجه مستعملة في القرآن الكريم والكلام ، جاءت به محققا ومخففا ، ومبدلا بغيره ، وملقى حركته على ما قبله ، ومحذوفا ومثبتا ، ومسهلا بين حركته والحرف الذي منه حركته "4 ، وهذا نص جمع بين بيان حقيقة الهمز ، وأنه واحد من حروف العربية ، وذكر واحدة من أهم خصائصه وهو الثقل ، وفعل العرب فيه بسبب ذلك وهو الميل للتغيير لطلب الخفة . وقال الداني ملخصا ما سبق في أبيات : الهَمْزُ فِيهِ كُلْفَة وَت َعَبُ لأَنَّهُ حَرْف شَدِيد صَعْبُ يخُرِجُهُ النَّاطِقُ بِاجْتِهَادِ مِنْ صَدْرِهِ وَق ُوَّةِ اعْتِمَادِ يَعِيبُهُ الكُلْفَةُ وَالت َّقَطُّع إِذْ هُوَ كَالسُّعْلَةِ وَالت َّهَوُّع لِذَاكَ فِيهِ الن َّقْلُ وَالتَّسْهِيلُ بِالجعْلِ ب َينَْ ب َينَْ وَالتَّبْدِيلُ 5 فأما التحقيق فهواللفظ بالهمز بإخراجه من مخرجه وإعطائه صفاته بحركة كاملة إن كان متحركا ، وساكنا إن غير متحرك ، وأما الإبدال فقلبه إلى حرف مد أو إلى واو أو ياء خالصتين ، وأما الحذف فإسقاطه من الكلام البتة ، وأما التسهيل فجعل لفظها بين الهمزة والحرف الذي هو أصل لحركتها ، قال الشاطبي : " وَالإبْدَالُ محَْض وَالمسَهَّلُ ب َينَْ مَا هُوَ الهمْزُ وَالحرْفُ الذِّي مِنْهُ أُشْكِلا "6 . 1- إدغام القراء إدغام القراء ، أبو سعيد الحسن بن عبد الله السيرافي ؛ تحقيق محمد علي عبد الكريم الرديني، دار الشهاب باتنة الجزائر ؛ ط 4 سنة4211ه/ 4911 م، ص 24 . 2- لعل الصواب: فدل ذلك على – بدلا من في - . 3- إدغام القراء ، السيرافي ، ص 26 – 21 . 4 _الرعاية ، مكي ، ص 49 . 5 _المنبهة ، أبو عمرو الداني ، ت لحسن بن أحمد وكاك ، د ن ، ط 4 سنة4231 _4119 م ، ج4 ص649 . 6 _حرز الأماني ووجه التهاني في القراءات السبع ( الشهيرة بالشاطبية ) ، القاسم بن فيره الشاطبي ، مكتبة دار الهدى ، المدينة المنورة ، ط 3 سنة4241 ه/ 4996 م ، ص41 .
عدد الصفحات ١٠مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 14 ولأن الهمزة عرضة للتبديل والتغيير طلبا للخفة ، لم يتكلف العرب لها صورة خاصة في الخط ، بل جعلوا صورتها في الكلمة ياء أو واوا أو ألفا ، بحسب ما تؤول إليه ، وهذه عبقرية كتابية وصوتية امتاز العرب بها ، فغياب صورة الهمزة في الخط العربي لم يكن قصورا أو سهوا ؛ وإنما كان قصدا ، وحتى الصورة التي جعلها الخليل لها _وهي رأس الع _ لا تكتب إلا على أحد هذه الحروف الثلاث ، ولا تكتب منفردة إلى حالة ت طرف الهمزة وقبلها ساكن نحو : ملء ، خبء ، ماء ، سناء ، قال مكي : " فلما لم تثبت الهمزة في كلام العرب على لفظ واحد ، كما ثبتت كل الحروف ، وغيرت هذا التغير المذكور دون سائر الحروف ، لم يكن لها صورة ثابتة في الخط ، غير مختلفة ، كما لم تثبت هي اللفظ على سَنَنٍ واحد . وإنما استعير لها صورة الألف والياء والواو ، دون صورة غيرها من الحروف ، لأن الهمزة مؤاخية لهن ، إذ يبدلهن منها في كثير من الكلام ، تقول : رأس وبؤس وبئر ، فإذا خففت الهمزة ، أبدلت منها حرفا من جنس الحركة التي قبلها ، تبدل أبدا في الساكنة مع الفتح ألفا ، ومع الضم واوا ، ومع الكسر ياء ، فقول : راس وبوس وبير ..."1 ، وهكذا يكون مكي قد علل صوتيا لغياب صورة الهمزة في الخط العربي ، وهذا حس صوتي متميز جدا . ج _تعريف ظاهرة الإمالة وتعليلها: قال ابن الجزري معرفا الإمالة بنوعيها الكبرى والصغرى : " والإمالة أن تنحو بالفتحة نحو الكسرة وبالألف نحو الياء كثيرا وهو المحض ، ويقال له الإضجاع ، ويقال له البطح وربما قيل له الكسر أيضا ، وقليلا وهو بين اللفظين ويقال له التقليل والتلطيف وبين بين "2 . وفي بيان أسبابها قال: " فأسباب الإمالة عشرة ترجع إلى شيئين أحدهما الكس رة والثاني الياء "3 ، وقوله عشرة يحصرها في اثنين دليل على فقه دقيق بالأسباب الصوتية الحقيقة للإمالة . وللإمالة فائدتان إحداهما صوتية ؛ وهي سهولة اللفظ وذلك أن اللسان ؛ يرتفع بالفتح وينحدر بالإمالة ، والانحدار أخف على اللسان من الارتفاع 4 ، وكذا إيجاد نو ع من الانسجام والتناسب بين الأصوات المتجاورة فلا يكون ثمة نشاز ، قال المارغني : " والغرض الأصلي من الإمالة تناسب الأصوات وتقاربها ، لأن النطق بالياء والكسرة مستفل والألف متصعد مستعل ، وبالإمالة تصير الأصوات من نمط واحد في ال تسفل والانحدار "5 . والثانية صرفية ، وهي الدلالة على أن أصل الألف ياء أو التنبيه إلى انقلابها إلى الياء في حالات تصريفية معينة ، وقد دل الداني فيما نقله عنه ابن الجزري على هاتين الفائدتين بقوله : " وأختار الإمالة الوسطى التي هي بين بين لأن الغرض من الإمالة حاصل بها وهو الإعلام بأن أصل الألف الياء أو التنبيه على انقلابها إلى الياء في موضع أو مشاكلتها 1 _الرعاية ، مكي ، ص 49 . 2 _النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص42 . 3 _النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص49 . 4- ينظر النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص49 . 5- النجومالطوالع على الدرر اللوامع في أصل مقرأ الإمام نافع ، إبراهيم المارغني ، د ط د ت ، ص 446 .
عدد الصفحات ١١مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 15 للكسر المجاور لها أو الياء"1 ، وهو يريد بالمشاكلة تأثر الألف بمجاورة الكسر أو الياء فأميلت لإحداث الانسجام الصوتي . د_تعليل القراءة بالكسر في هاء الكناية: الأصل في هاء الكناية أن تتحرك بالضم ، وقد تكسر إذا سبقت بكسر أو ياء ساكنة للمناسبة والإتباع الحركي ، قال ابن الجزري : " وهاء الكناية عند القراء عبارة عن هاء الضمير التي يكنى بها عن الواحد المذكر الغائب وأصلها الضم إلا أن تقع بعد كسرة أو ياء ساكنة فتكسر لذلك "2 . ثالثا: خصائص المنهج الصوتي لدى علماء القراءات والتجويد بناء على ما تقدم ، فإنه يتجلى واضحا أن للدرس الصوتي العربي خصائصَ ومميزاتٍ ، وهي : أولا : الخلوص الصوتي لقد عمد علماء التجويد إلى كتب النحو والصرف والقراءات ؛ واستلوا منها المباحث الصوتية المبعثرة فيها ، فجمعوها ، وأسسوا بها علما قائما بذاته أطلقوا عليه علم التجويد ، وجعلوه من أعظم علوم القرآن وأجلها ، قال ابن الجزري : " فإن أولى العلوم ذكرا وفكرا ، وأشرفها منزلة وقدرا ، وأعظمها ذخرا وفخرا ، كلام من خلق من الماء بشرا ، فجعله نسبا وصهرا ، فهو العلم الذي لا يخشى معه جهالة ، ولا يغشى به ضلالة ، وإن أولى ما قدم من علومه معرفة تجويده وإقامة ألفاظه "3 . والمتأمل في مؤلفات التجويد يجدها مؤلفات صوتية صرفة ، مصطلحا وموضوعا ، مادة ومنهجا . ثانيا : الشمول تميز الدرس الصوتي العربي لدى علماء التجويد والقراءات بالشمول ؛ فهو درس شامل كامل ، مصطلحاته دقيقة وموضوعاته بينة ، ولقد أتى على المباحث الصوتية جميعها ، قال الحسن بن قاسم المرادي ( ت 129 " : )تجويد القراءة يتوقف على أربعة أمور : أحدها : معرفة مخارج الحروف . والثاني : معرفة صفاتها . والثالث : معرفة ما يتجدد لها بسبب التركيب من الأحكام . والرابع : رياضة اللسان بذلك وكثرة التكرار . وأصل ذلك كله تلقيه من أولي الإتقان عن العلماء بهذا الشأن ، وإن انضاف ذلك حسن الصوت وجودة الفك ودرابة اللسان وصحة الأسنان كان الكمال "4 . 1- النشر، ابن الجزري ، ج 4 ص 42 . 2 _شرح طيبة النشر ، ابن الجزري ، دار الكتب العلمية بيروت ، ط 3 سنة4246 ه/ 4119 م ، ص 66 . 3 _التمهيد ،ابن الجزري ، ص 94 . 4 _شرح الواضحة في تجويد الفاتحة ، الحسن بن قاسم المرادي ، تح عبد الهادي الفضلي ، دار القلم بيروت ، ص 31 .
عدد الصفحات ١٢مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 16 ويلاحظ على قول المرادي السابق ؛ أنه لم يكتف ببيان مجالات علم التجويد ، وإنما أشار إلى أمرين آخري ن هما في غاية الأهمية ، وهما : ضرورة الأخذ والتلقي مشافهة من الشيوخ المتقنين ، والسلامة من عيوب الكلام بسلامة جهاز النطق ممثلا في اللسان والأسنان . ثالثا : الدقة في الوصف والعمق في التحليل بما أن القراءات والتجويد علم من علوم القرآن ، وموضوعها كلمات القرآن من حيث كيفية الأداء والنطق بها ، وذلك مما لا مجال للرأي والاجتهاد ؛ ولا للقياس فيه ، فقد اتسم وصفهم لأعضاء النطق ، وللحروف ومخارجها وصفاتها، والظواهر الصوتية الناشئة عند الاجتماع في كلمة أو كلمتين ، بالدقة المتناهية ، قال الداني : " والخيشوم الخرق المنجذب إلى داخل الفم "1 ، ولنستمع للشاطبي وهو يصف الهمزة المسهلة ، قال : " وَالإبِدَالُ محَْض وَالمسَهَّلُ ب َينَْ مَا هُوَ الهمزُ والحرفُ الذِّي مِنْهُ أُشْكِلا "2 ، وهذا الوصف الدقيق حصل لكونه من شخص مارس القراءة والتجويد رواية ودراية على حد سواء ، وهو من الذين تلقوا القراءات مشافهة عن الشيوخ ثم أداها كذلك لغيره من التلاميذ ، في حين يضطرب وصف إبراهيم أنيس لها إذ يقول : " وإذا صح النطق الذي سمعته من أفواه المعاصرين من القراء تكون هذه الحالة عبارة عن سقوط الهمزة من الكلام تاركة وراءها حركة فالذي نسمعه حينئذ لا يمت إلى الهمزة بصلة ، بل هو صوت لين قصير ، يسمى عادة حركة الهمزة "3 ، فعلى الرغم من اشتغاله بالصوتيات وتأليفه فيها إلا أنه أخفق في وصف ظاهرة تسهيل الهمزة ، بل في بيان طبيعة الهمزة نفسها ، واضطرابه ذلك راجع لتأثره باللغات الأجنبية ودرسها الصوتي ، وإخضاع لغة القرآن وقراءاته له ؛ فالصوت اللغوي المسمى في اللغة العربية بالهمزة - وله مخرج وصفات ويتحرك ويسكن ، ويكون أول الكلمة ووسطها وآخرها ، ويرد أصليا وزائدا - هو في الفرنسية والإنجليزية حركة أي صائت ، وليس حرفا أي صامتا . رابعا : اتباع علماء التجويد والقراءات منهجا مركبا من مجموعة من المناهج 4 ،وهي : أ_المنهج الوصفي: وظف في وصف أعضاء النطق وفي مخارج الحروف وصفاتها ، وفي الظواهر الصوتية . ب_المنهج الاستقرائي : وظف في تتبع الظاهرة الصوتية في القرآن الكريم من سورة الفاتحة إلى سورة الناس ، ووضع قواعدها واستثناءاتها . ج_المنهج التحليلي: وظف في تحليل وتعليل الظواهر الصوتية . د_المنهج المقارن : استخدم المنهج المقارن على المستوى الداخلي ، بأن قورنت الأصوات اللغوية بعضها ببعض ، واستخدم على المستوى الخارجي بأن قورنت الأصوات اللغوية في العربية وغيرها من اللغات ، قال مكي : " فأذكر الحروف واحدا بعد واحد على رتبة المخارج مع جملة من ص فاته ، ثم نذكر مع كل حرف ألفاظا من كتاب الله تعالى جل 1 _التحديدفي الإتقان والتجويد ، تح غانم قدوري حمد ، منشورات مكتبة الأنبار الرمادي العراق ، ط 4، د ت ،ص 444. 2 _حرز الأماني ، الشاطبي ،ص 41 . 3- الأصوات اللغوية ، إبراهيم أنيس ، مكتبة الأنجلو المصرية ؛ ط 9 سنة4919 م ، ص 11 _19 . 4 - ينظر الدراسات الصوتية ، غانم الحمد ، ص 91 وما بعدها.
عدد الصفحات ١٣مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 17 ذكره تنبه على تجويد لفظ ذلك الحرف فيها وفي مثلها مما وقع ذك الحرف فيها مقارنا لغيره "1 ، وقال في موضع آخر: " اعلم أن الحروف التسعة والعشرين المشهورة ، قد اشتركت في استعمالها لغات العرب ولغات العجم ، إلا الظاء فإنها للعرب خاصة ... وقد قيل إن الحاء أيضا انفردت بها العرب ... قال الأصمعي : " ليس في الرومية ولا الفارسية ثاء ولا في السريانية ذال " ، وكذلك ستة أحرف انفردت بكثرة استعمالها العرب ، وهي قليلة في لغات بعض العجم ، ولا توجد البتة في لغات كثير منهم ، وهي العين والصاد والضاد والقاف والظاء والثاء "2 ، وقال ابن الجزري : " فالشديد [يريد الفتح الشديد ]هو نهاية فتح الشخص فمه بذلك الحرف ، ولا يجوز في القرآن بل هو معدوم في لغة العرب ، وإنما يوجد في لفظ عجم الفرس ، ولاسيما أهل خراسان "3 . ه_المنهج التعليمي : الاتجاه التعليمي التقريبي واضح جدا في مؤلفات علماء القراءات والتجويد ، وذلك من خلال : العناوين التي حملتها مصنفاتهم ، فهي توحي بهذا الاتجاه ، وتؤكده ، ومن ذلك : التيسير في القراءات السبع للداني ، النشر في القراءات العشر ، تقريب النشر ، التمهيد في التج ويد وثلاثتها لابن الجزري ، الواضحة في شرح الفاتحة للحسن بن قاسم المرادي ، الموضح في التجويد لعبد الوهاب القرطبي ، وغيرها . جمع المادة القرائية والتجويدية في منظومات ومتون لتسهيل حفظها ، ومن ذلك حرز الأماني للشاطبي ، والمقدمة والدرة والطيبة وثلاثتها لابن الج زري ، والمنبهة للداني، وغير ذلك كثير جدا . جمع بعض الأحكام القرائية والتجويدية في أبيات من الشعر ، وعبارات منثورة ، ومن ذلك : جمع حروف الإخفاء في أوائل كلمات بيت شعري : صف ذا ثنا كم جاد شخص قد سما دم طيبا ز د ف ي تقى ضع ظالما ، وجمع حروف الإظهار في قولهم : " أخي هاك علما حازه غير خاسر " . الحرص على عدم إطلاق المصطلحات من دون بيان: كان علماء القراءات والتجويد يحرصون على إتباع المصطلحات الصوتية التي يوردونها في مؤلفاتهم ببيان مفاهيمها بدقة . التمثيل للظواهر الصوتية بالشواهد القرآ نية . الاستعانة بعلم التشريح والتمثيل التصويري : ولمزيد من الدقة والبيان والإيضاح ، وظف علماء القراءات والتجويد علم التشريح ، واستعانوا ببعض الرسومات البسيطة لتقريب جهاز النطق وبيان مخارج الحروف ، فقد استعان حسن بن إسماعيل الدركزلي في كتابه : "خلاصة العجالة " - فرغ من تأليفها سنة 4466 ه- بأكثر من كتاب من كتب الطب في وصف أعضاء 1 _الرعاية ، مكي ، ص 2 . 2 _الرعاية ، مكي ، ص 39 . 3 _النشر ، ابن الجزري ، ج 4 ص42 .
عدد الصفحات ١٤مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 18 النطق ، ولم يسبقه في هذا المسلك إلا ابن سينا في كتابه : " أسباب حدوث الحرف "1 ، كما استعان بعضهم بالرسوم ، ومنهم ابن وثيق الأندلسي ( ت 692 )، إذ جعل رسما تخطيطيا بسيطا يمثل الحلق و اللسان والشفتين وكتب على أجزائه الحروف ، وقال : " وهذه صورة الحروف المتقدمة كما ترى : صورة ما بين الرأس متصل بأول اللسان "2 . التأكيد على أخذ القراءة والتجويد سماعا ومشافهة ، والإكثار من الرياضة والدربة لبلوغ درجة الإتقان فيهما ، قال المرادي :" وأصل ذلك كله تلقيه من أولي الإتقان عن العلماء بهذا الشأن "3 ، وقال الدا: " ليس بين المرء وتركه إلا رياضة من تدبره بفكه "4 . خامسا: اعتماد علماء القراءات والتجويد على السماع والمشافهة والاختبار الذاتي : لم يكن لعلماء القراءات والتجويد في درسهم الصوتي من آلة معينة و لا جهاز كاشف ؛ إنما اعتمدوا على السماع ، والاختبار الذاتي ، وال تطبيق المباشر على جهازهم النطقي ، وعلى الرغم من ذلك ، فقد كانت دراساتهم الصوتية غاية في الدقة والشمول والعمق على مستوى المصطلحات والموضوعات والمادة والمنهج ، ولئن وجد في درسهم الصوتي بعض الهنات ، فلن ينقص ذلك من قيمته شيئا ، ويكفي فيه فخرا أن الدراسات الصوتية الحديثة المدعمة بالأجهزة والمخابر اتخذته منطلقا لها ، ولم تستدرك عليه في شيء ، اللهم إلا في بعض الأمور البسيطة ، التي ترجع إلى الاختلاف في الاصطلاح ليس إلا . هذا وقد خلصت إلى النتائج الآتية : 4 _ تمَي ّزُالدرس الصوتي العربي بالدقة والعمق والشمول ؛ لأنه نشأ وترعرع في ظلال القرآن الكريم ، مجتهدا في حفظ أصواته وخصائها النطقية والو ظيفية ، حفاظا على كيفية قراءته غ ضا نديا كما أقرأه جبريل عليه السلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم . 4 _تأكيدأصالة الدرس الصوتي العربي ، واتصاف علماء العرب القدامى بحس صوتي متميز ، مكنهم من رصد الظواهر الصوتية ؛ و الوقوف على حقيقتها ووضع مصطلحاتها بدقة ؛ في غياب الآلات والأجهزة الكاشفة ، زادُ هم في ذلك ودافعُ هم الرغبة الصادقة في خدمة القرآن الكريم ، وهو الأمر الذي يجعل السير على خطاهم بتبصر في الدرس الصوتي مقدما على الجري خلف الأبحاث الغربية الحديثة والتأثر المطلق بما تقدمه ؛ وعدم الانبهار بتقنياتها المتطورة ، ثم إن الحقيقة العلمية قد تضيع بين مصطلحات الترجمة المتباينة . 3 _إن الانفتاح على الدرس الصوتي للغات الأخرى ، ينبغي أن ينطلق من مبدأ الفضول العلمي الذي لا تحده حدود ، لكن من دون المساس بالخصوصيات الصوتية لهذه اللغة أو تلك ، ومن دون أن يتأثر الدرس الصوتي بهذه الإيديولوجية أو تلك . 1 _ينظر الدراسات الصو تية عند علماء التجويد ، غانم قدوري حم د ، ص 49 . 2 _الدراسات الصو تية عند علماء التجويد ، غانم قدوري حم د ، ص 46 . 3 _شرح الواضحة في تجويد الفاتحة ، الحسن بن قاسم المرادي ، تح عبد الهادي الفضلي ، دار القلم بيروت ، ص 31. 4 - التحديد ، ابن الجزري ، ج 1 ص164 .
عدد الصفحات ١٥مجلة المعيار العدد34 جانفي8102 19 2 _إن الإبداع حالة ، لا يمكن أن تحصل إلا بالاعتزاز بالموروث ، والانطلاق منه والإضافة إليه ، وأما الانبهار بالآخر ؛ فغالبا ما يؤدي للانصهار ، ومنه إلى الاندثار .
عدد الصفحات ١٦