المكتبة الأمبوابة البحث والمعرفة
زائر للمكتبة—
← العودة إلى المكتبةقراءة أو تحميل الكتاب

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم دراسة منهجية مقارنة

زهراء خالد سعدالله العبيدي

صفحة ١ من ٢

71 بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة د. زهراء خالد سعد الله العبيدي مقدمة إن البحث عن مفاتيح الوحدة القرآنية للسورة والسور من القران الكريم لا يتم بدراسة المعاني والتراكيب في حدود الجمل وحدها، وإنما بدراسة ذلك كله في سياق وحدة السور وارتباط الآيات وتناسب المعاني والوقائع والذي يسعى علم المناسبة والتفسير الموضوعي للبحث عنه لإظهار حكمة توقيفية الآيات والسور والرد على حملات الطعن الموجهة إليه من جهة الإعجاز بنظمه وترتيبه. وعلم المناسبة من أهم الموضوعات، والبحث في التفسير الموضوعي من أهم البحوث، لشرف هذه العلوم التي موضوعها القرآن الكريم وآياته وسوره، فهما جديران بالبحث والتأليف والتأصيل لحسم إشكاليات تفكك النظم، بالعودة إلى القران الكريم من خلال السياق والسابق من الآيات فيرد الجزئي إلى الكلي، والكثرة إلى الوحدة، في نظم بديع الترتيب والإعجاز. وقد أولى علماؤنا الكرام علم المناسبة عناية فائقة في كتب التفسير وعلوم القرآن والإعجاز ووقف أصحاب الأشباه أو الوجوه و النظائر على كل كلمة لها وحدة موضوعية جامعة لمقاصد القرآن وأهدافه ضمن بواكير التفسير الموضوعي فنبهوا إلى مواضع الربط بين الآيات والسور والبحث عن سر ترتيبها، وقد اتسع البحث للأخذ بالمنهج التنظيري الوصفي المقارن لكل من لوني التفسير (علم المناسبة والتفسير الموضوعي). وهذه دراسة جديدة في تفسير القرآن الكريم سعت إلى بيان الفهم المتجدد للآيات القرآنية عبر مقاصدها من خلال إبراز مصطلحي (علم المناسبة) و(التفسير الموضوعي) باعتبارهما من مصطلحات القرآن الكريم. ومن أهداف البحث الكشف عن الإعجاز اللغوي والتفسيري للقرآن الكريم وإثبات وحدته من ترابط موضوعاته التي لا يرقى لمستواها بشر ولا يجيدها بيانه، وهذه الدراسة المنهجية المتعمقة تسعى لأنْ تحقق للمنهج القرآني أهدافه في ارتباط آياته وسوره وتصريف مقاصدهما بما يلائم الواقع في كل عصر.

عدد الصفحات ١

المجلة العالمية لبحوث القرآن 72 المبحث الأول علم المناسبة والتفسير الموضوعي أولا: علم المناسبة 1 . إنَّ من الخصائص التي انفرد بها النظم القرآني عن غيره من النظم تناسب آياته وسوره، كونهُ وحدة موضوعية جامعة لأهدافه ومقاصده، ومن يتدبر خصائص هذا النظم يبحث عن سر ترابط الآية بالآية والسورة بالسورة ضمن علم من علوم القرآن الكريم وهو (علم المناسبة)*، الذي يوقفنا على بيـان الصلات بين الآيات بعضها ببعض، وبين السور جميعاً على وجه من التعالق والتآلف؛ لإثبات حكمة توقيفية الآيات والسور وأنها وحي من الله تعالى. فعلم المناسبة إذاً من العلوم القرآنية التي تعني لغةً واصطلاحاً “ الرابطة بين شيئين بأي وجه من الوجوه في كتاب الله ـ تعالى. وتعني ارتباط السورة بما قبلها وما بعدها، وفي . الآيات تعني وجه الارتباط في كل آية بما قبلها وما بعدها ويتعدى البحث فيها إلى بيان العديد من نظوم (نظم) الآيات من تقديم وتأخير وحذف وذكـر وتناسب في الصيغ والفواصل، والألفاظ والمعاني، وغير ذلك مما له تعلق بمقتضيات أحوال التركيب والترتيب، وإدراك المقامـات والأحـوال المقتضية لها على ما بأن جعـل جلّ موضوع (التناسب) بلاغي مهمته إيجاد “علل الترتيب قـرر ذلك البقاعي والتركيب”. وهذا العلم له جذور تأصيلية تعـود إلى عصر النبي ـ أول المفسرين للقرآن الكريم ، وكل من ـ وعنه أخذ السـلف ثم الصحابة والتابعون وأوائل علماء الدراسات القرآنية بحث فيه كان إجابةً عن الأسئلة التي أُثيرت حول سلامة تناسب النظم القرآني، والرد على 1 البقرة، دراسة لغوية في ضوء علم المناسبة، د. زهراء خالد مباحث في التفسير الموضوعي، مصطفى مسلم 2 3 السيوطي

عدد الصفحات ٢

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة 73 حملات الطعن والإلحاد بما زعموه إخلالاً بالتناسب 2 . إنّ علم المناسبة لم يكن بِدْعاً من العلوم القرآنية، بل هو حصيلة ما أفرزته عقول الأولين من إشارات ولمحات عابرة عن سـرّ ترابط الآيات والسـور وترتيبهما قديماً وحديثاً للوقوف على مقاصد السور الكريمة ومعرفة الوحدة الموضوعية لكلٍ منها؛ ووقفوا على كثير من مواضع الربط بين الآيات والسور، والبحث عن سرّ ترتيبها، وأوردوا الكثير من اللطائف التناسبية في هذا المقام، وقد تعددت اتجاهات البحث عندهم ضمن ثلاثة أنواع من المناسبات: الأول: المناسبات بين الآيات وهناك من المفسـرين من اهتم به في أثناء تفسيره، وكانت عنايتهم به تقوم إمّا على بيان المناسبة بين الجُمل، أو بين الآيات، واستنبطوا وجوه مناسبات دقيقة، منهم الإمام أبي السعود (ت والشوكاني من علم التفسير)، والآلوسي (ت العظيم والسبع المثاني)، وأبي الطيب صديق بن حسن القنوجي البخاري (ت في تفسيره (فتح البيان في مقاصد القرآن)، وغيرهم. الثاني: المناسبات بين السور ووجه البحث فيه كان قائماً على بيان الارتباط بين فاتحة السورة وخاتمة ما قبلها، وفاتحة السورة وخاتمتها، وفاتحة السورة وفاتحة ما بعدها، وخاتمة السورة وفاتحة ما بعـدها، على وجه من التعالق اللفظي والمعنوي، وأبرز من عنى به، وأفرده بالتصنيف أبي جعفر بن الزبير الغرناطي (ت أيضاً الشيخ أبي حيان الأندلسي (ت الدين البقاعي (ت 1 ودقة التناسب في النظم 2 3 المفسر التفكر والتأمل فيه

عدد الصفحات ٣

المجلة العالمية لبحوث القرآن 74 لبيان هذا النوع من المناسبات. ثم أولى السـيوطي (ت في كتابه (تناسق الدرر في تناسب السـور)، ومن المحدثين محمد عبـده (ت الذي جمع آراءه تلميـذه محمد رشيد رضا (ت (ت الثالث: المناسبات بين الآيات والسور وقد جمع المفسرون بين مناسبات الآيات والسور في تفاسيرهم لتكون عنايتهم قائمة على بيان مظاهر الارتباط بين السور والآيات، وهذه هي الوحدة الموضوعية الجامعة لأهداف القرآن والمستكملة لمقاصد التفسير، ومن بين تلك التفاسير وأهمها (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور) للبقاعي، و(قطف الأزهار في كشف الأسرار) للسيوطي، و(إرشاد العقل السليم إلى مزايا القرآن الكريم) لأبي السعود (ت وتأويل الفرقان بالفرقان) لعبد الحميد الفراهي الهندي (ت لمحمد الطاهر بن عاشور التونسي (ت (ت تلك نبذة سريعة وموجزة لعدد من كتب عن المناسبات بين السور والآيات من المفسرين قديماً وحديثاً، وهي تشمل لطائف تناسبية عدّة تكشف دقة هذا العلم وحظّه من تلك الدراسات القرآنية، لتؤصل مباحثه تدويناً وتصنيفاً في كل عصر من العصور الذي أُلّف فيها. وقد خلص البقاعي في هذا النوع من الدراسـات القرآنية إلى أنّ نسبته من علم ، وهذا العلم له قواعد في التفسير ومنهج في التفسير كنسبة علم البيان إلى علم النحو الرأي المحمود، فهـو يُعد نهجاً يجب على المفسر أن ينهجه في تفسيره معرفة واسعة باللغة العربية يكون مبناها الاستنباط والتحليل والتفسير طرائق النظم ترتيباً واتساقاً. 1 2 3

عدد الصفحات ٤

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة 75 ثانياً: التفسير الموضوعي 1 . يُطلق التفسير الموضوعي ويراد به: العلم الذي يتناول القضايا حسب المقاصد القرآنية من خلال سورة أو أكثر ولم يظهر هذا المصطلح إلاّ في القرن الرابع عشر من الهجرة، عندما قُررت هذه المادة ضمن مواد قسم التفسير بكلية أصول الدين بالجامع الأزهر، إلاّ أنّ لبنات هذا اللون من التفسير وعناصره الأولى كانت موجودة منذ عصر التنزيل في حياة رسول الله وعنى الفقهاء من بعده بجمع آيات الأحكام المتعلقة بقضية محـددة أو موضوع واحد، لكن كل ذلك لم يلفت الأنظار إلى الروابط المتينة بين ذلك الموضوع وآيات وسـور الكتاب الكريم الأخرى، كما أنّ تفسـير القرآن بالقرآن لم يُؤدِ إلى بروز نظرية واحـدة . تجمع القرآن الكريم تحـت وحدة واحدة وبواكير التفسير الموضوعي في تاريخ الإسلام كانت عند الجاحظ حين كَتَبَ عن النار في القرآن الكريم، ثم كتب ابن تيمية القرآن الكريم، ثم نضج على يد أصحاب الوجوه والأشباه، ومن أوائل من كتب في هذا العلم:عكرمة مولى ابن عباس (ت وكتابه (ما اتفق لفظه واختلف معناه من القرآن المجيد)، وابن سلام (ت وكتابه (التصاريف)، الحكيم الترمذي (ت أو الأشباه والنظائر في القرآن الكريم الذي يدرس مفردات القرآن الكريم في كل وجوه استعمالها في إطار القرآن نفسـه؛ بالرغم من كل تلك الجهود، إلاّ أنّ المنهج إلى أن ظهر الموضوعي ما كان واضحاً إلى درجة يمكن فيها التنظير العلمي له جيل المفسرين 1 2 3 4 1( 5 المنار)، وسعيد حوى في (الأساس في التفسير)، وسيد قطب في (في ظلال القرآن)، ومن المحدثين محمد درّاز في (النبأ العظيم)، ومحمد الغزالي في (نحو تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم)، وأمين الخولي في (من هَدْيِ القرآن).

عدد الصفحات ٥

المجلة العالمية لبحوث القرآن 76 جهودهم لم تكن نظريات علمية تتحدث عن النظم والتناسب ووحدة الموضوع أو السورة في فهم القرآن حتى ظهرت دراسات مستقلة حديثة قواعد لهذا المنهج وخطت بالتفسير في ضوئه. 2 . بعد التقديم التاريخي الموجز لمصطلح (التفسير الموضوعي) يمكن تحديد ثلاثة نماذج للتفسير الموضوعي هي: 1 . اشتقاقاتها وتصريفاتها المتعددة، واستخراج الدلالات والحقائق القرآنية منها، ويُطلق على هذا اللون من التفسير (التفسير الموضوعي للمصطلح ، ومصطلحات القرآن الواردة فيه كثيرة أمثال: الجهاد، الزواج، القرآني النبوة، الظلم..الخ، ويرى الشيخ محمد الغزالي بأنه نظر جزئي إلى القرآن ولا يدعو إليه كثيراً، لأنه لا يظهر تكامل القرآن في ترابط آياته وسوره . ويصطلح عليه بـ (التفسير الموضعي 2 . معين في القرآن الكريم بأساليب متنوعة وتجميعها من سور متعددة، مع الإحاطة بطرائق المفسرين في عرضها، واسـتنباط عناصرها من القرآن نفسه، ، أمثال: وهي محاولة لتقديم التنـاول القرآني لتلك المعاني أو الموضوعات (علاج القرآن لمشاكل الأسرة)، و(حقوق الأبناء على الآباء)، وهذا النهج التفسيري لم يتم بنيانه، ولم تقم أركانه، ولم ينح نحوه أحد من السابقين، ، وغالبها دراسات معاصرة للقرآن بل لم يتعرض له من اللاحقين إلاّ القليل 1 يشغل حيزا في الدراسات القرآنية المعاصرة، من ذلك انطلاق (مشروع التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم) الذي تبنته جامعة الشارقة وسعى لتنفيذه رئيسا (مصطفى مسلم) مع مجموعة من الباحثين، وقدم الكتاب منهجا محدد في التفسير الموضوعي لسور القران الكريم =: التفسير الموضوعي لسور القرآن الكريم، د. مصطفى مسلم ج وهذه تسمية الدكتور صلاح عبد الفتاح الخالدي =: التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق 2 3 تفسير موضوعي لسور القرآن الكريم، محمد الغزالي 4 التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق 5

عدد الصفحات ٦

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة 77 الكريم 3 . إلى الكشف عن المقصد العام للسورة بعد الوقوف على أسباب نزولها وترتيبها وأسمائها ومكيّها ومدنيّها، والبقاعي أفرد لهذا النوع من التفسير كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور)، وقد قدّم سيّد قطب نظرية رائعة، وتجربة فريدة للوحدة الموضوعية للسورة القرآنية في تفسيره (في ظلال القرآن). وهذا النوع الثالث من التفسير الموضوعي وثيق الصلة بعلم المناسبة، وذهب أحد إلى أنّه لابد عند تفسير السـورة تفسيراً موضوعياً من الإلمام أولاً الباحثين المحدثين بعلم المناسبات بين الآيات في السورة الواحدة، وبين السور بعضها ببعض، فجعل علم المناسبة جزءاً من التفسير الموضوعي وليس العكس. المبحث الثاني علم المناسبة والتفسير الموضوعي أولاً: مواطن الافتراق ومواطن الاتفاق انطلاقاً من الخلط السائد بين التفسير الموضوعي وعلم المناسبة لدى عدد من الباحثين المعاصرين ممن عنوا بالموضوع، لابد من التمييز بينهما اصطلاحاً ومنهجاً في التفسير القرآني. 1 . أ. التفسير الموضوعي: لـون من ألوان التفسير لم يولد مصطلحه بكثرة، إلاّ في العصور الأخيرة تلبيةً لحاجات المجتمع ومشكلاته، والتي لم تُعالج إلاّ بإبراز آيات متعلقة بها من المنظور القرآني، ثم تنوَّعت طرائق البحث فيه ليقف عند كل سورة من سـور القرآن الكريم ويحدد أهدافها الرئيسـة بغية تفسيرها وإجلاء وحدتها الموضوعية، وبذلك يتحـدد مفهوم الوحدة الموضوعية بأنها 1 يوسف قرضاوي =: التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق 2

عدد الصفحات ٧

المجلة العالمية لبحوث القرآن 78 (نظرية ب. علم المناسبة: بدأ شذراتٍ على لسان السلف في معرفتهم المناسبات بين الآيات وانتهى علماً عند العلماء يكشف الروابط والصلات بين الآيات والسور، وهنـا تكمن أهميته في كونه مبحثاً من مباحث إعجاز القـرآن ودعامة من دعائم تفسـيره يدعو إلى ارتباط آي القرآن وسوره بعضها بالبعض الآخـر، والوقوف على ما بينها من مناسبات دقيقة لإثبات حكمة توقيفية الآيات والسور، وما يستتبع ذلك من استخراج المعاني والتماس لطائف النكات التي لا يتوصل إليها إلاّ بمعرفة الهدف العام للسورة ووجه مناسبتها لما قبلها وما بعدها. ج. إنّ اقتران مصطلح (التفسير الموضوعي) بالتفسـير الأدبي الفني جعل المصطلح ينصرف إلى مسميات عدّة منها: (الوحدة الموضوعية) و(الوحدة العضوية) و(الوحدة البنائية). د. أما علم المناسبة: فقد استقر مصطلحه كعلم من علوم القرآن، جمع فيه العلماء ما استنبطوه من مناسبات الآيات ثم أضافوا إليه مناسبات السور، وهذا ما جعله أساسـاً وركناً للمنهج الأدبي في تفسـير القرآن وهو (التفسير الموضوعي) القائم على مقصد السورة الأساسي ومراعاة وحدة موضوعها. . كثير من المفسرين ممن وقـف على معالم ارتباط الآيات والسـور حمل تصنيفـه مصطلحي (المناسبة والتناسب) كأبي جعفر بن الزبير (ت (البرهان في تناسب سور القرآن)، والعالم برهان الدين البقاعي (ت في كتابه (نظم الدرر في تناسب الآيات والسور)، والإمام جلال الدين السيوطي (ت في تناسب المقاطع والمطالع)، والشيخ الغماري (ت (جواهر البيان في تناسب سور القرآن) وغيرهم كثير ممن اهتم بهذا العلم في منهجه التفسيري فذكر بأنها (مناسبة) أو (تناسب). 1 التفسير وقد تكون ميزته الرئيسية أنه قدّم لأول مرة ـ فيما أعلم ـ نظرية جديدة في موضوع الوحدة القرآنية “، 2 الأجزاء العشرة الأولى من القرآن الكريم على طريقة بيـان الفكرة العامة للسـورة وعرض المواضيع التي تعالجها، ينظر: كتابه (تفسير القرآن الكريم، الأجزاء العشرة الأولى).

عدد الصفحات ٨

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة 79 و. لم يظفر التفسير الموضوعي بمصنف خاص عند المفسـرين القُدامى والمحدثين حمل العنوان نفسه بل ورد عندهم إشارات إلى بعض أهداف السورة وتوخي أوجه الربط بينها وبين الآيات في شروحاتهم التفسيريةنناسق الدرؤر في تناسب السور) الذي اختصره في كتابه (مراصد الإطلاع ف ، ثم انتهج جماعة من الباحثين المتأخرين نهجاً يسـتند والشيخ الغماري (ت إلى استجلاء الوحدة الموضوعية للسورة والآيات، وبيـان الوشائج العضوية التي تربط الآيات في موضوع واحد من السورة والسور وإن كانت محاولاتهم لهذا اللـون من التفسير امتداداً لمن سبقهم، فأفردت مؤلفاتهم ودراساتهم تحت عنوان (التفسير الموضوعي) و(الوحدة الموضوعية) ومن هذه المؤلفات: (مباحث في التفسير الموضوعي) لمصطفى مسلم، و(دراسات في التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) لزاهر بن عواص الألمعي، و(الوحدة الموضوعية في القرآن الكريم) لمحمد محمود حجازي، و(التفسير الموضوعي للقرآن الكريم) لأحمد السيد الكومي ومحمد أحمد يوسف القاسم، و(التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق) لصلاح عبد الفتاح الخالدي. ز. علم المناسبة تثبت به حكمة توقيفية الآيات والسور على وجه من التآلف والتعالق وأنها وحي من الله تعالى، فيتلاحم المكي مع المدني لإعجاز في الترتيب. ح. التفسير الموضوعي يمكن أن تفسر الموضوعات في ضوئه على طريقة الترتيب ولا يقف في بحثه على بيان مناسبة الآيات ببعضها وفق الترتيب النزولي المصحفي. 2 . وبناءً على ما تقدم نجد أنّ هناك نوعاً من التداخل بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي من خلال مواطن الاتفاق الآتية: أ. كلاهما ضابط من ضوابط التفسير؛ تثبت بهما الوحدة القرآنية، والإعجاز القرآني. 1 رضا (تفسير المنار)، وسعيد حوى (الأساس في التفسير) وغيرهم 2

عدد الصفحات ٩

المجلة العالمية لبحوث القرآن 80 ب. علم المناسبة وثيق الصلة بالتفسير الموضوعي فكلاهما يقف على أهداف السورة وأغراضها. ج. ارتباط علم المناسبة والتفسير الموضوعي بالأنواع الأخرى من التفاسـير: كالتفسير التحليلي والمقارن والإجمالي القرآن الكريم، والكشف عن مُراد الله ـ تعالى. د. اتفاق منهجية كل منهما في تعيين أسباب النزول والوقوف على مقاصد الآيات ومعرفة مكيّها ومدنيّها ثم تناولها بطريقة تحكم الروابط بينها وبين أغراضها بما يحقق الانسـجام فيها وضمن مواضعها من السورة. . اتجاه كل من التفسيرين (التناسبي والموضوعي) في تحديد معالم السـورة إلى تقسيمها مقاطع وفقرات، واستنباط مقاصد الآيات القرآنية في ضوئها. وينتهي بنا الأمر إلى القول إنَّ أغلب من بحث التفسير الموضوعي منذ انطلاقته الأولى وحتى نضجه على أيدي المفسرين قد تناولهـا بأنها التفاتة قرآنيـة تستجلي الوحدة الموضوعية للسورة في القرآن الكريم، وفاتهم أن يبرزوا الفرق بين التفسير الموضوعي للسورة القرآنية والمناسبات بين الآيات والسورة، إذ يتناول الأخير: الربط الجزئي بين كل آية وآية وسورة وسورة. أما التفسير الموضوعي فيقف على تحديد عناصر السورة القرآنية بحيث أنّ كل عنصر يناسبه مجموعة من الآيات قد تختلف في موضوعاتها الجزئية، لكنها تنتظم في سلك واحد تحت عنصر عام. وغاية الأمر أنّ بيان مقاصد السور قد بُحث سابقاً في علم التفسير ضمن علم ؛ثم طرأ حديثاً على التفسير مصطلح (التفسير الموضوعي) ليشمل هذا المناسبات المضمار 1 النزول، واختلاف المفسرين في الآية، وذكر حكم الآية وأحكامها ويزاد عليها تفصيل أقوال العلماء في مسألة فقهية أو نحوية أو بلاغية كلٌّ حسب اهتمامه، كما يهتمون بذكر الروابط والمناسبات بين الآيات. أما التفسير الإجمالي فمراده بيان الآيات القرآنية وعرض معانيها إجمالاً مع بيان غريب الألفاظ والربط بين المعاني في الآيات ووضعهـا ضمن عباراتها لتوضيح مقاصدهـا. أما التفسير المقارن فيهتم باستعراض ما كتبه المفسرون في الآية أو مجموعة الآيات المترابطة والموازنة بين آرائهم، وعرض استدلالاتهم: مقدمة في التفسير الموضوعي، محمد عبد العزيز الخضري، مجلة البيان، العدد ـ مقاصد السور وأثر ذلك في علم التفسير، صالح عبد العزيز آل الشيخ، شريط مفرّغ. 2 3

عدد الصفحات ١٠

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة 81 ثانياً: خطوات منهجية وضوابط علمية في علم المناسبة والتفسير الموضوعي وبعد تناول التحليل المفهومي لمصطلح كل من (علم المناسبة) و(التفسير الموضوعي)، لابد من تقديم أهم الضوابط المعتبرة في منهجيتهما: 1 .)1(خطوات منهجية علم المناسبة و. بيان فضائل كل سورة، ومكيّها أو مدنيّها، وعدد آيها. ز. بيان مقصود كل سورة ثم علاقة اسمها بالأهداف والمقاصد. ح. مناسبة السورة للسورة التي تليها. ط. المناسبة بين فاتحة السورة وختامها، وختام ما قبلها. ي. المناسبة بين خاتمة السورة وفاتحة ما بعدها. ك. مناسبة إجمال السورة لتفصيل ما بعدها، وتفصيل السورة لإجمال ما قبلها. ل. التناسب بين موضوعات السورة ومحورها (أي الموضوع الذي ترتكز عليه السورة). م. التناسب بين القصص إن وجدت وبين موضوع السورة. ن. المناسبة تشمل الوحدة الموضوعية لكل سورة؛ فضلاً عن وحدة موضوعات السور. س. هناك مناسبات عامة لكل سورة ومناسبات خاصة، منها ما هو ظاهر ومنها ما هو خفي، وأغلبها تناسبات يحكمها الذوق تتراءى للمجتهد في التفسير القائم اجتهاده على التدبر؛لأنّ النظم الترتيبي عند البقاعي أعلى من النظم التركيبي فيدعو إلى المناسبات الذهنية وليس القواعدية. ع. تناسب السور في مضامينها، فقد تكون إحدى السور مقابلة للأخرى على ما ذكر السيوطي أنّ سورة الكوثر تقابل ما قبلها من سورة الماعون، وقد تتناسب السور لاتحاد الموضوع، وهناك من السور مما يكون معترضاً بين السور الأخرى 1 والسور مع ما كُتب مستقبلاً عن علم المناسبة تصنيفاً وبحثاً، وقد اجتهدت الباحثة في تطبيق تلك المنهجية على سورة البقرة في كتابها (دلالات الترتيب والتركيب في سورة البقرة ـ دراسة لغوية في ضوء علم المناسبة). 2

عدد الصفحات ١١

المجلة العالمية لبحوث القرآن 82 كما يذكر السيوطي أنّ سورة المائدة وإن جاءت بعد سورة النساء من حيث الترتيب العثماني ومع وجود المناسبة القوية بينها وبين النساء، إلاّ أنّ لها اعتلاقاً بسورة البقرة وآل عمران من وجوه المناسبات. ف. تناسب الآيات فيما بينها تناسباً ترتيبياً وتركيبياً، لأن مهمة علم المناسبة البحث عن مواطن انقطاع الآي، وإيجاد العلاقات التي تحكم المناسبات بين الآيات. ص. التناسب الدلالي بين الآيات، ويتناول: 1 . التناسب بين صدر الآية وخاتمة ما قبلها ‰ التناسب بين صدر الآية وما قبلها من الآيات‰ التناسب بين جزء الآية وصدرها ‰ التناسب بين ختام الآية وصدرها ‰ التناسب بين ختام الآية ومضمون ما قبلها‰ التناسب بين ختام الآية وختام ما قبلها ‰ 2 . إجمال وتفصيل‰ دليل وبرهان ‰ سبب ونتيجة‰ احتجاج‰ تكميل وتوضيح‰ سؤال وجواب ‰ تأكيـد‰ اعتراض ‰ 1

عدد الصفحات ١٢

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة 83 التناسب في النظم المعنوي والتركيبي 3 . 4 . 5 . 6 . 7 . 8 . تناسب هيئة التشبيه‰ تناسب هيئة الاستعارة ‰ تناسب الأضداد‰ تناسب التقابل‰ تناسب الفواصل‰ تناسب التكرار ‰ يتعاضد علم المناسبة مع علم أسباب النزول في الكشف عن مُراد الله تعالى في كتابه ر. العزيز وكلاهما يسعى لتخصيص عام أو تقييد مطلق أو تبيين مجمل 2 .)3(خطوات منهجية للتفسير الموضوعي 1 . 2 . (القيم في سورة الكهف)، مع بيان الوحدة الموضوعية لكل تقسيم 3 . القضايا العقدية‰ 1 المناسبة هي إيجاد “ علل الترتيب والتركيب “ في النص القرآني بوصفه بناءً لغوياً مترابط الأجزاء ومتلاحم المعاني. 2 3 التفسير الموضوعي ص

عدد الصفحات ١٣

المجلة العالمية لبحوث القرآن 84 ب- الأحكام الشرعية ‰ ج- الأخلاق الإسلامية والآداب الشرعية ‰ . ‰ د- الجوانب التربوية 4 . 5 . كل ذلك بعنوان السورة 6 . من آيات لم ترد فيها، بل يكون منطلقه آيات ومباحث ومقاطع السورة، وتُذكـر الآيات الأخرى على سبيل الاستشهاد والاستئناس والتوكيد لا التأصيل. 7 . السورة الواقعية، وكيفية معالجتها لمشكلات الإنسان المعاصر والضوابط المعتبرة في تفسير السورة والكشف عن مقاصدها وأهدافها (علم المناسبة) و(التفسير الموضوعي) هي: 1 . حكمها لإدراك مقاصدها 2 . صحيح الغايات والأهداف، فيجعل لكل سورة موضوعاً واحداً تدور حوله يتناقض مع التفسير 3 . أو تصادم 4 . 1 2( 2 لأن محلها التفسير، وأمرها قائم على الاجتهاد 3 4 5

عدد الصفحات ١٤

بين علم المناسبة والتفسير الموضوعي للقرآن الكريم: دراسة منهجية مقارنة 85 والموضوعية، ولا يجوز له مخالفتها أو الخروج عليها وبعد هذه النظرة الكلية لكل من مصطلحي (علم المناسبة) و(التفسير الموضوعي) ومنهجية كلّ منهما في تفسير كتاب الله ـ تعالى ـ يمكن القول إنَّّ القرآن الكريم لا ينضب إعجازه، وله في التفسير مناحٍ تعرب عن مقاصده وأهدافه وتعالج كثيراً من مشكلات الواقع بهديه واستنباطاته، وما من نهجٍ تفسيري إلاّ استكمل به سابقه وأعانه في الجدة والاجتهاد للكشف عن روعة إعجاز القرآن في وحدته الموضوعية. نتائج البحث علم المناسبة من علوم القرآن الكريم، موضوعه إظهار المناسبات بين ‰ الآيات والسور على وجه يتبين به النظم بين كل آية وآية وسورة وسورة، وأهميته تكمن في إثبات حكمة توقيفية الآيات والسور وأنها بوحي من الله تعالى. طرأ على التفسير حديثًا مصطلح التفسير الموضوعي، وهو يشمل القضايا ‰ التي يتناولها القرآن الكريم حسب مقاصده ويعالج بها الواقع قلّة الدراسات والمصنفات في التفسير الموضوعي قياساً بالتفسير الموضعي ‰ التحليلي المناسبة تؤكد الوحدة الموضوعية للقرآن الكريم من خلال وحدة موضوعات ‰ السورة والسور، فهي إذاً وثيقة الصلة بالتفسير الموضوعي، الذي يقع ضمنها. إنّ نظرية الوحدة الموضوعية التي نشأت عنها مدارس التفسير الموضوعي ‰ جاءت متأخرة عن علم المناسبة الذي استقر مصطلحاً من مصطلحات علوم القرآن الكريم. تردد مصطلحا (الوحدة الموضوعية) و(التفسير الموضوعي) عند من صنّف ‰ فيهما من المتأخرين، وأنهما ذوا دلالة واحدة عند من كتب فيهما لكل من التفسيرين (التناسبي والموضوعي) مواطن اتفاق وافتراق، إذ كلاهما ‰ ضابط من ضوابط التفسير في بيان الوحدة الموضوعية للسورة القرآنية، مع فارق دقيق يعني به علم المناسبة وهو إثبات توقيفية الآيات والسور، وعناية 1

عدد الصفحات ١٥

المجلة العالمية لبحوث القرآن 86 التفسير الموضوعي بالترتيب النزولي في أغلب بحثه أوترتيب موضوعاته كشف البحث من الخطوات المنهجية لعلم المناسبة أنها حجة عقلية ‰ على المفسر في بيان النظم الترتيبي والتركيبي للآيات والسور، وتتحقق فيه كل المباحث اللغوية، فهو ثمرة علوم كثيرة مفادها تدبر خصائص النظم القرآني. وكشف البحث من الخطوات المنهجية للتفسير الموضوعي أنّه لا غنى ‰ عنه لأي مفسر في جعل المعاني والأهداف القرآنية واحدة على نسق من الترتيب الموضوعي الموافق للسياق، وعدم إغفال ارتباطه بالواقع حسب المقاصد القرآنية، فهو منهج دعوة وصلاح للموضوع المبحوث فيه. إنّ النص القرآني في إعجـازه بنظمه لا يمكن تناوله بمعـزل عن سـياقه الداخلي ـ ترابط ‰ العلاقات ـ ضمن علم شريف هو علم المناسبة، ولا يبتعد أيضاً عن سياقه الخارجي المقام في إظهار ربط السابق باللاحق من الآيات على نسق موضوعي مترابط ضمن (التفسير الموضوعي)، وصولاً للغايات والمضامين القرآنية. المصادر والمراجع أولاً: الكتب المطبوعة الإتقان في علوم القرآن، جلال الدين عبد الرحمن بن أبي بكر السيوطي، تحقيق: محمد أبو الفضل ابراهيم، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، 1975 الأساس في التفسير، سعيد حوى، ط 1989 تفسير القرآن الكريم (الأجزاء العشرة الأولى)، محمود شلتوت، ط ، بيروت، التفسير الموضوعي بين النظرية والتطبيق ، دراسة نظرية تطبيقية مرفقة بنماذج ولطائف التفسير الموضوعي، د. صلاح عبد الفتاح الخالدي، ط الأردن،

عدد الصفحات ١٦