المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

الدراسات القرآنية والعولمة تأثر وتأثير

مصطفى عبد الله

صفحة ١ من ١

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 معلومات البحث الاستلام: 26/8/2011 القبول: 12/9/2011 النشر: 15/10/2011 الدراسات القرآنية والعوبؼة تأثر وتأثتَ مصطفى عبد ا﵁، أبضد قاسم كسار أكادبيية الدراسات الإسلامية - جامعة ملايا، ماليزيا Kasar2006@yahoo.com © 2011 Design for Scientific Renaissance All rights reserved المقدمة ابغمدُ ﵁ِ الذي أنزلَ القرآنَ الكريمَ وتعهَّدَ بحفظِو، والصلاةُ والسلامُ على مَنْ لا نبيَ مِنْ بعدِه، وعلى آلوِ وأصحابوِ ومِنْ اىتدى بهديوِ، وسارَ على نهجوِ، إلى يومِ لقائوِ، وبعد: فإنَّ الدراسات القرآنية لم تتوقف في عصر من العصور منذ عصر الصحابة رضي ا﵁ عنهم وحتى يومنا ىذا، كما أن ابؼكان لم بودىا فإذا كانت بداياتها في ابعزيرة العربية فإن نهاياتها بفدودة باتساع البلاد عبر القارات في الأرض، ولكن لا بىفى على الدارستُ والباحثتُ أ ن ىناك خصائص زمانية ومكانية في الدراسات القرآنية تتسم بها بحسب طبيعة كل وقت وكل بلد، فالدراسات القرآنية في زمن التابعتُ وتابعيهم ىي غتَ الدراسات في العصر ابغديث من ناحية ابؼنهج والعرض والاىتمام، وكذلك فإن الدراسات القرآنية في ابؼشرق العربي بزتلف عن الدراسا ت القرآنية في الأندلس، وىكذا. وأما بشأن موضوع الدراسات القرآنية في عصر العوبؼة فإنها لم تتوقف؛ بل بقيت مستمرة بعطائها العلمي وابؼعرفي، فإذا جاءت العوبؼة بحركة تشمل العلوم وابؼعارف بصيعها، فإن ىذه ابغركة شملت الدراسات القرآنية، وىذا دليل على تفاعل الدراسات القرآنية مع ابؼستجدات الزمانية وابؼكانية شأنها شأن الدراسات الأخرى فهو يشتَ إلى حيوية ىذه الدراسات وروحها العلمية النشيطة التي تواكب الظروف . فإذا قيل أن فلسفة العوبؼة أثرت في الدراسات القرآنية نقول : نعم، ىناك دراسات قرآنية سايرت حركة العوبؼة ونظرتها وفكرته ا، فرأينا دراسات غربية وشرقية تناولت الدرس القرآني بطروحات لم يسبق إليها ولاسيما في التعامل مع النص القرآني وإجراء ابؼناىج ابغديثة عليو، وىذه الدراسات يقابلها مؤيدون ومعارضون في كتاباتهم وىذا أىم ما

عدد الصفحات ١

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 24 شهدتو الدراسات القرآنية في عصر العوبؼة، وىو يعد تطوراً فكرياً في الدرس القرآني بغض النظر فيما لو وما عليو من حيث التعامل مع النص الإبؽي ابؼقدس. كما أن الدراسات القرآنية تناولت ابؼوضوعات التي طرحتها العوبؼة بدعابعتها من منظور قرآني على مستوى ابعوانب الاقتصادية والسياسية والثقافية والاتصالية وابؼعلوماتية، فقد قامت دراسات قرآنية تتناول ىذه ابؼوضوعات وجزئياتها العلمية على مستوى أبحاث أكادبيية ورسائل دراسات عليا وبحوث بؿكمة رصينة، شملت بصيعها موضوعات جديدة على الساحة العلمية انبثقت من العوبؼة وتوجهاتها برؤية قرآنية . وبفا بييز الدراسات القرآنية شأنها شأن العلوم الإسلا مية التي تتصف بالعابؼية وىي غتَ العوبؼة، وإن كان بينهما تشابو في استعمال ابغروف عربياً، فالعابؼية الإسلامية أو العابؼية بابؼفهوم القرآني تعتٍ الدعوة إلى ابػتَ والأمر بابؼعروف والنهي عن ابؼنكر، وتعتٍ التعارف والتواصل والتعاون على البر والتقوى، في حتُ أن الع وبؼة تعتٍ السيطرة على الآخر، والتواصل من أجل فوائد ربحية ومنافع مادية، وتعتٍ استغلال الطاقات في بؾالات معينة، وىكذا تفتًق العابؼية عن العوبؼة من منظور قرآني، حيث يراد بالأولى انضباطها بالدين ابغق، ويراد بالثانية عدم التقيد بالأديان في ابغياة، فهي وجو متجدد للعلمانية. إن الدراسات القرآنية في عصر العوبؼة إن دلت على شيء فإنها تدل على أنها موجودة في الساحة العلمية وابؼعرفية، وىذا دليل على حيويته ا ونشاطها وأنها باقية إلى يوم الدين؛ لأن القرآن بؿفوظ من ا﵁ تعالى، وإذا كانت ىناك من دراسات قرآنية بسشي مع توجهات ا لعوبؼة فإن ىناك دراسات أخرى بؽا بابؼرصاد تصحح ابؼعوج منها، وتقوّم الشطط فيها، حتى تبقى الدراسات القرآنية ىي الأصل الذي يقاس عليها غتَىا، وىي ابؼوجو للبشرية فيما يستجد بؽا، كما أن الدراسات القرآنية في الوقت نفسو أفادت من وسائل العوبؼة في النشر والاتصال، فدخ لت الدراسات القرآنية في بؾال الإنتًنيت وبؾال الإعلام وبؾالات أخرى ىي من اىتمامات العوبؼة ومساحاتها الرئيسة . المطلب الأول العولمة في الميزان القرآني ينظر القرآن الكريم إلى مستجدات ابغياة وتطوراتها على أنها من الزينة في الدنيا والزخرفة في ىذه ابغياة، ومن ذلك العوبؼة ومظاىرىا ابؼادية، ولكن ابؼيزان القرآني يرجح كفة الدار الآخرة على الدنيا كلها وما فيها، فعلى مستوى الأفراد التفاضل بينهم على أساس التقوى، قال سبحانو: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل

عدد الصفحات ٢

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 25 لتعارفوا إن أكرمكم عند ا﵁ أتقاكم﴾ (1)، وعلى مستوى الأمم وابغضارات فإنها مرىونة بزمن ووقت فقال جلَّ جلالو: ﴿ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾ (2)، وقد أجازابؼفسرون في ىذه الآية قياس ابغاضر على ابؼاضي (3). وبدا أن العوبؼة من ابغاضر والواقع ابؼشاىد وا﵀سوس ومن ضمن إطار عالم الشهادة فالقرآن الكريم يوجهنا بأن نأخذ أحسن ما فيها وترك سيئها، وىذا ابؼفهوم القرآني في قولو تبارك وتعالى : ﴿ادفع بالتي ىي أحسن فإذا الذي بينك وبينو عداوة كأنو ولي بضيم﴾ (4)، وقال: ﴿ادفع بالتي ىي أحسن السيئة بكن أعلم بدا يصفون﴾(5)، وسنة التدافع القرآنية مع الآخرين في دفع عجلة ابغياة الدنيا تكون ضمن بؿاور البر والتقوى لأن ىذا التحديد في قولو تعالى : ﴿وتعاونوا على البر والتقوى ولا تعاونوا على الأ بٍ والعدوان﴾(6)؛ لأن ابػروج عن ىذا الإطار والتعاون مع الآخرين ميادين الإبٍ والعدوان بودث خللاً في ابؼيزان الشرعي الذي قوامو القرآن الكريم، وقد ذكر لنا ا﵁ سبحانو في كتابو العزيز نبأ أقوام ضيعوا دينهم جراء انسياقهم ببهرجة الدنيا في وقتهم فقال : ﴿فخلف من بعدىم خلف أضاعوا الصلاة واتبعوا الشهوات فسوف يلقون غيّاً﴾(7) . والواجب على ابؼسلمتُ في زمن العوبؼة أن بهعلوا القرآن الكريم معلماً أساساً في حياتهم، حتى يكون القرآن ىو ابؼبدأ والأصل للمستجدات الأخرى، ومن لطيف الأمر أن ىذه ابؼسألة شديدة الوضوح في نص الكتاب، ولذا بظاىا: (بؿُكمات )(8)، فآيات التعريف با﵁ تعالى والرسل وقصصهم ووعد الآخرة ووعيدىا بفا يفهمو عامة الناس دون ابغاجة إلى مطالعة الكتب أو مراجعة العلماء، وإن كان سؤال أىل الذكر ومراجعة تصنيفهم بفا يزيد العلم رسوخاً، ويزيل (1 )سورة ابغجرات : 13 . (2 )سورة الأعراف : 34 . (3 )انظر: تفستَ التحرير والتنوير، ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس: 2 /500 . (4 )سورة فصلت : 34 . (5 )سورة ابؼؤمنون : 96 . (6 )سورة ابؼائدة : 2 . (7 )سورة مر : 59 . (8 )ا﵀كم: ىو ابؼكشوف ابؼعتٌ الذي لا يتطرق إليو إشكال واحتمال، انظر : ابؼستصفى في علم الأصول، للإمام الغزاليّ، برقيق: بؿمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بتَوت، ط/1،1413ىـ: 85.

عدد الصفحات ٣

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 26 اللبس ويؤلف ابؼختلف، ويرتقي با ان، وىكذا آيات الأعمال من صلاة وصدقة وبكوىا، فهي ااىرة ويزيدىا اهوراً جريان العمل عليها عند ابؼسلمتُ، وتلقيهم لصفاتها وىيئاتها وأعدادىا جيلاً بعد جيل. إن تدبر ىذا القرآن ينجز لنا مَعْلَمَتُ عظيمتُ لا غتٌ عنهما بؼن أراد أن يبقى مسلماً، وأن بوقق الريادة في ابغياة وابغضارة في ال العوبؼة، وبنا : ابؼعلم الأول: ضبط القدر الذي بذتمع الأمة عليو، ولا يسعها التهاون فيو بحال من مسائل العلم والعمل، وىو الذي بوفظ بؽا كونها (أمة)، إذ لم تكن أُبفيتها جغرافية بحتة، أو تاربىية، أو جنسية . وابؼعلم الآخر: فتح منافذ الإبداع وا لابتكار والتفكتَ العلمي ابؼوضوعي في الكون والإنسان وابغياة الدنيا، التي ىي بؿل حركة العقل في الاستكشاف والتسختَ، والتي صرنا بإبنابؽا أمثولة للأمم، وكأننا نعيش عجزاً ذاتياً في الإدراك، وكأننا لم نكن يوماً من الدىر أساتذة ابغضارة وقادتها. فهل يعود القرآن حاكماً بغركتنا العقلية وستَتنا العملية وبرابؾنا التنموية ؟ أم سيظل ألفاااً تُتلى دون رويّة ولا إدراك ولا تفهم، كما حكى ربنا عن بتٍ إسرائيل : ﴿ وَمِنـْهُمْ أُمِّيُّونَ لاَ يـَعْلَمُونَ الْكِتَابَ إِلاَّ أَمَانيَِّ وَإِنْ ىُمْ إِلاَّ يَظُنُّونَ ﴾(9)، والأمانيّ ىي: التلاوة المجردة من دون فهم (10). والآن لا بدَّ أن نفتًض سؤالاً جدلاً ونقول : ىل العوبؼة ىي العابؼية التي استخدمها القرآن الكريم بصيغ متعددة مثل العابؼتُ والعالم وغتَبنا ؟ وابعواب على ذلك يكون على النحو الآبٌ : إنَّ العابؼية القرآنية أشمل لفظا ومعتٌ، وإطارا وبؿتوى، وإذا أردنا ابؼساواة بتُ اللفظتُ فبالتأكيد أن كلام ا﵁ أفضل وأكرم من أي لفظ، فالتعبتَ القرآني خال من نقص، والاستخدام البشري يعتًيو النقص . فالعوبؼة لا تعتٍ العابؼية التي ينص عليها القرآن الكريم؛ من حيث الطرد وابعمع، إذ الإسلام بتعاليمو التي جاءت في القرآن لم تنـزل لاستصلاح العرب باعتبارىم عرباً، وإبما ىم قوم كبقية الأقوام، إذ القرآن ليس كتابا قوميا يدعو إلى تفضيل شعب معتُ؛ وإبما نظرتو سامية تتجسد في قولو تعالى : ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّوِ أَتـْقَاكُمْ ﴾(11). (9 )سورة البقرة : 78. (10 )انظر: ا﵀رر الوجيز : 1/271 . (11 )سورة ابغجرات : 13 .

عدد الصفحات ٤

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 27 فهو لا بييز العرب بديزات خاصة بهم، إذ لم ينل العرب من القرآن كقومية إلا لغتو، وحيث لم يلغ القرآن التعددية الثقافية للشعوب الداخلة فيو التي في أصلها موروث بذارب البيئة التي عاشوىا، ولا تُناقض مبدأ التوحيد. فالعادات والتقاليد الأصل فيها ابغل والإباحة ما لم يرد مقابلها نص أو برريم شيء منها، فال لباس وطريقة الأكل، وطبيعة ابؼواجهة للأعداء وغتَىا جزء من موروثات الشعوب، برمل قيما اجتماعية من حقها الاعتزاز بها . فلم يطلب الإسلام من سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال ابغبشي الانسلاخ من ثقافتهم وبيئاتهم وطرائق معيشتهم والذوبان في الأبموذج العربي حتى بىدموا الإسلام وينصروا الدين، بعكس العوبؼة التي تفرض لونا معينا من الثقافة، أو ابؼنهجية وتطلب من الآخرين الذوبان فيها على مستوى طريقة حلق الشعر وموضة الثوب وآداب الطعام . ولذلك تتهاوى العوبؼة أمام عابؼية الإسلام في ابؼوازنة؛ لأن الدعوة الإسلامية شمولية بلا حد ود، قال تعالى: ﴿وما أرسلناك إلا ربضة للعابؼتُ﴾ (12)، وقال: ﴿قل يا أيها الناس إني رسول ا﵁ إليكم بصيعاً﴾(13)، والعابؼتُ بصع عالم، وىو: ما سوى ا﵁ (14)، فعلى مستوى الأحياء قال تعا: ﴿لتنذر من كان حياً وبوق القول على الكافرين﴾ (15)، وقال: ﴿تبارك الذي نزل الفرقان على عبده ليكون للعابؼتُ نذيراً﴾(16)، وقال: ﴿وما أرسلناك إلا كافة للناس بشتَاً ونذيراً ولكن أكثر الناس لا يعلمون﴾(17)، وعلى مستوى العالم الآخر وصلت دعوتنا إلى عالم ابعن قال تعا: ﴿قل أوحي إلي أنو استمع نفر من ابعن فقالوا إنا بظعنا قرآناً عجباً ، يهدي إلى الرشد فآمنا بو ولن نشرك بربنا أحداً﴾(18) . ومن العابؼية التعارف بتُ الناس في كل شيء، ومن التعارف التواصل بينهم في ابؼعارف والعلوم وغتَبنا قال تعا : ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند ا﵁ أتقاكم﴾(19). (12 )سورة النبياء : 107 . (13 )سورة الأعراف : 158 . (14)انظر: لسان العرب، لابن منظور، دار إحياء التًاث العربي، لبنان: 2 /420-421، ابغدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكريا بن بؿمد بن زكريا الأنصاري، برقيق : د. مازن ابؼبارك، دار الفكر ابؼعاصر، بتَوت، ط /1،1411ىـ: 66 . (15 )سورة يس : 70 . (16 )سورة الفرقان : 1 . (17 )سورة سبأ : 28 . (18 )سورة ابعن 1-2 . (19 )سورة ابغجرات : 13 .

عدد الصفحات ٥

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 28 ومن الفروق التي سجلها العلامة الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي (20) بتُ العوبؼة والعابؼية من وجهة نظر قرآنية أنَّ العابؼية في الإسلام تقوم على أساس تكريم بتٍ آدم بصيعا: ﴿ولقد كرمنا بتٍ آدم﴾ (21)، فقد استخلفهم ا﵁ الأرض، وسخر بؽم ما في السماوات وما في الأرض بصيع ا منو، وكذلك على أساس ابؼساواة بتُ الناس فـي أصل الكرامة الإنسانية، وفي أصل التكليف وابؼسؤولية، وأنهم بصيعًا شركاء في العبودية ﵁ تعالى، وفي البنوّة لآدم؛ وأما (العوبؼة) فالذي يظهر لنا من دعوتها حتى اليوم: أنها فرض ىيمنة سياسية واقتصادية وثقافية واجتماعية من جهة ما على العالم، وخصوصًا عالم الشرق، والعالم الثالث، وبالأخص العالم الإسلامي. المطلب الثاني علاقة الدراسات القرآنية بالعولمة العوبؼة ليست اقتصاداً فحسب، وإبما ىي منظومة تتعلق بالسياسة والاقتصاد وابغضارة والثقافة والاتصالات وابؼعلومات، وىناك تعريفات كثتَة بؽا، وىي تسعى إلى اختصار العلم والعالم، وتقريب ابؼسافات في القرية الكونية، وكل جزئية من جزئيات العوبؼة، وكل مسألة من مسائلها قد تناوبؽا القرآن الكريم من باب التفصيل في كل شيء، على ما يأبٌ: أولً : المجال القتصادي للنظام الاقتصادي وجو بارز في ابؼنهجية القرآنية، فهو يكفل ابؼلكية الفردية في إطار من الرقابة الشرعية والاجتماعية، ويشجع الناس على العمل والإنتاج وتطوير التجربة الذاتية في ابغياة، وبذلك بوافظ على دور ابؼال البنّاء لئلا يتحول إلى صخرة في طريق ابغرية الاجتماعي ة والقيم الدينية، وبوسب الإسلام ابؼال حقاً من حقوق الفرد؛ ولكنو ملك بعميع الناس، وللدين والناس أن يفرضوا الرقابة عليو لئلا يصبح أداة فساد، ولذلك فإن السفهاء بورمون من حق التصرف في أموابؽم، لأنها أموال المجتمع قبل أن تكون أموال السفهاء، ولأن ابؼال وُضع ليؤدي دور ابؼنظِّم لأنشطة (20 )مفهوم العوبؼة وماذا تعتٍ؟ د.يوسف القرضاوي ، موقع اسلام أون لاين ، www.islamonline.net (21 )سورة الإسراء : 70 .

عدد الصفحات ٦

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 29 المجتمع، وابغافظ بعهود الناس، فإذا استغلو صاحبو في الفوضى والفساد والسلبية والإسراف فإنو يفقد دوره ويصيب الضرر بصيع المجتمع. من ىنا فالقرآن يوسع دائرة لفظة : (السفيو)(22) لتشمل كل من بىالف مصابغو ابغقيقية حسب الرؤية الدينية ومقياس العر ف، ويتعدى معناىا بابؼناط إلى الغتٍ أو ابغاكم الذي يصرف أموال المجتمع على متعو ابػاصة، بينما كان عليو أن يصرفها في بناء ابؼشاريع العمرانية و الإنسانية، و ينصرف لفظ السفيو إلى التًف الذي يشجع الفاحشة، ويبتٍ دور اللهو، وينشر ابؼخدرات، وكذلك ابؼفسد الذي بوتكر التجارة لذاتو ويعمل بطريقة أنانية تضر بدصلحة سائر التجار وأفراد المجتمع، وكذلك تنصرف كلمة السفيو إلى العدو الذي بوارب الرسالة و أصحابها . قال تعالى: ﴿ولا تـُؤْتُوا السُّفَهَاءَ أَمْوَالَكُمْ الَّتيِ جَعَلَ اللَّوُ لَكُمْ قِيَامًا﴾ (23)، والقوام ىو ملاك الأمروما يقوم بو الأمر، وأراد ىا ىنا قِوام عيشكم الذي تعشيون بو(24)، وفيو استمرار الشيء وبقاؤه، والتوايف من أجل البناء والتطوير، ولا يعتٍ ذلك القول بابؼصادرة للأموال لنوقعها في أيدي ابؼنتفعتُ من ىذا القانون؛ بل وضع رقابة بـلصة تقوم بالتوجيو بكو استثمارىا في الن فع العام، وتضع الأرباح في حسابهم بعد أن تأخذ من أموابؽم قدرا لقاء المجهود الذي بذل. من ىنا يقول تعالى: ﴿وَارْزُقُوىُمْ فِيهَا وَاكْسُوىُمْ وَقُولُوا بؽَُمْ قـَوْلا مَعْرُوفًا﴾(25)، واستعمال كلمة (فيها) بدل (منها) للدلالة على ضرورة صرف ىذه الأموال في مصلحة السفهاء في استثمارىا بؽم (26)، وفيو دعوة إلى استثمار أموال اليتامى، وأن ينفق عليهم من أرباح ابؼال لا من أصلو، وىو ما أشار إليو الزبـشري بقولو : ((وارزقوىم فيها : واجعلوىا مكانًا لرزقهم بأن تتجروا فيها، وتتًبحوا حتى يكون نفقتهم من الأرباح، لا من صلب ابؼال، فلا يأكلها الإنفاق))(27)، (22 )السفيو لغة: ىو خفيف العقل و ناقصو ، والسفيو الذي حكم الفقهاء بحجر مالو ىو مفسد ابؼال و مضيعو ، بدعتٌ : من لو ملكة افساد ابؼال ، أو من ليس لو ملكة اصلاحو ، انظر : القاموس ا﵀يط، الفتَوزآبادي، دار إحياء التًاث العربي، بتَوت، ط/1، 1991م: 4 /287 ، ابعامع لأحكام القرآن، القرطبي، عالم الكتب، الرياض، 1423ىـ- 2003م: 2 /148. (23 )سورة النساء : 5 . (24 )انظر: معالم التنزيل، للبغوي، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط/4،1417ىـ- 1997م: 1 /158 . (25 )سورة النساء : 5 . (26 )انظر: التفستَ الكبتَ، الفخر الرازي، دار إحياء التًاث العربي، بتَوت : 9/186. (27 )الكشاف، الزبـشري، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر : 1/500.

عدد الصفحات ٧

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 30 ويعد القرآن ىؤلاء السفهاء مرضى، فيؤكد على ابعانب التًبوي : ﴿قولوا بؽم قولا معروفا﴾ (28)، حتى لا تتحطم نفسيتهم، وإبما توجيههم بكو الأفكار التجارية السليمة بسهيدا لإصلاحهم، وإعادة أموابؽم إليهم بعد ذلك . وأيضاً يعد القرآن الربا من ا﵀رمات ابؼنهي عنها، بؼا فيو من استغلال الضعفاء، وإنهاك اقتصاد المجتمع، لأن الربا يثتَ شهوة الإثراء السريع، وبذلك يعطل الاقتصاد وبيتص جهود الفقراء وبهعل رأس ابؼال يدور في فلك أناس معينتُ، إضافة إلى أن الربا يضعف ابؼنافسة ابغرة الشريفة، وبؽذا جاء برريم الربا وحلية البيع لأن ابعميع يسهم فيو: ﴿وَأَحَلَّ اللَّوُ الْبـَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا﴾(29)، والربا يقيد ابؼال في حدود الفوائد، ويكون ابؼرابي شريكا في جهود الناس دون أن يتحمل معهم خسارة أو يبذل جهدا، وىذه معادلة مفروضة في نظام العوبؼة الذي يسهم في الإضرار بابعوانب الاق تصادية للبلدان الفقتَة، بفا يؤثر في ابغياة السياسية والثقافية والاجتماعية وىو ما نعاني منو في الوقت ابغاضر، ويثقلنا في ابؼستقبل، بفا يفرز التمايز ابؼقيت بتُ البشرية، فدول العوبؼة تستأثر بكل ختَات ابؼعمورة، وىناك بؾتمعات فقتَة برتاج إلى أبسط مقومات ابغياة، إضافة إلى تراكم الديون والفوائد ابؼتضاعفة، بفا بهعل الاستقلال والتقدم يتلاشى في طوفان الديون. ويوجو ابؼنهج القرآني أتباعو إلى التزام ابؼسؤولية، وذلك بإبهاد (التقوى ) كوازع داخلي بوفظ ابغقوق بصيعها وبوافظ على حرمات المجتمع وأبرزىا حرمة ابؼال، فالقرآن ينهى ع ن أكل أموال الناس بالباطل: ﴿يا أيها الذين آمنوا لا تَأْكُلُوا أَمْوَالَكُمْ بـَيـْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ﴾ (30) سواء بالغصب أو بالغش، أو بالقمار أو التجارة الضارة، أو الربا، وكل ما يعد أكلا بالباطل، ومن أشد ا﵀رمات أن يستند الأكل لأموال الناس إلى سلطة ابغكام أو ب فعل القوانتُ ابؼشرّعة بالوضع: ﴿ وَتُدْلُوا بهَِا إِلىَ ابغُْكَّامِ لِتَأْكُلُوا فَرِيقًا مِنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِبٍِْ وَأَنـْتُمْ تـَعْلَمُونَ﴾ (31). وبؽذا يدفع القرآن بابذاه دفع الزكاة من أجل النفع العام ودفع عجلة التقدم، و بدل الربا على الفقراء وابؼضار بة ابغرام في جهودىم يأمر القرآن بالصدقات وابؼساعدة للمحرومتُ، وتوفتَ رأس ابؼال بؽم، لأنو سوف يتسبب في تدوير (28 )سورة النساء : 5 . (29 )سورة البقرة : 275 . (30) سورة النساء : 29 . (31 )سورة البقرة : 188 .

عدد الصفحات ٨

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 31 الثروة، وبرريك الاقتصاد، وإنهاء البطالة من تكوّن الصدقات(ابؼساعدات ابؼالية) في مواجهة الربا : ﴿بيَْحَقُ اللَّوُ الرِّبَا وَيـُرْبيِ الصَّدَقَاتِ وَال لَّوُ لا بوُِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ ﴾ (32). كما يرفض القرآن البخل ويعتبره من الأمراض التي تصيب أصحاب الثروة، فالعلاج لا يكون إلا بالإحسان والإنفاق، إضافة إلى أن الثروة ا﵀صورة من دون إنفاق تورث الكراىية وابغقد بتُ أبناء المجتمع : ﴿الَّذِينَ يـَبْخَلُونَ وَ يَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَيَكْتُمُونَ مَا آتَاىُمْ اللَّوُ مِنْ فَضْلِوِ﴾ (33). وبهعل القرآن العطاء ابؼستحب تعبتَا عن إبهابية النفسية ابؼسلمة ومظهرا من مظاىر الإبيان با﵁، ويبارك ا﵁ فيو وبهعل العوض على الإنفاق: ﴿مَثَلُ الَّذِينَ يُنفِقُونَ أَمْوَ ابؽَُمْ فيِ سَبِيلِ اللَّوِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنـْبَتَتْ سَبْعَ سَنَابِلَ فيِ كُلِّ سُنْبـُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّوُ يُضَاعِفُ لِمَنْ يَشَاءُ وَاللَّوُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ (34). كما يشجع القرآن على التداين والإقراض، فكانت الآية التي نظمت أمر الدَين ىي أطول آيات القرآن على الإطلاق، إذ أحاطو بدجموعة من الأحكام والإجراءات التي برول دون إساءة استغلالو، وتكفل الضمانات الكافية بغفظ حقوق الدائنتُ وابؼدينتُ في آن واحد، ومن بٍ لا يعزف الناس عن إقراض ا﵀تاجتُ : ﴿يَاأَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا تَدَايَنتُمْ بِدَيْنٍ إِلىَ أَجَلٍ مُسَمِّى فَاكْتُبُوهُ …﴾(35). ثانياً: المجال السياسي لقد بردث القرآن الكريم عن السياسة وابغكومة في موارد كثتَة من آياتو، برت عنوان الإمامة وابػلافة والولاية وابغكم فجعلها أمانة بيد ابغاكم، وضرورة عقائدية بؽداية الإنسان، وإصلاح ابغياة البشرية، لتحقيق العدل، وتطبيق القانون والنظام اللذين بوفظان إرادة ابغق والعدل وابػتَ في ىذا الوجود، وفيما يأبٌ بؾموعة من الآيات الكربية التي تعطينا صورة واضحة بؼفهوم السياسة في القرآن الكريم . قال تعالى بـاطباً النبي داود عليو السلام: ﴿يَا دَاوُودُ إِنَّا جَعَلْنَاكَ خَلِيفَةً فيِ الأَْرْضِ فَاحْكُم بـَتَُْ النَّاسِ بِابغَْقِّ وَلاَ تـَتَّبِعِ ابؽَْوَى فـَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللَّوِ إِنَّ الَّذِينَ يَضِلُّونَ عَن سَبِيلِ اللَّوِ بؽَُمْ عَذَابٌ شَدِيدٌ بدَِا نَسُوا يـَوْمَ ابغِْسَابِ وَمَا خَلَقْنَا السَّمَاء وَالأَْرْضَ وَمَا بـَيـْنـَهُمَا بَاطِلاً ذَلِكَ اَنُّ الَّذِينَ كَفَرُوا فـَوَيْلٌ لِّلَّذِينَ كَفَرُوا مِنَ النَّارِ *أَمْ بقَْعَلُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا (32 )سورة البقرة : 276 . (33 )سورة النساء : 37 . (34 )سورة البقرة : 261 . (35) سورة البقرة : 282 .

عدد الصفحات ٩

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 32 الصَّابغَِاتِ كَالْمُفْسِدِينَ فيِ الأَْرْضِ أَمْ بقَْعَلُ الْمُتَّقِتَُ كَالْفُجَّارِ﴾(36)، ﴿بٍَُّ جَعَلْنَاكُمْ خَلاَئِفَ فيِ الأَرْضِ مِن بـَعْدِىِم لِنَنظُرَ كَيْفَ تـَعْمَلُونَ﴾ (37)، ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلاَئِكَةِ إِنيِّ جَاعِلٌ فيِ الأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُواْ أَبذَْعَلُ فِيهَا مَن يـُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاء وَبكَْنُ نُسَبِّحُ بحَِمْدِكَ وَنـُقَ دِّسُ لَكَ﴾ (38)، ﴿إِنَّ اللّوَ يَأْمُرُكُمْ أَن تُؤدُّواْ الأَمَانَاتِ إِلىَ أَىْلِهَا وَإِذَا حَكَمْتُم بـَتَُْ النَّاسِ أَن برَْكُمُواْ بِالْعَدْلِ إِنَّ اللّوَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِوِ إِنَّ اللّوَ كَانَ بظَِيعًا بَصِتًَا يَا أَيـُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ أَ طِيعُواْ اللّوَ وَأَطِيعُواْ الرَّسُولَ وَأُوْليِ الأَمْرِ مِنكُمْ فَإِن تـَنَازَعْتُمْ فيِ شَيْءٍ فـَرُدُّوهُ إِلىَ اللّوِ وَالرَّسُولِ إِن كُنتُمْ تـُؤْمِنُونَ بِاللّوِ وَالْيـَوْمِ الآخِرِ ذَلِكَ خَيـْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾(39)، ﴿تِلْكَ الدَّارُ الآْخِرَةُ بقَْعَلُهَا لِلَّذِينَ لاَ يُرِيدُونَ عُلُوِّا فيِ الأَْرْضِ وَلاَ فَسَادًا وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِتَُ﴾(40)، ﴿الَّذِينَ إِن مَّكَّنَّاىُمْ فيِ الأَْرْضِ أَقَامُوا الصَّلاَةَ وَآتـَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنـَهَوْا عَنِ الْمُنكَرِ وَلِلَّ وِ عَاقِبَةُ الأُْمُورِ﴾ (41)، ﴿وَقَالَ الَّذِي آمَنَ يَا قـَوْمِ اتَّبِعُونِ أَىْدِكُمْ سَبِيلَ الرَّشَادِ﴾(42)، ﴿وَإِن نَّكَثُواْ أَبيَْانـَهُم مِّن بـَعْدِ عَهْدِىِمْ وَطَعَنُواْ فيِ دِينِكُمْ فـَقَاتِلُواْ أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنـَّهُمْ لاَ أَبيَْانَ بؽَُمْ لَ عَلَّهُمْ يَنتـَهُونَ﴾(43)، ﴿وَإِن جَنَحُواْ لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ بؽََا وَتـَوَكَّلْ عَلَى اللّوِ إِنَّوُ ىُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ﴾(44)، وكما ثبَّت القرآن تلك الأسس الفكرية للحكم والسياسة، ثبَّت كذلك مبدأ الشورى والتشاور أساساً من أسس النظام السياسي في الإسلام، فقال تعالى بـاطباً نبيّو الكريم صلى ا﵁ عليو وسلم: ﴿فاعف عنهم واستغفر بؽم وشاورىم في الأمر﴾ (45)، وقال تعالى واصفاً ابؼؤمنتُ في حياتهم السياسية والاجتماعية: ﴿ وأمرىم شورى بينهم وبفّا رزقناىم ينفقون﴾(46)، وفي موضع آخر بردث عن البيعة والطاعة لولاة الأمور الذين يقيمون الإسلام وينفّذون سياسة ابغقّ والعدل، واعتبرىا واجبة على الأمّة فقال تعالى: ﴿لَقَدْ رَضِيَ اللَّوُ عَنِ الْمُؤْمِنِتَُ إِذْ يـُبَايِعُونَكَ برَْتَ (36 )سورة ص : 26-28. (37 )سورة يونس : 14. (38 )سورة البقرة : 30. (39 )سورة النساء : 58-59. (40 )سورة القصص : 83. (41 )سورة ابغج : 41. (42 )سورة غافر : 38. (43 )سورة التوبة : 12. (44 )سورة الأنفال : 61. (45 )سورة آل عمران : 159. (46 )سورة الشورى: 38 .

عدد الصفحات ١٠

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 33 الشَّجَرَةِ... ﴾(47)، وىكذا يثبت القرآن ابؼبادئ الأساسية للسياسة، ويوضح مرتكزاتها في العديد من آياتو اختًنا منها ما أوردنا اَنفاً للإيضاح والتعريف . ثالثاً : المجال الثقافي يطرح القرآن ابؼرتكزات الثقافية للأمم بوصفها وحدة مرتبطة بالأديان، باعتبار أن أية أمة تستمد قوتها وشخصيتها ابؼتميزة من ثقافتها، ولا ينبغي أن تتناقض ىذه الثقافة مع ما تدين بو ﵁ تعالى، والنهي القرآني الذي ورد بخصوص عدم التأثر بالأفكار الغريبة والدخيلة، إبما ىو نهي عن التورط في مشكلات تلك الأفكار، ولأن تلك الأفكار الثقافية ابؼنحرفة كانت السبب في ىلاك معتنقيها من أصحاب الديانات السابقة من مثل مشكلة بذسيم ا﵁ كما فعل اليهود : ﴿فـَقَالُوا أَ رِنَا اللَّوَ جَهْرَةً﴾(48)، أما الأفكار التي ىي بنيات التجارب وابعهود الذاتية للشعوب، والتي أثر في التقدم ابؼادي و التي لا تضر بقيم الدين، فإن القرآن لا يرفضها . من ىنا بقد القرآن ينهانا عن استتَاد الأفكار و الثقافات التي برلل المجتمع ابؼسلم، وتسهم في تأخر ه، وذلك من خلال النهي القرآني : ﴿لا تـَقُولُوا رَاعِنَا وَقُولُوا انظُرْنَا﴾(49)، فلفظة"راعنا "(50) توحي حتُ استخدامها بتلك العلاقة (47) سورة الفتح : 18. (48 )سورة النساء : 153 . (49 )سورة البقرة : 104 . (50 )انظر :لسان العرب : 3 /1677 ، وتفستَ ابن كث : 1 /213 ، ، وللعلماء أقوال أخرى في السبب الذي من أجلو نهى ا﵁ ابؼؤمنتُ أن يقولوا :راعنا، منها : أ- منهم من قال ىي كلمة كانت الأنصار في ابعاىلية تقوبؽا، فنهاىم ا﵁ في الإسلام أن يقولوىا لنبيو - صلى ا﵁ عليو وسلم - . انظر: تفستَ الطبري، دار الفكر، دمشق، ط/1،2001م: 2 /461 . ب- اختار ابن جرير أن النهي عن كلمة :(راعنا)؛ لأنها كلمة كرىها ا﵁ - تعالى -بؽم أن يقولوىا لنبيو - صلى ا﵁ عليو وسلم -، لا علاقة بؽا باليهود وتهكمهم، بل ىي من باب الأدب بتوقتَ النبي - صلى ا﵁ عليو وسلم - لاحتمابؽا معان لا تطيق بهذا التوقتَ؛ لذلك أمر ا﵁ - تعالى -ابؼؤمنتُ أن يتختَوا بػطاب النبي - صلى ا﵁ عليو وسلم - من الألفاظ أحسنها، ومن ابؼعاني أرقها . وانظر : تفستَ الطبري: 2 /463 . ج- ذكر أبو حيان، أن لليهود كلمة عبرانية، أو سريانية يتسابون بها وىي : راعينا، فلما بظعوا بقول ابؼؤمنتُ راعنا، افتًضوه وخاطبوا بها رسول ا﵁ - صلى ا﵁ عليو وسلم -، وىم يعنون تلك ابؼسبة، فنهي ابؼؤمنون عنها، وأمروا بدا ىو في معناىا، انظر: البحر ا﵀يط، لأبي حيان، دار الكتب العلمية، بتَوت- لبنان، ط/1،1422ىـ- 2001م: 1 /543 .

عدد الصفحات ١١

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 34 ابػاطئة في التعامل مع القوانتُ، وبؿاولة عدم العمل بها، وىي بزفيف الأحكام من أجل ألا يعمل بها، في وقت يطرح القرآن لفظة بديلة ىي: " انظرنا " أي أمهلنا من أجل البحث عما نستطيع بو أداء الواجبات وابؼسؤوليات. وباعتبار أن الثقافة القوية تبعث في الأمة القوة والطموح، والتطلع لتحقيق ابؼزيد من الإبقازات، بينما المجتمعات الضعيفة براول برقيق واجباتها قدر الإمكان، ودون بربؾة لأنها تفقد تطلعاتها البعيدة. وحتُ يأمرنا القرآن بالتحري والدقة في أخذ الثقافات الأخرى إبما يضعنا أمام مسؤولياتنا التي تأبى الانصهار في إضلالنا عن ديننا و قوة بساسكنا بو، ويرفض القرآن الفكر العنصري عند أصحاب الديانات السابقة باعتبار أن أفول بقم أية أمة يكمن في عوامل عدة منها العنصرية وتقديس الكيان ابؼادي؛ وبؽذا يضرب القرآن مثلا من عنصرية اليهود التي لا يريدىا أن تكون في ابؼسلمتُ : ﴿وَقَالُوا لَنْ بسََسَّنَا النَّارُ إِلاّ أَيَّامًا مَعْدُودَةً قُلْ أَابزََّذْبًُْ عِنْدَ اللَّوِ عَهْدًا فـَلَنْ بىُْلِفَ اللَّوُ عَهْدَهُ أَمْ تـَقُو لُونَ عَلَى اللَّوِ مَا لا تـَعْلَمُونَ﴾ (51)، من ىنا يدين القرآن الفكر العنصري ويبتُ أن ىذا النوع من التفكتَ لا يعتمد على قيم؛ بل على الأىواء. المطلب الثالث الدراسات القرآنية المتأثرة بالعولمة والموقف منها إن الدراسات القرآنية ابؼتأثرة بالعوبؼة ىي امتداد لدراسات ابؼستشرقتُ الذين توجهوا بكو القرآن ببحوثهم ودراساتهم في القرنتُ التاسع عشر والعشرين ابؼيلاديتُ، ولا يسعنا -ىنا- الدخول في الدراسات الاستشراقية بقدر ما يسعنا القول بأن ما وصل إلينا من بحوث ودراسات سوا ء كتبت باللغة العربية أو عن طريق التًبصة من لغات أخرى كلها تصب بابذاه بحثي ودراسي بغض النظر عن دوافعها وأسبابها . فابؼنهج التاربىي لا ينفك عن القراءة التاربىية للقرآن الكريم عند ابؼستشرقتُ؛ بل إن ىذا ابؼنهج ىو الذي كان سائداً في العلوم الإنسانية كلها آنذاك ، ومن يومو وإلى الآن ىو منهج متحامل على النصوص الدينية كلها، ومنها وفي مقدمتها القرآن الكريم، إذ أن عصر ما يسمى بـ"النهضة" ىو الذي فرض ىذه ابؼناىج لبيئة شهدت انفصاماً وانفصالاً بتُ العلم والدين، فكان من جراء تطبيقاتها ابؼيدانية أن شملت مصادرنا الإسلامية، و لذلك رأينا فيما بعد ما يسمى بـ : الدراسات القرآنية التاربىية . (51 )سورة البقرة : 80 .

عدد الصفحات ١٢

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 35 وابؼنهج التحليلي ىو الآخر امتداد بؼقاربات ابؼقارنة النصية لنصوص القرآن في ابؼنهج الفيلولوجي الاستشراقي ال أبشرت في الثلث الأول من القرن ابؼنصرم وفي بطسينياتو برديداً أفرزت التفستَ ابؼوضوعي (في مصر والعالم العربي)، لأن دراسات ابؼنهج البياني تابعة بؼدرسة الأمناء في أربعينيات القرن ابؼنصرم، ابؼتأثرة بالتأوُّليَّة الأبؼانية : (Hermeneutics)، و(علم الدلالة Semantics)، وقد فتحت أفقاً جديداً لدراسات القرآن، وقد حظي كل من ىذين النوعتُ من الدراسات باىتما م واسع، وىو أمر يوضح مدى أبنية ابتكار مناىج جديدة لو أنها سارت بالابذاه الصحيح ضمن القيود الشرعية في التعامل مع النصوص الدينية. وأما ابؼوقف الشرعي والعلمي من الدراسات القرآنية ابؼتأثرة بالعوبؼة وتوجهاتها فلا يسعنا أن نقول كل ما في الدراسات القرآنية ابؼعاص رة لا ينفع وليس فيو ما يفيد، لأننا أمام جهود بؽا ما بؽا وعليها ما عليها، ولكن يسعنا القول بضرورة وجود ضوابط في الدراسات القرآنية ابؼعاصرة -في عصر العوبؼة- برمي النص القرآني وطريقة التعامل معو من أن نتلاعب بو كأي نص آخر، وىناك مناىج لا غبار عليها وىو مقبولة لدينا، فإذا ابتعدنا كثتَاً عن القراءة التفكيكية والبنوية والأنثروبولوجية للقرآن الكريم، فإننا بيكن أن نصف دراسات أخرى بالاعتدال والتي نعتٍ بها الدراسات ذات التخصص في القراءة الأدبية والأسلوبية . وحتى التاربىية فيها من المجالات ابؼنضبطة ما لا تعدم الدراسات القرآنية من الإفادة منها، ونقصد بها التاربىية الوصفية وليست التاربىية النقدية، لأن ىذه الأختَة أثبتت فشلها منهجياً، وبيكن للمستزيد أن يرجع إلى ما انتهى إليو برتزل وجفري أولاً، بٍ بلاشتَ وبارت ثانياً، الذين توصلوا إلى أن الطريقة التاربىانية النقدية غتَ مثمر ة، لأنها تتعامل مع القرآن كما تعاملت مع النصوص ابؼخطوطة، والتي بؽا بـطوطات عدة بزتلف نصاً وقِدماً ودقة، وأنها إبما تريد باستعمال اختلافات النسخ الوصول الى نص بؿقق أقرب الى ما كتبو «ابؼؤلف»أو تركو، وما منع ذلك كلاً من أوتو برتزل – تلميذ نولدكو، والبريطاني آرثر جفري من بصع اختلافات القراءات وبـطوطات القرآن الأقدم في طوال العقود، إلى أن بزليا عن ابؼشروع التحقيقي والنقدي بعد ابغرب الثانية . فهناك قراءات معتدلة في النص القرآني بالرغم من حداثتها ومعاصرتها، وىناك دراسات لم تقطع الصلة بدنهج التًاث التفستَي القديم، كما أنها مشت خطوات مع التيار ابعديد والفكر ابغديث، وبلص بالذكر دراسات للتمثيل وليس للحصر، الأولى في ابؼنهج التاربىي، والأخرى في ابؼنهج التحليلي، وبنا :

عدد الصفحات ١٣

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 36 1- أمتُ ابػو: أرسى ابػولي منهجاً أبظاه: "التفستَ البياني للقرآن"، وطرح فيو موضوع مكانة النص ابؼفسَر، وحدد ثلاث خصائص بذديدية في منهجو، أحداىا: ابػاصية ابؼوضوعية، أي: ابعمع الإحصائي للموضوع في مفرداتو وسياقو وعلاقاتو بابؼعتٌ، والأخرى : ابػاصية ابؼعرفية التي تهتم بدا حول النص من معارف، وابؼقصود بها علوم القرآن، والأختَة: ابػاصية التاربىية اللغوية، ويعتٍ بها الا ىتمام بالبيئة التي نزل فيها القرآن، وبؾاراة للمناىج ابغديثة فقد أفاد من علمي النفس والاجتماع وغتَبنا . 2- عائشة عبد الربضن : بنت الشاطئ تعاملت مع النص القرآني بوصفو نصاً لغوياً متكاملاً يفسر بعضو بعضاً، وتابعت ابػولي في موضوع تاربىية الألفاظ القرآنية ومناسبة التًاكيب بؽا. ومن ابعدير بالإشارة إليو أننا بنا حاجة إلى دراسات قرآنية معاصرة بشرط أن لا بزرج عن بظة الاعتدال الفكري وابؼنهجي، ىذا إذا علمنا بأن القرآن لا تنقضي عجائبو، ولا يشبع منو العلماء، ومن ذلك ما نفهمو من كلام الصحابي ابعليل عبد ا﵁ بن مسعود رضي ا﵁ عنو الذي قال: "من أراد العلم فليثور القرآن فإن فيو علم الأولتُ والآخرين "(52) . الخاتمة بعد ىذه ابعولة العلمية ابؼباركة في رحاب الدراسات القرآنية لا يسعنا إلا أن بلتم كلامنا بهذه الكلمات لنؤكد ما طرحناه من مسائل وقضايا في بحثنا الذي سعى لإثبات موضوع التأ ثر والتأثتَ بتُ الدراسات القرآنية والعوبؼة . فأما التأثر فقد توصلنا إلى نتيجة وىي أن العوبؼة لم تأت بجديد، فإن القرآن الكريم سبق طروحات العوبؼة من خلال الرسالة العابؼية التي جاء بها الإسلام، ودعا إليها القرآن، وسار عليها النبي بؿمد صلى ا﵁ عليو وسلم، لأن الديانات بصيعها بؿصورة على أقوام ومقصورة على أوقات، كلما جاءت شريعة جديدة نسخت ما قبلها، إلا ديننا العظيم وشريعتنا الغراء ابػابسة والشاملة والباقية إلى يوم الدين، والتي توجهت بالدعوة إلى الأبيض والأسود، والشرق والغرب، والشمال وابعنوب . (52 )انظر: البرىان في علوم القرآن، ج 1 ص8 .

عدد الصفحات ١٤

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 37 بٍ إن الدراسات القرآن ية سبقت العوبؼة في تناول موضوعات حرصت العوبؼة مؤخراً على الاىتمام بها، وىذا لون حضاري من إعجاز القرآن الكريم، فالقرآن الكريم احتوى آيات كثتَ تتعلق بابعانب الإقتصادي والسياسي والثقافي، وىذه ابؼوضوعات الثلاث ىي ركائز العوبؼة اليوم، كما أنو أسس بؽا نظماً قبل أن يعرف الغرب معتٌ النظم لغةً واصطلاحاً، وفي تلك الآيات من ابغلول الناجعة بؼشكلات ابغياة العامة ما تعجز عنو العوبؼة، بدليل فشل العوبؼة بعد بذربتها ميدانياً في ابغياة على مستوى الأزمة ابؼالية من جراء تصرفاتها، وعلى مستوى ابؼشكلات السياسية في كل مكان بسببها، وعلى مستوى ضياع ابؽوية الثقافية للمجتمعات، وغتَ ذلك من الأمثلة الكثتَة . وأما التأثتَ فالدراسات القرآنية عرفت ابؼناىج وطبّقتها قبل أن تعرفها العوبؼة، فإذا جاءتنا العوبؼة بابؼنهج التاربىي وابؼنهج التحليلي في قراءة النصوص الدينية ومنها القرآن الكريم، فإن الد راسات القرآنية القدبية -والقدبية جداً - تناولت ىذين ابؼنهجتُ بصياغة بؾلدات قرآنية ومصنفات قيمة تتمثل في التفاستَ القرآنية التي تنوعت مناىجها، وبسيزت تطبيقاتها، ولنا أن نأخذ على سبيل ابؼثال لا ابغصر الطبري مؤرخاً عندما فسّر القرآن بدنهج تاربىي متميز، ولنا أن بلتار تفستَ أبي حيان لغوياً بؿللاً في بحره ا﵀يط لتفستَ القرآن، ولكن ابؼناىج القرآنية التاربىية والتحليلية اتسمت بابؼنهجية ابغقة، والتزمت بالضوابط العلمية، في حتُ أن مناىج العوبؼة ابؼطبقة على الدراسات الدينية ومنها القرآن الكريم قائمة على العشوائية وعدم ابؼنهجية ولا تتقيد بضابط ولا بحدود، وفي الردود عليها ما يغتٍ عن الإثبات .

عدد الصفحات ١٥

مجلة بحوث إسلامية واجتماعية متقدمة 1 (1111 )12-23 38 المصادر والمراجع بعد القرآن الكريم: 1. البحر ا﵀يط، لأبي حيان الأندلسي الغرناطي ، دار الكتب العلمية، بتَوت - لبنان، ط /1،1422ىـ- 2001م. 1. البرىان في علوم القرآن،بدر الدين بؿمد بن عبد ا﵁ الزركشي، برقيق : بؿمد أبو الفضل إبراىيم، دار إحياء الكتب العربية عيسى البابى ابغلبي وشركائو، ط /1،1376 ىـ- 1591م. 3. تفستَ البيضاوي ابؼسمى: أنوار التنزيل وأسرار التأويل، ناصر الدين أبي سعيد عبد ا﵁ الشتَازي البيضاوي، دار الكتب العلمية، بتَوت-لبنان، ط/1،1999م. 4. تفستَ التحرير والتنوير، ابن عاشور، الدار التونسية للنشر، تونس . 5. تفستَ الطبري، للإمام ابن جرير الطبري، دار الفكر، دمشق، ط /1،2001م. 6. التفستَ الكبتَ، الفخر الرازي، دار إحياء التًاث العربي، بتَوت . 7. تفستَ ابن كثتَ ابؼسمى بتفستَ القرآن العظيم، ل لإمام ابغافظ أبي الفداء إبظاعيل بن كثتَ القرشي الدمشقي، دار ومكتبة ابؽلال، بتَوت، ط / 1،1986م. 8. ابعامع لاحكام القرآن، القرطبي، عالم الكتب، الرياض، 1423ىـ- 2003م. 9. ابغدود الأنيقة والتعريفات الدقيقة، زكريا بن بؿمد بن زكريا الأنصاري، برقيق : د. مازن ابؼبارك، دا ر الفكر ابؼعاصر، بتَوت، ط/1،1411ىـ. 10. القاموس ا﵀يط، الفتَوزآبادي، دار إحياء التًاث العربي، بتَوت، ط/1،1991م. 11. الكشاف، الزبـشري، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر . 12. لسان العرب، لابن منظور، دار إحياء التًاث العربي، لبنان . 13. ا﵀رر الوجيز في تفستَ الكتاب العزيز، أبو بؿمد عبد ابغق بن عطية الأندلسي، دار ابن حزم . 14. ابؼستصفى في علم الأصول، للإمام الغزاليّ، برقيق: بؿمد عبد السلام عبد الشافي، دار الكتب العلمية، بتَوت، ط/1، 1413ىـ. 15. معالم التنزيل، للبغوي، دار طيبة للنشر والتوزيع، ط /4،1417ىـ- 1997م.

عدد الصفحات ١٦