المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

عوامل النجاح في علم البرمجة اللغوية العصبية وتطبيقاتها في القرآن الكريم

بثينة وليد عبد الحميد

صفحة ١ من ٢

(319) عوامل النجاح في علم البرمجة اللغوية العصبية وتطبيقاتها في القرآن الكريم الباحثة : بثينة وليد عبد الحميد المقدمة: الحمد ﵀ رب العالمين والصلاة والسلام عمى محمد خير خمقو أجمعين وآلو الطيبين الطاىرين وبعد يشيد العالم المعاصر تقدماً عممياً كبيراً في شتى المجالات العممية والمعرفية ، وكان للإنسان وما يتعمق بو نصيب وافر من تمك الأبحاث ومنيا الأبحاث المختصة بالنفس الإنسانية وما يتعمق بيا ، وقد أحرزت ىذه الأبحاث نتائج عممية قدمت سبلاً تقود سالكيا إلى الارتقاء بيذه النفس إلى أعمى المستويات ، وقد حاول الميتمون بالنفس الإنسانية جمع ىذه الأبحاث وضميا إلى بعض لمخروج بعمم جديد ظير في أواخر سبعينيات القرن المنصرم عرف بعمم " البرمجة المغوية العصبية " وقد قدم ىذا العمم حمولاً لأغمب المشاكل الإنسانية وتعددت موضوعاتو ومن بين تمك الموضوعات موضوع النجاح وما يتعمق بو ، حيث وضع أسس وقواعد لمنجاح وعند تدقيق النظر في ىذه القواعد والأسس تبين أنيا وجدت في القرآن الكريم مما شكل دافعاً لمبحث في ىذا الموضوع . وقد اقتضت ضرورة البحث تقسيمو إلى تمييد وثلاث فصول : التمييد : تضمن البحث في موضوع النجاح المبحث الأول : أسس وقواعد النجاح وتطبيقاتيا في القرآن الكريم المبحث الثاني : دور الإقتداء بالسموك المثالي في تحقيق النجاح وتطبيقاتو في القرآن الكريم . المبحث الثالث : أثر التفاؤل والتشاؤم في تحقيق النجاح وتطبيقاتو في القرآن الكريم . التمييد مفيوم النجاح يعد موضوع النجاح من الموضوعات الأساسية التي عالجيا عمم البرمجة المغوية العصبية ، وذلك لأن غاية ىذا العمم الارتقاء بالإنسان إلى أعمى المراتب ، والنجاح مصطمح تيفو إليو النفوس ، لأنيا مجبولة عمى حب التميز والتفوق في جميع المجالات ، ولكن مفيوم النجاح يختمف من شخص لآخر ، فالبعض يرى أن النجاح بالنسبة لو كثرة الأموال والبعض الآخر يرى إن النجاح

عدد الصفحات ١

(320) يتحقق في الحصول عمى وظيفة مرموقة ، والبعض يرى أن النجاح يكمن في العمم ، فيما يرى آخرون إن (( سر النجاح ىو سكينة واطمئنان القمب الذي سيؤدي إلى استمتاع الإنسان بحياتو )) ، وىكذا كل يرى النجاح عمى شاكمتو ؛ لذلك (( لا يمكن تعريف النجاح عمى الرغم من انو بإمكاننا أن نحدد الناجحين بسيولة ، فالنجاح قد يختمف من شخص لآخر بحسب رؤية وثقافة وأفكار وموقف كل منيم من الحياة ... )) . وبتعدد رؤى النجاح يؤيد الباحث القول الذي يرى ((أن أعظم نجاح ىو الانتصار عمى النفس ويقول عمماء النفس والاجتماع : إن انتصارك عمى نفسك يعني أن تنجح في تغيير موقف أو اتجاه أو أمر لا يرضيك في نفسك ...)) . فإذا انتصر الإنسان عمى نفسو انتصر عمى الكسل والجيل والفشل ، وبذلك حقق الأموال والعمم والشيرة ... الخ . وىذا النجاح الباىر المتمثل بالانتصار عمى النفس قد ذكر في القرآن الكريم صراحة في قولو تعالى : ﴿ وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاىَا  فَأَلْيَمَيَا فُجُورَىَا وَتَقْوَاىَا قَدْ أَفْمَحَ مَنْ زَكَّاىَا  وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاىَا ﴾ . (( يلاحظ أن الآية ذكرت كممة نفس نكرة وفي ذلك إشارة إلى ما في النفس من عظمة تفوق قدرة التصور والى ما يحيطيا من إييام ، يجعميا موجوداً مجيولاً )) . ثم توضح الآيات التالية انو تعالى بعد أن خمق النفس الإنسانية أمدىا بقوة (( فمن استخدم ىذه القوة في تزكية نفسو وتطييرىا وتنمية استعداد الخير فييا ، وتغميبو عمى استعداد الشر فقد أفمح ، ومن أظمم ىذه القوة وخبأىا وأضعفيا فقد خاب )) . فالذي ينتصر عمى نفسو قد فاز وأفمح في الدنيا والآخرة وىذا ىو النجاح الحقيقي ، بعكس الذي تنتصر نفسو عميو الذي تكون عاقبتو الفشل في الدنيا والعذاب في الآخرة . وقال جل ذكره في موضع آخر : ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالإِْيمَانَ مِنْ قَبْمِيِمْ يُحِبُّونَ مَنْ ىَاجَرَ إِلَيْيِمْ وَلاَ يَجِدُونَ فِي صُدُورِىِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَمَى أَنْفُسِيِمْ وَلَوْ كَانَ بِيِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِوِ فَأُولَئِكَ ىُمُ الْمُفْمِحُونَ ﴾ . الذي يفيد في البحث من ىذه الآية ىو مقطع " ومن يوق شح نفسو فأولئك ىم المفمحون " ((فيذا الشح شح النفس ىو المعوق عن كل خير ... ومن يوق شح نفسو فقد وقي ىذا المعوق عن الخير ، فانطمق إليو معطياً باذلاً كريماً وىذا ىو الفلاح في حقيقة معناه )) . وىذا الوقاء من الشح لا يتحصل إلا بانتصار الإنسان عمى نفسو ، وا ذا انتصر حقق الفلاح والنجاح . ولمنجاح قواعد تسيم في تحقيقو ، وعوامل تؤثر في جمبو ، وىذا ما سيتضح خلال البحث

عدد الصفحات ٢

(321) المبحث الأول أىم أسس وقواعد النجاح النجاح من الأمور التي تحتاج إلى قواعد تستند إلييا حتى تتحقق ، وقد اختمف الباحثون في تحديد ىذه القواعد ، فرأى ستيفن آر كوفي أنيا سبع عادات وىي بحسب قولو : العادة الأولى : المبادرة . العادة الثانية : وضع الغاية أمامنا عند البدء . العادة الثالثة : البدء بالأىم قبل الميم . العادة الرابعة : تفكير المكسب / المكسب ( مبادئ القيادة الاجتماعية ) . العادة الخامسة : السعي من أجل الفيم أولاً ثم السعي من أجل أن يفيمنا الآخرون . العادة السادسة : التكاتف . العادة السابعة : مبادئ التجديد الذاتي المتوازن . وقد رأى الدكتور إبراىيم الفقي أنيا عشر قواعد ، ىي : 1 – الدوافع. 2 – الطاقة. 3 – الميارة . 4 – التصوير. 5 – الفعل. 6 –التوقعات. 7 – الالتزام . 8 – المرونة. 9 – الصبر. 10 – الانضباط. وقد ذىب الدكتور محمد التكريتي إلى إن لمنجاح أركاناً ثلاثة ىي : 1 - تحديد الحصيمة( اليدف ) . 2 – قوة الملاحظة والانتباه( جمع المعمومات ) . 3 – الاستعداد لمتغير( المرونة ) . ورأى الدكتور صلاح الراشد أن سر نجاح الإنسان في الحياة يكمن في توافر رؤية ورسالة لو ، والرسالة تعني الميمة أو الدور في الحياة ، أما الرؤية فيي النتيجة النيائية التي يسعى إلييا

عدد الصفحات ٣

(322) الشخص . وقد رأى آخرون أن اتخاذ القرار السميم من أولويات النجاح ، وقيل : (( إن أول شروط النجاح في الحياة ىو إدارة وقتك بفعالية ... )) . ولكن عند استقراء آرائيم يلاحظ أنيا تتفق في أن لمنجاح ثلاث ركائز يستند إلييا ، يجب توافرىا في الشخص الناجح ، عمماً أن البعض ذكرىا ضمناً ، وىذه الركائز سيقع عمييا ثقل البحث لأىميتيا ، وىي : 1 – تحديد الأىداف. 2 – التحمي بصفة الصبر. 3 – الاستعداد لمتغير( المرونة ) . أولاً - تحديد الأىداف يجب عمى كل إنسان يريد النجاح في أي مجال من المجالات ، أن يحدد لو ىدفاً ينشد تحقيقو ، وىذا من القواعد التي تكاد يتفق عمييا ، فكل إنسان مزود بطاقات وا مكانيات تمكنو من النجاح ، ولكن الفرق بين الناجح والفاشل ىو إن الفاشل أنفق جيده ووقتو في أعمال فاشمة أدت إلى فشمو بعكس الناجح ، فإذا أراد الشخص استغلال طاقاتو وا مكانياتو من أجل النجاح يجب عميو قبل كل شيء تحديد أىداف لو يسعى لتحقيقيا ، وعميو اختيار أىدافو عن وعي ، ومن سمات الأىداف الناجحة أن تكون واقعية وواضحة وغير مستحيمة وليست سطحية بل عميقة ، ويجب أن يكون اليدف واضحا ، لأن عدم وضوح اليدف يؤدي إلى خمط الأمور عمى صاحبيا وبذلك تضيع الأىداف وسط العمل الجاد والشاق . وقد أطمق الدكتور صلاح الراشد عمى الأىداف اسم الرؤية (( وىي النتيجة النيائية التي تسعى شخصياً لصنعيا ، وىي ما تود الوصول إليو ، والرؤية كممة عامة للأىداف )) ، ويرى انو لا بد من اقتران الرؤية بالرسالة " الميمة / الدور " (( ىي ما تود أن تشير عميو في الحياة وعن شيء عام وعن طريق دائم )) . فالرسالة ىي الدور الذي يود أن يؤديو الإنسان في الحياة . وبعد تحديد الأىداف لا بد من العمل عمى تحقيقيا لأن الرغبة ليست كافية . فضلاً عن ذلك (( يتفق كثيرون من عمماء النفس عمى أن محور حياة الإنسان الناجح ىو العمل )) . ولما كان القرآن الكريم قد اىتم بكل جوانب الحياة الإنسانية ، فلا شك في أنو أشار إلى العوامل التي تؤدي إلى نجاح الإنسان وسعادتو ، فيو غايتو الإنسان كما نعمم ، ولكنو لم يقل صراحة عمى الإنسان تحديد أىدافو كما قال العمماء كي ينجح إنما قال : ﴿ يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آَمَنُوا اتَّقُوا المَّوَ وَلْتَنْظُرْ نَفْسٌ مَا قَدَّمَتْ لِغَدٍ وَاتَّقُوا المَّوَ إِنَّ المَّوَ خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَمُونَ ﴾ .

عدد الصفحات ٤

(323) وعند التأمل في ىذه الآية الكريمة نجده تعالى قال فييا "ولتنظر نفس" فجاء بالنفس نكرة وقد (( نكرت لقمة الأنفس النواظر )) ، وعندما تناول المفسرون ىذه الآية بالتفسير قالوا إن المقصود من قولو تعالى " ولتنظر نفس ما قدمت لغد " يوم القيامة ، ولكن ىذا لا يمنع من الاستفادة منيا في الدار الدنيا ، فالقرآن الكريم ضمن سعادة الفرد في الدارين ، فإذا تأممناىا بعمق نجدىا توجينا إلى النظر إلى ما نقدمو لأنفسنا لغد ، والغد (( اليوم الذي يأتي بعد يومك عمى أثره ، ثم توسعوا فيو حتى أطمق عمى البعيد المرتقب )) ، فإذا أخذناىا عمى الغد الذي يتبع يومنا ، نستطيع القول إنيا أشارت إلى تحديد الأىداف ضمناً ، فكل إنسان عمى وفق ىذه الآية ينبغي لو أن ينظر ما يريد يصنع غداً وما يريد تحقيقو ، وأمر فييا بالتقوى ليوجو الإنسان إلى أن أىدافو يجب أن تكون نبيمة تتناسب مع روح الإسلام مراعياً فييا تقوى ا﵀ ، وأن لا تكون عمى حساب الآخرين . وقد ذكر تعالى في كتابو العزيز اليدف من خمق الإنسان ، فقال جل وعلا :﴿وَمَا خَمَقْتُ الْجِنَّ وَالإِْنْسَ إِلاَّ لِيَعْبُدُونِ ﴾ ، فإذا كان تعالى قد كرم الإنسان وبين لو اليدف من وجوده في ىذه الحياة ، فالأحرى بو أن يتعمم من ىذه الآية الكريمة أنو لا بد لو من تحديد ىدف لو في الحياة يسعى إليو . ولم يكتف القرآن الكريم بذلك بل أمر بالعمل ، فتحديد اليدف وحده غير كاف ، فقال تعالى : ﴿ وَأَنْ لَيْسَ لِلإِْنْسَانِ إِلاَّ مَا سَعَى ﴾ . و (( السعي في الأصل معناه السير السريع الذي لا يصل مرحمة الركض ، إلا انو يستعمل غالبا في الجد والمثابرة ... والذي يسترعي الانتباه أن القرآن لا يقول : وان ليس للإنسان إلا ما أدى من عمل ، بل يقول إلا ما سعى وىذا التعبير إشارة إلى أن عمى الإنسان أن يجّد ويثابر فذلك ىو المطموب منو وان لم يصل إلى ىدفو )). فيذه الآية الكريمة حثت عمى العمل والسعي ، وأكدت أن الإنسان لا يجني إلا ثمار عممو ، والمتقاعس لا نصيب لو . وىناك العديد من الآيات الحاثة عمى العمل مثل : قولو تعالى : ﴿ وَقُلِ اعْمَمُوا فَسَيَرَى المَّوُ عَمَمَكُمْ وَرَسُولُوُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّيَادَةِ فَيُنَبّْئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَعْمَمُونَ ﴾ . وقولو تعالى : ﴿ مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَىُوَ مُؤْمِنٌ فَمَنُحْيِيَنَّوُ حَيَاةً طَيّْبَةً وَلَنَجْزِيَنَّيُمْ أَجْرَىُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَمُونَ ﴾ .

عدد الصفحات ٥

(324) ثانياً– التحمي بصفة الصبر لا يستطيع أحد نكران ما لمصبر من أىمية ومكانة في حياة الفرد ، فيو بلا شك (( المفتاح الأول لمنجاح )) ، فمن غير الممكن استطاعة تحقيق الأىداف من غير التحمي بالصبر ، والعمل الجاد (( فعدم الصبر ىو أحد الأسباب التي تؤدي إلى الفشل ؛ لأنك قبل أن تصل إلى النجاح غالباً ما تقابل عقبات وموانع وتحديات مؤقتة ، وا ذا لم تكن صبوراً فمن تتخطى تمك العقبات وستضطر لمتنازل عن تحقيق أىدافك . وقد قال في ذلك اندرو كارنجي : الإنسان الذي يمكنو إتقان الصبر يمكنو إتقان أي شيء آخر )) . ويجب أن نعي مفيوم الصبر فلا (( يعني الصبر عدم القيام بأي شيء عمى أمل الوصول لأفضل النتائج ، فممصبر قواعد وىي العمل الشاق والالتزام ...)). نفيم من ذلك أن الصبر ىو : تحمل المتاعب والصعاب من أجل الوصول إلى اليدف المقصود ، ويجب أن يصحب ىذا التحمل العمل ، لا الاعتماد عمى التحمل وحده . والصبر من الأمور التي ركز عمييا القرآن كثيرا في عدد من آياتو ، وسنتعرض لبعضيا لعدم سعة البحث ليا كميا : أولاً - قولو تعالى : ﴿ يَا أَيُّيَا الَّذِينَ آَمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا المَّوَ لَعَمَّكُمْ تُفْمِحُونَ﴾. فيذه الآية الكريمة بتعبيرىا الجميل ، أعطت المتمقي درساً في النجاح ، حيث وضعت المفتاح الأول لمنجاح بيده ألا وىو الصبر ، ومن اللافت لمنظر أنو تعالى لم يحدد الصبر عمى ماذا ، بل جاء بو عاماً لكل شيء بلا قيد فالصبر (( يراد بو الصبر عمى الشدائد والصبر في طاعة ا﵀ ، والصبر عن معصيتو ، وعمى أي حال ىو الصبر من الفرد بقرينة ما يقابمو )) ، فبيذا الإطلاق يفيد المتمقي من ىذه الآية الكريمة أن عميو الصبر عمى كل شيء وعمى كل ما يواجيو من صعوبات الحياة وأن لا يستسمم إن أراد النجاح ، والملاحظ أن الآية ختمت بمفظ الفلاح ، والفلاح من مصاديق النجاح . ثانياً - قولو تعالى : ﴿ يَا بُنَيَّ أَقِمِ الصَّلاَةَ وَأْمُرْ بِالْمَعْرُوفِ وَانْوَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَاصْبِرْ عَمَى مَا أَصَابَكَ إِنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الأُْمُورِ ﴾ . ىذه الآية الكريمة وردت عمى لسان لقمان الحكيم وىو يعظ ولده ، فيو بعد أن أوصاه بعدة وصايا ، أوصاه بالصبر عمى ما يصيبو في الحياة الدنيا ، ووصف الصبر بأنو من عزم الأمور (( التي يضبط بيا الإنسان الحياة الشخصية والاجتماعية معاً . ويحتمل أن يكون معنى " عزم الأمور " الأمور التي تحتاج إلى عزيمة راسخة ، وا رادة قوية )) .

عدد الصفحات ٦

(325) والقرآن الكريم قد أمر بالاستعانة بالصبر بصورة واضحة ،قال تعالى : ﴿ وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلاَةِ ...﴾ والآيات السابقة لم تكن إلا مثالاً عمى الآيات القرآنية الآمرة بالصبر ، فالقرآن الكريم قد تعرض لمصبر بشكل موسع ، ودل عميو ، وأرشد الإنسان ليذا السر الذي يكمن نجاحو فيو ، قبل أن يأتي العمم ويكتشف ىذه الحقيقة، فالقرآن الكريم ىو صاحب السبق العممي في ذلك . وان الرسول الأكرم (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) المتخمق بخمق القرآن الكريم ، قد ربى أصحابو عمى الصبر ، وأمرىم بو ، وقد جاءت أحاديث شريفة عنو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) تحث عمى الصبر ، منيا قولو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) : (( .. ومن يتصبر يصبره ا﵀ وما أعطي أحد عطاء خيرا وأوسع من الصبر )) . ثالثاً– الاستعداد لمتغير ( المرونة ) المرونة قابمية من القابميات التي يجب توفرىا في الشخص الناجح ، والمرونة (( ىي مقارنة الحالة الراىنة مع الحالة المطموبة لمعرفة الوسائل والسبل والقابميات التي تحتاجيا لموصول إلى الأخيرة ، وىذه الوسائل والسبل والقابميات ندعوىا " الموارد " وىي تعني إيجاد خيارات جديدة ، أي الاستعداد لمتغير... فإذا أردت الوصول إلى ىدف محدد ثابت ، فلا بد من أن تكون لديك المرونة في وسائمك ، فتكون قادراً عمى تغيير تفكيرك وسموكك ومشاعرك ... )) . فمن أراد النجاح عميو أن يمتمك قوة المرونة أو التغير ، أي تغيير نفسو ، وتغيير وسائمو التي أوصمتو إلى الفشل ، وعميو أن يبدأ بنفسو أي يبدأ من الداخل إلى الخارج ، فالإنسان إذا لم يستطع تحقيق أىدافو فعميو تغيير ما في نفسو وتغير الوسائل والطرق التي اتبعيا وفشل ، وا ذا لم يكن مرناً ولم يتغير فمن يستطيع تحويل فشمو إلى نجاح . يقول أنتوني روبنز : (( غير طريقتك حتى تحقق ما تريد . " إن المرونة تمنحك القوة لخمق وسيمة جديدة ونتيجة جديدة" )). والقرآن الكريم أشار إلى ىذه الحقيقة بصورة واضحة في قولو تعالى : ﴿ لَوُ مُعَقّْبَاتٌ مِنْ بَيْنِ يَدَيْوِ وَمِنْ خَمْفِوِ يَحْفَظُونَوُ مِنْ أَمْرِ المَّوِ إِنَّ المَّوَ لاَ يُغَيّْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّْرُوا مَا بِأَنْفُسِيِمْ وَا ِذَا أَرَادَ المَّوُ بِقَوْمٍ سُوءًا فَلاَ مَرَدَّ لَوُ وَمَا لَيُمْ مِنْ دُونِوِ مِنْ وَالٍ ﴾ . قولو تعالى " إِنَّ المَّوَ لاَ يُغَيّْرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيّْرُوا مَا بِأَنْفُسِيِمْ " ، واضح في الدلالة عمى أن تغيير حال الإنسان يجب أن يكون نابعاً من أعماق نفسو ، يجب عميو السعي وامتلاك المرونة والاستعداد لمتغير ، حتى يمده ا﵀ تعالى بالعون ، ويعينو عمى النجاح ، فإذا بقي الإنسان في جموده وركوده ، لا يحرك ساكناً لمتخمص مما ىو فيو ، إذا استسمم لمفقر ولم ينشئ المصانع والمزارع ، واستسمم لمجيل ولم يبن الجامعات والمدارس ، وبقي جامداً لا يحاول تحويل فشمو إلى نجاح،فلا يتوقع من

عدد الصفحات ٧

(326) ا﵀ تعالى أن يعينو أو يغير حالو، فا﵀ تعالى أعطاه قوة المرونة وأمره باستغلاليا كي ينجح ويسعد ، وأكد عميو في ىذه الآية الكريمة أن حالو لن يتغير ما لم يكن مرناً . وقد أشار القرآن الكريم في موضع آخر إلى انو تعالى لا يسمب النعم والنجاح من الإنسان إلا إذا غير طريق النجاح وسمك طريق الفشل ، أي إذا استخدم قوة المرونة بطريقة خاطئة ، فبدلاً من أن يحافظ عمى نجاحو ، ويستخدم قابمية التغير بالموارد النافعة ، استخدميا لمفشل ، قال تعالى : ﴿ ذَلِكَ بِأَنَّ المَّوَ لَمْ يَكُ مُغَيّْرًا نِعْمَةً أَنْعَمَيَا عَمَى قَوْمٍ حَتَّى يُغَيّْرُوا مَا بِأَنْفُسِيِمْ وَأَنَّ المَّوَ سَمِيعٌ عَمِيمٌ ﴾ المبحث الثاني الاقتداء بالناجحين ودوره في النجاح إن مفيوم الاقتداء أو النمذجة – كما يسميو البعض – ببساطة ىو تقميد الناجحين ، والسير عمى خطاىم من أجل تحقيق النجاح فان (( أقرب طريق لمنجاح ىو تقميد الناجحين وتتبع أثرىم واتخاذ " إستراتيجية " نجاحيم نبراساً ينير ظممة الدرب ويقود إلى اليدف المنشود )) ، فكل إنسان مزود بطاقة تمكنو من النجاح ، ولكن الفرق بين الناجح والفاشل ، أن الفاشل لا يعرف كيف يضع لو إستراتيجية تمكنو من النجاح ، والناجح يعرف ىذه الإستراتيجية ، وكل ما عمى الفاشل فعمو تطبيق القواعد الأساسية لمنجاح ، فيحدد أىدافو ويتحمى بالصبر والمرونة ، ثم يتخذ لو نموذجاً ناجحاً ويقتدي بو ، وعميو أن يكتشف إستراتيجية الشخص القدوة بالنسبة لو في الحياة وتجريبيا عمى نفسو ثم تطبيقيا. وعمى الفرد الذي ينشد النجاح أن يعمم أن من أىم معوقات النجاح (( عدم وجود القدوة في النجاح، النموذج الفعمي ، النموذج المشاىد أو المسموع في العديد من مجالات النجاح ... )). والقرآن الكريم كعادتو سبق البشر في إقرار ىذا العامل الميم والحيوي في النجاح ، وذلك عندما أمرنا أن نقتدي بالسموك المثالي لمعظماء ، حيث أمرنا بالاقتداء بشخصيتين عظيمتين ىما : أولاً - الاقتداء بشخصية الرسول الأعظم (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) : وىي أعظم شخصية ، حققت نجاحاً ممحوظاً في كافة المجالات ، واستطاعت تغيير مسار التاريخ ، وأخرجت العرب من الظممات إلى النور، وقد وجينا تعالى إلى الاقتداء بيا فقال جل وعلا في كتابو العزيز : ﴿ لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ المَّوِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِمَنْ كَانَ يَرْجُو المَّوَ وَالْيَوْمَ الآَْخِرَ وَذَكَرَ المَّوَ كَثِيرًا ﴾ . و (( المراد بالأسوة الحسنة ىنا الاقتداء برسول ا﵀ (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) . فيو تعالى قد أمرنا بالاقتداء بيذه الشخصية الفذة من دون أن يحدد الجوانب التي نقتدي بيا في ىذه

عدد الصفحات ٨

(327) الشخصية ، فيو كأنما أراد أن يوصل فكرة إلى المتمقي ىي أن ىذه الشخصية العظيمة متكاممة ، ناجحة في كل شيء ، فإذا أردت أييا الإنسان النجاح والتميز فاقتد بيا ، ولكن يجب عمينا معرفة الإستراتيجية والصفات التي تمتع بيا الرسول الأكرم ، حتى صار ناجحاً ، ثم تطبيقيا في حياتنا. وفيما يأتي ذكر بعض الصفات التي تمتع بيا الرسول الأكرم (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم ))، والتي عمينا أن نقتدي بيا كي ننجح ، فالبحث لايسع لذكر جميع صفاتو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) ، وسردىا جميعاً يؤدي إلى الخروج من الموضوع الأساسي لمبحث : 1 – الخمق العظيم ، قال تعالى مخاطباً إياه: ﴿ وَا ِنَّكَ لَعَمى خُمُقٍ عَظِيمٍ ﴾ ، فالإنسان إذا تمتع بخمق عظيم ورفيع نجح في كل مجالات حياتو ، سواء عمى الصعيد العام أم الخاص ، فيو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) بوصفو قائدا نجح بخمقو العظيم في القيادة وفي امتلاك قموب الرعية ، وبوصفو رب أسرة نجح في تحقيق السعادة الأسرية بفضل خمقو ، وبوصفو داعية إلى ا﵀ وصاحب رسالة سماوية نجح في جذب الآلاف إلى دينو بخمقو الرفيع ، فكم يروي لنا التاريخ قصص أشخاص أسمموا عندما بيروا بأخلاق الرسول (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) ، وىكذا نجح في كافة مجالات حياتو ، وا ذا أردنا النجاح عمينا دراسة أخلاقو والتخمق بيا ، كي نحقق ما نصبو إليو . 2 – الرحمة والمين ورقة القمب والتوكل عمى ا﵀ تعالى ، قال تعالى : ﴿ فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ المَّوِ لِنْتَ لَيُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظِّا غَمِيظَ الْقَمْبِ لاَنْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْيُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَيُمْ وَشَاوِرْىُمْ فِي الأَْمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَمَى المَّوِ إِنَّ المَّوَ يُحِبُّ الْمُتَوَكّْمِينَ ﴾ . وعمى الرغم من رحمتو ورأفتو فانو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) كان شديداً عمى الكفار لا تأخذه في ا﵀ لومة لائم ، فالقائد الناجح يظير الشدة عمى عدوه حتى يتمكن من النصر عميو ، قال تعالى : ﴿ مُحَمَّدٌ رَسُولُ المَّوِ وَالَّذِينَ مَعَوُ أَشِدَّاءُ عَمَى الْكُفَّارِ رُحَمَاءُ بَيْنَيُمْ تَرَاىُمْ رُكَّعًا سُجَّدًا يَبْتَغُونَ فَضْلاً مِنَ المَّوِ وَرِضْوَانًا سِيمَاىُمْ فِي وُجُوىِيِمْ مِنْ أَثَرِ السُّجُودِ ذَلِكَ مَثَمُيُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَمَثَمُيُمْ فِي الإِْنْجِيلِ كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَ َزَرَهُ فَاسْتَغْمَظَ فَاسْتَوَى عَمَى سُوقِوِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ لِيَغِيظَ بِيِمُ الْكُفَّارَ وَعَدَ المَّوُ الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِمُوا الصَّالِحَاتِ مِنْيُمْ مَغْفِرَةً وَأَجْرًا عَظِيمًا ﴾ . 3 – اتباعو(( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) اليدى والطريق المستقيم ، قال تعالى : ﴿ لِكُلّْ أُمَّةٍ جَعَمْنَا مَنْسَكًا ىُمْ نَاسِكُوهُ فَلاَ يُنَازِعُنَّكَ فِي الأَْمْرِ وَادْعُ إِلَى رَبّْكَ إِنَّكَ لَعَمَى ىُدًى مُسْتَقِيمٍ ﴾ . 4 – إيمانو المطمق فيما يدعو إليو ، قال تعالى: ﴿ قُلْ إِنَّ صَلاَتِي وَنُسُكِي وَمَحْيَايَ وَمَمَاتِي لِمَّوِ رَبّْ الْعَالَمِينَ  لاَ شَرِيكَ لَوُ وَبِذَلِكَ أُمِرْتُ وَأَنَا أَوَّلُ الْمُسْمِمِينَ ﴾ . فأي داعية ، وأي صاحب فكرة

عدد الصفحات ٩

(328) يريد النجاح في إقناع الناس بيا لا بد لو من الإيمان بيا أولاً. 5 – انو(( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) كان صادقاً في رسالتو أميناً فيما ينقل عن ربو ، قال تعالى : ﴿ وَلَوْ تَقَوَّلَ عَمَيْنَا بَعْضَ الأَْقَاوِيلِ  لأََخَذْنَا مِنْوُ بِالْيَمِينِ ثُمَّ لَقَطَعْنَا مِنْوُ الْوَتِينَ ﴾ . وان الصدق والأمانة في كل شيء كانتا لو سجية حتى عرف عند قومو بالصادق الأمين . 6 –استخدامو(( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) الحكمة والموعظة الحسنة والأسموب الراقي في الحوار في الدعوة إلى ربو ، حيث أمره تعالى بذلك في قولو : ﴿ ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبّْكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْيُمْ بِالَّتِي ىِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ ىُوَ أَعْمَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيمِوِ وَىُوَ أَعْمَمُ بِالْمُيْتَدِينَ ﴾ . وىو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) بلا شك من أشد المطيعين ﵀ ، وأكثرىم حفاظاً عمى تنفيذ أوامره . 7 – يرى الشيخ نعمة ىادي الساعدي أن من أبرز العوامل التي أدت إلى نجاحو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) صبره وا رادتو القوية التي لم تقير ، وعزمو الذي لم ينثن بكل وسيمة معنوية أو اقتصادية أو أمنية ، ومرونتو التي اقتبسيا من الدين الإسلامي الحنيف وحممو وسماحتو. فضلاً عن شجاعتو الفائقة ، فالشجاعة ، وعدم الخشية إلا من ا﵀ ، من سمات جميع الرسل ، قال تعالى : ﴿ الَّذِينَ يُبَمّْغُونَ رِسَالاَتِ المَّوِ وَيَخْشَوْنَوُ وَلاَ يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ المَّوَ وَكَفَى بِالمَّوِ حَسِيبًا ﴾ . ىذه النقاط الوجيزة التي ذكرت لا تمثل سوى قطرة في بحر من صفات الرسول الأكرم (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) ، فغايتنا بيان الإرشاد الإليي بالاقتداء بو (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) لا الوقوف عمى جميع مؤىلاتو التي جعمت منو إنساناً ناجحاً ، فمن أراد النجاح عميو الرجوع إلى القرآن الكريم وكتب السيرة والتعرف عمى شخصية الرسول الأكرم (( صمى ا﵀ عميو وآلو وسمم )) ، واتخاذىا قدوة لو بعد اتخاذ استراجيتو وتطبيقيا عمى حياتو ، وسيرى كيف ينجح في كل مجالات حياتو . ثانياً - الاقتداء بشخصية النبي إبراىيم (( عميو السلام )) أمرنا ا﵀ تعالى في محكم كتابو العزيز بالاقتداء بيذه الشخصية الفذة ، إذا أردنا النجاح والتفوق ، فقال جل ذكره : ﴿ قَدْ كَانَتْ لَكُمْ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ فِي إِبْرَاىِيمَ وَالَّذِينَ مَعَوُ إِذْ قَالُوا لِقَوْمِيِمْ إِنَّا بُرَآَءُ مِنْكُمْ وَمِمَّا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ المَّوِ كَفَرْنَا بِكُمْ وَبَدَا بَيْنَنَا وَبَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةُ وَالْبَغْضَاءُ أَبَدًا حَتَّى تُؤْمِنُوا بِالمَّوِ وَحْدَهُ إِلاَّ قَوْلَ إِبْرَاىِيمَ لأَِبِيوِ لأََسْتَغْفِرَنَّ لَكَ وَمَا أَمْمِكُ لَكَ مِنَ المَّوِ مِنْ شَيْءٍ رَبَّنَا عَمَيْكَ تَوَكَّمْنَا وَا ِلَيْكَ أَنَبْنَا وَا ِلَيْكَ الْمَصِيرُ ﴾ . فيذه الآية الكريمة أرشدت المتمقي إلى اتخاذ النبي إبراىيم (( عميو السلام )) والذين آمنوا معو قدوة لو يحذو حذوىم إذا أراد النجاح ، وىذا النبي العظيم الذي عرف بخميل ا﵀ لا بد من أنو قد

عدد الصفحات ١٠

(329) تمتع بصفات ، واتبع إستراتيجية في حياتو جعمت منو إنساناً ناجحاً ، بحيث يأمرنا القرآن الكريم بالاقتداء بو ، وىذه الصفات والمؤىلات ذكرت في القرآن الكريم ، وسنقف عمييا الواحدة تمو الأخرى : أولاً - كان النبي إبراىيم (( عميو السلام )) مؤمناً موحداً مسمماً صابراً عمى البلاء ناجحاً في الاختبار الإليي ، وكان (( عميو السلام )) يدعو لقومو وقد أسمفنا ذكر ما لمدعاء من أىمية في النجاح في فصل العقل الباطن ، مما أىمو ليكون قائداً ناجحاً ، وذلك نستنتجو من قولو تعالى : ﴿وَا ِذِ ابْتَمَى إِبْرَاىِيمَ رَبُّوُ بِكَمِمَاتٍ فَأَتَمَّيُنَّ قَالَ إِنّْي جَاعِمُكَ لِمنَّاسِ إِمَامًا قَالَ وَمِنْ ذُرّْيَّتِي قَالَ لاَ يَنَالُ عَيْدِي الظَّالِمِينَ  وَا ِذْ جَعَمْنَا الْبَيْتَ مَثَابَةً لِمنَّاسِ وَأَمْنًا وَاتَّخِذُوا مِنْ مَقَامِ إِبْرَاىِيمَ مُصَمِّى وَعَيِدْنَا إِلَى إِبْرَاىِيمَ وَا ِسْمَاعِيلَ أَنْ طَيّْرَا بَيْتِيَ لِمطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ  وَا ِذْ قَالَ إِبْرَاىِيمُ رَب اجْعَلْ ىَذَا بَمَدًا آَمِنًا وَارْزُقْ أَىْمَوُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آَمَنَ مِنْيُمْ بِالمَّوِ وَالْيَوْمِ الآَْخِرِ قَالَ وَمَنْ كَفَرَ فَأُمَتّْعُوُ قَمِيلاً ثُمَّ أَضْطَرُّهُ إِلَى عَذَابِ النَّارِ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ وَا ِذْ يَرْفَعُ إِبْرَاىِيمُ الْقَوَاعِدَ مِنَ الْبَيْتِ وَا ِسْمَاعِيلُ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَمِيمُ  رَبَّنَا وَاجْعَمْنَا مُسْمِمَيْنِ لَكَ وَمِنْ ذُرّْيَّتِنَا أُمَّةً مُسْمِمَةً لَكَ وَأَرِنَا مَنَاسِكَنَا وَتُبْ عَمَيْنَا إِنَّكَ أَنْتَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ  رَبَّنَا وَابْعَثْ فِييِمْ رَسُولاً مِنْيُمْ يَتْمُو عَمَيْيِمْ آَيَاتِكَ وَيُعَمّْمُيُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُزَكّْييِمْ إِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ  وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِمَّةِ إِبْرَاىِيمَ إِلاَّ مَنْ سَفِوَ نَفْسَوُ وَلَقَدِ اصْطَفَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا وَا ِنَّوُ فِي الآَْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ  إِذْ قَالَ لَوُ رَبُّوُ أَسْمِمْ قَالَ أَسْمَمْتُ لِرَب الْعَالَمِينَ  وَوَصَّى بِيَا إِبْرَاىِيمُ بَنِيوِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ المَّوَ اصْطَفَى لَكُمُ الدّْينَ فَلاَ تَمُوتُنَّ إِلاَّ وَأَنْتُمْ مُسْمِمُونَ ﴾ . وقال جل شأنو في موضع آخر : ﴿ مَا كَانَ إِبْرَاىِيمُ يَيُودِيِّا وَلاَ نَصْرَانِيِّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْمِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ﴾ ثانياً - تميز النبي إبراىيم (( عميو السلام )) بصفات جعمت منو فرداً ناجحاً ، وىي أنو كان حميماً أي : (( ذو أناة )) ، فمم يكن عجولاً سريع السأم والغضب ، بل كان متأنياً في جميع أموره ، وىذا أحد أسرار نجاحو ، فضلاً عن انو كان " أوّاه منيب " أي : (( دعّاء مترحم ، رجّاع إلى ا﵀ )) ، وىذه الصفات قد نسبيا القرآن الكريم لو في الآيتين الآتيتين : ﴿ وَمَا كَانَ اسْتِغْفَارُ إِبْرَاىِيمَ لأَِبِيوِ إِلاَّ عَنْ مَوْعِدَةٍ وَعَدَىَا إِيَّاهُ فَمَمَّا تَبَيَّنَ لَوُ أَنَّوُ عَدُوّّ لِمَّوِ تَبَرَّأَ مِنْوُ إِنَّ إِبْرَاىِيمَ لأََوَّاهٌ حَمِيمٌ ﴾، ﴿ إِنَّ إِبْرَاىِيمَ لَحَمِيمٌ أَوَّاهٌ مُنِيبٌ ﴾ . وكم يحتاج الإنسان إلى الحمم والدعاء والرجوع إلى ا﵀ كي يحقق ما يصبو إليو من أىداف . ثالثاً - ومن صفات النبي إبراىيم (( عميو السلام )) استخدامو الأساليب العممية الميذبة في الحوار مع الطرف الآخر ، فيو بوصفو صاحب دعوة إليية ورسالة سماوية يريد إقناع الناس بيا ، لجأ إلى طرح الأدلة العقمية والاستدلال بيا ، بأسموب عممي جميل، خالٍ من التعقيد ، وىذا ما

عدد الصفحات ١١

(330) نجده في قولو تعالى: ﴿ ألَمْ تَرَ إِلَى الَّذِي حَاجَّ إِبْرَاىِيمَ فِي رَبّْوِ أَنْ آَتَاهُ المَّوُ الْمُمْكَ إِذْ قَالَ إِبْرَاىِيمُ رَبّْيَ الَّذِي يُحْيِي وَيُمِيتُ قَالَ أَنَا أُحْيِي وَأُمِيتُ قَالَ إِبْرَاىِيمُ فَإِنَّ المَّوَ يَأْتِي بِالشَّمْسِ مِنَ الْمَشْرِقِ فَأْتِ بِيَا مِنَ الْمَغْرِبِ فَبُيِتَ الَّذِي كَفَرَ وَالمَّوُ لاَ يَيْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ﴾ . فيو ىنا رد عمى المخاطب بدليل عقمي أبيتو ، ونجده في موقف آخر يسمك أسموباً عقمياً يتماشى مع عقمية القوم آنذاك غايتو منو إقناع قومو بوحدانية ا﵀ ، وىذا الموقف تجسده الآيات الآتية : ﴿ وَا ِذْ قَالَ إِبْرَاىِيمُ لأَِبِيوِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِيَةً إِنّْي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلاَلٍ مُبِينٍ  وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاىِيمَ مَمَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ  فَمَمَّا جَنَّ عَمَيْوِ المَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ ىَذَا رَبّْي فَمَمَّا أَفَلَ قَالَ لاَ أُحِبُّ الآَْفِمِينَ  فَمَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ ىَذَا رَبّْي فَمَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَيْدِنِي رَبّْي لأََكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالّْينَ فَمَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ ىَذَا رَبّْي ىَذَا أَكْبَرُ فَمَمَّا أَفَمَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنّْي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ  إِنّْي وَجَّيْتُ وَجْيِيَ لِمَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالأَْرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَحَاجَّوُ قَوْمُوُ قَالَ أَتُحَاجُّونّْي فِي المَّوِ وَقَدْ ىَدَانِ وَلاَ أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِوِ إِلاَّ أَنْ يَشَاءَ رَبّْي شَيْئًا وَسِعَ رَبّْي كُلَّ شَيْءٍ عِمْمًا أَفَلاَ تَتَذَكَّرُونَ  وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلاَ تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِالمَّوِ مَا لَمْ يُنَزّْلْ بِوِ عَمَيْكُمْ سُمْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالأَْمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْمَمُونَ  الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَمْبِسُوا إِيمَانَيُمْ بِظُمْمٍ أُولَئِكَ لَيُمُ الأَْمْنُ وَىُمْ مُيْتَدُونَ  وَتِمْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاىَا إِبْرَاىِيمَ عَمَى قَوْمِوِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَمِيمٌ ﴾ . رابعاً - كان (( عميو السلام )) معتقداً اعتقاداً راسخاً لا يتزلزل با﵀ تعالى ، وكان عارفاً حق المعرفة ، بأنو لا يضره ولا ينفعو إلا ا﵀ تعالى وحده ، قال تعالى عن لسانو : ﴿ فَإِنَّيُمْ عَدُوّّ لِي إِلاَّ رَبَّ الْعَالَمِينَ الَّذِي خَمَقَنِي فَيُوَ يَيْدِينِ  وَالَّذِي ىُوَ يُطْعِمُنِي وَيَسْقِينِ  وَا ِذَا مَرِضْتُ فَيُوَ يَشْفِينِ  وَالَّذِي يُمِيتُنِي ثُمَّ يُحْيِينِوَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدّْينِ ﴾ . خامساً - ومن إستراتيجية النبي إبراىيم (( عميو السلام )) في الحياة أنو كان شاكراً ﵀ تعالى عمى أنعمو حيث قال جل وعلا : ﴿ إِنَّ إِبْرَاىِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِمَّوِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ  شَاكِرًا لأَِنْعُمِوِ اجْتَبَاهُ وَىَدَاهُ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ  وَآَتَيْنَاهُ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَا ِنَّوُ فِي الآَْخِرَةِ لَمِنَ الصَّالِحِينَ ﴾. وأنعمو ىنا (( جمع قمة أي : قميميا فضلا عن كثيرىا )) . نخمص مما تقدم إلى أن ثقافة الاقتداء بالناجحين ، قد نظّرىا القرآن الكريم ؛ لذا فنحن المسممين لا نعد ىذا الاكتشاف العممي جديداً عمينا ، فقد أمرنا ربنا بالاقتداء بالناجحين في محكم كتابو العزيز ، قبل العمم بقرون .

عدد الصفحات ١٢

(331) المبحث الثالث دور التفاؤل والتشاؤم في النجاح إن لمتفاؤل والتشاؤم دوراً كبيراً في حياة الفرد ، فيما مصطمحان متضادان ، أحدىما يوصل صاحبو إلى النجاح ، والآخر يمقي بصاحبو في مياوي الفشل ، فالتفاؤل : (( نظرة استبشار نحو المستقبل ، تجعل الفرد يتوقع الأفضل ، وينتظر حدوث الخير ، ويرنو إلى النجاح ، ويستبعد ما خلا ذلك )) ، أما التشاؤم فيو (( توقع سمبي للأحداث القادمة يجعل الفرد ينتظر حدوث الأسوأ ، ويتوقع الشر والفشل وخيبة الأمل ، ويستبعد ما خلا ذلك إلى حد بعيد )) ، فالمتفائل شخص يشعر بأنو لا بد من أن يكون الغد أفضل ، أما المتشائم فانو شخص لا يتوقع الخير أبدا ، فيصاب بالإحباط وخيبة الأمل التي تقوده إلى اليأس، فإذا نظر الإنسان إلى الغد بأنو أفضل، عد فشمو كتجربة مفيدة تؤىمو لمنجاح ، وتولد بنفسو أمل يضيء دربو ويدفعو لمعمل الجاد من أجل تحقيق أىدافو ، وبذلك ينجح وينال ما يطمب ، أما المتشائم فتشاؤمو يقوده إلى اليأس والإحباط ، فيرى كل شيء حولو مظمماً ، فيصاب بالكسل والخمول ، ولا يستطيع تحقيق أي نجاح في حياتو فيجد نفسو إنسانا فاشلا لا يصمح لأي شيء ، فالتفاؤل يقود إلى الأمل أما التشاؤم فيؤدي إلى اليأس ، واليأس المفتاح الأول لمفشل ، كما (( عد اليأس واحدا من الخصائص الأساسية للاكتئاب ، كما انو " أي اليأس " يدخل في عدد آخر من حالات الاضطراب كالانتحار و الفصام و الإدمان عمى الكحول والمرض العضوي )) ، فإذا كان اليأس الذي يتولد عن طريق التشاؤم بيذه الخطورة ، فعمى الإنسان الذي ينشد النجاح ويبحث عنو ، الابتعاد عن التشاؤم واليأس ، و عميو أن يبعد نفسو عن كل فكرة تقوده إلى الفشل ، فان لأفكار الإنسان وتفكيره تأثيراً عظيماً عمى نفسو وتصرفاتو، فلا بد من اليروب من اليأس إلى روح الأمل والعمل من أجل تحقيق نجاح باىر ومستقبل زاىر . والقرآن الكريم دعا إلى الأمل والتفاؤل ، ونيى عن اليأس والتكاسل ، ووجو تعالى عباده إلى أن ينظروا إلى الفشل ، أو وقوع ما يكرىونو خيرا ليم ، قال تعالى : ﴿ كُتِبَ عَمَيْكُمُ الْقِتَالُ وَىُوَ كُرْهٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تَكْرَىُوا شَيْئًا وَىُوَ خَيْرٌ لَكُمْ وَعَسَى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئًا وَىُوَ شَرّّ لَكُمْ وَالمَّوُ يَعْمَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْمَمُونَ ﴾. ىذه الآية الكريمة كما ىو واضح من السياق تتحدث عن القتال ، المكروه لدى النفس الإنسانية بلا شك ، ولكن يجب أن نمتفت إلى (( إن ىذا الإيحاء الذي يحممو ذلك النص القرآني ، لا يقف عند حد القتال ؛ فالقتال ليس إلا مثلاً لما تكرىو النفس ، ويكون من ورائو الخير .. إن ىذا الإيحاء ينطمق في حياة المؤمن كميا ، ويمقي ظلالو عمى أحداث الحياة جميعيا .. إن الإنسان لا يدري أين

عدد الصفحات ١٣

(332) يكون الخير وأين يكون الشر... )) ، فمو عمل الإنسان بمضمون ىذه الآية الكريمة ، وعمميا عمى حياتو ، ونظر إلى كل ما يواجيو في الحياة من فشل أو مكروه أو مصيبة ، عمى انو تجربة تقوده إلى النجاح ، وقد يكون بيذا الفشل خير لا يعممو فيظنو شراً ، لما أصيب الإنسان بالتشاؤم واليأس والإحباط . فيذا النص القرآني يجعل من المتمقي إنساناً متفائلاً ناجحاً يرى في فشمو خيراً لو ، ويعتقد انو قد يكون فيما يظنو شراً لو خير وفيما يظنو خيراً لو شر ، وبذلك يتولد في نفسو طموح ورغبة لمعمل من أجل تحقيق ما يصبو إليو ، فيقطع دابر التشاؤم و اليأس ، ويتحمى بالتفاؤل والأمل ، مما يجعمو إنساناً ناجحاً في الدنيا والآخرة . والأمل خمق الأنبياء والصالحين ، بعكس اليأس الذي يعد من خصائص القوم الكافرين با﵀ تعالى ، فنبي ا﵀ يعقوب (( عميو السلام )) ربى بنيو وأتباعو عمى الأمل ، فيو بعد أن فقد يوسف لم ييأس من تحقيق ىدفو المتمثل في لقاء ولده عمى الرغم من طول الفراق ، ومضي السنين ، فنراه يحث أولاده عمى البحث عنو ، بعد أن يئس أخوتو من العثور عميو لطول الفترة الزمنية ، ولعدم عمميم بمكانو ، فقال جل وعلا عن لسانو : ﴿ يَا بَنِيَّ اذْىَبُوا فَتَحَسَّسُوا مِنْ يُوسُفَ وَأَخِيوِ وَلاَ تَيْئَسُوا مِنْ رَوْحِ المَّوِ إِنَّوُ لاَ يَيْئَسُ مِنْ رَوْحِ المَّوِ إِلاَّ الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ ﴾ . لو تأممنا ىذا النص القرآني جيداً ، لوجدناه يحمل في طياتو مضامين عالية في مجال النجاح ، فيو يبدأ بأمر نبي ا﵀ يعقوب بنيو بالذىاب والتحسس ، والتحسس ىنا يراد بو العمل ، فيو عندما قال : (( اذىبوا وتحسسوا ولا تيأسوا ، قرن الأمل بالعمل ، ومعنى ىذا انو إذا انتفى العمل انعكست الآية، واقترن اليأس بالكسل ، وصحت القاعدة طردا وعكسا . وكان الأمل والرجاء مع الإىمال جيلا وسفيا .. وكممة تحسسوا توحي بوجوب العمل بكل الحواس ظاىرىا وباطنيا .. وىكذا العاقل إذا نزلت بو نازلة دفعت بو إلى الكفاح والنضال لمقضاء عمى أسبابيا .... )) . وبعد أن تم الأمر بوجوب العمل مع الأمل لتحقيق النجاح ، جاء الأمر الثاني بالنيي عن اليأس من روح ا﵀ ، ونلاحظ ان النص الكريم قد اختار كممة روح، ىذه الكممة الشفافة التي فييا (( ظل الاسترواح من الكرب الخانق بما ينسم عمى الأرواح من روح ا﵀ الندي )). لتناسب معنى الأمل المستمد من الإيمان با﵀ تعالى الذي يشع نوره في نفس المتفائل في أصعب الظروف . وبعد ذلك يخبر النص الكريم بأنو " لا ييأس من روح ا﵀ إلا القوم الكافرون " ، وىذه العبارة الدقيقة توحي لممتمقي بأن الإنسان المؤمن با﵀ تعالى إنسان يتمتع بروح الأمل والتفاؤل ، ويبغض اليأس والتشاؤم ، وىو بالتالي إنسان مطمئن راضٍ بقدره ناجح في حياتو . نخمص من ذلك إلى الآتي :

عدد الصفحات ١٤

(333) 1 – وجوب اقتران التفاؤل والأمل بالعمل ، ولا خير في تفاؤل أو أمل بلا عمل ، لأن التكاسل يؤدي إلى نتيجة مرضية ، ولا يحقق أي نجاح عمى أي صعيد في حياة الإنسان . 2 – النيي عن اليأس بكل أشكالو ، فيو من صفات الكافرين لا المؤمنين با﵀ وحده . وبعد ذلك تبين أن التفاؤل والأمل خمق القرآن الكريم ، وبالتالي فيو خمق من آمن با﵀ تعالى إيماناً حقيقياً ، فا﵀ تعالى بين لعباده في محكم كتابو العزيز ما للأمل والتفاؤل وعدم اليأس من دور في حياتيم ونجاحيم قبل أن يصل الإنسان إلى ذلك بالعمم . ولم يقف القرآن الكريم في النيي عن اليأس عند حد الأمور الدنيوية ، كما فعل العمماء ، بل تعدى ىذه الحدود ونيى عن اليأس والقنوط حتى في مجال الأمور المتعمقة بالآخرة ، فالإنسان المسمم ليس معصوما عن الخطأ ، فيو معرض إلى اقتراف الذنوب في حياتو ، وا ذا يئس من غفرانيا من قبمو تعالى ، أصيب بالإحباط ، وعاش في أزمة نفسية خانقة ، متمثمة في الاكتئاب والقمق ، وبالتالي التوقف عن عمل الخير في كل أنواعو وضروبو ، لأنو يائس من أن ينفعو شيء ، وبالتالي أصبح فردا منسمخا من الدين ، لا يأمن مجتمعو شره . والقرآن الكريم عمد إلى علاج ىذه المشكمة قبل وقوعيا ، وبث روح الأمل والتفاؤل في نفس الإنسان المذنب ، فخاطبو بأسموب عذب ، وبكممات تبعث في النفس طمأنينة ، فقال جل وعلا مخاطباً إياه : ﴿ قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَمَى أَنْفُسِيِمْ لاَ تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ المَّوِ إِنَّ المَّوَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّوُ ىُوَ الْغَفُورُ الرَّحيم ﴾ . يلاحظ أن ىذه الآية الكريمة بدأت بخطاب ا﵀ تعالى لممذنبين بقولو : " يا عبادي " ىذا التعبير الذي يعتبر (( قمة في الرحمة ، أن يدعو الرب المسرفين من خمقو بيذه الكممة " عبادي " التي تختمف عن كممة " عبيد " حيث يختص الخطاب بيا بالعباد الصالحين عادة ، لكنيا ىنا تشمل – كما رحمة ا﵀ – حتى الذين تجاوزوا الحدود ، فمم يمتزموا بالشرائع الإليية ، بل وأسرفوا في المعاصي والذنوب ، إلا أن ا﵀ لم يطردىم عن باب رحمتو التي وسعت كل شيء إنما فتحو ليم عمى مصراعيو ، ودعاىم إلى التوبة ، كما نيرىم عن القنوط واليأس )) . فيذا الخطاب الرقيق الذي يناغم النفوس ، يبعث في نفس المتمقي طمأنينة ، فيو وان كان عاصيا لا يزال في إطار رحمة ربو ، بشرط عدم اليأس والقنوط من رحمتو تعالى وغفرانو ، والتوبة النصوح . وىذا النوع من التفاؤل اختص بو القرآن الكريم ، فالعمم عالج النجاح في تحقيق الأىداف الدنيوية فقط ، في حين أن القرآن الكريم بين طرق النجاح في الدارين ، الدنيا والآخرة .

عدد الصفحات ١٥

(334) الخاتمة تمخض البحث عن النتائج الآتية : 1ـ لتحديد الأىداف والصبر والمرونة دوراً كبيراً في تحقيق النجاح. 2ـ إن الإقتداء بالناجحين والسير عمى خطاىم يشكل عاملاً ميماً من عوامل النجاح. 3ـ إن التفاؤل والتشاؤم ليما دور كبير في نجاح الإنسان. 4ـ عند تأمل القرآن الكريم جيداً وتدبر آياتو نجد الإشارات القرآنية ليذه المفاىيم واضحة وىو بذلك سبق العمم بقرون . اليوامش ٔ. السويدان : د . طارق ، باشراحيل : فيصل عمر / صناعة النجاح ، دار الأندلس الخضراء – جدة ، ط 1 ( 1421 ىـ– 2000 م) ، ص : 40 . ٕ. مجدي كامل / سر النجاح ( مئة سؤال وجواب ) ، ص : 7 . ٖ. م . ن ، ص : 7 . ٗ. سورة الشمس : 7 – 10 . ٘. الشيرازي / الأمثل في تفسير كتاب ا﵀ المنزل ، 20 / 236 . ٙ. سيد قطب / في ظلال القرآن ، 8 / 591 . ٚ. سورة الحشر : 9 . ٛ. في ظلال القرآن ، 8 / 41 . ٜ. ينظر : ستيفن آر كوفي / العادات السبع لمناس الأكثر فعالية ، مكتبة جرير ، ط 21 ( 2009 م) ، ص : 81 – 337 . ٓٔ. ينظر : الفقي : د . إبراىيم / المفاتيح العشرة لمنجاح ، ص : 18 – 127. ٔٔ. ينظر : التكريتي : د . محمد / آفاق بلا حدود ، ص : 30 . ٕٔ. ينظر : الراشد : د . صلاح / الرسالة والرؤية ، ص : 13 . ٖٔ. ينظر : د . عبد ا﵀ بن محمد بيجت ، إيمان بنت عبد المطيف كردي / القرار طريقك إلى المثالية ، مكتبة دار الزمان – المدينة المنورة ، ط 1 ( 1428 ىـ– 2007 م) ، ص : 8 – 9 . ٗٔ. القرني : د . عائض بن محمد / حتى لا تكون كلاً – طريقك إلى التفوق والنجاح - ، شبكة الانترنيت ، ص : 29 . ٘ٔ. ينظر : العجمي : محمد مسعود / كن ايجابيا تفاعل مع الحياة ص : 76 . ، ينظر: العجمي :محمد مسعود / كيف نجح ىؤلاء ، الكويت ، ط 1 ( 1997 م) ، ص : 7 . ، ينظر: الياشمي : محمد يوسف / البرمجة المغوية العصبية والأثر النفسي للألوان ، ص : 27 . ، ينظر: التكريتي : د . محمد / آفاق بلا حدود ، ص : 30 . ، ينظر: أنتوني روبنز / خطوات عظيمة ، ص : 19 .

عدد الصفحات ١٦