المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

إرشاد العباد إلى أهمية الإجازة والسماع وعلو الإسناد لطالب العلم

حسان أيوب الشامي

صفحة ٣ من ٤

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 33 قلت : وعلى طالب العلم أن يكتب كل شيء يسمعه من شيوخه ، وكان العلماء يحث ون طلابهم على جمع أسماء شيوخهم حتى ينب غ وا في العلم ، لعله ي صبح من المهرة ، ويصبح متمكناً متيقظاً في هذا الفن ، فيعرف سماعات شيوخه وإجازاتهم ، كما فعل الحافظ ابن حجر العسقلاني مع أحد طلابه فقال (52/3 : ) ((وقدأشرت عليه ـ أن يجمع شيوخه ـ إرادة أن يتيقظ ويتخرَّج كما تمَّهر غيره )) . وقال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (1/424) عن أبي الطيب بن أبي بكر الحميري الغرناطي : (( ولم يكن بالضابط لأسماء شيوخه مع رداءة خطه )) . وقال (2/234) عن الإمام محمد بن مسلم الزهري ـ أحد الأئمة الكبار ـ (( قال أبو زناد : وكنت أطوف أنا والزهري ومعه ألواح وصحف ، فكنا نضحك منه ، وكان يكتب كلَّ ما سمع ، ـ فلما احتيج إليه ـ علمت أنه أعلم الن اس )) . باب

عدد الصفحات ٣٣

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 34 التفريق بين الإجازة والسماع فالسَّ ماع يكون من لفظ الشيخ وهو أعلى مراتب الرواية ، فالسَّ ماع أعلى من الإجازة بالإجماع في عصر الرواية ، ومذهب جمهور أهل العلم أن الس ماع أفضل من ـ القراءة على الشيخ ـ وهي العرض كما قال الإمام النووي رحمه الله . وتصح الإجازة في المناولة والمكاتبة والوصية والوجادة والإعلام ، ويجوز له أن يقول للطالب أجزت لك جميع مروياتي مع ثقته بالطالب ـ إجازة عامة ـ . ويقول الإمام مالك رضي الله عنه بأنَّ حدثنا وأخبرنا تستعمل في من س مع من لفظ الشيخ ـ وفيما ق رئ عليه وهو ي سم ع ـ في حال صحته واستقامته . والإجازة أقوى في الن قل من الس ماع الر ديء ، وهي تجبر السَّ ماع الرديء . والإجازة تصِ حُّ في الاستدعاء ؛ وهي عبارة عن ورقة فيها أسماء الم ج از ين ، فت رسل ـ للشيخ المسند أو المحد ث أو المؤلف ـ فيجيزهم أيضاً ، وللاستدعاء عدة صور أخرى ليس هذا موضعها . والإجازة تكون بالس ماع الكامل وتكون بس ماع جزء من الكتاب على الشيخ ، وباقي الكتاب الذي لم ي س م ع ه ي عد إجازة ، فتقول سمعت منه من باب كذا وإلى باب كذا والباقي إجازة . وتصح الإجازة بالتلف ظ والمشافهة دون المكاتبة .

عدد الصفحات ٣٤

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 35 وأما الإجازة العِ لمية فهي الإجازة بالتدريس والإفتاء وهي أعلى من مجرد الإذن ، فهي تزكية وشهادة بالعلم يشهد فيها الشيخ لتلميذه بالفهم والحفظ والنجابة ، فيجيزه بالتدريس والف تِ يا ، ويكون ذلك بالملازمة التامة للشيخ حتى يتيقن بح سن فهمه ونجابته . وهذه الإجازات والمسموعات موجوده بكثرة في معاجم الشيوخ والطبقات وغيرها ، قال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (1/37) عن شيخه أحمد بن يغمور الحراني : (( وكتب لي بالإجازة من حلب مرات )) . قال الحافظ السمعاني ر حمه الله في (( المنتخب )) (774/2 )عن أحد شيوخه : (( كتب لي الإجازة بجميع مسموعاته ، ولم يتفق لي أن سمعت منه شيئاً )). وقد انتقد الحافظ ابن حجر ( 313/2) شيخه ابن الملقن رحمهما الله تقديمه الإجازة على السَّ ماع ، لأنَّ ا لسَّماع الصحيح أقوى من الإجازة ، وفي السَّماع الرديء خلاف . وذكر أيضاً (474 و475/2) أنهأخذ إجازة عامة عن أحد شيوخه . وذكر (545/2) أنَّ شيخه أجاز له مشافهة . وكذا ذكر (242/2) أن شيخه أجاز له في استدعاء ابنه محمد .

عدد الصفحات ٣٥

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 36 وقال432/2) عن أحد شيوخه (( فلم يتفق لي لقاءه ، ولكني استدع يت منه الإجازة فأجاز لي )). وذكر ( 474/2) عن شيخه (( ق ر ئ عليه وأنا أسمع بإجازته العامة من الدمياطي بإجازته العامة من الطوسي )). وقال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (1/73) عن الحافظ أبي طاهر السلفي ، قال : (( روى القراءات عنه عيسى بن عبد العزيز بن عيسى ، وروى عنه القراءات بالإجازة العامة الكمال الضرير )) . وقال أيضاً (1/143) عن ابن غلش البنا المهندس (( وسمع عليه أصحابنا كتاب الهمام للهواوي بإجازته العامة من المؤلف )). قلت : والإجازة العامة منهم من يعتبرها إجازة أهل العصر ، ومنهم من يعتبرها إجازة بعامة المرويات . وقال أيضاً (1/533) عن أبي محمد الجلجولي (( وسمع بقراءتي كثيراً ، وكتب اسمي مع اسمه في الاستدعاءات )). وقال (2/227) عن الشيخ محمد بن مسعود الكتاني (( وقصدت القراءة عليه فلم يتفق ؛ لكنه أجاز من استدعاه )) .

عدد الصفحات ٣٦

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 37 باب التأكُّ د من صحة السَّ ماعات والإجازات فعلى طالب العلم التأك د من صحة إجازة شيخه وسماعه ، ويكون بالسؤال عنها ، ويكون بطلب رؤيتها من شيخه ، ومن الأمانة العلمية أن ي خبر الشيخ طلابه بإجازته ، حتى ي عرف وا حقيقتها ـ إجازة أم سماع أم عرض ـ . قال الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في (( معجمه )) (ص/ 523) عن شيخه (( وأراني إجازته من السخاوي بالسبع )). وقال (ص/112) عن أحد شيوخه (( ذكر أنه س م ع من السخاوي ولم نر ذلك )). وقال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في (( معجمه )) ( 577/2) عن شيخته (( أجازت لي غير مرة ، ولم نقف لها على سماع ، بل قرأ عليها بعض أصحابنا بالإجازة العامة )) . وذكر ( 574/2) أنه أراد الإجازة من شيخته ، ثم توقف عن الرواية عنها ، لأنه تبين له بطلان إجازتها . وذكر (317/2) عن أحد شيوخه أنه حدَّث بصحي ح ابن حبان كله سماعاً ، فظهر بعد ذلك أنه لم يسمعه بكامله .

عدد الصفحات ٣٧

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 38 وقال443/2) عن شيخه (( كان يقول إنه س م ع من الح جَّ ار ، ولكن لم يظهر لنا أص ل سماعه عليه )) . وقال (344/1) عن شيخه أحمد بن الحسن السويداوي (( فق رئ عليه من المعجم الكبير بإجازته من عبد الله بن علي الصنهاجي وهو خطأ قبيح ، فإن الص نهاجي مات قبل مولد الشيخ بس ن ة ، ـ وقد نب هت الشيخ بعد م د ة على فساد ذلك ـ ، فأشهد الشيخ على نفسه بالرجوع عن ذلك ، بل أش ه دني أنه رجع عن جميع ما ق رئ عليه بالإجازة إلا إجازة محققة ، وكان ن ع م الشيخ رحمه الله )). قال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (1/274) عن أبي عقيل سريجا الشافعي : (( وكتب خطه لبعض أصحابنا ، وقد أخبره (بالشاطبية) عن شخص يقال له : الشريف المكي ، ذكر أنه قرأ عليه عن قراءته على الكمال بن فارس عن الشاطبي ، وقد بالغ في تعظيم شيخه المذكور ، وتعظيم ابن فارس ، ووصفه بأنَّ ه إمام علامة وأكثر من ذلك ، فحسبت أنه ممن يرجع إلى الحق ، فكتبت إليه وعرَّفته أنَّ هذا الإسناد مفتعل ، وأنَّ هذا الشريف إن كان له وجود فقد كذب ، لأنَّ ابن فارس لم يلق الشاطبي ولا رآه ، بل ولد بعده بست سنين ، ولعل هذا المكي تعلم ذلك منه ، فكبر ذلك عليه ـ ولم يقبل ـ ، وصمم على صحة هذا

عدد الصفحات ٣٨

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 39 الإسناد ولم يرجع ، فعلمت حينئذ ما كان بلغني عنه ، والله يغفر لنا وله )) . وقال أيضاً (1/331) عن أبي محمد عبد الكريم المغربي التونسي (( قدم دمشق بعد مجاورته مكة وجولانه بلاد الهند ، فقرأت عليه التيسير ... وحدَّث ـ بالشاطبية والرائية ـ بسند غريب لا نعرفه ، وأخبرني بحديث زعم أنه سمعه بالهند خماسي له من غير رواية رتن ، بل عن شخص سماه محمد بن غوث السنبسي ظاهر الوضع ، ظهر لنا منه تساهل بالرواية )) . وقال (1/415) عن عبد الله السبعة الخوارزمي : (( ذكر أنه ر ح ل إلى الشام ، ولقي الإمام الجعبري فقرأ عليه القراءات ، وأسند القراءات عنه عن ـ المنتخب الهمذاني عن السخاوي عن الشاطبي ـ ، وهذا إسناد لايصح ، ويدل على أنه ما لقي الجعبري ولا قرأ عليه )) . قلت : وليحذر طالب العلم من الخلط في الأسانيد كما هو مشهور في كتاب الشمائل المحمدية للإمام الترمذي ، فيخلطون سنده بكتابه الجامع ، فيجعلونه نفس الس ن د ، وهذا خطأ قبيح ، والصواب : أنَّ س ن د الشمائل هو عن الشاشي عن الإمام الترمذي نقله الحافظ ابن حجر في معجمه ، وأما الجامع فعن ابن محبوب عن الإمام الترمذي رحمه الله . وهذا حاصل في غالب الأثبات المتأخرة أنهم يروون كل كتب الإمام من

عدد الصفحات ٣٩

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 41 عصرالرواية كالبخاري والترمذي ومسلم وغيرهم بسند واحد ، وهذا ربما يصلح في رواية كتب المتأخرين التي تعتم د على الإجازة العامة الشاملة للمؤلفات ، أما المتقدمون فإنَّ لكل كتاب إسناداً خاصاً ، لأن روايتهم بالس ماع غالباً . باب الصِّدقُ والدِّ قة في نقل الإجازة والسَّماع وينبغي للشيخ الص دق والد قة في نقل الإجازة والسَّ ماع لطلابه حال تدريسهم ، ويأمرهم بالص دق في النَّ قل عنه ، ويكون كذلك بالتفريق بين الإجازة والسَّ ماع فلا يخلط بينهما . قال الحافظ ابن حجر ـ رحمه الله ـ في (( معجمه )) (437/2) عن شيخه (( اجتمعت به ، وسمعت من فوائده ، وما أذكر أنني سمعت عليه شيئاً م س ن داً )). وقال ( 45/2) عن أحد شيوخه (( سمعت عليه مرة أخرى بإجازته ، إن صح ت الإجازة )) . وقال (227/2) عن آخر(( وسمعت على شيخنا مجلس خ ت م من البخاري ، وبعضها بقراءتي لس ماعِ ه له )).

عدد الصفحات ٤٠

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 40 وقال234/2) عن آخر (( سمعت عليه غالب الصحيح بقراءة الإمام جمال الدين محمد .. وكنت أعارض بنسخته ، وما أظن فاتني إلا اليسير ، نعم لم أحض ر مجلس الختم )). قال الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في (( طبقات القراء )) (ص/1132: ) (( يقول المقصاتي : قرأت على شيخي تفسيره ، فلمَّ ا بلغت إلى سورة الفجر ، قال لي : أنا أجيزه لك ، ولا تقول قرأته كله على الم ص ن ف ، يعني أن للنَّ فس في ذلك ح ظاً )). قال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (1/134) عن شيخه ابن الجندي : ((وألف كتاب البستان في الثلاثة عشر، قرأت عليه به سوى قراءة الحسن إلى قوله تعالى في سورة النحل {إنَّ الله يأمر بالعدل والإحسان } [ :74 ] فمرِ ض وأجازني بذلك )). قال أيضاً (2/57) عن محمد بن أحمد بن شهريار : (( فلقيني بأنطاكية متوجهاً إليَّ إلى الشام ، فق رأ عليَّ للعشرة بعض القرآن وأجزته ، ثم توجه إلى مدينة لارندة فأقام بها ي قرئ الناس )) .

عدد الصفحات ٤١

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 42 باب حكاية من تعسَّ روا في الإجازات والسَّ ماعات ومن تسَ اهلوا فيها قال الحافظ الذهبي رحمه الله في (( معجمه )) (ص/123) عن شيخه : (( وكان ص ع ب المِ ر اسِ ولا سيما في كتابة الإجازات )) . وذكر(ص/347) عن أحد شيوخه أنه أتى إلى منزله ، وطلب منه الس ماع ، فم نِ ع عليه وما خ ر ج إليه . قال (ص/374) عن أحد شيوخه(( تلا بالسَّ ب ع ، ولم يكن عليه ض وء في د ينه ، ح م لني الش دة على الس ماع من مثله )). وقال الحافظ ابن حجر رحمه الله في (( معجمه ))(537/1) عن شيخه (( كان عسراً في الرواية ض جراً عام ياً أم ياً )) . وقال (434/1) عن آخر(( وكان عسراً في التحديث ، فسهَّل الله لي خ ل قه ، إلى أن أكثرت عنه في مدة يسيرة ، بحيث كان يجلس لي أكثر النَّ هار )) . وقال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (2/53) عن أبي عبد الله محمد بن بصخان الدمشقي ـ شيخ مشايخ الإقراء بالشام ـ : (( ويجلس للإقراء وهو في غاية التصميم ؛ لا يتكلم ولا يلتفت ولا يبصق ولا يتنحنح وكذلك من عنده ، ويجلس القارئ إليه وهو يشير بالأصابع لا يد ع ه

عدد الصفحات ٤٢

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 43 يترك غنَّ ة ولا تشديداً ولا غيره من دقائق التجويد حتى يأخذه عليه ويرد ه إليه ، وإذا نسي أحد وجهاً من وجوه القراءة يضر ب بيده على الحصير ، فإن أفاق القارئ ورجع إلى نفسه أمضاه له ، وإلا لا يزال يقول للقارئ : ما فرغت حتى يعييه ، فإذا عيي ردَّ عليه الحرف ثم يكتبه عليه ، فإذا ختم وطلب الإجازة ، سأله عن تلك المواضع التي نسيها أو غلط فيها في سائر الختمة ، فإن أجاب عنها بالصواب كتب له الإجازة ، وإن نسي ، قال له : أعد الختمة فلا أجيزك على هذا الوجه ، وهكذا كان دأبه على هذه الحال بحيث إنه لم يأذن لأحد سوى اثنين وهما : السيف الحريري وابن نحلة حسب لا غير في جميع عمره مع كثرة من قرأ عليه وقصده من الآفاق )). وقال (2/145) عن شيخه الإمام العلامة المقرئ شمس الدين ابن الصائغ الحنفي : (( ولم يكن له تفر غ للقراءات ، فلما رحل إليه الشيخ عمر الخفاف للديا ر المصرية قصده للقراءة عليه فامت ن ع ؛ واعتذر بعدم الفراغ إلا أن يكون ليلاً ... ثم إني لما رحلت إليه جمع بيني وبينه شيخنا ابن الجندي ، فسألته القراءة عليه فامتنع علي ، ـ فلما رأى أهليتي ـ ؛ أذن لي أن آتي إليه في الليل ، فكنت آتي إليه نصف الليل وبعده ، فقرأت عليه ختمةً جمعاً بالقراءات السبع بمضمن الشاطبية والتيسير والعنوان في تلك السنة .

عدد الصفحات ٤٣

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 44 ثم رحلت إليه الرحلة الثانية ، فقرأت عليه جمعاً للسبعة والعشرة بمضمن عدة كتب حسبما في إجازته من الصائغ ، فكنت آتي ه ليلاً ، فوالله ما أعلمني جئت إليه في وقت من الأوقات في الليل إلا وخرج إلي ، فجلس على صفة اتجاه داره فقرأت عليه ، فلما أن ختمت عليه الختمة الثانية ـ وكتب لي الإجازة بخطه ـ ، سألته أن يذهب إلى ش يخنا جمال الدين عبد الرحيم الأسنوي شيخ الشافعية فذهب إليه ، وهو بالمدرسة الناصرية من القاهرة فأشهد ه ، وما كان شيخنا الأسنوي يعلم أني أقرأ القراءات (!) . فقال له : والقراءات أيضاً ؟ فقال : وغيرها من العلوم ، ثم قال بحضوري : ياسيدي ــ ادع الله أن يطيل عمره ــ ، فقال : ما رأينا شخصاً ذكياً مثل هذا الشاب يكون عمره طويلاً ، فرفعا أيديهما ؛ وأنا أنظر ، ودعيا لي بطول العمر ، وقد استجاب الله منهما ، ولله الحمد فلا أعلم أحداً اليوم هو على وجه الأرض يروي عنهما غيري ـ رحمهما الله ـ )) . قال أيضاً (1/343: ) ((حدثني شيخنا أبو بكر بن أيدغدي الشمسي ، قال : حكى لنا شيخنا الصائغ ، قال : لما وصلت في القراء ات على شيخنا ابن ناشرة إلى سورة الفجر (منعني الختم) ؛ كأنه استصغرني على الإجازة ، قال : فشقَّ ذلك عليَّ . وجئت إلى شيخنا الكمال الضرير فعر فته ، فقال : إذا كان الغد ، وجلس

عدد الصفحات ٤٤

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 45 الشيخ خ ذ بيدي إليه ، قال فلمَّ ا أصبحنا ، وجاء الشيخ أتيت الكمال الضرير فأخذت بيده من موضعه إلى عند ابن ناشرة فتحدثا ساعة . ثم قال : لما لم تدع هذا يختم ؟ فقال : يا سيدي الناس كثير وهذا صغير ، والله يعلم متى ينقرض هؤلاء الذين قرؤوا علينا ، قال : فأمسك الشيخ الكمال بفخذيه وقال : اسمع نحن نجيز من دب ودرج عسى أن ينبل منهم شخص ينفع الناس ون ذك ر به ، ومايدريك أن يكون هذا وأشار إلي . قال : فوالله لقد كانت مكاشفة من الشيخ كمال الدين ، فإنه لم يبق على وجه الأرض من أولئك الخلائق من يروي عنهما غيري )) . وذكر الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في (( طبقات القراء )) (ص/1233 ) عن أحد شيوخه : (( وكان يجلس لنا وقتاً يسيراً ، فلا يتمكن الطالب من الأخذ عنه إلا بالملازمة مع الط ول ، فلهذا لم أقرأ عليه ، كان مشغولاً بحضور الوظائف )). وقال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (1/434) عن شيخه أمين الدين أبي محمد ابن السلار : (( وهو أول شيخ انتفعت به ولازمته ، وصححت عليه الشاطبية دروساً وعرضاً ، وتلوت عليه ختمةً بقراءة أبي عمرو ـ فأجازني ـ وأنا مراهق دون البلوغ بكثير ، وختمت بقراءة حمزة ، وقصدت الجمع عليه ـ فمنعني ـ لسوء الوسائط ! ،

عدد الصفحات ٤٥

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 46 فقرأت عليه لنافع وابن كثير جمعاً إلى أواخر سورة الرعد ، ــ ورأيت الأمر يطول علي ــ فانقطعت عنه لذلك )) . وقال الحافظ الذهبي ـ رحمه الله ـ في (( طبقات القراء )) (ص/1172) عن أحد شيوخه : (( ورحلت إليه ـ [وكان الإمام الذهبي ابن 21 سنة ]ـفوجدته قد أ ض ر وأص م .. فقرأت عليه الفاتحة وآيات من البقرةفما أعجبه ]إذا أردت أن ت ق رأ علي فامض إلى تلميذي فلان ، فصح ح عليه ثم اع رض علي ، ــ فرأيت أن هذا أمر يطول ــ ، فزه دني فيه أني كنت لا أدخل عليه إلا بمشق ة ، وأ من ع مر ة ، وي ؤذن لي أخرى ، وأيضاً فكنت لا أقرأ نحواً من ربع حزب ج م عاً ، حتى ينقطع صوتي لمكان صممه )). وقال الحافظ الس معاني في (( المنتخب )) (331/2) عن شيخه (( وكان شيخاً عسر الخلق ، نكداً ، غير راغب في الخير ... فلما دخلنا داره ، ز ع ق ، فقال : اخر جوا من داري! )) . وذكر الحافظ ابن حجر في (( معجمه )) (353/2) عنـ شيخه ابن الصيرفي ـ ما حكاه البرهان فقال : (( فالتمست منه السَّ ماع فأبى إلا أ جرة ، فأعطاه شخص شيئاً فسخ طه ، فل م أس م ع منه شيئاً ، ثم لقيته سنة ست وثمانين ، وسمعت منه مع غيري ض م ناً )).

عدد الصفحات ٤٦

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 47 وقال الإمام ابن الجزري ـ رحمه الله ـ في (( غاية النهاية )) (1/221) عن أبي علي المجاهدي المضري الم قرئ : (( قيل : إنه كان يأخذ على الإنسان الختمة بدينار )) . وقال أيضاً في (1/433) عن ابن القلال الجزايري (( وأخبرني بعض شيوخنا أن ابن القلال هذا كان لا ي جيز أحداً ممن ي قرأ عليه إلا بج ع ل ، وأنَّ شخصاً رحل إليه من بلاد بعيدة فلما أكمل عليه القراءات ؛ سأله بالإجازة ، فطلب منه الج عل ! ، وكان فقيراً فشقَّ عليه ذلك ، وتوجه مكسور الخاطر ، وبات تلك الليلة فرأى النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ في النوم ، فكأنه سأله عن حاله فأخبره وشكا إليه من قول الشيخ ، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : لا عليك ارجع إليه غداً ، وقل له بأمارة زمراً زمراً ، فلما أصبح غدا إلى الشيخ وأخبره الخبر . فقال : صدقت يا بني ، وبكى واستغفر الله مما مضى ، وعاهد ألا يأخذ شيئاً ممن يقرأ عليه وأجازه ، فس ئل عن ذلك فقال : كنت ليلة أقرأ فوصلت إلى قوله تعالى {ثم أورثنا الكتاب الذين اصطفينا من عبادنا} [32] {جنات عدن يدخلونها } [23] كلهم جملة واحدة أو كيف ؟ ثم نمت فرأيته صلى الله عليه وسلم وهو يقول : زمراً زمراً أو كما قال .

عدد الصفحات ٤٧

( إرْ شَادُ العِ بَاد) : إلى أهمية الإجازة والسَّ ماع وعُ لو الإسْ نَاد 48 وقال أيضاً في2/115) عن أبي العز الواسطي القلانسي (( قال السمعاني: سمعت المبارك بن غالب المفيد يقول : قرأ على ابن ميمون ص ب ي كان يسمع معنا على أبي العز وما كان يحسن يقرأ ، فكتب له في الإجازة قرأ فلان وجوَّد ، فقلنا له : كيف جوَّد القراءة ؟ فقال : جو د للذ ه ب ! . وقال ابن النجار : سمعت ابن البندنيجي يقول : سألت شيخنا أحمد بن العاص : هل قرأت على أبي العز؟ فقال : لما قدم بغداد أردت أن أقرأ عليه ، فطلب مني ذهباً ، فقلت : والله إني قادر على ما طلبت مني ، ولكن لا أعطيك على القرآن أجراً ، فلم أقرأ عليه . قلت [: نص الفقهاء على أن أخذ الأجرة على الإقراء لا يشين المقرئ )) . وقال ( 1/223) عن الحسين بن علي أبي العباس الحلبي عن شيخه أبي طاهرعبد الواحد : (( روى عنه الداني أنه قال : لم يمنعني أن أقرأ على أبي طاهر إلا أنه كان فضيعاً ، وكان يجلس للإقراء وبين يديه مفاتيح ، فكان ربما يضرب بها رأس القارئ إذا لحن ، فخفت ذلك ، فلم أقرأعليه )) .

عدد الصفحات ٤٨