المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إغلاق المتاجر في أوقات الصلاة

عبدالله بن فهد القاضي

صفحة ٣ من ٥

36 و اأعضلا جرى عمل جهة الحسبة في هذه البلاد (هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر) على العناية بإقامة شعيرة صلاة الجماعة، ومنع ما يخالف ذلك من المجاهرة بالتخلف عن الجماعة، أو التمادي في البيع والشراء بعد النداء إلى الصلاة. ولقد أثيرت اعتراضات على هذا الإلزام، ولا سيما ما يتعلق منه بالنشاط الاقتصادي (الإلزام بإغلاق المحالّ التجارية أوقات الصلوات)، وسأشير فيما يلي إلى أبرز ما وقفت عليه من تلك الاعتراضات مع مناقشتها: • الإلزام بإغلاق المتاجر لأداء صلاة الجماعة أمر غير أن ، وما كان من معروف في العصور الإسلامية السابقة البائعين من توقُّفٍ لأداء الصلاة فقد كان اختياراً منهم من غير إلزامٍ أو عقوبةٍ للمخالف. الجواب: إن القول بعدم وقوع الإلزام بصلاة الجماعة وإغلاق المتاجر من أجلها زعم غير مُسلَّم، وقد سبق في هذا البحث ما يبين ذلك ويمكن تلخيص الجواب هنا بما يلي:

عدد الصفحات ٣٧

37 و اأعضلا الأحاديث العديدة بالأمر بالجماعة، ثبت عن النبي والتأكيد عليها ووصف المتخلف عنها بالنفاق والهم بعقوبته بأغلظ العقوبات. وهذه الأدلة وإن لم تدل بطريق التصريح على ترك البيع وإغلاق المتاجر لأداء الصلاة جماعة فإنها دالَّة عليه بطريق اللزوم إذ لا يتحقق للمسلم أداء واجب الجماعة إلا بترك ما يشغله عنها في وقتها من بيع أو غيره. كما أن هذه النصوص دالَّة على المطلوب أيضاً بطريق مفهوم ذلك أنه إذا أُوقظ النائم من أجل الصلاة الموافقة الأَوْلى؛ ووُصِف المتخلف عن الجماعة بصفة النفاق من أجل ذلك, دلّ ذلك بطريق الأولى على إلزام اليقظان. ولا شك أن دلالة الأدلة الشرعية لا تقتصر على الدلالة المباشرة المطابقة بل يستفاد منها بجميع أوجه الدلالة: منطوقها ومفهومها عمومها وقياسها.. انظر إلى أمر الله - عز وجل- المسلمين حال الخوف ومواجهة العدو، كيف أمر المسلمين - بنص القرآن- بالصلاة جماعة ولم يكتف بطائفة عن طائفة بل أمر كلتا الطائفتين واغتفر

عدد الصفحات ٣٨

38 و اأعضلا - سبحانه - ما يكون في ذلك من ترك الواجبات وارتكاب المحظورات، كل ذلك من أجل إقامة الجماعة ألا تجد في ذلك دلالة أولوية على التزام الجماعة في أحوال الأمن؟ وقول القائل: (لم يُنقل الإلزام والعقوبة للمخالف) غير مسلم وقد سبق النقل عن جماعة من الفقهاء أن من وظيفة المحتسب أمر الناس بالجماعة وأن له تعزير المخالف، ثم لو سلمنا أنه لم ينقل شيء في عقوبة المتخلف فذلك محمول على الاستغناء عن العقوبة بالتزام الناس صلاة الجماعة واستقرار ذلك بينهم، والله أعلم. • أن في وجوب صلاة الجماعة خلافاً مشهوراً، ولا يجوز الإنكار في مسائل الخلاف. الجواب: لا شك في أن الخلاف قد وقع في حكم صلاة الجماعة على النحو الذي سبق إيضاحه في الفصل الأول، وقد قرر كثير أن لا إنكار في مسائل الاجتهاد، وهذه_رحمهم ا_من العلماء

عدد الصفحات ٣٩

39 و اأعضلا .)1( العبارة أصح من قول القائل: لا إنكار في مسائل الخلاف إلا أن هذا الاعتراض غير قادح فيما تقوم به هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الإلزام بإغلاق المتاجر في أوقات الصلوات، وذلك لوجهين: أحدهما: أن إلزام الهيئة بصلاة الجماعة ليس من باب الإنكار على المخالف في مسائل الاجتهاد، بل من باب الإنكار على لأن (مسائل الخلاف) تُطلق على كل مسألة وقع فيها خلاف ولو كان )1( في المسألة نص أو إجماع يقطع بصحة أحد القولين، وقد صرح الفقهاء بأن حكم الحاكم (القاضي) يُنقض إذا خالف نصاً أو إجماعاً ولو كان قد قال به أحد من الفقهاء؛ فإذا نُقض الحكم المخالف للنص فمن باب أولى أن يُنكر على من خالف النص الصريح الصحيح ولو كان متبعاً لأحد من الفقهاء. أما مسائل الاجتهاد التي لا يُنكر على المخالف فيها فهي كل مسألة خالية من إجماع أو نص صحيح صريح، وللعلماء عبارات متقاربة يوضح بعضها بعضاً في حد مسائل الاجتهاد، منها: ) أن مسائل 24/2في شرح مسلم_رحمه ا_ما يستفاد من كلام النووي_ الاجتهاد ما ليس فيه نص ولا إجماع ولا قياس ج ابن القيم: مسائل الاجتهاد ما لم يكن فيها دليل يجب العمل به وجوباً ظاهراً، _ )، ومثله243/5مثل حديث صحيح لا معارض له من جنسه. أعلام الموقع ).191/1لابن مفلح في الآداب الشرعية أنه ينكر على كل _رحمه ا _واستقرأ ابن رجب من مسائل الإمام أحمد _ .)255/2مختَلَف فيه ضعُف الخلاف فيه. جامع العلوم والحكم ): أما المختلف فيه فلا إنكار فيه، لكن إن ندبه 23/2قال النووي (شرح مسلم على جهة النصيحة إلى الخروج من الخلاف فهو حسن محبوب مندوب إلى فعله برفق؛ فإن العلماء متفقون على الحث على الخروج من الخلاف إذا لم يلزم منه إخلال بسنة أو وقوع في خلاف آخر.

عدد الصفحات ٤٠

40 و اأعضلا الموافق فيما يعتقده منكراً. بيانه: أن القول المفتى به في هذه البلاد هو القول بوجوب صلاة الجماعة، فهذا ما يفتي به عامة العلماء هنا، ومنهم الجهة المسند إليها الفتوى (هيئة كبار العلماء)، وإذا كان كذلك فالعامة تبع في المسائل الشرعية الاجتهادية لعلمائهم، ولا يجوز للعامي أن يتخيرّ من أقوال العلماء بالتشهي. وإذا خالف المرء ما يعتقده الحقَّ والصوابَ فإنه يُنكر عليه؛ لأنه أتى ما يعتقده محظوراً، وقد نصّ على هذا بعض من قرر من العلماء أنه لا إنكار في مسائل الخلاف. بعد ذكره للشرط الرابع من شروط _رحمه ا_قال الغزا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: (أن يكون كونه منكراً معلوماً بغير اجتهاد؛ فكل ما هو في محل الاجتهاد فلا حسبة فيه) ثم قال: « ولي ويطأ زوجته فهذا في محل النظر، والأظهر أن له الحسبة والإنكار؛ إذ لم يذهب أحد من المحصِّلين إلى أن المجتهد يجوز له أن يعمل بموجَب اجتهاد غيره، ولا أن الذي أدى اجتهاده

عدد الصفحات ٤١

41 و اأعضلا في التقليد إلى شخص رآه أفضل العلماء أن له أن يأخذ بمذهب غيره فينتقد من المذاهب أطيبها عنده، بل على كل مقلد اتباع مقلده في كل تفصيل، فإذن مخالفته للمقلَّد متفق على كونه منكراً .)1(بين المحصلين، وهو عاص بالمخالفة بصرف النظر عن وجوب الجماعة وعدمه، والوجه الآخر: الإلزام بالتوقف عن البيع في وقت الصلاة هو نظام سـنَّه فإن ولي الأمر، وفيه تحقيق للمقاصد الشرعية؛ فكان التزامه واتباعه للإجماع على وجوب السمع والطاعة في غير معصية الله، واجباًَ؛ إجماعاً مستنداً إلى النصوص الكثيرة الواردة بهذا المعنى، كقوله و وَاأُ َ ول َّ وا ا طَ وا ا طَ َ وا اأ َ � َّ �� ُّ �� َ � تعالى: ﴿ « :، وقوله )2(﴾� ُ رَ � أَ ا الْ فيما أحب وكره، إلا أن يؤمـر بمعصية، فإن أُمر بمعصية فلا ، ففي هذه الأدلة -كما يقول المباركفوري )3(سمع ولا طاعة .)4(رحمه الله-: أن الإمام إذا أمر بمندوب أو مباح وجب ).325/2 إحياء علوم الدين) 1( .)59 سورة النساء، الآية) 2( .)1839) ومسلم7144 رواه البخاري) 3( .)365/5 انظر: تحفة الأحوذي) 4(

عدد الصفحات ٤٢

42 و اأعضلا ومن هنا كان من المتقرر في السياسة الشرعية: أن للإمامِ المنعَ .)1(من بعض المباح، والإلزامُ في مسائل الخلاف للمصلحة وعلى هذا فيقال للمعترض على الإلزام بإغلاق المتاجر بعدم وجوب صلاة الجماعة تكون واجبة شرعاً وإلا فيجب إلغاؤها؟ هل أخذ رخصة لقيادة السيارة واجب شرعاً؟ وهل استخراج بطاقة للهويّة الوطنية فرض عين؟ وهل كلّ القرارات التنظيمية التفصيلية في البلديّات والمرور والتعليم من الفرائض؟ لا شكّ أنها قرارات محترمة وضروريّة لما فيها من مصالح عامّة تقوم حياة الناس عليها، ووجوبها من مفهوم الطاعة الشرعيّة الواجبة، وكذلك قرار إغلاق المحلات التجاريّة هو قرار حكومي محقّق لكثير من المصالح الشرعيّة .. أم أنّ كون هذا القرار جاء محقّقاً لمصالح دينية محضّة يجعله أمراً غير ذي بال! وفي الأنظمة المتعلّقة بشؤون المحلات التجارية عشرات القوانين واللوائح التي تقيّد من عمل هذه المتاجر، وهي في في قضايا كثيرة، كترك قسمة الأرض المفتوحة عنوة،  كما فعل عمر) 1( ومنع بيع أمهات الأولاد، وإمضاء طلاق الثلاث، مع خلاف من خالف

عدد الصفحات ٤٣

43 و اأعضلا شؤون تنظيمية تفصيلية بحتّة، لا تتجاوز مساحة المباح في الشريعة، ولا تجد أي واحد من هؤلاء الناس يعترض عليها أو يمسّها بشيء، فإذا جاء النظام فقيّد عمل المتجر في وقت محدود .)1(لمصلحة شرعية عظيمة تحرّكوا واعترضوا لم يقل أحد من الفقهاء: إن البيع بعد النداء للصلاة فاسد._ أي: فيكون المنع من البيع بعد الأذان مخالفا لاتفاق الفقهاء على صحة البيع في ذلك الوقت. والجواب: القول بأنه: (لا قائل بفساد البيع الواقع بعد النداء للصلوات) غير مسلم، فقد قيل: إنه لا يصح البيع بعد النداء للصلوات ، لكن الصحيح عندهم صحة البيع )2(كلها، وهو قولٌ للحنابلة ما لم يضق الوقت عن فعل الصلاة. فإن )3(ومع القول بصحة البيع الواقع بعد الأذان للصلوات ذلك لا يعارض القول بوجوب الصلاة في الجماعة وترك ما مقال: (إغلاق المحلات التجارية لأداء الصلاة .. أين الخطأ؟)) 1( .)166/11)، الإنصاف (مع الشرح الكب170/6 انظر: الفروع) 2( أي الصلوات الخمس, أما صلاة الجمعة فلا يصح البيع بعد ندائها الثا) 3( ), الجامع لأحكام144/2عند المالكية والحنابلة. انظر: كفاية الطالب الربا ).164/11), الشرح الكبير والإنصاف475/20القرآن للقرطبي

عدد الصفحات ٤٤

44 و اأعضلا يشغل عن ذلك من بيع أو غيره؛ وذلك لأن مناط صحة البيع مباين لمناط وجوب الجماعة؛ فلا تلازم بينهما. ويتضح هذا بالمثالين: • اتفق العلماء على أن المرء لو أخَّر الصلاة إلى آخر وقتها حتى لم يبق من الوقت إلا ما يتسع للصلاة, أنه لا يجوز له في هذا الوقت أن يشتغل بالبيع عن الصلاة, ومع ذلك فقد ذهب كثير منهم إلى أنه لو باع في هذا الوقت صح .)1(البيع • وذهب أكثر العلماء إلى تحريم البيع بعد النداء الثاني ا وا اأَ َ � َّ �� ُّ �� َ �ليوم الجمعة, لقول الله تعالى: ﴿ وا ُ ر رَ ا ْ َ � � وْا اأَ َ � ُ � ُ وْ َ َ � َ و � ، ومع ذلك فلو تبايع اثنان في ذلك الوقت )2(﴾ع ْ � َ �� ْ ا .)3(فالبيع صحيح عند الحنفية والشافعية فترى في هذين المثالين أن هؤلاء العلماء يرون حرمة البيع في ).152/1 انظر: أحكام القرآن للطحاوي) 1( .9 سورة الجمعة، الآية) 2( انظر: أحكام القرآن للطحاوي (الموضع السابق)، الجامع لأحكام )3( .)256/4القرآن للقرطبي (الموضع السابق)، المجموع شرح المهذب

عدد الصفحات ٤٥

45 و اأعضلا هذين الوقتين (حين يضيق وقت الصلاة ووقت صلاة الجمعة)، ومع ذلك فهم يصححون البيع لو وقع وليس هذا تناقضاً في قولهم، بل مرَدُّه إلى أن جهة صحة البيع منفكَّة عن جهة وجوب الصلاة، والنهي إنما يقتضي الفساد مع اتحاد الجهة لا مع انفكاكها, فيكون آثما بتأخيره الصلاة وبيعه صحيح. _يعني يوم الجمعة_« :)1(قال الشيرازي في المهذب فيُنظر فيه: فإن كان قبل الزوال لم يكره .. فإن ظهر الإمام وأذن َ � ُ � ُ وْ َ َ � َ و ا اأَالمؤذن حرم؛ لقوله تعالى: ﴿ ﴾ .. ولا يبطل البيع؛ لأن النهي ع ْ � َ �� ْ وا ا ُ ر رَ ا ْ َ � � وْا اأَ �� لا يختص بالعقد فلم يمنع صحته كالصلاة في أرض مغصوبة فعلى هذا: لا يمتنع القول بأن المتشاغل بالبيع تشاغلاً يفوت عليه صلاة الجماعة آثم وبيعه صحيح والله أعلم. • لمَِ لا يكون إغلاق المحلات من الإقامة وليس من فإذا كانت علة إغلاق المتاجر هي أداء واجب الأذان؟ صلاة الجماعة؛ فمقتضى ذلك أن يختص الحكم بوقت الصلاة، وذلك من الإقامة لا من الأذان؛ فالمنع من البيع ).255/6 مع المجموع) 1(

عدد الصفحات ٤٦

46 و اأعضلا منذ الأذان حكم خال من العلة التي اعتمدتموها؛ فهو حكم بلا دليل. الجواب: إن التبكير إلى الصلاة وإجابة نداء الله تعالى فور سماع الأذان هو فضيلة وقربة عظيمة، وهي خير وأبقى من بقوله متاجر الدنيا وأرباحها، بينَّ ذلك النبي والصف الأول ثم لم يجدوا إلا أن يستهموا )1(الناس ما في النداء لاستبقوا )3(، ولو يعلمون ما في التهج) 2(عليه لاستهموا عليه .)4(إليه مافي النداء: مافي الأذان من الفضل.) 1( يستهموا: يقترعوا) 2( التهجير: التبكير إلى الصلاة) 3( .) من حديث أبي هريرة437) ومسلم615 رواه البخاري) 4( (لو يعلمون) إشارة إلى أن التباطؤ عن العبادات، والتهاون وفي قوله إنما ذلك ناشئ عن _بالفضائل الأخروية، وتعظيم المصالح الدنيوية وتقديمها و ُ � َ ا ��� �� ا َ ر �� ْ � � َ وَقلة العلم وضعف اليقين، فهو كقول الله تعالى ﴿ ، 6﴾و ُ َ َ آ ا َ الْ َ � � َ ا � �� َ � َ ٍا و ُ � َ � )6( ] 7 الذي رسخ في القلب فأثمر العمل الصالح، وفي هذا إرشاد إلى أن التعلق بالدنيا مرض لا يُداوى بالحجج العلمية فحسب، وإنما بتزكية القلب ومداواته، وخير ورَ وَ � َ � ُ َ َ وْ ��أدويته كلام الله الذي هو ﴿ ]57﴾وأْ ُ � �� َ َحْ وَر

عدد الصفحات ٤٧

47 و اأعضلا إلا أنه مع ذلك ليس بالأمر الواجب الذي يأثم تاركه، وإنما الذي دل الدليل على إثم تاركه بلا عذر هو صلاة الجماعة نفسها كما تقدم. لكن إلزام النظام الباعة بالإمساك عن البيع منذ الأذان ليس لوجوب التبكير إلى الصلاة، ولكن لأن واجب صلاة الجماعة لا يتم إلا بذلك، ومعلوم أن ما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب. بيانه: أن إغلاق المحلات وقت الصلاة نظام عام، يجري على فئة عريضة من الناس (وهم الباعة)، ويتعلق أيضاً بفئة أكب منها (وهم المشترون والمتسوقون)، ويشرف على تنفيذه جهة حكومية هي رئاسة هيئة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فعملية بهذا القدر من الاتساع والشمول لابد لتنفيذها من وقت كاف، بحيث لا يأتي وقت الصلاة إلا وقد تحقق الغرض، وتمكن الجميع من الاستعداد للصلاة. فلو قدّرنا أن المحلات لا تؤمر بالإغلاق إلا مع الإقامة: فمتى ستتمكن من الإغلاق، وإنهاء حاجات المشترين، ثم كم يحتاج الباعة من الوقت للتطهر والخروج إلى المسجد، وإذا بالصلاة قد أديت! لا شك أن الأمر لو كان بهذه الصورة لم يكن

عدد الصفحات ٤٨

48 و اأعضلا للإغلاق معنى. فَـفَرقٌ بين الأمر إذا تعلق بالجمهور، وأصبح نظاماً ظاهراً يحتاج إلى متابعة حكومية، وبين ما إذا اختص بالأفراد، ففي الحال الأولى نحتاج متسعاً من الوقت يكون كافياً بحسب حاجة الناس في العادة، بخلاف حال الفرد الذي ربما يكفيه أن يتوجه للصلاة مع الإقامة أو قُبيلها ويدرك صلاة الجماعة كاملة. ونظير هذه المسألة في باب الصلاة: أن الله تعالى أوجب وا َ � َّ �� ُّ �� َ �﴿)1(السعي إلى الجمعة عند سماع ندائها وا ُ ر رَ ا ْ َ � � وْا اأَ َ � ُ � ُ وْ َ َ � َ و ا اأَ ، فهذا هو الواجب الأصلي، لكن نص الفقهاء على أنه )2(﴾َ ع ْ � َ �� ْ ا إذا كان المرءُ بعيداً عن الجامع، بحيث لو سعى مع النداء فاتته الجمعة فإنه يجب عليه السعي قبل النداء بوقت يتمكن معه من .)3(إدراك الجمعة إلا _بصفته نظاماً عاماً _وإذا كان واجب الجماعة لا يتم بالتوقُّف للصلاة قبل إقامتها بوقت كافٍ؛ فإن أنسب ضابط أي النداء الثاني.) 1( .)9 سورة الجمعة، الآية) 2( .)81/2 انظر: كشاف القناع) 3(

عدد الصفحات ٤٩

49 و اأعضلا لهذا الوقت هو الأذان؛ لكونه علامة شرعية وُضعت للدعاء إلى الصلاة. • منها أن في الإلزام بإغلاق المحالّ التجارية مفاسد عدة، ما يعود إلى التاجر (بتقصير وقت البيع، ووجود المشقة بإغلاق المحل وإنهاء حاجات المشترين في وقت ضيق ثم إعادة فتحه، وتعرض المحل للسرقة وقت الصلاة..)، ومنها ما يعود إلى المشتري (كضيق وقت التسوق، والمشقة على النساء ببقائهن خارج المحل وقت الصلاة، وتضرر أصحاب الحاجات العاجلة بالانتظار كمن يريد شراء دواء). والجواب: لاشك أن هذه الشريعة الإسلامية شريعة كاملة عادلة, َ َ َ � ُ � َ َ َ وَلا حرج فيها ولا عسر, قال تعالى: ﴿ ، )2(﴾رَ � ْ � ُ رَ ُ ا رَ وَلَ �� ُ ��� ْ � ُ رَ ُ � ، ﴿ )1(﴾� رَ �� والواجبات الشرعية كلها موضوعة على أساسٍ من الي والرحمة, فإن عرض في أحوال العباد ما يُلحق بالعبادة الحرج ).78 سورة الحج، الآية) 1( .)185 سورة البقرة، الآية) 2(

عدد الصفحات ٥٠

50 و اأعضلا والعسر كان ذلك العارض سبباً في شرع تيسير آخر، والحمد لله. وواجب صلاة الجماعة هو واحد من تلك الواجبات الشرعية، بيانٌ لعددٍ من وقد جاء في الأحاديث الصحيحة عن النبي الأعذار التي يرخص للمرء فيها في التخلف عن الجماعة فمن « :ذلك قوله ، وعن عبد الله بن الحارث أن ابن )1(ولا تعجلوا عن عشائكم عباس قال لمؤذنه في مطير إذا قلت أشهد أن محمداً رسول الله فلا تقل: حي على الصلاة وقل: صلوا في بيوتكم. فكأن الناس استنكروا فعله؛ فقال: فعله من هو خير مني، إن الجمعة عزمة .)2(وإني كرهت أن أخرجكم فتمشوا في الطين والدحض ولهذا ذكر الفقهاء من الحنفية والحنابلة أعذاراً كثيرة تبيح ترك الجماعة منها خوف ضياع المال أو تلفه أو ضررٍ في معيشة يحتاجها ومن كان مستحفظاً على شيء يخاف عليه إن ذهب وتركه ومن كان خائفاً على حريمه أو نفسه من ضرر أو خائفاً .)3(من فوات رفقة سفر ).557)، ومسلم672 رواه البخاري) 1( .)699)، ومسلم901 رواه البخاري) 2( .)286/1)، الإقناع للحجاوي294_292/2رد المحتار والدر المختار )3(

عدد الصفحات ٥١

51 و اأعضلا بعد ذلك نقول: إن النظر في هذا الإيراد ومناقشته تتوقف على مقدمة، وهي حكم صلاة الجماعة أوَّلا، وبناءً على ما تقدم ترجيحه من وجوب الجماعة على الأعيان فهنا عدة وقفات من هذا الاعتراض: 1 .الحرج مرفوع في هذه الشريعة والضرورة تبيح المحظور والحاجة قد تُنَـزَّل منـزلة الضرورة في ذلك هذا أمر مسلم لكن لارتكاب المحظور وإسقاط الواجب من أجل الضرورة ضوابط منها: أن يكون ذلك بقدر الضرورة فالرخصة تقدر بقدرها ولا يعمم حكمها ولا تتجاوز محلها. وعليه: فتلك المضار والمفاسد التي ذُكر أنها تترتب على إن أريد بذكرها إبطالُ أصل _إغلاق المتاجر أوقات الصلوات وجوب الجماعة وإلغاء مبدأ ترك البيع والتجارة لأداء الجماعة إلغاء عاماً مطلقاً، إن أريد بها ذلك فهذا استدلال فاسد؛ وتعليل غير مقبول؛ لأنه تعميم لمقتضى دليل خاص، لأن الرخصة استثناء من أصل، والاستثناء لا يجوز جعله أصلاً، فذلك خطأ عقلي فضلاً عن كونه تعدياً شرعياً.

عدد الصفحات ٥٢