المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

ما قال فيه ابن عثيمين لا أصل له

غير معروف

صفحة ٤ من ٢٢

49 فأنكحوه) وامرأة ثابت بن قيس بن الشماس رضي الله عنه أتت إلى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وقالت: يا رسول الله! ثابت بن قيس لا أعيب عليه في خلق ولا دين. فدل هذا على أن المعتبر كله هو الخلق والدين. أما ما اشتهر عند الناس الآن من كونه لا يزوج أحدا من غير قبيلته، أو لا يزوج أحدا إلا من أبناء أخيه الأقربين، أو يقول مثلا: أنا قبيلي وأنت غير قبيلي فلا أزوجك! أو يقول غير القبيلي للقبيلي: لا أزوجك.. فهذا كله غلط ولا أصل له ، بل يزوج القبيلي من ليس بقبيلي، ويزوج غير القبيلي من كان قبيليا، وأكرم الخلق عند الله أتقاهم، وهذه كلها من الرواسب التي لا ينب غي للإنسان أن يعتبرها أبدا، والعبرة بالخلق والدين، ألم تعلموا أن كثيرا من الأحاديث التي نقلت إلينا إنما نقلها من ليسوا من العرب، وأثروا بها الدين الإسلامي، وما أكثر العلماء الذين ليسوا من العرب، فلهذا أرجو ألا يلتفت الناس إلا إلى شيئين فقط وهما: الخلق والدين.". (1) 31-"اللقاء الشهري 53]1،2) فضل العشر من ذي الحجة الحمد لله رب العالمين، وأصلي وأسلم على نبينا محمد خاتم النبيين وإمام المتقين، وعلى آله وأصحابه ومن تبعه م بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا في هذه الليلة ليلة السابع عشر من شهر ذي القعدة عام ثمانية عشر وأربعمائة وألف نلتقي بإخواننا كجاري العادة في اللقاءات الشهرية التي نسأل الله سبحانه وتعالى أن ينفعنا بها وينفع كل من بلغته من الناس. وبما أن شهر ذي الحجة قد قرب والمسملون يتهيئون إلى الحج إلى بيت الله الحرام رأيت من المناسب أن يكون لقاؤنا هذه الليلة حول هذين الموضوعين: الموضوع الأول: عشر ذي الحجة. هذه العشر قال فيها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر، قالوا: ولا الجهاد في سبيل الله؟ قال: ولا الجهاد في س بيل الله، إلا رجل خرج بنفسه وماله فلم يرجع من ذلك بشيء) وبناء على هذا الحديث الشريف: ينبغي لنا أن نجتهد في الأعمال الصالحة في هذه الأيام العشر من الصيام والذكر وقراءة القرآن، وكثرة الصلاة والصدقة و الإحسان إلى الخلق، وغير ذلك مما يقرب إلى الله تبارك وتعالى، فإن العمل الصالح في هذه الأيام العشر أفضل من العمل الصالح في الأيام العشرة الأخيرة من رمضان؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عمم تعميما مؤكدا بمن فقال: (ما من أيام العمل الصالح فيهن أحب إلى الله من هذه الأيام العشر). وينبغي لطلاب العلم أن يبثوا الوعي بين الناس في فضائل هذه الأيام العشر؛ لأن الناس عنها غافلون، وبفضلها جاهلون، فيحتاجون إلى التذكير وإلى المعرفة والعلم، وآكد أيامها في الصيام يوم عرفة، فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم سئل عن صوم يوم عرفة فقال: (أحت سب على الله أن يكفر السنة التي قبله والسنة التي بعده). وأما ما يفعله بعض الناس من تخصيص السابع والثامن والتاسع بالصوم ظنا منهم أن لذلك مزية، فهذا غلط، لكن من كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام من كل شهر وصام السابع والثامن والتاسع عن الأيام التي كان يعتادها فلا بأس، أما أن يقول: إنه من السنة صوم السابع والثامن والتاسع، فهذا لا أصل له، فبالنسبة (1) اللقاء الشهري 46/7

عدد الصفحات ٤٩

50 للعشر إما يوم عرفة فقط وإما العشر كلها، أما من كان من عادته أن يصوم ثلاثة أيام من الشهر وجعل السابع والثامن والتاسع هي الأيام فلا حرج عليه. ...... الأضحية ومما يتعلق بهذا الأضحية، الأضحية التي شرعها النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم بقوله وفعله، فقد أمر بها وقام بها عليه الصلاة والسلام، وكان من عنايته بها أنه يخرج بأضحيته إلى مصلى العيد ليشهرها ويعلنها، فيذبحها هناك ويأخذ منها ما يريد أن يأكل ويتصدق بالباقي، فالأضحية شعيرة من شعائر الإسلام، وليس المراد منها أن يتصدق الإنسان بلحمها على الفقراء، لكن هذا من بعض ما يقصد بها. والمقصود الأعظم بها -أي بالأضحية- التقرب إلى الله تعالى بالذب ح، وبهذا نعرف أن ما يصدر من بعض الناس من الدعوة إلى جلب الدراهم ليضحى بها في بلاد بعيدة أن ذلك صادر عن جهل؛ لأنه ظن أن المقصود بالأضحية ما يؤكل من لحمها، ولكن الله في القرآن يقول: لن ينال الله لحومها ولا دماؤها ولكن يناله التقوى منكم37] بلادكم، لا تخرجوا بها إلى بلاد أخرى؛ إظهارا للشعيرة، وتبيانا لها بين الأهل والأولاد، ولتباشروا أنتم ذبحها في بيوتكم إذا أمكن، فتذكروا اسم الله عليها، وتأكلوا منها؛ حتى توافقوا هدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال الله تعالى: فاذكروا اسم الله عليها صواف فإذا وجبت جنوبها فكلوا منها وأطعموا 36] المقصود التعبد لله تعالى بنحرها تعظيما له جل وعلا، وهذا يفوت بلا شك إذا أعطيت دراهم يضحى بها في بلاد بعيدة م إنك إذا أعطيت هذه الدراهم لا تدري أيضح ى بشيء مجزئ أو غير مجزئ، ولا تدري -أيضا- هل يذبحها من يوثق بمعرفته في الذبح وبدينه، ولا ندري أيمكن أن تذبح في أيام الأضحية أم لا؛ لأن الأضاحي التي تبذل قد تكون كثيرة جدا، لا يستوعبها الناس في ثلاثة أيام أو أربعة، وربما لا يصل الخبر إلا بعد، والمقصود: أن إعطاء الدراهم ليضحى بها في بلاد ولو كانت أفقر البلاد لا يحصل به المقصود الشرعي من الأضحية. أما إخواننا في البلاد الأخرى من الفقراء فالباب واسع -ولله الحمد- يرسل إليهم دراهم، يرسل إليهم أطعمة، يرسل إليهم ألبسة، يرسل إليهم فرش، وغير ذلك من أنواع المنافع، أما أ ضحية .. شعيرة .. نسيكة قرنها الله تعالى بالصلاة فقال: فصل لربك وانحر [2]162] الله عليها، فلا ينبغي أبدا أن تذبح خارج البلد، والذي أحث عليه أن تذبح في نفس ا لبيت إذا أمكن ولم يتيسر أن تذبح في مصلى العيد. الله الله -أيها الإخوة- لا تعصف بكم العاطفة حتى تغفلوا عن مقاصد الشريعة....... الحج وأهم شروطه ومما نريد أن نبحث فيه في هذا اللقاء: مسألة الحج. الكثير من المسلمين يعلمون أن الحج أحد أركان الإسلام التي لا يتم إلا بها ولكن بشروط أهمها: القدرة والاستطاعة، لقول الله تعالى: ولله على الناس حج البيت من استطاع إليه سبي عمران: 97]

عدد الصفحات ٥٠

51 من يحج عنه، وبهذا نعرف قلة فقه الذين يكو ن عليهم الدين فيذهبون ويحجون، أو ربما يستدينون ليحجوا، فهذا خطأ، احمد الله على العافية، إذا كان الله قد أوسع عليك ولم يوجب عليك الحج إلا بعد أن تقضي دينك فاحمد الله على ذلك، أنت مطالب بالدين ولست مطالب بالحج ما دام عليك دين، أرأيتم الفقير هل نلزمه بالزكاة؟ لا. من ليس عنده مال أو عليه دين لا نلزمه بالحج، وإذا لقي الله عز وجل يلقى الله تعالى وهو غير ناقص الإسلام، لماذا؟ لأن الله لم يوجبه عليه، إنما يجب على من استطاع إليه سبيلا. يقول بعض الناس: أنا أستأذن من الدائن وأحج. نقول: ماذا ينفعك الاستئذان؟ هل إذا استأذنت يسقط عنك شيء من الدين؟ الجواب: لا يسقط، إذا ما هي الفائدة؟ أنت إذا كان عليك عشرة آلاف دين وحججت بألفين اجعل الألفين في قضاء دينك، كم يبقى عليك؟ ثمانية، احمد الله على العافية. لو أذن لك الدائن وقال: لا بأس حج، فحججت هل تكون العشرة ثمانية؟ لا. إذا لا فائدة، لكن الذي عليه دين ويعرف أنه كلما حل منه شيء فإذا هو واجد لوفائه فهذا إذا توفر عنده مال للحج فليحج، وأضرب لذلك مثلا للذين في ذمتهم دين لصندوق التنمية العقاري، يقول: أنه إذا حل علي القسط فأنا واجد، لكن الآن عندي مال أستطيع أن أحج به، وإذا حل القسط أديت ما علي. نقول: نعم، حج، لأن هذا الدين لا يمنع من وجوب الحج، لكن إنسانا ليس عنده شيء ولا يثق بنفسه أن يوفي إذا حل الدين فلا يحج حتى لو أذن له صاحب البيت....... أهمية معرفة أحكام الحج والذي يجب على الإنسان إذا أراد الحج أن يفقه أحكام الحج قبل أن يحج؛ لأن من شرط العبادة: الإخلاص لله والمتابعة لرسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، ولا يمكن المتابعة إلا بمعرفة كيف كان الرسول يحج، إذا تعلم أحكام الحج قبل أن تحج، وبهذه المناسبة أحث إخواننا أئمة المساجد أن يقرءوا على الناس أحكام الحج ويفهموهم بقدر الاستطاعة، وال كتب -والحمد لله- موجودة، وهناك كتب في الحج خاصة، من ذلك على سبيل المثال: كتاب الشيخ عبد العزيز بن باز " التحقيق والإيضاح " وكتابنا " المنهج لمريد العمرة والحج " أو " مناسك الحج والعمرة " ومناسك أخرى للعلماء الموثوقين، تقرأ على الناس، ويفسر لهم المشكل. ولهذا أقول: ينبغي لمن كان معهم حملة حملوا فيها كثيرا من الناس أن يكون معهم طالب علم يبين للناس، إذا جلسوا للفطور أو جلسوا للغداء أو جلسوا للعشاء يقرأ عليهم ويعلمهم، ما أكثر الذين يأتون بعد سنة أو سنتين يقصون علينا ما فعلوا في حجهم وإذا بهم قد تركوا ركنا من أرك ان الحج، وهذا شيء عظيم، يأتيك إنسان ويقول: والله أنا في اليوم الفلاني طفت طواف الإفاضة -وطواف الإفاضة ركن من أركان الحج - يقول: طفت طواف الإفاضة واحتجت إلى أن أنقض الوضوء وذهبت ونقضت الوضوء م رجعت وأكملت الطواف، ما بدأت من جديد. هذا لا يصح طوافه، نقول: يلز مك الآن أن تذهب إلى مكة وتحرم بعمرة من الميقات وتطوف وتقصر للعمرة م تطوف طواف الإفاضة، وربما يكون هذا المسكين قد تزوج ونكاحه غير صحيح عند كثير من العلماء؛ لأنه لم يحل التحلل الثاني، فالمسألة خطيرة، ولهذا أكرر وأقول: ألا يحج أحد حتى يعرف أحكام الحج.

عدد الصفحات ٥١

52 من أحكام الحج وأحكام الحج تخفى على كثير من الناس حتى على بعض طلبة العلم؛ لأن الحج ليس كالصلاة يتكرر كل يوم ويعرف، أو الصيام الذي يتكرر كل سنة ويعرف، لكنه في العمر مرة واحدة؛ لذلك يتأكد على الإنسان أن يتعلم أحكام الحج قبل أن يحج. فلنبدأ الآن بشرح أحكام الحج وكأن نا سافرنا من بلادنا إلى مكة: ينبغي للإنسان عند السفر أن يتأهب للسفر، وذلك بأن يوفر معه النفقة -الدراهم - والطعام والشراب والفرش في أيام الشتاء، لأنه ربما يحتاجه هو في أمر لم يكن طرأ على بال ه، وربما يحتاجه أحد من رفقته فيحسن إليه بالصدقة، أو الهدية، أو القرض ، فينبغي لمن أوسع الله عليه أن يتأهب بأكثر مما يتصور أنه يحتاجه حتى ينفع غيره. م ليحافظ على الصلوات بواجباتها وشروطها، يتطهر بالماء إذا أمكن فإن لم يمكن فبالتيمم، ويؤديها في وقتها، ويصليها قصرا من حين أن يخرج من بلده إلى أن يرجع إليه ولو طالت المدة، اقتدا ء بالرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، قال أنس بن مالك رضي الله عنه: (لم يزل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يصلي ركعتين منذ خرج من المدينة حتى رجع إليها) وقال لما سئل: (كم أقام في مكة؟ قال: عشرة) يعني: عشرة أيام. أما الجمع فالجمع إن كان سائرا -يعني: يمشي- فالأفضل أن يجمع إما جمع تقديم أو جمع تأخير حسب الأيسر له، وإن كان نازلا فالأفضل ألا يجمع وإن جمع فلا بأس؛ لأنه مسافر، لكن إذا كان في مكة أو غيرها من البلاد مقيما فإنه يلزمه أن يصلي مع الجماعة، فإن فاتته صلى ركعتين. فإذا وصل إلى الميقات اغتسل كما يغتسل ل لجنابة، وتطيب بأطيب ما يجد على رأسه ولحيته، م لبس ثياب الإحرام إزارا ورداء، والأفضل أن يكونا أبيضين نظيفين، م يلبي، والمرأة ليس لها لباس مخصوص في الإحرام، تلبس ما شاءت، إلا أنها لا تلبس ثيابا يعتبر زينة؛ لأن الناس سوف يشاهدونها، بل تلبس ثيابا بذلة، تلبس العباءة، وتلبس الثياب التي لا تلفت النظر. م يقول -ونحن الآن نريد أن نجعل نسكنا تمتعا - يقول: لبيك عمرة، ولا يحتاج أن يقول: متمتعا بها إلى الحج؛ لأنه قد نوى بقلبه أنه سيحج: لبيك عمرة، لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شرك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك لا شريك لك، ويرفع الرجل بها صوته، وليعلم أنه لا يسمعه شجر ولا حجر ولا مدر إلا شهد له يوم القيامة بهذه التلبية، ومضمون التلبية: إجابة الله عز وجل؛ لأن لبيك بمعنى: أجبتك، قال الله تعالى: وأذن في الناس بالحج 27]27 ] أي: على أرج لهم وعلى كل ضامر 27]27] يأتين من كل فج عميق 27] في تلبيته إلى أن يشرع في طواف العمرة فيدخل المسجد الحرا م ويقدم رجله اليمنى عند الدخول ويقول كما يقول إذا دخل غيره من المساجد، وليقصد الحجر الأسود يستلمه ويقبله إن تيسر فإن لم يتيسر أشار إليه، ويقول: باسم الله والله أكبر، اللهم إيمانا بك وتصديقا بكتابك، ووفاء بعهدك، واتباعا لسنة نبيك محمد صلى الله عليه وعلى آله و سلم. ويجعل البيت عن يساره، ويقول في طوافه ما شاء من ذكر ودعاء وقراءة قرآن، وفيما بين الركن اليماني والحجر الأسود يقول: ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة وقنا عذاب النار. في هذا الطواف يضطبع الرجل بردائه في كل الأشواط السبعة، ويرمل في الأشواط الثلاثة فقط، ويمشي في الباقي. والرمل: هو إسراع المشي، وهذا إذا تيسر أما إذا لم يتيسر الرمل لكون الزحام شديدا

عدد الصفحات ٥٢

53 فالأمر واسع-ولله الحمد- فإذا أتم سبعة أشواط صلى ركعتين خلف المقام إن تيسر، وإن لم يتيسر ففي أي مكان من المسجد، يقرأ في الأولى: قل يا أيها الكافرونافرون:1]1] هاتين الركعتين، وينصرف بعد السلام مباشرة بدون دعاء، فيتجه إلى الصفا ، فإذا قرب من الصفا قرأ: إن الصفا والمروة من شعائر158]لة، ويرفع يديه داعيا وذاكرا ف يقول: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر، لا إله إلا الله وحده لا شريك له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، لا إله إلا الله وحده أنجز وعده، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، م يدعو بما أحب، م يعيد هذا الذكر مرة ثانية، م يدعو بما أحب، م يعيد الذكر مرة ثالثة، م ينزل متجها إلى المروة؛ يمشي مشيا معتادا حتى إذا وصل إلى العمود الأخضر سعى -يعني: ركض ركضا شديدا - فإن الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان يسعى حتى إن إزاره ليدور به من شدة السعي. وإذا كان المسعى زحاما فالأمر واسع -والحمد لله- يمشي حسب القدرة، وإذا كان معه نساء يخاف عليهن لو سعى فيمشي؛ لأن المرأة لا تسعى. م إذا تجاوز العلم الأخضر الثاني مشى على عادته حتى يصل إلى المروة، إذا دنا من المروة فلا يقول شيئا، العامة إذا دنوا من المروة قالوا: إن الصفا والمروة من شعائرلبقرة: 158] الذي كان يذكر الله به حتى يصعد على المروة ويتجه إلى القبلة ويرفع يديه داعيا وذاكرا بما فعل على الصفا ، ويسعى سبعة أشواط. كيف يسعى سبعة أشواط؟ الأشواط هنا -في السعي- ليست كأشواط الطواف، أشواط الطواف من الحج ر إلى الحجر، وأشواط السعي من الصفا إلى المروة هذا واحد، ومن المروة إلى الصفا هذا ثاني. يكمل سبعة أشواط وحينئذ نعرف أنه يبتدئ بالصفا وينتهي بالمروة ، فإذا رأيت أنك ختمت السعي بالصفا فاعلم أنك مخطئ، إما أنك زدت أو نقصت. إذا أتم السعي بقي عليه الآن الحلق أو التقصير، فأيهما أفضل؟ الأفضل هنا التقصير لوجهين: الوجه الأول: أنه الذي أمر به النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أصحابه حين قدم في اليوم الرابع وأمرهم أن يقصروا، أمر من لم يكن معه هدي أن يحل ويقصر. الوجه الثاني: أنه لو حلق وقد بقي مدة يسيرة للحج لم يبق للحج شعر، فنقول: وفر الشعر للحج واقتصر على التقصير، فإن قال قائل: هل التقصير يعم جميع الرأس أو جوانب الرأس؟ الجواب: إنه يعم جميع الرأس، المهم أنه يبقى الرأس وقد تبين وظهر أنه مقصر لا أنه غير مقصر، وبذلك يحل التحلل كله. بذلك -أي: بالطواف والسعي والتقصير- يحل الحل كله، حتى لو كان أهله معه جاز له أن يباشر أهله، انتهت العمرة، م يحرم بالحج في اليوم الثامن من مكانه الذي هو نازل فيه، إن كان نازلا في مكة فمن مكة ، أو في منى فمن منى ، أو في أي مكان من مكانه، يحرم بالحج فيغتسل كما سبق في العمرة ويتطيب ويلبس ثياب الإحرا م ويقول: لبيك حجا م يقول: لبيك اللهم لبيك، لبيك لا شريك لك لبيك، إن الحمد والنعمة لك والملك، لا شريك لك. هذا يكون ضحى اليوم الثامن، ويذهب إلى منى فينزل بها، فيصلي الظهر والعصر والمغرب والعشاء والفجر، كل صلاة في وقتها مقصورة، أي: الظهر والعصر والعشاء تكون على ركعتين، فإذا طلعت الشمس في اليوم التاسع سار إلى عرفة ، فينزل بنمرة إن تيسر وإن لم يتيس ر ذهب رأسا إلى عرفة ونزل في مكانه، فإذا زالت الشمس صلى الظهر. وينبغي لإمام الحجيج أن يخطب فيهم خطبة قبل أذان الظهر، يقرر فيها أصول الإسلام وحقوق الإسلام، ويبين أحكام النسك، م يؤذن لصلاة الظهر والعصر جمع تقديم

عدد الصفحات ٥٣

54 قصرا. لكن لو صادفت الحجة يوم الجمعة يصلي الجمعة أو لا؟ لا يصلي الجمعة، السفر ما فيه جمعة؛ لأن النبي صلى عليه وعلى آله وسلم صادف يوم عرفة في حجة الوداع يوم الجمعة ولم يصل الجمعة، صلى الظهر والعصر. م إذا فرغ من صلاة الظهر والعصر يتفرغ للدعاء والذكر، ويكثر الابتهال إلى الله عز وجل في آخر النهار، فإن الله تعالى يباهي الملائكة بأهل الموقف، فإذا غربت الشمس سار من عرفة إلى مزدلفة ملبيا؛ لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لم يزل يلبي حتى رمى جمرة العقبة، ويؤخر ال صلاة إلى أن يصل إلى مزدلفة فينزل بها، ويصلي المغرب والعشاء جمعا وقصرا ويبيت في مزدلفة إلى أن يطلع الفجر، فإذا طلع الفجر أذن وصلى الركعتين الراتبة م صلى الفجر، م جلس يدعو الله سبحانه وتعالى بما أحب إلى أن يسفر جدا. وليعلم أن عرفة كلها موقف وأن مزدلفة كلها موقف، ولكن ليتحرى أشد التحري في حدود عر فة ؛ لأن بعض الناس يقصر عن عرفة وينزل قبل أن يصل إلى حدودها، ويبقى في مكانه حتى تغيب الشمس م ينصرف إلى مزدلفة ، وهذا لا حج له، بل رجع بدون حج؛ لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (الحج عرفة ). كذلك مزدلفة كلها موقف، لا يلزم أن تذهب إلى المشعر الحرام، بل أي مكان وقفت فيه أجزأك. م تنصرف من مزدلفة إذا أسفر جدا إلى منى ، وبعد الانصراف من مزدلفة إلى منى ستفعل ما يأتي: أ مسائل تتعلق بالحج وهنا مسائل: ...... حكم من ترك المبيت في منى المسألة الأولى: لو أن الإنسان خرج م ن مكة في اليوم الثاني إلى عرفة رأسا ولم يبت في منى ؟ ما الحكم؟ الحكم أنه ترك سنة، إن نزل في منى قبل عرفة فهو أفضل وإلا فلا شيء عليه، لا فدية ولا إم ولا صيام ولا شيء، الدليل: أن رجلا من طيء - طيء : جبل حول حائل - أتى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يصلي الفجر يوم العيد في مزدلفة ، وأخبره بأنه أتعب نفسه وأكل راحلته -أتعبها- وأنه ما ترك جبلا إلا وقف عنده. فقال له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (من شهد صلاتنا هذه ووقف معنا حتى ندفع، وقد وقف قبل ذلك بعرفة ليلا أو نهارا فقد تم حجه وقضى تفثه)ولم يذكر الم بيت في منى ، فدل ذلك على أن المبيت في منى قبل يوم عرفة سنة، إن تيسر لك فهذا المطلوب وإن لم يتيسر فلا بأس. حكم من خرج من مزدلفة قبل الفجر خوفا من الزحام ورمى حين وصل مسألة أخرى: رجل خرج من مزدلفة قبل الفجر خوفا من الزحام، ورمى حين وصل إليها -قبل الفجر- جائز أو غير جائز؟ جائز، وقد قيده بعض أهل العلم بما إذا كان ضعيفا أو صغيرا لا يستطيع المزاحمة، لكن في وقتنا هذا كل يخشى المزاحمة، أليس كذلك؟ الصغير والكبير، فيما سبق لم يكن هناك زحام إلا قليل، ولا يشق الزحام إلا على شخص ضعيف جدا أو مريض، وأنا أدركت ذلك، أدركت أن الناس يرمون جمرة العقبة يوم العيد ونحن مخيمون عند مسجد الخيف نشاهد الذين يرمون، وتجدهم قليلا، فكان الناس يقولون: من كان ضعيفا أو مريضا أو صغيرا فليدفع خوفا من الزحام، أما الآن فالزحام موجود على الكبير والصغير والقوي والضعيف، وعليه فنقول: لا بأس أن يدفع الإنسان قبل الفجر، ومتى و صل إلى منى

عدد الصفحات ٥٤

55 رمى، وأما حديث: (لا ترموا حتى تطلع الشمس) فهو حديث فيه نظر، وقد ثبت في صحيح البخاري : أن ابن عمر يرسل أهله إليه من مزدلفة ويوافون منى عند الفجر أو نحو ذلك ويرمون، وكذلك كانت أسماء بنت أبي بكر تفعل ذلك. ومن المعلوم: أن الناس إذا وصلوا إلى منى قبل الفجر ممن رخص لهم هل سيبقون هكذا في الخيام حتى تطلع الشمس وترتفع؟ لا. أبدا، سيبدءون بالرمي، والرمي هو تحية منى كما قال العلماء، بمعنى: أنك من حين أن تدخل منى ارم الجمرة، كما أنك إذا دخلت المسجد تبادر بصلاة ركعتين. فالقول: بأن من جاز له الدفع من مزدلفة في آخر الليل لا يرمي إلا إذا طلعت الشمس قول ضعيف، والصواب: أنك متى وصلت ارم. حسن.. لو وصلت قبل الفجر ورميت، ونزلت إلى مكة وطفت قبل الفجر طواف الإفاضة؟ يجوز أو لا يجوز؟ يجوز. من لم يجد مكانا في منى ينزل حيث شاء مسألة أخرى: إذا لم يجد الإنسان مكانا في منى فأين ينزل؟ يقول بعض العلماء: ينزل حيث شاء، في مكة ، قريبا من الحجاج، في أي مكان؛ وعللوا ذلك: لأن مكان الفرض تعذر المبيت فيه فهو كما لو قطعت يد الإنسان من فوق المرفق فإنه يسقط عنه غسلها، فهو الآن تعذر عليه المبيت لتعذر المكان فله أن يبيت في أي مكان، وعندي أن الأحوط والأبرأ للذمة: أن يخيم عند آخر خيمة من الحجاج، ليكون مظهر الناس واحدا، ويتحد المكان ويشعر الناس أن بعضهم مع بعض. وقياسا على المسجد إذا امتلأ، إذا امتلأ المسجد هل نقول للإنسان: صل في أي مكان، أو صل حيث تتصل الصفوف؟ الثاني، إذا نقول: الأحوط والأبرأ للذمة أن تضع خيمة عند آخر خيمة من خيام الحجاج، سواء من جهة مكة أو من جهة مزدلفة ، أو من شمال أو من جنوب. حكم التوكيل في الرمي مسألة أخرى: إذا كان الإنسان لا يستطيع زحام الناس ككبير ومريض وامرأة وما أشبه ذلك، فهل له أن يوكل؟ في هذا خلاف بين العلماء: من العلماء من قال: إذا كان لا يستطيع سقط عنه الرمي، أخذا بقوله تعالى: فاتقوا الله ما استطعتم [16] قائما، فإن لم تستطع فقاعدا، فإن لم تستطع فعلى جنب) فأسقط عنه القيام مع أنه ركن؛ لأنه عاجز، فمن العلماء م ن قال: إذا عجز عن الرمي سقط عنه. ولا شك أننا في هذا الوقت في الزحام الشديد الإنسان الكبير الذكر الرجل القوي لا يكاد يتمكن من الرمي، وربما لا يرمي إلا من بعيد، يمكن تقع الحصاة في المكان أو لا تقع. والنساء في الواقع أمرهن مشكل، ضعيفات، متحجبات، محتشمات، أحيانا تخرج المرأة بلا عباءة، تسقط عباءتها مع الزحام، وأحيانا قد تكون نشأ فيها حمل فتسقط، وأحيانا تدوخ، وهذا والله لا يأتي به الإسلام؛ لأن الله قال في كتابه العظيم: لا يكلف الله نفسا إلا وسعها:286]78] والحمد لله؟! إذا كان الإنسان عاجزا عن الرمي فمن العلماء من قال: يسقط؛ لأن جميع الواجبات تسقط بالعجز. ومنهم من قال: فليوكل، واستند إلى حديث هو في السنن: أن الصحابة كانو ا يرمون عن الصغار، قالوا: فإذا كان الصحابة رض ي

عدد الصفحات ٥٥

56 الله عنهم وهم خير هذه الأمة، بل خير الناس كلهم إذا كانوا يتوكلون عن صبيانهم في الرمي دل هذا على جواز الرمي، وهم يفعلون ذلك مع وجود الرسول عليه الصلاة والسلام. وهذا القول أحوط وأبرأ للذمة: أن من يشق عليه الرمي فليوكل. الوكيل، هل نقول: ارم الثلاث عن نفسك م ارجع أو ارمها كلها في موقف واحد؟ الثاني، في موقف واحد؛ لأن هذا ظاهر فعل الصحابة رضي الله عنهم، لم يقولوا: فكنا نرمي عن أنفسنا م نرجع ونرمي عن صبياننا، فترمي سبعا عن نفسك أولا م عن موكلك في الأولى، م في الثا نية كذلك م في الثالثة. مسألة أيضا: إذا وكل الإنسان من يرمي عنه، فهل يجوز أن يخ رج من منى قبل أن يرمي الوكيل؟ الظاهر نعم يجوز؛ لأن بقاءه في منى إلى ما بعد الزوال إنما هو من أجل الرمي، والرمي الآن سقط عنه وتعلق بالوكيل فله أن يخرج، لكن ليس له أن يطوف طواف ال وداع حتى يرمي الوكيل، وعلى هذا فل يحدد وقتا معينا، يقول لوكيله: متى تظن أنك تنتهي من الرمي؟ قال: أظن أنني أنتهي من الرمي الساعة الثانية، فإذا تمت الساعة الثانية حينئذ يطوف للوداع ولا حرج، هذا إن لم يكونوا قد تواعدوا أن يكون طواف وداعهم وهم جميع، فهنا ينتظر حتى يأتي رفقته ويطوفون جميعا. ولعلنا نقتصر على هذا القدر. لا يلزم على الحاج زيارة المدينة هنا مسألة خارجة عن النسك: هل يلزم الإنسان إذا حج أن يذهب إلى المدينة أو لا يلزم؟ لا يلزم، ولا علاقة لزيارة المدينة بالحج إطلاقا، هذا شيء وهذا شيء، زيارة المدينة في أ ي وقت. ولتعلم أنك إذا زرت المدينة فإنما تقصد المسجد النبوي لقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، ومسجدي هذا، والمسجد الأقصى) لكن من المعلوم أن الإنسان إذا ذهب وصلى في المسجد النبوي أنه سوف يزور النبي عليه الصلاة و السلام، فيسلم عليه، ويجعل وجهه إلى القبر الشريف وظهره إلى القبلة، ويسلم على النبي عليه الصلاة والسلام، فإن قال قائل: ما هو أفضل سلام على الرسول؟ قلنا: أفضل سلام على الرسول ما علمناه الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم حيث علمنا أن نقول: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته. هذا أفضل سلام، ولا حاجة أن نطول ونسجع: السلام عليك يا من بالمؤمنين رءوف رحيم، السلام عليك يا خيرة خلق الله، وما أشبه ذلك، كان ابن عمر رضي الله عنهما إذا سلم يقول عليك يا رسول ابة، لكن لا بأس أن تسلم بما علم الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته: السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته، اللهم صل على محمد وعلى آل محمد -إذا زدت هذا فلا بأس- اللهم صل على محمد وعلى آل محمد، كما صليت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد، الل هم بارك على محمد وعلى آل محمد، كما باركت على إبراهيم وعلى آل إبراهيم إنك حميد مجيد. م بعد ذلك تخطو عن اليمين خطوة واحدة لتسلم على أبي بكر رضي الله عنه، تقول: السلام عليك يا خليفة رسول الله! رضي الله عنك، وجزاك عن أمة محمد خيرا، وتقول كذلك بالنسبة لعمر رضي الله عنه، وتنتهي. وإذا شئت أن تخرج إلى مسجد قباء بعد أن تتطهر في بيت ك وتصلي فيه ركعتين في غير وقت النهي فهذا حسن؛ لأن من تطهر في بيته وخرج وصلى في قباء ركعتين كان كعمرة، وتسلم -أيضا- على أهل البقيع وفيهم عثمان رضي الله عنه الخليفة الثالث للمسلمين، تسلم عل يهم بما ك ان الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم يسلم: السلام عليكم دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم

عدد الصفحات ٥٦

57 والمستأخرين، نسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتنا بعدهم، واغفر لنا ولهم. كم زرنا من القبور الآن؟ قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وقبر صاحبيه، والبقيع، كذلك تخرج إلى أحد لتسلم على الشهداء هناك، وأجلهم حمزة بن عبد المطلب ، تسلم عليهم بما يسلم به الرسول عليه الصلاة والسلام على أهل القبور. ولا يجوز أبدا أن يعتقد الإنسان أن الرسول عليه الصلاة والسلام ينفعه أو يضره، أو ينجيه من الشدة أبدا؛ لأن ذلك لله عز وجل وحده، قال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو يوصي ابن عباس : (اعلم أن الأمة لو اجتمعوا على أن ينفعوك بشيء لم ينفعوك إلا بشيء قد كتبه الله لك، ولو اجتمعوا على أن يضروك بشيء لم يضروك إلا بش يء قد كتبه الله عليك) وأمر الله نبيه أن يقول علنا: قل إني لا أملك لكم ضرا ولا رشدا 21] أملك لنفسي نفعا ولا ضرا إلا ما شاء الله ولو كنت أعلم الغيب لاستكثرت من الخير وما مسني السوء 188] وقال الله له: قل لا أقول لكم عندي خزائن 50] الغيب ولا أقول لكم إني ملك 50] (كنت مع النبي صلى الله عليهوعلى آله وسلم في بعض طرق المدينة ، وكان رضي الله عنه على جنابة، فانخنس -يعني: ذهب بخفية- واغتسل م جاء، فقال: أين كنت؟ -الذي يقول: أين كنت يعلم أو لا يعلم؟ لا يعلم - أين ك نت؟ قال: كنت جنبا فكرهت أن أجالسك وأنا على غير طهارة، فقال: سبحان الله! إن المؤمن لا ي نجس). يدخل بيته أحيانا ولا يعلم ما الذي فيه، دخل يوما البيت وطلب طعاما، وتعذروا منه فقال لهم: (ألم أر البرمة على النار؟) -وهو لا يعلم ما الذي فيها- قالوا: بلى، لكن هذا لحم تصدق به على بريرة - بريرة أمة اشترتها عائشة وأعتقتها، وبقيت عند عائشة تخ دم- قالوا: هذا لحم تصدق بها على بريرة، هل كان يعلم؟ ما كان يعلم، يرى البرمة على النار لكن لا يعلم ما الذي فيها. فقال عليه الصلاة والسلام: (هو عليها صدقة ولنا هدية) وإنما قالوا: إنه لحم تصدق بها عليها؛ لأنه صلى الله عليه وعلى آله وسلم من خصائصه: أنه لا يأكل الصدقة، ومن باب أولى ألا يأكل الزكاة، أما أهل البيت فلا يأكلون الزكاة ويأكلون الصدقة، الصدقة تعتبر حلال لأهل البيت لكن الزكاة حرام عليهم. أسأل الله لي ولكم الإخلاص في العمل، والمتابعة للرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأسأله تعالى أن يحشرنا في زمرته وأن يسقينا من ح وضه، وأن يدخلنا في شفاعته، وأن يجمعنا به في جنات النعيم.". (1) 32-"لا يشترط رضا الزوجة في الطلاق ـــــــــــــــــــــــــــ [ المطلقة وشهادة الشهود، ويكتفي بهذا بوقوع الطلاق دون التأكد من حال المرأة حين الطلاق لأن ذلك متعذر، فهل هذا الإجراء سائغ شرعا أم لا؟ وماذا يجب علي للتأكد من حال المرأة جزاك الله خيرا؟ (1) اللقاء الشهري 53/1

عدد الصفحات ٥٧

58 الجواب: أولا: هل يشترط حضور المرأة ورضاها بالطلاق؟ لا يشترط، للرجل أن يطلق زوجته ولو كانت غير حا ضرة ولو كانت غير معروفة، هو إذا كتب عند القاضي أو عند كاتب العدل أو عند من قلمه معروف أنه طلق زوجته انتهى سواء حضرت أو لم تحضر، وسواء رضيت أم لم ترض، وأما ظن بعض الناس أنه لا يمكن أن يقع الطلاق حتى يواجه زوجته به فهذا ظن لا أصل له، الطلاق يحصل متى أقر الزوج به وأثبته، وحينئذ لا حاجة أن تذهب المرأة إلى المحكمة، ولا حاجة أن تصدق زوجها، ولا شيء. ولمن أراد أن يكتب وثيقة الطلاق إذا ظن أن هذا الشخص لا يعرف أحكام الطلاق أن يقول له مثلا: هل الزوجة مدخول بها أو لا؟ إذا قال: نعم. قال: هل جامعتها بعد الح يض؟ إذا قال: نعم. يقول: انتظر حتى يتبين حملها أو تحيض م تطهر. إذا قال: هي حائض. قال: انتظر حتى تطهر. هذا لا بأس أن يتحرى منه الكاتب حتى يقع الطلاق طلاق سنة.". (1) 33-"شهر رجب والمخالفات التي تقع فيه ـــــــــــــــــــــــــــ [ ] شعبان أيهما أثر عن الرسول صلى الله عليه وسلم ؟ الجواب: شهر رجب كغيره من الشهور لكنه من الأشهر الحرم، والأشهر الحرم هي: ذو القعدة، وذو الحجة، والمحرم، هذه ثلاثة متوالية، ورجب منفرد، ولهذا يسميه بعض الناس: رجب الفرد. والأشهر الحرم المعاصي فيها أعظم من غيرها؛ لقول الله تعالى: إن عدة الشهور عند الله اثنا عشر شهرا في كتاب الله يوم خلق السموات والأرض منها أربعة حرم ذلك الدين القيم فلا تظلموا فيهن أنفسكم36] كان بعض السلف يعتمرون فيه؛ لأنه نصف الحول؛ فإذا أسقطنا الثلاثة الحرم الأول: ذو القعدة، وذو الحجة، ومحرم، وبدأنا من صفر صار رجب هو الشهر السادس، أي: نصف السنة، وإن بدأنا من محرم صار شهر رجب هو السابع، فكان بعض السلف يعتمرون في هذا الشهر؛ لئلا يتأخرون عن زيا رة البيت الحرام، حتى يبقى البيت الحرام معمورا في آخر السنة وفي وسط السنة. أما النبي صلى الله عليه وسلم فإنه لم يعتمر فيه، وإنما اعتمر النبي صلى الله عليه وسلم في أشهر الحج، كل عمر الرسول كانت في أشهر الحج، ولم يعتمر لا في رمضان ولا في رجب، لكن رمضان ورد ف يه: (عمرة في رمضان تعدل حجة) أما رجب فلم يرد. ويعتقد بعض الناس أنه تسن في رجب زيارة المسجد النبوي ويسمونها الرجبية، وهذا لا أصل له، ولا يعرفه السلف ولا قدماء الأمة، فهو بدعة محدثة ليست من دين الله عز وجل، وزيارة المسجد النبوي مشروعة في كل وقت، أي وقت تذهب إلى المسجد النبوي تزوره فهو خير . كذلك يظن بعض الناس أن الإسراء والمعراج كان في رجب في ليلة سبعة وعشرين، وهذا غلط، ولم يصح فيه أثر عن السلف أبدا، (1) اللقاء الشهري 55/16

عدد الصفحات ٥٨

59 حتى إن ابن حزم رحمه الله ادعى الإجماع على أن الإسراء والمعراج كان في ربيع الأول، ولكن الخلاف موجود ولا إجماع، و أهل التاريخ اختلفوا في هذا على نحو عشرة أقوال، ولهذا قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله: كل الأحاديث في ذلك ضعيفة منقطعة مختلفة لا يعول عليها. إذا: ليس المعراج في رجب وأقرب ما يكون أنه في ربيع. ولو فرضنا أنه في رجب وفي ليلة سبعة وعشرين هل لنا أن نحدث في ه ذه الليلة احتفالا وفي صبيحتها تعطيلا للأعمال؟ أبدا، هذه بدعة دينية قبيحة، لم ترد لا عن الرسول، ولا عن الخلفاء، ولا عن الصحابة، ولا عن التابعين، ولا عن أئمة المسلمين، فهي بدعة منكرة. وبعض الناس يظنون أن ليلة المعراج أفضل من ليلة القدر والعياذ بالله، وهذا غل ط محض، فلذلك يجب علينا نحن أواخر هذه الأمة أن ننظر إلى ما فعله سلف الأمة قبل ظهور البدع، وأن نبين للناس، ومن بان له الحق فلم يتبعه فهو على خطر؛ لقوله تعالى: ومن يشاقق الرسول من بعد ما تبين له الهدى ويتبع غير سبيل المؤمنين نوله ما تولى ونصله جهنم وساءت مصير ا [115 .".](1) 34-"اللقاء الشهري 61] خصائص شهر رمضان إن الحمد لله، نحمده ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا ومن سيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأش هد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وأصحابه ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. أما بعد: فإننا كنا نسير في تفسير سورة الفرقان، وانتهينا فيه إلى قوله تعالى: والذين لا يدعون مع الله إلها آخر68]ان المبارك. فأولا: شهر رمضان له مزايا عظيمة: منها: أن الله تعالى أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان، كما قال الله تعالى : شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان 185] أوجب الله صيامه ليكون شكرا عز وجل على هذه المنة العظيمة، وهي إنزال القرآن هدى للناس وبينات من الهدى والفرقان. ومنها: أن الله فرض صومه فرضا، وكان فرضه في السنة الثانية من الهجرة، وكان أول ما فرض يخير الناس بين أن يصوم الصائم أو يغذي، م بعد هذا تعين الصوم وصارت الفدية لمن لا يستطيع الصوم على وجه مستمر، وعل ى هذا فيكون النبي صلى الله عليه وسلم صام تسع سنين. ومن خصائص هذا الشهر: أن الله تعالى سن قيامه على وجه خاص، وهو أنه يسن فيه أن يكون القيام جماعة مع الإمام، ثبت هذا في سنة الرسول صلى الله عليه وسلم، فإنه صلى بأصحابه ثلاث ليال م ترك ا لقيام، وقال: إنه تركه خوفا من أن يفرض علينا. وبقي الناس يصلون أوزاعا، الرجل وحده، والرجل مع الرجلين والثلاثة والأربعة، حتى كان زمن عمر رضي الله عنه، ولما كان زمن عمر قال للناس بإحدى عشرة ركعة.. انتبه إلى هذا! أن يقوما للناس بإحدى عشرة ركعة، وعلى هذا فصلاة التراويح إحدى عشرة (1) اللقاء الشهري 60/4

عدد الصفحات ٥٩

60 ركعة بسنة النبي صلى الله عليه وسلم وسنة عمر بن الخطاب رضي الله عنه، أما سنة النبي صلى الله عليه وسلم فقد سئلت أم المؤمنين عائشة رضي الله عنها: (كيف كانت صلا ة النبي صلى الله عليه وسلم في رمضان؟ فقالت: ما كان يزيد في رمضان ولا غيره على إحدى عشرة ركعة، م فصلت فقالت: يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، م يصلي أربعا فلا تسأل عن حسنهن وطولهن، م يصلي ثلاثا) ومعنى قولها: (يصلي أربعا) أي: يجعلها في وقت واحد لا في تسليم واحد، بل الأربع بتسليمتين كما جاء ذلك مفصلا في حديثها رضي الله عنها: (م يستريح، م يصلي أربعا بتسليمين م يستريح، م يصلي ثلاثا) ومن م سمي هذا القيام تراويح، لأن الناس يتروحون فيه ويستريحون. وقيام غيره سنة ولا شك، ينبغي للإنسان ألا يدع قيام الليل ولو كان يسيرا، لأن النبي صلى الله عليه وسلم قال: (إن الله جل وعلا ينزل كل ليلة إلى السماء الدنيا حين يبقى ثلث الليل الآخر، فيقول: من يدعوني فأستجيب له، من يسألني فأعطيه، من يستغفرني فأغفر له حتى يطلع الفجر) لكن كونها جماعة في المساجد هذا خاص برمضان. ومن خص ائص هذا الشهر: أن صيامه سبب لمغفرة الذنوب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: (من صام رمضان إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه) كل ما تقدم، إذا صمته إيمانا بالله واحتسابا لثواب الله يغفر الله لك ما تقدم من ذنبك، كل ما تقدم والحمد لله. ومن خصائصه: أن م ن قامه إيمانا واحتسابا غفر الله له ما تقدم من ذنبه، كل ما تقدم يغفر لك إذا قمت إيمانا واحتسابا، إيمانا بالله واحتسابا لثوابه؛ فإنه يغفر لك ما تقدم من ذنبك. ومن فضائل الشهر المبارك: أن فيه ليلة القدر، والدليل أن الله تعالى قال في القرآن العظيم: إنا أنزلناه في ليلة القدر1]185] النتيجة: أن ليلة القدر في رمضان، وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعتكف يتحرى ليلة القدر، فاعتكف العشر الأول، اعتكف العشر الأوسط، م قيل له: إنها في العشر الأواخر، فاعتكف العشر الأواخر. ومن خصائص هذا الشهر: أنه يسن اعتكاف العشر الأواخر منه، وأما غيره من الشهور فلا يسن فيه الاعتكاف، لكن لو اعتكف فلا بأس، إنما لا يطلب من الناس أن يعتكفوا في غير رمضان، في العشر الأواخر تحريا لليلة القدر. ومن خصائص هذا الشهر : أن العمرة فيه تعدل حجة لحديث: (عمرة في رمضان تعدل حجة)، حتى لو اعتمرت فطفت وسعيت وقصرت ومشيت تعدل حجة، فليس بلازم أن تبقى يوما أو يومين أو أكثر، إنما عمرة واحدة تعدل حجة. وبهذه المناسبة أقول: إن العمرة في رمضان سنة؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم : (عمرة في رمضان تعدل حجة)، وهذا يعني الحث عليها، ولكن إذا كان الإنسان إمام مسجد أو مؤذن مسجد فهل من حقه أن يذهب من أول يوم من رمضان ويبقى هناك إلى آخر الشهر؟ لا يجوز له ذلك؛ لأن قيامه بواجب الإمامة وواجب الأذان حتم واجب عليه، فكيف يليق بالمؤمن أن يقدم النفل على الو اجب؟!! بعض الناس يعبدون الله تعالى ويريدون الخير لكن يجهلون، يقول: أذهب هناك في رمضان أستأنس والحرم والعالم، نقول: لا بأس، هذا طيب، لكن بقاؤك لأداء الوظيفة أفضل، لأنك إذا ذهبت وتركت الوظيفة أثمت. وبعض الناس يذهب بأهله إلى هناك، وليس له وظيفة، لكن ذهب بأهله وترك الفتيات والفتيان لا يبالي بهم، يخرجون إلى الأسواق يتسكعون فيها وربما ي نالهم أذى من السفهاء، وهو جالس في المسجد الحرام وتارك ما يجب عليه، فإنه يجب عليه رعاية أهله وتحصينهم من سوء الأخلاق، لكن كثير من الناس عمرتهم عاطفة فقط، لا ينظرون إلى الأمور ويزنون بعضها ببعض حتى يعرف ما هو الأحسن و الأفضل. ومن خصائص هذا الشهر: أنه إذا دخل شهر رمضان تفتح أبواب الجنة وتغلق أبواب النيران، تفتح أبواب الجنة استقبالا

عدد الصفحات ٦٠

61 للعاملين عملا صالحا، وهذا يعني حث الناس على العمل الصالح حتى يدخلوا من هذه الأبواب، وتغلق أبواب النار ح ينكف الناس عن الأعمال الموجبة للنار، لأن أبوابها أغلقت. ومن خصائص هذا الشهر: أنه تصفد -أي: تغل- فيه مردة الشياطين، فلا يخلصون إلى ما يخلصون إليه في غيره. وله مزايا كثيرة. ...... أنواع الصوم نعود إلى الصوم فنقول: إن الصوم نوعان: صوم عن المحسوسات. وصوم عن المعنويات. فالصوم عن المحسوس كل واحد يقدر عليه، لكن الصوم عن المعنويات ليس كل أحد يقدر عليه. الأول: الصوم عن المحسوسات هو الصوم عن الأكل والشرب والجماع وما يفطر الصائم، هذا صوم عن شيء محسوس غذاء للبدن فقط، وهذا كل إنسان يقدر عليه. الثاني: الصوم عن المعنويات، وهذا هو الشاق، وهو الصوم عن المعاصي. فمن صام عن المفطرات الحسية ووقع في المعاصي والمآم فإنه لم يأت بروح الصوم ولا بحكمة الصوم، والدليل: قول الله عز وجل: يا أيها الذين آمنوا كتب عليكم الصيام كما كتب على الذين من قبلكم لعلكم تتقون183]كم تجوعون، لعلكم تعطشون، لعلكم تتركون التمتع بالنساء لا، إنما قال: لعلكم تتقون183] به والجهل فليس لله حاجة في أن يدع طعامه وشرابه)، إن الله عز وجل لا يريد منا إذا صمنا أن نتعذب بتر ك الأكل والشرب والنكاح، إنما يريد أن ندع قول الزور والعمل به والجهل، وليس الجهل ضد العلم، الجهل هو العدوان، وعلى هذا قول الشاعر: ألا لا يجهلن أحد علينا فنجهل فوق جهل الجاهلينا إذا: الصوم الحقيقي هو الصوم عن الأمور المعنويات، أي: عن المعاصي، ولهذا قال الشاعر: إذا لم يكن في السمع مني تصاون وفي بصري غض وفي منطقي صمت فحظي إذا من صومي الجوع والظمأ فإن قلت إني صمت يوما فما صمت والشاعر أخذ هذا المعنى من الآية والحديث. وهل الذي يصوم ولا يصلي هل هو صائم حقيقة؟ لا والله، يوجد أناس - والعياذ بالله- يسهرون الليل كله في رمضان، وإذا تسحروا وملئوا بطونهم برزق الله ناموا عن صلاة الفجر والظهر والعصر، وإذا قاربت الشمس أن تغرب قاموا وصلوا الفجر والظهر والعصر، ولا يذكرون الله فيها إلا قليلا، ولو تأخر الغروب لتأخروا، لكن لقرب أكلهم استيقظوا، هؤلاء ما صاموا، صومهم ناقص ل لغاية. أناس صاموا وجعلوا يأكلون لحوم الناس بالغيبة، أصام هؤلاء؟ ما صاموا حقيقة. أناس صاموا ولكنهم يتعاملون في البيع والشراء بالغش والكذب والأيمان الكاذبة، أصام هؤلاء؟ لا، هؤلاء لم يصوموا. إذا: يجب علينا أن نلاحظ الصوم المعنوي، وهو الصوم عن المعاصي، هذا أهم شيء، أما الصو م عن المفطرات الحسية فهذا أمر سهل كل يستطيعه. ...... مفسدات الصيام ولنعد الآن إلى الأشياء التي يصام عنها حسا، فنقول: الذي يصام عنه حسا: الأكل والشرب والجماع، وهذا مذكور في قول الله تعالى: أحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم هن لباس لكم وأنتم لباس لهن علم الله أنكم كنتم تخ تانون أنفسكم فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن وابتغوا ما كتب الله لكم وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط

عدد الصفحات ٦١

62 الأسود من الفجر م أتموا الصيام إلى الليل187]ة للصوم بإجماع المسلمين، هذا في القرآن. ومن المفطرات: ما كان بمعنى الأكل والشرب، أي: ما أغنى عن الأكل والشرب، مثل الإبر المغذية التي يكتفى بها عن الأكل والشرب، أما غير المغذية فلا تفطر، سواء ضربها الإنسان في الفخذ أو في العرق، أو في الوريد، أو في أي شيء، لا يفطر من الإبر -أي: الحقن- إلا ما يغني عن الأكل والشرب؛ لأنه بمعنى الأكل والشرب ، إذ إن البدن يتغذى به .. هذه أربعة. الخامس: إخراج المني بفعل الإنسان، أي: أن يفعل فعلا يخرج به المني، سواء قبل زوجته فأمنى، أو ضمها فأمنى، أو ما أشبه ذلك، أو استمنى بيده، أو ع لى مخدة أو على فراش حتى خرج المني؛ فإنه يفطر ويفسد صومه، ولو قال قائل: ما هو الدليل؟ كيف تفسدون عبادة خلق الله بدون دليل؟ نقول: هذا اعتراض صحيح، أي إنسان يفسد أي عبادة من العبادات فعليه الدليل، وإلا فلا يجوز له أن يتحكم في عباد الله ويقول لهذا: عبادتك صحيحة، ولهذا عبادتك فاسدة، لا يمكن. فالجواب: ربما يستدل بما جاء في الحديث القدسي الذي رواه النبي صلى الله عليه وسلم عن ربه حيث إن الله يقول: (يدع طعامه وشرابه وشهوته من أجلي) والمني شهوة، والدليل قول النبي صلى الله عليه وسلم: (وفي بضع أحدكم صدقة) أن الرجل إذا جامع زوجته فهي صدقة .. (قالوا: يا رسول الله، أيأتي أحدنا شهوته ويكون له فيها أجر؟! قال: نعم، أرأيتم لو وضعها -انتبهوا لكلمة (وضعها)- في الحرام أكان عليه وزر؟ قالوا: نعم، قال: كذلك إذ ا وضعها في الحلال كان له أجر)، هذا هو تقرير الدليل في أن الإنزال بفعل الإن سان يفسد الصوم. وما هو حكم الإمذاء؟ لو أن إنسانا قبل زوجته فأمذى أيفسد صومه؟ لا يفسد، ولا يمكن أن يقاس الإمذاء على الإمناء لظهور الفرق بينهما. السادس: إخراج القيء عمدا.. والقيء معروف، أن يخرج الإنسان ما في معدته من الطعام والشراب، إذا تعمد، أما إذا غلبه القيء فإنه لا يضره، والدليل على هذا: قول النبي صلى الله عليه وسلم: (من استقاء عمدا فليقض، ومن ذرعه القيء فلا قضاء عليه) وهنا سؤال: لو أحسست بالقيء هل يلزمك أن تحجبه وتمنعه؟ الجواب: لا يجب، وفي هذا ضرر عليك؛ لأن المعدة إذا هاجت لا بد أن تخرج، فلا تمنعها، دع ه يخرج، لكن لا تج لبه أنت، وفرق بين الجلب وبين كون المعدة تهيج حتى يخرج ما فيها، فالأول بفعل الإنسان والثاني بغير فعله. السابع: إخراج الدم بالحجامة... فلو أن الصائم حجم فخرج منه دم فسد صومه، ولا بد من دليل، فقد ذكرت لكم الآن أن كل إنسان يقول هذه العبادة فاسدة، قل: عليك الدليل، ولا يحل لإنسان أن يقول للناس: عباداتكم باطلة إلا بدليل؛ لأنه لو أبطل عبادة قام بها الإنسان لربه افترى على الله كذبا إلا بدليل.. إذا: ما هو الدليل؟ الدليل: قول النبي صلى الله عليه وسلم : (أفطر الحاجم والمحجوم)، وهذا الحديث صحيح عند الإمام أحمد رحمه الله، صححه وأخذ به، وقد قرر شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله في رسالة صغيرة له اسمها: حقيقة الصيام ، قرر هذا وأكده، وبين أنه هو القول الراجح، وإن كان بعض العلماء يقول: الحجامة لا تفطر، لكن الصحيح أنها تفطر. وهل الرعاف يفطر أم لا؟ أما لو غلب الإ نسان فإنه لا يفطر، ولا إشكال شفي هذا، فلو أن الإنسان رعف أنفه وخرج دم كثير فإنه لا يفسد صومه؛ لأنه بغير قصد وقياسا على القيء، فإن القيء إذا غلبه لا يفطر، وهذا أيضا مثله، لكن لو أن الإنسان أدخل إصبعه في أنفه لينظفه فصار الرعاف أيفطر أم لا؟ لا يفطر؛ لأنه ما أراد أن يخرج الدم، بخلاف الذي أتى للحاجم وقال: احجمني. الثامن: خروج دم الحيض والنفاس .. فإذا

عدد الصفحات ٦٢

63 خرج دم المرأة وهي صائمة فسد صومها، أعني بذلك الحيض أو النفاس، فلو حاضت المرأة قبل غروب الشمس بخمس دقائق فقط فإنه يفسد صومها، ولو حاضت بعد الغروب بدقيقة فلا يفسد صو مها، وأما ما اشتهر عند النساء أنهن يقلن: إذا حاضت المرأة قبل أن تصلي المغرب ولو بعد غروب الشمس فصومها فاسد، فهذا غير صحيح، بل متى غابت الشمس وهي لم تحض فصيامها صحيح، حتى لو أحست بأن الحيض تحرك قبيل الغروب ولم يخرج إلا بعد الغروب فصيامها تام وصحيح، وإن لم تصل، فالعبرة بغروب الشمس وخروج الدم. والنفاس كذلك، ودم الاستحاضة، الدم الذي يسمى دم فساد هل يفسد الصوم؟ لا يفسد الصوم إلا دم الحيض أو دم النفاس. إذا: هذه ثمانية مفطرات، لكن الثامن في الواقع بغير اختيار الإنسان، إلا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في الحائض مقررا الحكم : (أليس إذا حاضت لم تصل ولم تص م؟). والسبعة الأولى هي: الأكل، الشرب، الجماع، إنزال المني بفعله، القيء عمدا، الحجامة، ما كان بمعنى الأكل والشرب. ...... شروط تفطير المفطرات اعلموا -أيها الإخوة- أن هذه المفطرات السبعة لا تفطر إلا بشروط ثلاثة: الأول : أن يكون عالما. الثاني: أن يكون ذاكرا. الثالث: أن يكون عامدا. فضد العلم الجهل، والجهل نوعان: إما جهل بالحكم الشرعي، وإما جهل بالوقت، وكلاهما إذا حصل فلا إم على الصائم ولا قضاء ولا كفارة، فإذا كان جاهلا بالحكم الشرعي، كرجل استمنى -مثلا- وهو لا يدري أن الاستمناء حرام في الصيام، فنقول: لا يفسد صومه. رجل استقاء عمدا، وهو لا يدري أنه يفسد الصوم، فنقول: صومه صحيح. رجل أكل وشرب يظن أنه في الليل وإذا هو بعد الفجر، فصومه صحيح. رجل كان في غيم وليس معه ساعة، فظن أن الشمس غربت فأفطر، وإذا بالشمس تخرج من وراء الغيم، ف نقول: صومه صحيح لأنه جاهل بالوقت . رجل سم ع في الراديو مؤذنا فظنه مؤذن الحي فأفطر، وإذا بمؤذن الحي يؤذن بعد ذلك، فصومه صحيح؛ لأنه جاهل بالوقت. قد يقول قائل: ما هو الدليل على أنه يصح الصوم مع الجهل، والله تعالى يقول: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر م أتموا الصيام إلى الليل187] تؤاخذنا إن نسينا أو أخطأ286] عدي بن حاتم رضي الله عنه قرأ قول الله تعالى: وكلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفج ر [187] يأكل ويشرب والنور في السماء ساطع، لكن إلى الآن لم يتبين العقال ا لأسود من الأبيض، فلما تبين العقال الأسود من الأبيض أمسك .. فهم من الآية أن المراد بالخيط الأبيض هو الحبل الأبيض، والخيط الأسود الحبل الأسود، إذا: هو جهل معنى الآية، فلما أصبح أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له : (إن وسادك لعريض)، أي: أن وسع الخيط الأب يض والأسود؛ لأن الخيط الأبيض بياض النهار، والأسود سواد الليل، فإذا كان الخيط الأبيض والأسود تحت الوسادة فإنها سوف تكون عريضة عرض الأفق، فبين له النبي عليه الصلاة والسلام أنه بياض النهار وسواد الليل ولم يأمره بقضاء الصوم؛ لأنه كان جاهلا بالحكم، يظن أن هذا م عنى الآية. كذلك الجهل بالوقت .. روت أسماء بنت أبي بكر رضي الله عنهما أنهم كانوا في يوم غيم فأفطروا، م طلعت الشمس؛ لأنه ليس عندهم ساعات،

عدد الصفحات ٦٣

64 ولا يعرفون الوقت إلا بالشمس، ولعل الغيم كان شديدا متكاثفا، المهم أنهم أفطروا م طلعت الشمس، ولم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالقضاء، ولو كان القضاء واجبا لأمرهم به، ولو أمرهم به لنقل إلينا، لأنه إذا أمر به كان من الشريعة والشريعة لا بد أن تنقل إلينا تامة. تبين الآن أنه لابد أن يكون عالما، فإن كان جاهلا فلا شيء عليه. كذلك إذا أكل أو شرب ناسيا فلا شيء عليه، قال الرسول علي ه الصلاة والسلام في نفس المسألة: (من نسي وهو صائم فأكل أو شرب فليتم صومه، فإنما أطعمه الله وسقاه)، اللهم لك الحمد، (فليتم صومه) إشارة إلى أن الصوم لم يحصل فيه نقص ولا فساد، م بين الحكمة والسبب فقال: (إنما أطعمه الله وسقاه)، لأنه لم يتعمد. يقولون: الشيء بالشيء يذكر.. قال أحد التلاميذ وهو في قاعة الاختبار: إنه يكتب الجواب فسمع شخصا يعلم تلميذا إلى جانبه بالجواب، يسأل هذا التلميذ ويقول: هل يجوز أن أكتب الجواب وأنا سمعته؟ نعيد ــــــــــــــــــــــــــ [ي حال من الأحوال، لكنه سمع شخصا يقول لجاره الجواب كذا وكذا، والجواب صحيح، فهل يجوز أن ينقل الجواب أم لا يجوز؟ نقول: إنما علمه الله، هذا رزق جاء بدون تعب، فلا حرج أن يكتب الجواب، حتى لو فرض أنه لم يكن يعرفه فيكتبه؛ لأنه ما حاول الغش ولا غش. بقي علينا من الشروط شرط ثالث: أن يكون عامدا، إذا لم يكن عامدا فلا شيء عليه، دليل ذلك قوله تعالى: وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم5] فنزل الماء من خياشيمه إلى معدته، فلا يفطر؛ لأن ه غير متعمد. كذلك إنسان يتمضمض فنزل الماء إلى بطنه، فلا يف طر؛ لأنه غير متعمد، والله عز وجل يقول: وليس عليكم جناح فيما أخطأتم به ولكن ما تعمدت قلوبكم5] هذه الشروط الثلاثة لا بد من مراعاتها حتى لا يفسد الإنسان عبادة عباد الله وهي غير فاسدة، و كما لا يجوز لنا أن نتساهل لا يجوز أن نشدد، بعض الناس يقول: شدد لا تفتح للناس ويقول: ناسي.. هذا غير صحيح، كما لا يجوز لنا أن نتساهل فيما أوجب الله لا يجوز لنا أن نتشدد، دين الله بين الغالي فيه والجافي عنه. هذا ما يتعلق بالصيام، وأرجو الله تعالى أن ينفعني وإياكم به. وصايا متفرقة في الصيام ولكن يا إخوان احفظوا صيامكم، صونوه عن قول الزور، وعن عمل الزور، وعن العدوان على الناس، ابتعدوا عن الغيبة، أكثروا في الصيام من قراءة القرآن، ومن الذكر، ومن الصلاة في غير أوقات النهي؛ حتى يكون صومكم على وجه يرضى الله جل وعلا به. ...... المحافظة على السحور كذلك تسحروا في آخر الليل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم أمر به، فقال : (تسحروا)، وفعله هو صلوات الله وسلامه عليه، وقال: (فصل ما بيننا وبين صيام أهل الكتاب أكلة السحور)، إذا: عندما يقدم السحور استحضر ثلاثة أشياء: الأول: امتثال أمر الرسول صلى الله عليه وسلم؛ حتى تكون من الذين قالوا: سمعنا وأطعنا. الثاني: التأسي به عليه الصلاة والسلام كأنما يتسحر أمامك. الثالث: مخالفة أهل الكتاب اليهود والنصارى. ولا أدري أنحن نستحضر هذه المعاني أم لا؟

عدد الصفحات ٦٤