الفصل الرابع منهج الإمام في الدراية في كتاب مجموع الحديث 555 المبحـث الثالـث: فــقــــه الحـــديث واستنبـاط المسائـــــــل المطـلب الثاني: اعتماده الدليل في الترجيح بين الأقوال لقد حرص الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله- على الالتزام بالأدلة الشرعية من نصوص الكتاب والسنة ؛ على فهم السلف ، و الانتصار للدليل ؛ كما هو واضح من صنيعه في كتبه ورسائله وخطبه وفتاويه(1) . ولكونهذه الدراسة تشمل المقارنة بين أقوال الإمام -رحمه الله - وصنيعه في «مجموع الحديث » مع كلامه وصنيعه في كتبه الأخرى؛ فإني بعد الاطلاع على كتب الإمام ورسائله قد وجدت أنه تناول عددًا من المسائل المتعلقة بالأدلة الشرعية والتعامل مع النصوص مما يدل على شدة عنايته بها، وحرصه على تربية الناس على معرفة الدليل. وفي الجانب الآخر اتضح لي بعد استقراء كتاب «مجموع الحديث » عناية الإمام محمد بن عبد الوهاب -رحمه الله - بربط المسائل الفقهية الدقيقة بالدليل؛ مع الاهتمام والاعتبار بالتصحيح والتضعيف؛ مما يدل على اهتمامه والتزامه بالدليل. وقد جمعت بعض أقوال الإمام -رحمه الله - فيما يتعلق بالدليل والتعامل مع النصوص من كتبه ورسائله ؛ استكمالاً لموقفه النظري إلى جانب تطبيقه العملي في «مجموع الحديث»، وقمت بإيرادهامرتبة على النحو التالي: (1 ) ينظر لذلك مثلاً «كتاب التوحيد »؛ فليس فيه إلا قال الله وقال الرسول ﷺ، وليس فيه غير ذلك سوى التوضيح والبيان والاستنتاج من هذه النصوص، وكذا في بقية كتبه.
عدد الصفحات ١الفصل الرابع منهج الإمام في الدراية في كتاب مجموع الحديث 555 المبحـث الثالـث: فــقــــه الحـــديث واستنبـاط المسائـــــــل المطـلب الثاني: اعتماده الدليل في الترجيح بين الأقوال [1]- منهجه وطريقته في التعامل مع الأدلة والنصو الشرعية: قال رحمه الله: «وقد تبين أن الواجب طلب علم ما أنزل الله على رسو ﷺ من الكتاب والحكمة، ومعرفة ما أراد بذلك ، كما كان عليه الصحابة والتابعون ومن سلك سبيلهم، فكل ما يحتاج إليه الناس فقد بينه الله ورسوله بيان ا شافي ا كافي ا، فكيف أصول التوحيد والإيم ان؟ ثم إذا عرف ما ب ي ن ه الرسول نظر في أقوال الناس وما أرادوا بها، فعرضت على الكتاب والسنة، والعقل الصريح الذي هو موافق للرسول، فإنه الميزان مع الكتاب، فهذا سبيل الهدى»(1). [2]- طريقة التعامل مع اختلافات العلماء قال رحمه الله: «إذا اختلف كلام أحمد و كلام الأصحاب فنقول في محل النزاع: التراد إلى الله وإلى رسوله، لا إلى كلام أحمد ولا إلى كلام الأصحاب، ولا إلى الراجح من ذلك، بل قد يكون الراجح والمرجح من الروايتين والقولين خطأ قطع ا، وقد يكون صواب ا، وقولك: إذا استدل كل منهما بدليل؛ فالأدلة الصحيحة لا تتناقض بل الصواب يصدق بعضه بعض ا، لكن قد يكون أحدهما أخطأ في الدليل إما يستدل بحديث لم يصح، وإما فهم من كلمة صحيحة مفهوم ا مخطئ ا، وبالجملة فمتى رأيت الاختلاف فرده إلى الله والرسول؛ فإذا تبين لك الحق فاتبعه؛ فإن لم يتبين لك واحتجت إلى العمل فخذ بقول من تثق بعلمه ودينه»(2). (1 ) الدرر السنية2/15.) (2 ) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب3/11، أربع قواعد تدور الأحكام عليها
عدد الصفحات ٢الفصل الرابع منهج الإمام في الدراية في كتاب مجموع الحديث 555 المبحـث الثالـث: فــقــــه الحـــديث واستنبـاط المسائـــــــل المطـلب الثاني: اعتماده الدليل في الترجيح بين الأقوال [3]- الموقف منتقديم القياس على النص: قال رحمه الله: «وأصل ضلال الكل تقديم القياس على النص، واختيار الهوى اتباع الأمر»(1). [4]- الموقف عند حصول الخلاف والنزاع: قال رحمه الله: «وتف ه م أيض ا معنى قوله تعالى: +ﰀ ﰁ ﰂ ﰃ ﰄ ﰅ ﰆ ﰇ" [55]؛ فإذا كان الله سبحانه قد أوجب علينا أن نرد ما تنازعنا فيه إلى الله، أي إلى كتاب الله، وإلى الرسول ﷺ أي إلى سنته، علمنا قطع ا أن من رد إلى الكتاب والسنة ما تنازع الناس فيه وجد فيهما ما يفصل النزاع »(2). [5]- الموقف منالمسائل المختلفة التي لم يتبين فيها الحق: قال رحمه الله: «وإن أريد بمسائل الاجتهاد مسائل الخلاف التي لم يتبين فيها الصواب فهذا كلام صحيح، لا يجوز للإنسان أن ينكر الشيء لكونه مخالف ا لمذهبه أو لعادة الناس فكما لا يجوز للإنسان أن يأمر إلا بعلم؛ لا يجوز أن ينكر إلا بعلم، وهذا كله داخل في قوله تعالى: +ﯯ ﯰ ﯱ ﯲ ﯳ ﯴ ﯵ" [35]» (3). [6]- مسائل التقليد الجامد والتعصب للمذاهب وآراء الرجال: قال رحمه الله: «وأما سبيل الضلال والبدع والجهل فعكسه، أن تبدع بدعة بآراء رجال وتأويلاتهم، ثم تجعل ما جاء به الرسول تبعا لها، وتحرف ألفاظه وتأويله على وفق ما أصلوه؛ وهؤلاء تجدهم في نفس الأمر لا يعتمدون على ما جاء به الرسول، ولا (1 ) مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب13/11 ملحق المصنفات: هذه مسائل (2 ) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب3/11-12، أربع قواعد تدور عليها احكام). (3 ) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (3/12، أربع قواعد
عدد الصفحات ٣الفصل الرابع منهج الإمام في الدراية في كتاب مجموع الحديث 555 المبحـث الثالـث: فــقــــه الحـــديث واستنبـاط المسائـــــــل المطـلب الثاني: اعتماده الدليل في الترجيح بين الأقوال يتلقون منه الهدى، ولكن ما وافقهم منه قبلوه، وجعلوه حجة لا عمدة، وما خالفهم منه تأولوه، كالذين يحرفون الكلم عن مواضعه، أو فوضوه، كالذين لا يعلمون الكتاب إلا أماني. وكثير منهم إنما ينظر في تفسير القرآن والحديث فيما يقوله موافقة على المذهب؛ وكثير منهم لم يكن عمدتهم في نفس الأمر اتباع نص أصلا ، كالذين ذكرهم الله من اليهود الذين يفترون على الله الكذب، وهم يعلمون»(1) . [7]- طريقة التعامل مع أهل العلم عند الاختلاف معهم قال رحمه الله: «وقد كان أصحاب رسول اﷺ يختلفون في بعض المسائل من غير نكير؛ ما لم يتبين النص، فينبغي للمؤمن أن يجعل همه وقصده معرفة أمر الله ورسوله في مسائل الخلاف، والعمل بذلك، ويحترم أهل العلم ويوقرهم ولو أخطؤوا، لكن لا يتخذهم أرباب ا من دون الله، هذا طريق المنعم عليهم، وأما اطراح كلامهم وعدم توقيرهم فهو طريق المغضوب عليهم واتخاذهم أرباب ا من دون الله، وإذا قيل: قال الله قال رسول الله قال: هم أعلم منا بهذا، هو طريق الضالين»(2) . وقال أيضًا «وأما قول من قال: لا إنكار في مسائل الاجتهاد؛ فجوابها يعلم من القاعدة المتقدمة فإن أراد القائل مسائل الخلاف فهذا باطل يخالف إجماع الأمة، فما زال الصحابة ومن بعدهم ينكرون على من خالف وأخطأ كائن ا من كان، ولو كان أعلم الناس وأتقاهم، وإذا كان الله بعث محمد ا ﷺ بالهدى ودين الحق وأمرنا باتباعه وترك ما خالفه؛ فمن تمام ذلك أن من خالفه من العلماء مخطئ ينبه على خطئه وينكر عليه.. »(3). (1 ) الدرر السنية2/15.) (2 ) مجموع مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب (3/13، أربع قواعد (3 ) مؤلفات الشيخ محمد بن عبد الوهاب3/11-12، أربع قواعد تدور عليها الأحكام
عدد الصفحات ٤الفصل الرابع منهج الإمام في الدراية في كتاب مجموع الحديث 555 المبحـث الثالـث: فــقــــه الحـــديث واستنبـاط المسائـــــــل المطـلب الثاني: اعتماده الدليل في الترجيح بين الأقوال * ولقد التزم الإمام -رحمه الله - هذه الطريقة في كتاب «مجموع الحديث »، فإن الكتاب من أوله لآخره عبارة عن أحاديث وآثار مرتبة حسب المسائل والمواضيع الفقهية، بحيث أنه يورد عددًا من الأدلة في موضوع واحد مع اختلافها في الحكم، ثم يرجح إحداها إما بذكر حكم الدليل الراجح، أو قول عالم. وقد سبق إيراد الأمثلة على ذلك بإسهاب في مبحث الحكم على الحديث، فليراجع لمزيد الفائدة.
عدد الصفحات ٥